216421

الكلام في أخطاء العلماء بين النصح والتحامل والبدعة

بسم الله الرحمن الرحيم – 
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه:
قد يسيء البعض فهم مسألة “الإعتراض على العلماء”، فيعتقد أن كل من يحمل وصف “عالم” أو “شيخ” محصن ضد الخطأ أو الإعتراض عليه (من طرف العالم بخطئه)، فهو كغيره بشر يخطئ ويصيب، ويعذر عند الخطأ عن اجتهاد، وخطؤه ذلك لا ينزع عنه لباس العلم ، ولا يجعله سواء مع منتقده (من غير أهل العلم)، فيكفيه شرفا أنه عالم موقع عن الله تعالى. فلا يجوز انتقاده من منطلق غير سليم، وستعرف في هذا الملخص أسس ذلك المنطلق السليم بعون الله.
وأذكر أني في بداية اعتراضي على عدم تحذير بعضهم من أهل البدع ، أن الشبكات الإجتماعية – التي يسيطر عليها الجهل واتباع الهوى -، دفعتني إلى المبالغة في التأكيد على أن أولئك العلماء مجرد بشر مما جعلني – كردة فعل على المبالغة في تقديسهم – إلى الإقتراب من أشخاصهم بعيدا عن أخطائهم التي هي أساس الأخذ والرد، وذلك خط أحمر – حتى مع غير العلماء، فالمناقَش هو الرأي لا شخص صاحبه -، والسبب هو تعصب بعض المحبين لهم مقابل الحط من قدر كل متكلم فيهم دون اعتبار للخطأ المتكلم فيه، فعلمت أن ذلك الأخذ والرد مع أولئك المتعصبين مآله إلى بغض أولئك العلماء والوقوع فيهم بغير وجه حق .
وهذا التعصب المقيت شعار كل الأتباع، فهو موجود في الصوفية والشيعة والإخوان (في الصغار المغترين بالإخوان اليوم منه العجب، فتأمل في ذلك)، بل حتى في أتباع علماء السلفية، ولو كان منبعه صحيحا لكان الرد على المنتقد بالدليل الراد لإنتقاده أولى من سبه وتسفيه رأيه بغير وجه حق، خصوصا إذا كان الخطأ  ثابتا كثناء بعضهم على طوائف أهل البدع، لكن ما العمل فأغلب الذين يسبون معذورون بالجهل، فهم بلا علم يردوا به، والشبكات الإجتماعية تعلمهم السب والشتم وكثير من السلبيات أولها معاداة العلماء دون المرور باخطائهم، وهذا ما لا نرغب فيه ، وقد يوصل إليه سوء فهم بعضهم للإعتراض على الأخطاء ، فتصبح النصيحة بذلك وسيلة إلى إحتقار البعض للعلماء ، وهو ما لا يريده الصادقون .
فهدف بعض الحشرات العلمانية التي تقيم بيننا رافعة شعار الكفر والكفار (الديمقراطية) هو إسقاط حرمة الدين ، ويلتقطون أي خيط يقودهم إلى ذلك ، ومن بين تلك الخطوط ما ينقص من أقدار العلماء .
من أجل ذلك جمعت هذا المجموع المعرف بحرمة العلماء وطرق الإعتراض عليهم، متمنيا من الله العلي العظيم أن ينفعني به وإياكم في زمن اختلط الحابل بالنابل فيه حقا.

سيد محمد ولد أخليل

1- أصول الحكم على المبتدعة عند شيخ الإسلام ابن تيمية
جمع الدكتور أحمد الحليبي
النص الموجود في المكتبة الشاملة متوقف عند الصفحة 51، لذا قمت بنقل ملخص البقية يدويا (بتصرف تفاديا للإطالة).
وهذا الكتاب من أنفع الكتب المعرفة بمنهج أهل العلم في التعامل مع البدع، وسأضيف بعده مقتطفات من أقوال العلماء والدعاة وأهل الإختصاص في هذه المسألة، فلنبدأ على بركة الله. 

تعريف ابن تيمية – رحمه الله – للسنة:
يرى أن السنة من الفعل هي : (ما قام الدليل الشرعي عليه بأنه طاعة لله ورسوله، سواء فعله رسول الله صلى الله عليه و سلم، أو فُعل على زمانه، أم لم يفعله ولم يفعل على زمانه، لعدم المقتضي حينئذ لفعله ، أو وجود المانع منه، فإنه إذا ثبت أنه أمر به أو استحبه فهو سنة، كما أمر بإجلاء اليهود والنصارى من جزيرة العرب ، وكما جمع الصحابة القرآن في المصحف، وكما داوموا على قيام رمضان في المسجد جماعة.
قصد الشيخ في هذا التعريف، المعنى العام للسنة، وهو الطريقة الموافقة لهدي الرسول صلى الله عليه و سلم وعمل الصحابة رضي الله عنهم، ولا سيما الخلفاء الراشدون، وقد استقاه من وصية رسول الله صلى الله عليه و سلم : (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، تمسكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومُحْدَثَات الأمور، فإن كُلَّ مُحدثةٍ بدعةٌ، وكلَّ بدعةٍ ضلالة).

مَن هم أهل السنة ؟
يرى أنهم المتبعون لسلف الأمة، الذين عاشوا في القرون الثلاثة المفضلة، وحازوا كل فضيلة، وثبت لهم ذلك بالضرورة، وأنه (من المعلوم بالضرورة لمن تدبر الكتاب والسنة، وما اتفق عليه أهل السنة والجماعة من جميع الطوائف، أن خير قرون هذه الأمة في الأعمال والأقوال والاعتقاد القرن الأول، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم ، كما ثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه و سلم من غير وجه، وأنهم أفضل من الخلف في كل فضيلة، من علم وعمل وإيمان وعقل ودين وبيان وعبادة، وأنهم أولى بالبيان لكل مشكل. قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما : (مَن كان منكم مستنًا فليستن بمن قد مات، أولئك أصحاب محمد صلى الله عليه و سلم كانوا خير هذه الأمة، أبرها قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلها تكلفًا. قوم اختارهم الله لصحبة نبيه، ونقل دينه، فتشبهوا بأخلاقهم وطرائقهم، فهم أصحاب محمد صلى الله عليه و سلم، كانوا على الهدى المستقيم).
وقال غيره : (عليكم بآثار مَن سَلَف، فإنهم جاءوا بما يكفي ويشفي، ولم يحدث بعدهم خير كامن لم يعلموه)، وقال الإمام الشافعي: (هم فوقنا في كل علم وعقل ودين وفضل، وكل سبب يُنال به علم أو يُدرك به هوى، ورأيهم لنا خير من رأينا لأنفسنا).
وحَدَّدَ رحمه الله أهل السنة والجماعة، فقال : (أهل السنة والجماعة من الصحابة جميعهم والتابعين، وأئمة أهل السنة وأهل الحديث، وجماهير الفقهاء والصوفية، مثل مالك والثوري والأوزاعي وحماد بن زيد، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وغيرهم، ومحققي أهل الكلام، فلم يحصر أهل السنة والجماعة في مدرسة معينة، لأن طريق السنة يتسع لكل من اعتصم بها، واتبع آثار السلف رحمهم الله تعالى).
(أقول من موقع أفكار: المقصود بالصوفية أوائل الزهاد الذين كان فيهم خير كثير رغم مخالفتهم إلى بعض الأمور كتركهم للمباحات وغير ذلك، لا الطرق التي ظهرت بعد القرن السادس، والتي تقوم كلها على فكرة الحلول والإتحاد، كالطرق الصوفية المعروفة اليوم في العالم الإسلامي، فهذه تقوم على تلك النظرية وتمجد أصحابها كابن عربي والحلاج وغيرهما).

