542185

الجميلة والكزرة

 الكزرة: اسم يطلق على الأحياء الشعبية في نواكشوط، وأصله “كزر” (في العامية)، ويعني اغتصب جزء من الأرض ، حيث كان بعض ساكنة العاصمة القادمين من أعماق الصحراء – وغيرهم -، يحتلون مواقع في أطرافها، يبنون عليها بعض الأعرشة والأكواخ في انتظار أن تهبها لهم الدولة مما تسبب في انتشار العشوائية وانعدام النظام !

يقولون ان الفقر يلجم الصالحين فيمنعهم من الكلام، ويدفعهم إلى الإنزواء بعيدا عن الأنظار، فيجلسون القرفصاء صامتين في أماكنهم النائية الباردة في انتظار رصاصة الرحمة التي تنهي معاناتهم !
يجوعون ويحزنون وتنهمر الدموع من أعينهم كلما عجزوا عن كبت حاجة ملحة يختلط العوز فيها بالقهر والحسرة والألم..
تراهم في “كزراتهم” المتهالكة يصارعون الجوع والعطش والحر والبرد في انتظار  معجزة تنتشلهم من ذلك العناء المرير
!

كانت ليلة صيفية مظلمة لم يتوقع أن تهب فيها تلك العاصفة المتبوعة بذلك المطر الغزير الذي أفرح الأرض وما عليها..
خرج من منزل أهله في “تفرغ زين” – أرقى أحياء العاصمة – باحثا عما يشبع نهمه الغريزي، مرددا جملته التي اعتاد عليها كلما امتطى سيارته الفارهة: “في مكان ما من هذه المدينة المزبلة توجد جميلة تحتاجني وأحتاجها”..

كان في منتصف العمر، أمضى شبابه بحثا عن الضحكات المثيرة واللمسات الشيطانية التي تغذي جوع الباحثين عن الحرام ! 

كانت الغيوم تتجمع في السماء لحظة خروجه، فأدار محرك سيارته التي اهدته والدته رغم كِبره على الهدايا! وبدأ جولته المعهودة التي تستمر من مغرب كل ليلة إلى ما بعد منتصفها
..
لم يكن في ذلك اليوم محظوظا، فلم تستجب لمغازلاته المختلطة بضحكاته المفتعلة أي فتاة.. ومر الوقت سريعا دون أن تنجح محاولاته المتكررة في جلب صيد وفير.. أخيرا قادته عجلات سيارته المندفعة إلى “كزرة” نائية تناثرت أعرشتها على كثبان الرمال..
أوقف السيارة على حافة الطريق وترجل منها وهو يتمتم: لقد تعبت من هذه الآلة المملة، سأستخدم رجلي على رأي ذلك الصديق الذي طالما ضاق ذرعا بي وبها: “لم لا ننزل ونتمشى خير لنا من هذه السيارة المملة ؟!”..

أفرغ على ثيابه ما تبقى من زجاجة عطر ثمين يحملها في حله وترحاله، وتقدم متبخترا كعادته، كانت الأرض – الغير سعيدة بمشيته – تنبض من تحت قدميه حنقا وغيظا!
لاحت له من بعيد قطع الدومينو التي تتشكل منها الكزرة، وهي عبارة عن أبنية متهالكة وأكواخ وخيام بدت كأشباح مخيفة في ذلك الظلام.. شق طريقه من بينها فاضطر إلى اقتحام بعض الكزرات على رؤوس أهلها الغير مطمئنين لإنعدام الطريق..

أخيرا وجد نفسه تحت شجرة نائية وحيدا في الظلام.. تعالى أذان صلاة العشاء في اللحظة التي أضاء فيها البرق، فتأمل الشجرة المنتوفة التي يقف تحتها، وأحس بقشعريرة وهو يذكر اسم ربه خوفا من شياطينها!
هتف في قرارة نفسه: ها أنا ذا كالعادة تائه في مجابات الدنيا ! تذكر قول المغاربة: “اللي يتبع القحاب يبات في الزنقة”..
دوى الرعد مزلزلا، وبدأت بوادر العاصفة تعبث بما حوله، فهمس لنفسه: هكذا يتغير الحال بلا مقدمات، فإلى متى أركض في طريق الشيطان؟
صاح بدون شعور: ستكون آخر مرة! أقسم على ذلك.
دعا ربه في تلك اللحظة أن يرزقه التوبة والإستقرار.