طريقة أهل السنة: 
بين الإمام ابن تيمية أن (طريقة أهل السنة والجماعة، اتباع آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم باطنًا وظاهرًا، واتباع سبيل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، واتباع وصية رسول الله صلى الله عليه و سلم حيث قال : (عليكم بسنتي) إلى آخر الحديث، فهم إنما سُموا بأهل السنة لهذا المعنى، وسُموا أهل الجماعة لأن الجماعة هي الاجتماع، وضدها الفُرقة، نسبة إلى الأصل الثالث وهو الإجماع، ويقصد به الإجماع المنضبط، وهو ما كان عليه السلف الصالح، إذ بَعْدَهم كَثُر الاختلاف، وافترقت الأمة.
وإنما كان السلف على السنة، لأن غاية ما عندهم أن يكونوا موافقين لرسول الله صلى الله عليه و سلم، ولأن عامة ما عندهم من العلم والإيمان استفادوه منه صلى الله عليه و سلم، الذي أخرجهم الله به من الظلمات إلى النور، وهداهم به إلى صراط العزيز الحميد، لذا كان الحق معهم، لأن (الحق دائمًا مع سنة رسول الله صلى الله عليه و سلم وآثاره الصحيحة، وأن كل طائفة تضاف إلى غيره إذا انفردت بقول عن سائر الأمة، لم يكن القول الذي انفردت به إلا خطأ، بخلاف المضاف إليه أهل السنة والحديث، فإن الصواب معهم دائمًا، ومَن وافقهم كان الصواب معه دائمًا لموافقته إياهم، ومن خالفهم فإن الصواب معهم دونه في جميع أمور الدين، فإن الحق مع الرسول صلى الله عليه و سلم، فمن كان أعلم بسنته وأَتْبَع لها كان الصواب معه، وهؤلاء هم الذين لا ينتصرون إلا لقوله، ولا يضافون إلا إليه، وهم أعلم الناس بسنته، وأتبع لها، وأكثر سلف الأمة كذلك، لكن التفرق والاختلاف كثير في المتأخرين).
لذا كانت متابعة السلف شعارًا للتمييز بين أهل السنة وأهل البدعة، كما قال الإمام أحمد في رسالة عبدوس بن مالك: (أصول السنة عندنا : التمسك بما كان عليه أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم)، فعلم أن شعار أهل البدع هو ترك انتحال اتباع السلف.. ولما كان الرافضة أشهر الطوائف بالبدعة، حتى إن العامة لا تعرف من شعائر البدع إلا الرفض، صار السني في اصطلاحهم مَن لا يكون رافضيًا، وذلك لأنهم أكثر مخالفة للأحاديث النبوية ولمعاني القرآن، وأكثر قدحًا في سلف الأمة وأئمتها، وطعنًا في جمهور الأمة من جميع الطوائف، فلما كانوا أبعد عن متابعة السلف كانوا أشهر بالبدعة، وهناك طوائف أقرب منهم إلى طريقة السلف مثل متكلمة أهل الإثبات من الكُلاَّبية والكرامية والأشعرية مع الفقهاء والصوفية وأهل الحديث، فهؤلاء في الجملة لا يطعنون في السلف، بل قد يوافقونهم في أكثر جمل مقالاتهم، لكن كل من كان بالحديث من هؤلاء أعلم، كان بمذهب السلف أعلم، وله أتبع، وإنما يوجد تعظيم السلف عند كل طائفة بقدر استنانها، وقلة ابتداعها).

تعريفه للبدعة:
يرى البدعة في مقابل السنة، وهي : (ما خالفت الكتاب والسنة أو إجماع سلف الأمة من الاعتقادات والعبادات)، أو هي بمعنى أعم : (ما لم يشرعه الله من الدين. فكل من دان بشيء لم يشرعه الله فذاك بدعة، وإن كان متأولاً فيه)، أي مما استحدثه الناس، ولم يكن له مستند في الشريعة.

وهي (نوعان : نوع في الأقوال والاعتقادات، ونوع في الأفعال والعبادات، وهذا الثاني يتضمن الأول، كما أن الأول يدعو إلى الثاني)، فمثال الأول في الأقوال : بدعة الأوراد المحدثة، وفي الاعتقادات : بدعة الرافضة والخوارج، والمعتزلة، والمرجئة، والجهمية. ومثال الثاني في الأفعال : لبس الصوف عبادةً، وعمل المولد، وفي العبادات، الجهر بالنية في الصلاة، والأذان في العيدين.

تفاوت البدعة:
يرى أن البدعة تكون باطلاً على قدر ما فيها من مخالفة للكتاب والسنة، وابتعاد عن متابعة السلف، فهي ليست باطلاً محضًا، إذ لو كانت كذلك لظهرت وبانت وما قُبلت، كما أنها ليست حقًا محضًا لا شوب فيه، وإلا كانت موافقة للسنة التي لا تناقض حقًا محضًا لا باطل فيه، وإنما تشتمل على حق وباطل، وعلى هذا يكون بعضها أشد من بعض، ويكون أهلها (على درجات : منهم من يكون قد خالف السنة في أصول عظيمة، ومنهم من يكون إنما خالف السنة في أمور دقيقة).
وهذا التفاوت يقع في مسائل العقيدة والعبادة على حد سواء، فإن (الجليل من كل واحد من الصنفين، مسائل أصول، والدقيق مسائل فروع). وما درج عليه الناس من تسمية مسائل العقيدة الخبرية بالأصول، ومسائل العبادة العملية بالفروع، تسمية محدثة، قسمها طائفة من الفقهاء المتكلمين، وأما جمهور الفقهاء المحققين والصوفية فعندهم أن المسائل العملية آكد وأهم من المسائل الخبرية المتنازع فيها، لذا كثر كلامهم فيها، وكرهوا الكلام في الأخرى، كما أثر ذلك عن مالك وغيره من أهل المدينة.
وقد أشار الشيخ إلى هذا التفاوت من حيث قُرب الفِرَق وبُعْدها عن الحق قائلاً : (وأصحاب ابن كلاب كالحارث المحاسبي، وأبي العباس القلانسي، ونحوهما، خير من الأشعرية في هذا وهذا، وكلما كان الرجل إلى السلف والأئمة أقرب، كان قوله أعلى وأفضل).

تأكيده على العمل بالسنة :
يؤكد شيخ الإسلام على أنه لا عاصم من الوقوع في الباطل إلا بملازمة السنة، ذلك أن (السنة مثال سفينة نوح عليه السلام، من رَكِبَها نجا، ومن تَخَلَّف عنها غرق، قال الزهري: كان من مضى من علمائنا يقولون : الاعتصام بالسنة نجاة)، لذا فإن المبتدعة لما كانوا مخالفين للسنة، وقعوا في الباطل وإن كانوا متأولين، لأنهم اتبعوا الهوى، وضلوا طريق السنة المنصوب على العلم والعدل والهدى، ومن هُنا سُمي أصحاب البدع، أصحاب الأهواء.
أما أهل العلم والإيمان من السلف، فإنهم تمسكوا بالسنة، وكان منهجهم على النقيض من منهج المبتدعة، فهم (يجعلون كلام الله ورسوله هو الأصل الذي يعتمد عليه، وإليه يرد ما تنازع الناس فيه، فما وافقه كان حقًا، وما خالفه كان باطلاً، ومن كان قصده متابعته من المؤمنين، وأخطأ بعد اجتهاده الذي استفرغ به وسعه، غفر الله له خطأه، سواء كان خطؤه في المسائل العلمية الخبرية أو المسائل العملية، فإنه ليس كل ما كان معلومًا متيقنًا لبعض الناس، يجب أن يكون معلومًا متيقنًا لغيره، وليس كل ما قاله رسول الله صلى الله عليه و سلم يعلمه كل الناس ويفهمونه، بل كثير منهم لم يسمع كثيرًا منه، وكثير منهم قد يشتبه عليه ما أراده، وإن كان كلامه في نفسه محكمًا مقرونًا بما يبين مراده).
لكن إذا لم يُتَّبَع منهج السلف، فإنه يُخاف على المنتسبين إلى العلم والنظر العقلي، وما يَتْبَع ذلك، من الوقوع في بدعة الأقوال والاعتقادات، ويُخاف على المنتسبين إلى العبادة والإرادة، وما يَتْبَع ذلك، من الوقوع في بدعة الأفعال والعبادات، وكل ذلك من الضلال والبغي، وقد أُمر المسلم أن يقول في صلاته : (اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين)، آمين، وصح عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال : (اليهود مغضوب عليهم، والنصارى ضالون)، قال سفيان بن عيينة: “كانوا يقولون: من فَسَد من العلماء ففيه شبه من اليهود، ومن فسد من العُبَّاد ففيه شبه من النصارى. وكان السلف يقولون: احذروا فتنة العَالِم الفاجر، والعابد الجاهل، فإن فتنتهما فتنة لكل مفتون، فطالب العلم إن لم يقترن بطلبه فِعْلُ ما يجب عليه، وتَرْكُ ما يحرم عليه من الاعتصام بالكتاب والسنة، وإلا وقع في الضلال”.

تحذيره من البدعة، وبيانه لوجه فسادها:
حذر الشيخ من البدعة، وبين أنها أشر من المعصية لذم رسول الله صلى الله عليه و سلم إياها في قوله : (شر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة)، وفي رواية : (وكل ضلالة في النار). وذمه عليه الصلاة والسلام الواقعين فيها، في ذمه للرجل الذي اعترض على رسول الله صلى الله عليه و سلم في قسمته، فقال فيه : (يَخْرُجُ مِنْ ضِئْضِئي هذا قومٌ يَحْقِرُ أحدُكُم صلاتَهُ مَعَ صَلاتِهِم، وصيامَهُ مَعَ صِيَامِهِم، وقِرَاءَتَه مَعَ قِرَاءتِهم، يقرؤونَ القرآنَ لا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُم، يَمْرُقُون مِنَ الإسلامِ كما يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّة، لَئِن أدركتُهُم لأَقْتُلَنَّهم قَتلَ عاد). وفي رواية : (لو يعلمُ الذين يقاتلونهم ماذا لهم عن لسان محمدٍ لاتَّكَلُوا عن العمل). وفي رواية : (شر قَتْلَى تحتَ أديمِ السماء، خير قَتْلَى مَنْ قَتَلُوه).
قال الشيخ معلقًا على هذا الحديث : (فهؤلاء مع كثرة صلاتهم وصيامهم وقراءتهم، وما هم عليه من العبادة والزهادة، أمر النبيُ صلى الله عليه و سلم بقتلهم، وقَتَلَهم علي بن أبي طالب ومَن معه من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم، وذلك لخروجهم عن سُنة النبي وشريعته، وأظن أني ذكرتُ قول الشافعي : لأن يُبتلى العبد بكل ذنب، ما خلا الشرك بالله، خير من أن يُبتلى بشيء من هذه الأهواء).

كما بين الشيخ أن فساد البدعة وضررها من وجهين :
الأول : أن البدع مفسدة للقلوب، مزاحمة للسنة في إصلاح النفوس، فهي أشبه ما تكون بالطعام الخبيث، وفي هذا المعنى يقول (الشرائع أغذية القلوب، فمتى اغتذت القلوب بالبدع لم يبق فيها فضل للسنن، فتكون بمنزلة من اغتذى بالطعام الخبيث).
الثاني : أن البدع معارضة للسنن، تقود أصحابها إلى الاعتقادات الباطلة والأعمال الفاسدة والخروج عن الشريعة، وفي هذا المعنى يقول : مبينًا أن (من أسباب هذه الاعتقادات والأحوال الفاسدة، الخروج عن الشِّرعة والمنهاج، الذي بعث به الرسول صلى الله عليه و سلم إلينا، فإن البدع هي مبادئ الكفر ومظان الكفر، كما أن السنن المشروعة هي مظاهر الإيمان، ومقوية للإيمان، فإنه يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية)، وهذا ظاهر في منهج المبتدعة، القائم على معارضة الكتاب والسنة، لمَّا (جعلوا أقوالهم التي ابتدعوها هي الأقوال المحكمة، التي جعلوها أصول دينهم، وجعلوا قول الله ورسوله من المجمل الذي لا يُستفاد منه علم ولا هدى، فجعلوا المتشابه من كلامهم هو المحكم، والمحكم من كلام الله ورسوله هو المتشابه، كما يجعل الجهمية من المتفلسفة والمعتزلة ونحوهم، ما أحدثوه من الأقوال التي نفوا بها صفات الله، ونفوا بها رؤيته في الآخرة، وعُلُوه على خَلْقه، وكون القرآن كلامه ونحو ذلك، جعلوا تلك الأقوال محكمة، وجعلوا قول الله ورسوله مؤولاً عليها، أو مردودًا، أو غير ملتفت إليه، ولا متلقى للهدى منه).