هبت العاصفة متحدية الدنيا، واختلط الحابل بالنابل، فأدار نظره باحثا عن ملجأ يأوي إليه هربا من قطعة خشب أو قصدير أو سقف يصيبه في رأسه!
لاح له شبح امرأة من بعيد.. كانت تثبت سياج كزرتها بعناء، فاندفع نحوها بدون وعي.. كانت تصارع الريح العاتية بضعف وعجز، فسلم عليها ورمى بنفسه على السياج لمساعدتها، وانهى المهمة في ثوان، ولأول مرة في حياته أحس بأنه قادر على إصلاح شيء مثل بقية الناس..
بدأ المطر في الإنهمار كماء مصبوب من أفواه القرب، فأسرعت المرأة إلى داخل كوخها محتمية، فهم بالعودة إلى شجرته المرعبة، فنادته بحياء: أسرع بالدخول لا يصيبك المطر، فأقبل على الكوخ.

تأمل محتويات الكوخ المثيرة للشفقة، فإذا فراش متواضع لعبت به السنون والأرضة، وصحون مسودة تناثرت دون انتظام حول قدر متسخ، وثلاث بنات مشرقات كالبدور أكبرهن في العاشرة من عمرها..
كان الكوخ والسياج إضافة إلى “بنطرة” – دكان قصدير صغير – لا يتجاوز عرضها المترين، كل ما تملك تلك الأسرة الصغيرة في ذلك المكان المنسي!
جلس في وسط الكوخ وهو يبتسم للأعين البريئة التي تتأمله.. كانت رائحة عطره النفاذة قد طغت على المكان، فأحس للأول مرة بالحرج منها!
شعر بعطف شديد على الصغيرات وعلى صاحبتهن التي اندفعت رغم المطر نحو البنطرة لتعود بمعدات الشاي متواضعة لتصنع له شايا لم يذق مثله في حياته!
تأملها للحظات باحثا عن وجهها، فلم يستطع تبينه بسبب النور الخافت الذي ينبعث من شمعة محتضرة..

كانت مطرقة طوال الوقت لم ترفع رأسها إلا عندما سلم عليها عند السياج، فسألها: أليس معكن رجل؟ أجابته: لا ؟ فسأل: لماذا ؟ أجابته الصغرى: نحن أيتام لا رجال معنا، وهذه أختنا – أشارت إليها – التي تقوم بشؤوننا!
إلتفت إليها بإشفاق، وسألها: هل أنت موظفة في الدولة؟ أجابته: بل عاطلة عن العمل، لكن في “البنطرة” خير!
هتف بحنق: اللعنة على حكومة رئيس الفقراء، أقسم أن البنطرة خير منها!
دقق فيها، كانت من فصيلة النساء اللواتي يراهن في أروع أحلامه، ولأول مرة وجد نفسه يفكر فيما ينفعه..


بدأ المطر في الإنحسار فهب نسيم منعش أعاد إلى النفوس طمأنينتها، سألها: هل أنت متزوجة؟
كان السؤال مباغتا إلى درجة أنها رفعت وجهها إليه لأول مرة، وعندما رآه تأكد من أنه قد عثر على مبتغاه..

سمع ضحكات خافتة في الكوخ، فالتفت إلى مصدرها، فرأى السعادة تتلألأ على وجوه الصغيرات ابتهاجا باللحظات الممتعة التي تعقب المطر، ابتسم لهن ثم عاد بنظره إلى صاحبته التي عادت بنظرها إلى الأرض..
أعاد عليها السؤال ثانية، فهتفت الكبرى: لن تجيبك فهي قليلة الكلام جدا !

صاحت فيها: اصمتي !

كان المطر قد توقف تماما في تلك اللحظات، وارتفع صوت الإقامة منذرا ببدء الصلاة، فهب واقفا وهو يشكر الفتاة على المأوى، ووعدها بالعودة قريبا، وخطا مسرعا نحو المسجد ليدرك صلاة العشاء ونفسه تحدثه لأول مرة بالإستقرار..

كانت الغشاوة التي تحجب السماء تتلاشى شيئا فشيئا كالغشاوة التي تحجب نور قلبه، فبرز البدر من بين الغيوم لينير الدنيا كما برز وجهها الجميل في مخيلته لينير الطريق.. التفت إلى الكوخ فرآها متسمرة على مدخله وقد التفت الصغيرات حولها وهن ينظرن إليه برجاء!
لوح لهن بيده وهو يبتسم بعطف، وخطا نحو المسجد الخشبي الصغير، وقد قرر أن يتجاوز كل العراقيل التي يبثها الملعون في طريقه، وأن لا يفعل بعد اليوم إلا الصواب.. والصواب وحده..

سيد محمد اخليل

  • شارك الموضوع
Share on facebook
Facebook
Share on google
Google+
Share on twitter
Twitter
Share on linkedin
LinkedIn
Share on pinterest
Pinterest
error: Content is protected !!