الأصل الأول : الاعتذار لأهل الصلاح والفضل عما وقعوا فيه من بدعة عن اجتهاد، وحمل كلامهم المحتمل على أحسن محمل
لا ريب أن المجتهد إذا أخطأ فيما يسوغ فيه الاجتهاد، يعفى عنه خطؤه، ويثاب، لقول رسول الله صلى الله عليه و سلم : (إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر)، لذا يُعذر كثير من العلماء والعباد، بل والأمراء فيما أحدثوه لنوع اجتهاد، فإن كثيرًا (من مجتهدي السلف والخلف قد قالوا وفعلوا ما هو بدعة، ولم يعلموا أنه بدعة، إما لأحاديث ضعيفة ظنوها صحيحة، وإما لآيات فهموا منها ما لم يُرَدْ منها، وإما لرأي رَأَوْه وفي المسألة نصوص لم تبلغهم، وإذا اتقى الرجل ربه ما استطاع دخل في قوله تعالى : ( ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا) (البقرة : 286)، وفي الصحيح أن الله قال : (قد فعلتُ)).
وقد اعتذر الشيخ لبعض أهل الفضل والصلاح، ممن شهدوا سماع الصوفية ورقصهم متأولين، قائلاً : (والذين شهدوا هذا اللغو متأولين من أهل الصدق والإخلاص والصلاح، غمرت حسناتهم ما كان لهم فيه وفي غيره من السيئات، أو الخطأ في مواقع الاجتهاد، وهذا سبيل كل صالحي هذه الأمة في خطئهم وزلاتهم)، مستندًا في هذا على قول الله تعالى : (والذي جاء بالصدق وصدَّق به أولئك هم المتقون لهم ما يشاؤون عند ربهم ذلك جزاء المحسنين ليكفر الله عنهم أسوأ الذي عملوا ويجزيهم أجرهم بأحسن الذي كانوا يعلمون) (الزمر : 33-35).
كما اعتذر لشيوخ أهل التصوف، الذين حسن ذكرهم وثبت إيمانهم، فقال : (لكن شيوخ أهل العلم الذين لهم لسان صدق، وإن وقع في كلام بعضهم ما هو خطأ منكر، فأصل الإيمان بالله ورسوله إذا كان ثابتًا، غفر لأحدهم خطأه الذي أخطأه بعد اجتهاد).
وإذا كان الاجتهاد عذرًا في العفو عن الخطأ البدعي، فإن هذا الخطأ لا ينقص من قدر المجتهد، متى كان من أهل القدم في الصلاح والتقوى، فإنه مع خطئه (قد يكون صدِّيقًا عظيمًا، فليس من شرط الصدِّيق أن يكون قوله كله صحيحًا، وعمله كله سنة). كما أن فعل أهل الفضل للبدعة ليس دليلاً على صحتها، فإن الصحة تُعرف من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.. قال رحمه الله مبينًا هذا : (إذا فعلها قوم ذوو فضل ودين، فقد تركها في زمان هؤلاء من كان معتقدًا لكراهتها، وأنكرها قوم إن لم يكونوا أفضل ممن فعلها فليسوا دونهم، ولو كانوا دونهم في الفضل فقد تنازع فيها أولو الأمر، فتُرد إلى الله ورسوله). هذا إذا وقع الخطأ فيما يسوغ فيه الاجتهاد، أما من أخطأ مخالفًا (الكتاب المستبين، والسنة المستفيضة، أو ما أجمع عليه سلف الأمة، خلافًا لا يعذر فيه، فهذا يُعامل بما يُعامل به أهل البدع).

وكذلك تُحمل الأقوال المحتملة لأهل الفضل والصلاح، على أحسن محمل وأسلم مقصد، من ذلك حَمْله رحمه الله لقول الجنيد رحمه الله : (التوحيد إفراد القِدَم من الحدث)، قائلاً : (هذا الكلام فيه إجمال، والمحق يحمله محملاً حسنًا، وغير المحق يدخل فيه أشياء. وأما الجنيد فمقصوده التوحيد الذي يشير إليه المشايخ، وهو التوحيد في القصد والإرادة، وما يدخل في ذلك من الإخلاص والتوكل والمحبة، وهو أن يُفْرَد الحق سبحانه وهو القديم، بهذا كله، فلا يشركه في ذلك محدث، وتمييز الرب من المربوب في اعتقادك وعبادتك، وهذا حق صحيح، وهو داخل في التوحيد الذي بعث الله به رسله، وأنزل به كتبه. ومما يدخل في كلام الجنيد، تمييز القديم عن المحدث، وإثبات مباينته له، بحيث يعْلَمه ويشهد أن الخالق مباين للخلق، خلافًا لما دخل فيه الاتحادية من المتصوفة وغيرهم من الذين يقولون بالاتحاد معينًا أو مطلقًا). ومنه أيضًا حمله قول بعض الصوفية : ما عبدتك شوقًا إلى جنتك، ولا خوفًا من نارك، ولكن لأنظر إليك أو إجلالاً لك -مع ما فيه من خطأ، على حسن القصد- فيقول : (وهذا كحال كثير من الصالحين والصادقين، وأرباب الأحوال والمقامات، يكون لأحدهم وَجْدٌ صحيح، وذوق سليم، لكن ليس له عبارة تبين مراده، فيقع في كلامه غلط وسوء أدب مع صحة مقصوده).

الأصل الثاني : عدم تأثيم مجتهد إذا أخطأ في مسائل أصولية أو فرعية .. وأولى من ذلك، عدم تكفيره أو تفسيقه
نسب ابن تيمية هذا الحكم إلى السلف وأئمة الفتوى، كأبي حنيفة والشافعي والثوري وداود بن علي وغيرهم، أنهم كانوا لا يؤثمون مجتهدًا أخطأ في المسائل الأصولية والفروعية، وذكر ذلك عنهم ابن حزم وغيره، وعلل هذا بأن أبا حنيفة والشافعي وغيرهما كانوا يقبلون شهادة أهل الأهواء، إلا الخطابية، ويصححون الصلاة خلفهم، والكافر لا تُقبل شهادته على المسلمين، ولا يُصلى خلفه، وأنهم قالوا : هذا هو القول المعروف عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان وأئمة الدين، أنهم لا يكفرون ولا يفسّقون ولا يؤثمون أحدًا من المجتهدين المخطئين، لا في مسألة عملية ولا علمية، قالوا : والفرق بين مسائل الأصول والفروع إنما هو من أقوال أهل البدع، من أهل الكلام من المعتزلة والجهمية، ومن سلك سبيلهم، وانتقل هذا القول إلى أقوام تكلموا بذلك في أصول الفقه، ولم يعرفوا حقيقة هذا القول ولا غَوره.
وبيَّن رحمه الله بطلان رأي مَن قال : إن (مسائل الأصول هي العلمية الاعتقادية، التي يُطلب فيها العلم والاعتقاد فقط، ومسائل الفروع هي العملية التي يطلب فيها العمل – من جهة الحكم – فإن المسائل العملية فيها ما يكفر جاحده، مثل وجوب الصلوات الخمس، والزكاة، وصوم شهر رمضان، وتحريم الزنا والربا والظلم والفواحش، وفي المسائل العلمية ما لا يأثم المتنازعون فيه، كتنازع الصحابة : هل رأى محمد ربه؟ كتنازعهم في بعض النصوص : هل قاله النبي صلى الله عليه و سلم أم لا؟ وما أراد بمعناه؟ وكتنازعهم في بعض الكلمات، هل هي من القرآن أم لا؟ وكتنازعهم في بعض معاني القرآن والسنة : هل أراد الله ورسوله كذا وكذا؟ وكتنازع الناس في دقيق الكلام، كمسألة الجوهر الفرد، وتماثل الأجسام، وبقاء الأعراض، ونحو ذلك، فليس في هذا تكفير ولا تفسيق).
وأوضح الشيخ بطلان جعل العقائد هي الأصول، والعبادات والمعاملات هي الفروع، فقال : (الحق أن الجليل من كل واحد من الصنفين مسائل أصول، والدقيق مسائل فروع، فالعلم بوجوب الواجبات، كمباني الإسلام الخمس، وتحريم المحرمات الظاهرة المتواترة، كالعلم بأن الله على كل شيء قدير، وبكل شيء عليم، وأنه سميع بصير، وأن القرآن كلام الله، ونحو ذلك من القضايا الظاهرة المتواترة، ولهذا مَن جحد تلك الأحكام العملية المجمع عليها كَفَر، كما أن مَن جحد هذه كَفَر.. وقد يكون الإقرار بالأحكام العملية أوجب من الإقرار بالقضايا القولية، بل هذا هو الغالب، فإن القضايا القولية يكفي فيها الإقرار بالجمل: وهو الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت، والإيمان بالقَدَر خيره وشره.. وأما الأعمال الواجبة، فلابد من معرفتها على التفصيل، لأن العمل بها لا يمكن إلا بعد معرفتها مفصلة، ولهذا تُقِرُّ الأمةُ مَن يُفصلها على الإطلاق وهم الفقهاء، وإن كان قد يُنكر على مَن يتكلم في تفصيل الجمل القولية، للحاجة الداعية إلى تفصيل الأعمال الواجبة، وعدم الحاجة إلى تفصيل الجمل التي وجب الإيمان بها مجملة).
وعلل رحمه الله، عدم تأثيم المجتهد إذا أخطأ في مسائل أصولية أو فرعية بقوله : (ليس كل مَن اجتهد واستدل يتمكن من معرفة الحق، ولا يستحق الوعيد إلا مَن ترك مأمورًا أو فعل محظورًا، وهذا قول الفقهاء والأئمة، وهو القول المعروف عن سلف الأمة، وقول جمهور المسلمين).
لكنه يُفَرِّقُ بين خطأين : خطأ مؤاخذ عليه، وخطأ مغفور له، فيقول : (مَن كان خطؤه لتفريطه فيما يجب عليه من اتباع القرآن والإيمان مثلاً، أو لتعديه حدود الله، بسلوك السبيل التي نُهي عنها، أو لإتباع هواه بغير هدىً من الله، فهو الظالم لنفسه، وهو من أهل الوعيد، بخلاف المجتهد في طاعة الله ورسوله باطنًا وظاهرًا، الذي يطلب الحق باجتهاده كما أمره الله ورسوله، فهذا مغفور له خطؤه، كما قال تعالى : “آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا” إلى قوله : “ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا” (البقرة : 285-286)، وقد ثبت في صحيح مسلم، عن النبي صلى الله عليه و سلم، أن الله قال : (قد فعلتُ)، وكذلك ثبت فيه من حديث ابن عباس رضي الله عنهما: (أن النبي صلى الله عليه و سلم لم يقرأ بحرف من هاتين الآيتين ومن سورة الفاتحة إلا أعطي ذلك)، فهذا يبين استجابة هذا الدعاء للنبي والمؤمنين، وأن الله لا يؤاخذهم إن نسوا أو أخطأوا).
وإذا كان خطأ المجتهد من علماء المسلمين مغفورًا له، فإنه لا يجوز تكفير أحد منهم بمجرد الخطأ، بل ولا يُفَسّق ولا يُؤثم، وفي هذا الشأن يقول شيخ الإسلام : (إن علماء المسلمين المتكلمين في الدنيا باجتهادهم، لا يجوز تكفير أحدهم بمجرد خطأ أخطأه في كلامه.. فإن تسليط الجهال على تكفير علماء المسلمين من أعظم المنكرات، وإنما أصل هذا من الخوارج والروافض، الذين يكفّرون أئمة المسلمين، لما يعتقدون أنهم أخطأوا فيه من الدين، وقد اتفق أهل السنة والجماعة على أن علماء المسلمين لا يجوز تكفيرهم بمجرد الخطأ المحض، بل كل أحد يؤخذ من قوله ويُترك إلا رسول الله صلى الله عليه و سلم، وليس كُل مَن يُترك بعضُ كلامِه لخطأ أخطأه، يكفر، ولا يفسق، بل ولا يأثم، فإن الله تعالى قال في دعاء المؤمنين : (ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا) (البقرة : 286)، وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه و سلم قال : (إن الله قال : قد فعلتُ).
بل يرى الشيخ أن (دفع التكفير عن علماء المسلمين وإن أخطأوا، هو من أحق الأغراض الشرعية).
على أنه ينبغي أن يعلم أن رفع الإثم عن العالم المجتهد إذا أخطأ، لا يعني الإغضاء عن البدعة التي أخطأ فيها، فقد بيّن رحمه الله أن إثمها يزول للاجتهاد أو غيره، إلا أنه يجب بيان حالها، وعدم الاقتداء بمن استحلها، وأن لا يقصر أحد في طلب العلم المبيِّن لحقيقتها، ذلك أن الإثم مزال عن المجتهد، لا عن وجه المخالفة من المبتدع.
وتأكيدًا لما سبق، فإن الشيخ يقرر أن مسلك أهل السنة، عدم تكفير المجتهد المخطئ في المسائل العملية أو المسائل الاعتقادية، فيقول : (إن المتأوِّل الذي قَصْدُه متابعةُ الرسول صلى الله عليه و سلم لا يُكَفَّر ولا يُفَسَّق إذا اجتهد فأخطأ، وهذا مشهور عند الناس في المسائل العملية، وأما مسائل العقائد فكثير من الناس كفَّروا المخطئين فيها، وهذا القول لا يُعرف عن أحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ولا يُعرف عن أحد من أئمة المسلمين، وإنما هو في الأصل من أقوال أهل البدع، الذين يبتدعون بدعة، ويكفرون من خالفهم، كالخوارج والمعتزلة والجهمية، ووقع ذلك في كثير من أتباع الأئمة، كبعض أصحاب مالك والشافعي وأحمد وغيرهم، وقد يسلكون في التكفير ذلك، فمنهم من يُكفّر أهل البدع مطلقًا، ثم يجعل كل مَن خرج عما هو عليه، من أهل البدع.. وهذا بعينه قول الخوارج والمعتزلة والجهمية، وهذا القول أيضًا لا يوجد في طائفة من أصحاب الأئمة الأربعة ولا غيرهم، وليس فيهم من كفّر كل مبتدع، بل المنقولات الصريحة عنهم تناقض ذلك، ولكن قد يُنقل عن أحدهم أنه كفّر مَن قال بعض الأقوال، ويكون مقصوده أن هذا القول كفر ليحذر، ولا يلزم إذا كان القول كفرًا أن يُكفّر كلُّ مَن قاله مع الجهل والتأويل).. لذا كان (من عيوب أهل البدع، تكفير بعضهم بعضًا، ومن ممادح أهل العلم أنهم يُخَطِّئون ولا يكفّرون).

الأصل الثالث: عذر المبتدع لا يجوز إقراره على ما اظهره من بدعة، ولا إباحة اتباعه، بل يجب الإنكار عليه مع مراعاة الأدب في ذلك
يرى ابن تيمية أن المبتدع لا يقر على إظهار البدعة والدعوة إليها متى تبين مخالفتها للكتاب والسنة، بل لا يجوز متابعته فيها (نعم قد يكون متاولا في هذا الشرع، أي الذي ابتدعه، فيغفر له لأجل تأويله إذا كان مجتهدا الذي يعفى معه الخطأ، ويثاب أيضا على اجتهاده، لكن لا يجوز اتباعه في ذلك، كما لا يجوز اتباع سائر من قال أو عمل عملا قد علم الصواب في خلافه، وإن كان القائل أو الفاعل مأجورا أو معذورا.. قال عدي بن حاتم لرسول الله صلى الله عليه وسلم في الآية “اتخذوا أحبارهم ورهبانهم ربابا من دون الله”: يا رسول الله ما عبدوهم، قال: ما عبدوهم ولكن أحلوا لهم الحرام فأطاعوهم وحرموا عليهم الحلال فأطاعوهم.. فمن أطاع أحدا في دين لم يأذن الله به في تحليل أو تحريم أو استحباب أو إيجاب فقد لحقه من هذا الذم نصيب).
ثم بين أن من يتبعه لا يعذر في اتباعه له، وإن كان المتبع معذورا لإجتهاده.
ثم بين متى تجب المتابعة في الأمور الشرعية ومتى تمنع وأحوال المجتهدين معها، فقال إن ما جاء به الكتاب والسنة وجب اتباعه ولم يلتفت إلى ما خالفه كائنا ما كان، وكل احد من الناس قد يؤخذ من قوله ويرد إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا يتبع عليها كما لا يذم عليها.
أما ما لم يعلم قطعا مخالفتها للكتاب والسنة بل هي من موارد الإجتهاد التي تنازع فيها أهل العلم، فهذه الأمور قد تكون قطعية عند بعض من بين الله له الحق فيها، لكن لا يمكنه أن يلزم الناس بما بان له ولم يبن لهم، ولا ينكر ذلك عليه.
أما تارك الواجبات آتي المحرمات من غير تأويل سائغ أو عذر مشروع فغنه يجب الإنكار عليه بحسب ما جاءت به الشريعة من اليد واللسان والقلب، ويلحق به كل من اظهر مقالة تخالف الكتاب والسنة، فإنها من المنكر الذي أمر الله بالنهي عنه.
أما من اشتبه أمره فيتوقف معه، فإن الإمام أن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة.
وإذا كان الإجتهاد يغفر للعالم خطأه، فإن هذا يقتضي التأدب معه، ومراعاة حقه عند إنكار ما اظهره من بدعة وبيان مخالفته للسنة.

الأصل الرابع: عدم الحكم على من وقع في بدعة أنه من أهل الأهواء والبدع ولا معاداته بسببها إلا إذا كانت البدعة مشتهرة مغلظة عند اهل العلم بالسنة
كبدعة الخوارج والروافض والقدرية والمرجئة، وغلظت الأقوال في أصحابها حتى أخرجتهم من عداد أهل السنة.
وقال إن المرجئة كانوا يعدون من أهل السنة حتى تغلظ امره بما زادوه من الأقوال المغلظة، وبانه يلحق بهم، بل أشد بدعة منهم، الحجاج إلى القبور والمتخذون لها أوثانا ومساجد وأعيادا، فهؤلاء لم يكن على عهد الصحابة والتابعين وتابعيهم منهم طائفة تُعرف. ولا كان من الإسلام قبر ولا مشهد يحج إليه، بل هذا إنما ظهر بعد القرون الثلاثة، والبدعة كلما كانت أظهر مخالفة للرسول صلى الله عليه وسلم يتأخر ظهورها، وإنما يحدث أولا ما كان أخفى مخالفة للكتاب والسنة كبدعة الخوارج.
ويرى ابن تيمية أن الذين يعدون من اهل البدع هم من اتصف بما يلي:
– جعل ما ابتدعوه قولا يفارقون به جماعة المسلمين، يوالون عليه ويعادون. فإذا لم يفعلوا ذلك كان نوعا من الخطأ.
– التنازع فيما تواترت فيه السنة، فهذه من المعلومات بالإضطرار عند اهل العلم بالسنة، كالأحاديث المتواترة عندهم في شفاعته وحوضه وخروج أهل الكبائر من النار، وفي الصفات والقدر والعلو والرؤية، وغير ذلك من الأصول المتفق عليها.
فمن كانت بدعته غليظة ظاهرة المخالفة للسنة عند أهل العلم، وجبت عداوته بقدر بدعته، بل يرى شيخ الإسلام عقوبة من والاه. فيرى وجوب معاقبة من انتسب إلى الإتحادية أو ذب عنهم أو أثنى عليهم أو عظم كتبهم او عرف يمساعدتهم ومعاونتهم أو كره الكلام فيهم أو أخذ يعتذر لهم. بل تجب عقوبة كل من عرف حالهم ولم يعاون على القيام عليهم، فغن القيام على هؤلاء من أعظم الواجبات لأنهم أفسدوا العقول والدين.
أما ما كان دون ذلك من المسائل التي وقع فيها الخلاف، فغنه لا يستوجب الفرقة والمعاداة، والحكم على المخالف بانه من اهل البدعة والهوى.
ومن مسائل الإعتقاد التي وقع فيها الخلاف بين أهل السنة: مسألة رؤية الكفار ربهم في الآخرة. فالجمهور يرى أنهم محجوبون عنها على الإطلاق، ومن علماء الأمة من يرى انه يراه من اظهر التوحيد من منافقي هذه الأمة والكفار في عرصات القيامة ثم يحجب عنهم عقوبة لهم.

الأصل الخامس: لا يحكم بالهلاك جزما على من خالف في الإعتقاد أو غيره، ولا على طائفة معينة من الفرق الضالة الثنتين والسبعين، إلا إذا كانت المخالفة غليظة
كما وضح ابن تيمية أنه لا يحكم على طائفة معينة بأنها من الفرق الضالة الإثنتين والسبعين المذكورة في الحديث، وأنه لا سبيل إلى الجزم بأنها واحدة منها لأن الجزم بذلك يحتاج إلى دليل، وإلا كان من القول بلا علم، وذلك محرم. نعم ورد تعيين بعض الفرق عن إمامين من أهل السنة هما يوسف بن أسباط وعبد الله بن المبارك، أنهما قالا: أصول البدع أربعة: الروافض والخوارج والقدرية والمرجئة، فقيل لإبن المبارك: والجهمية؟ قال: أولئك ليسوا من امة محمد. واتبعه في ذلك طائفة من أصحاب أحمد وغيرهم، قالوا: إن الجهمية كفار، فلا يدخلون في الإثنتين والسبعين فرقة، كما لا يدخل فيهم المنافقون الذين يبطنون الكفر ويظهرون الإسلام، وهم الزنادقة.
فهذه الطوائف الأربعة اشتهرت أقوالها المخالفة مخالفة غليظة للكتاب والسنة، وافترقت عن أهل السنة والجماعة افتراقا بينا في الأثول من الدين مما ثبت بالضرورة، فساغ لهذا الإمام الحكم عليها بانها من الفرق الضالة الإثنيتن والسبعين.

الأصل السادس: التحري في حال الشخص المعين المرتكب لموجب الكفر أو الفسق قبل تكفيره أو تفسيقه أي إقامة الحجة عليه قبل ذلك
قال ابن تيمية إنه يجب العلم بان مسائل التكفير والتفسيق من مسائل الأسماء والأحكام التي يتعلق بها الوعد والوعيد في الدار الاخرة، وتتعلق به الموالاة والمعاداة، والقتل والعصمة، وغير ذلك في الدار الدنيا. ولعظم هاتين المسألتين فإن إطلاق الكفر أو الفسق على أحد لا يكون إلا بموجب قطعي، ولا سيما الكفر فإنه يكون بمثل تكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم فيما أخبر به، أو الإمتناع عن متابعته مع العلم بصدقه مثل كفر فرعون واليهود ونحوهم. فلا إيمان مع تكذيب الرسول ومعاداته، ولا كفر مع تصديقه وطاعته، وحكمه لا يتبين إلا عن طريق الشرع، فليس لأحد أن يكفر احدا بهواه، لأن التكفير حق لله تعالى، والذين يكفرون بأهوائهم هم المبتدعة كالروافض والخوارج الذين كفروا عليا رصي الله عنه، وقاتلوا الناس على الدين حتى يرجعوا عما ثبت بالكتاب والسنة وإجماع الصحابة إلى ما ابتدعه هؤلاء بتأويلهم الباطل وفهمهم الفاسد للقرآن ، ومع هذا فقد صرح علي بانهم مؤمنون ليسوا كفارا ولا منافقين.
ثم ذكر انه ليس من الحق أن يقول الواحد “لا نكفر إلا من يكفرنا” لأن الكفر ليس حقا لهم بل هو حق الله، وليس للإنسان ان كذب على من يكذب عليه، ولا يفعل الفاحشة بمن فعل الفاحشة بأهله. ولهذا كان اهل العلم لا يكفرون من خالفهم، وإن كان ذلك المخالف يكفرهم لأن الكفر حكم شرعي، ليس للإنسان ان يعاقب بمثله.
وأهل السنة لا يكفرون أحدا من اهل القبلة بالذنب والمعصية، وإنما ذلك من فعل الخوارج الذين يكفرون مطلق الذنوب.
ومن شأن أهل البدع أنهم يبتدعون أقوالا يجعلونها واجب في الدين، بل يجعلونها من الإيمان الذي لا بد منه، ويكفرون من خالفهم فيها ويستحلون دمه كفعل الخوارج والجهمية والروافض والمعتزلة وغيرهم.
وقرر ابن تيمية أنه لا يجعل احد بمجرد ذنب يذنبه، ولا ببدعة ابتدعها، ولو دعا الناس إليها، كافرا في الباطن إلا إذا كان منافقا، واما من كان في قلبه الإيمان بالرسول وما جاء به، وقد غلط في بعض ما تأوله من البدع، فهذا ليس بكافر أصلا، والخوارج كانوا أظهر الناس بدعة وقتالا للأمة وتكفيرا لها، ولم يكن في الصحابة من يكفرهم بل حكموا فيهم بحكمهم في المسلمين الظالمين المعتدين.
ولا يلزم إن كان القول كفرا ان يكون قائله بجهل وتأويل، كافرا. فلا يحكم بكفره إلا إذا قامت الحجة عليه وبُينت له المحجة كأن يجحد الصلاة، لأنه يجب مراعاة الخطأ والغلط. ومن ثبت إسلامه بيقين لم يزل ذلك عنه بالشك فلا بد من إقامة الحجة. والله تعالى قد غفر لهذه الأمة خطأها. والسلف تنازعوا في مسائل اعتقادية وعملية ولم يكفر بعضهم بعضا ولم يفسقه. فقد نازعت عائشة في رؤية النبي صلى الله عليه وسلم ربه، وقالت: “من زعم أن محمدا رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية”، ومع هذا لا تقول لإبن عباس ونحوه من المنازعين لها: إنه مفتر على الله. وقد آل الشر بين السلف إلى الإقتتال، مع اتفاق أهل السنة على أن الطائفتين جميعا مؤمنتان، لأن المقاتل وإن كان باغيا فهو متأول، والتأويل يمنع الفسوق.
ويرى الشيخ أن التكفير العام كالوعيد العام، يجب القول بإطلاقه وعمومه وفق الموجب بغض النظر عن حال متلبسه، أما كفر المعين فلا يحكم به على أحد إلا إذا توافرت فيه شروط الكفر، وانتفت موانعه، دون تفريق بين المسائل العقدية والعلمية. فعندما يكون القول كفرا، يمكن أن يطلق القول بتكفير صاحبه، ويقال: من قال كذا فهو كافر، لكن الشخص المعين الذي قاله لا يحكم بكفره حتى تقوم عليه الحجة، وهذا كما في نصوص الوعيد مثل قوله تعالى: “إن الذين يأكلون أموال اليتامى إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا”. فلا يُشهد لمعين من أهل القبلة بالنار، لجواز أن لا يلحقه الوعيد لفوات شرط أو ثبوت مانع، فقد لا يكون التحريم بلغه، وقد يتوب من فعل المحرم، وقد تكون له حسنات عظيمة تمحو عقوبة ذلك المحرم، وقد يبتلى بمصائب تكفر عنه، وقد يشفع فيه شفيع مطاع.
وهكذا الأقوال التي يكفر قائلها، قد يكون الرجل لم تبلعه النصوص الموجبة لمعرفة الحق أو لم تثبت عنده أو لم يتمكن من فهمها. أو قد عرضت له شبهات يعذره الله بها، فمن كان مؤمنا واجتهد في طلب الحق وأخطأ فغن الله يغفر له خطأه كائنا من كان سواء في المسائل النظرية او العلمية، وهذا الذي عليه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وجماهير أئمة المسلمين.
وقد تعرض الإمام أحمد لفتنة خلق القرآن من قبل الجهمية نفاة الصفات، فأمتحن وضرب وحبس ، ومع ذلك لم يكفر الخليفة ومن فعل ذلك به، ولو كانوا مرتدين لم يجز الإستغفار لهم، فإن الإستغفار للكفار لا يجوز بالكتاب والسنة والإجماع. وهذا يدل على أنه لم يكفر المعين من الجهمية لجهلهم بالحكم أو غيره، مع ان الجهمية أشد المبتدعة ضلالا، بل المشهور عن أحمد وعامة أئمة السنة تكفيرهم. أما غيرهم من أهل البدع فإنهم لا يُكفرون، مثل الشيعة المفضلة لعلي على أبي بكر، والمرجئة. اما القدرية المقرون بالعلم والروافض الذين ليسوا من الغالية والخوارج، فهم محل خلاف بين أعل العلم، وقد أثر عن الإمام احمد التوقف عن تكفير القدرية المقرين بالعلم والخوارج، مع قوله: “لا أعلم قوما شرا من الخوارج”. وذكر الخطابي أن تكفير أهل السنة للجهمية على سبيل التغليظ.

الأصل السابع: الحرص على تأليف القلوب واجتماع الكلمة تفاديا لنقض عرى الأخوة والولاء البراء بين المسلمين
يقول ابن تيمية إن من القواعد العظيمة التي هي جماع الدين “تأليف القلوب واجتماع الكلمة وصلاح ذات البين”، فإن الله تعالى يقول: “فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم”، ويقول “واعتصموا بالله جميعا ولا تفرقوا”، وأهل هذا الأصل هم أهل الجماعة، كما أن الخارجين عنهم هم أهل الفرقة.
ويؤكد أن العلماء من الصحابة والتابعين كانوا إذا تنازعوا في امر ردوه إلى الله والرسول تطبيقا لأمر الله تعالى لهم بذلك. وكانوا يتناظرون في المسائل مناظرة المشاورة والمناصحة، وربما اختلفوا في المسألة العلمية مع بقاء الألفة والعصمة وأخوة الدين.
وقال الشيخ إن ما يقوي وشيجة الأخوة بين المسلمين، ويحفظ تماسك جماعتهم، العمل بأحكام الولاء والبراء التي شرعها الله في كتابه، دون التفات إلى مناهج أخرى أو تعصب لطوائف، ذلك أن الولاية ضد العداوة، وأصل الولاية المحبة، وأصل العداوة البغض والبعد. وهما أوثق عرى الإيمان كما أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم: “أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله”.
وقد بين ابن تيمية أحكام الولاء والبراء فقال أما الحمد والذم والحب والبغض والمولاة والمعاداة، فإنما تكون في الأشياء التي أنزل الله بها سلطانه، وسلطانه كتابه، فمن كان مؤمنا وجبت موالاته من أي صنف كان، ومن كان كافرا وجبت معاداته من أي صنف كان، قال تعالى: “إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا”. ومن كان فيه إيمان وفجور أعطي من الموالاة بحسب إيمانه، ومن البغض بحسب فجوره، ولا يخرج من الإيمان بالكلية بمجرد الذنوب والمعاصي كما يقوله الخوارج والمعتزلة، ولا يجعل من الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحون بمنزلة الفساق في الإيمان والدين والحب والبغض والمولاة والمعاداة، قال تعالى: “وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا” إلى قوله “إنما المؤمنون إخوة” (الحجرات 9)، فجعلهم إخوة مع وجود الإقتتال والبغي.
ويرى الشيخ أن من واجب المسلم إذا صار في مدينة من مدائن المسلمين ان يصلي معهم الجمعة والجماعة، ويوالي المؤمنين، ولا يعاديهم، وإن رأى بعضهم ضالا أو غاويا وأمكن أن يهديه ويرشده فعل ذلك، وإلا فلا يكلف الله نفسا إلا وسعها، وإذا كان قادرا أن يولي في إمامة المسلمين الأفضل ولاه، وإن قدر أن يمنع من يظهر البدع والفجور منعه. وهكذا على مقتضى اتباع الحق وإظهاره، خلا المبتدعة الملاحدة، فهؤلاء يجب البراء منهم. وذكر أن من ينصرهم شر ممن ينصر المشركين على المسلمين لأن قول المشركين الذين يقولون “إنما نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى” خير من قول هؤلاء، لأن هؤلاء أثبتوا خالقا ومخلوقا غيره، يتقربون به إليه، وهؤلاء يجعلون وجود الخالق وجود المخلوق”.
فالموالاة عند الشيخ ثابتة للمسلم للمبتدع بقدر ما عنده من إيمان وصلاح.

الأصل الثامن: الإنصاف في ذكر ما للمبتدعة من محامد ومذام، وقبول ما عندهم من حق ورد ما عندهم من باطل
فالشخص الواحد يجتمع فيه ما يثاب عليه وما يعاقب عليه، وما يحمد عليه وما يذم عليه، وما يحب عليه وما يبغض عليه.
فذكر أن في الروافض من هو متعبد متورع زاهد، لكن ليسوا في ذلك مثل غيرهم من أهل الهواء، فالمعتزلة أعقل منهم وأعلم وأدين، والكذب والفجور فيهم أقل منه في الروافض، والزيدية من الشيعة خير منهم وأقرب إلى الصدق والعدل والعلم، وليس في أهل الأهواء أصدق ولا أعبد من الخوارج، واهل السنة يعدلون مع الجميع، وهم لكل طائفة من هؤلاء خير من بعضهم لبعض. وهذا مما يعترفون هم به، فيقولون “انتم تنصفوننا ما لا ينصف بعضنا بعضا”، وهذا لأن الأصل الذي اشتركوا فيه فاسد مبني على جهل وظلم، وهم مشتركون في ظلم سائر المسلمين، فصاروا بمنزلة قطاع الطريق لا ريب أن المسلم العالم العادل أعدل عليهم من بعضهم لبعض.
والخوارج تكفر أهل الجماعة، وكذلك أكثر المعتزلة يكفرون من خالفهم، وكذلك أكثر الروافض، ومن لم يكفر فسق. وكذلك أكثر أهل الأهواء سيتدعون رأيا ويكفرون من خالفهم فيهم، وأهل السنة يتبعون الحق من ربهم الذي جاء به الرسول، ولا يكفرون من خالفهم فيه، بل هم أعلم بالحق وأرحم بالخلق، كما وصف الله به المسلمين بقوله: “كنتم خير أمة أخرجت للناس”. وأهل السنة نقاوة المسلمين، فهم خير الناس للناس.
يقول: وقد ذهب كثير من مبتدعة المسلمين من الرافضة والجهمية وغيرهم إلى بلاد الكفار فأسلم على يديه خلق كثير، وانتفعوا بذلك وصاروا مسلمين مبتدعين، وهو خير من أن يكونوا كفارا.
أما تفصيله في الحكم على الصوفية، فقد بين انه وقع الإجتهاد والتنازع في طريق الصوفية، فطائفة ذمت الصوفية والتصوف، وقالوا: انهم مبتدعون خارجون عن السنة، وطائفة غلت فيهم وادعوا أنهم أفضل الخلق وأكملهم بعد الأنبياء، وكلا طرفي هذا الأمر ذميم، والصواب أنهم مجتهدون في طاعة الله كما اجتهد غيرهم من اهل الطاعة، وقد انتسب إليهم طوائف من اهل البدع والزندقة، ولكن عند المحققين من أهل التصوف ليسوا منهم كالحلاج مثلا، فإن أكثر مشايخ الطريق مثل الجنيد سيد الطائفة وغيره.
وقد دافع عن اعتقاد بعض مشايخ الصوفية، فناقش أبا القاسم القشيري (صاحب الرسالة ت 412هـ) في دعواه ان اعتقاد أكابر مشايخ الصوفية مثل الفضيل بن عياض وأبي سليمان الداراني ويوسف بن أسباط وحذيفة المرعشي ومعروف الكرخي والجنيد بن محمد وسهل بن عبد الله التستري، موافق لإعتقاد كثير من المتكلمين الأشعرية – الذي يعتقده أبو القاسم رحمه الله – بما يطول نقله. فأكد أنهم كانوا على مذهب أهل السنة والجماعة ومذهب أهل الحديث. وأن التفلسف ظهر في المتصوفة المتأخرين، وهم دون الأوائل الذين لم يكن فيهم احد على مذهب الفلاسفة (أي كصوفية الفلاسفة الملاحدة القائلين بوحدة الوجود).
وأكد على قبول ما عند أهل البدع والمخالفين من حق، فقال إنه لا يجوز لنا إذا قال يهودي أو نصراني، فضلا عن الرافضي، قولا فيه حق أن نتركه أو نرده كله، بل لا نرد إلا ما فيه من الباطل دون ما فيه من الحق.
وذكر أن رواياتهم المقبولة تقبل، وأعطى مثالا بما جمعه الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي ونحوه في تاريخ أهل الصفة وأخبار زهاد السلف وطبقات الصوفية، فقال إنه يستفاد منه فوائد جليلة، ويتجنب ما فيه من الروايات الباطلة، ويتوقف فيما فيه من الروايات الضعيفة، وهكذا مع غيره.
وقد دافع شيخ الإسلام عن بعض طوائف الكلام وفضلهم على من دونهم لإنتسابهم إلى مذهب أهل السنة والجماعة في ردهم على اهل البدع المشهورين بمخالفة السنة والجماعة كالخوارج، مما يدل على إنصافه، وذكر منهم الأشعرية الذين أكد انتسابهم إلى مذهب أهل السنة والجماعة، وكذلك الكرامية والسالمية وغيرهم. وأثنى على ردهم على أهل البدع المشهورين بمخالفة السنة والجماعة كالخوارج والشيعة والقدرية والجهمية.
وأثنى شيخ الإسلام على بعض العلماء الذين لهم قدم راسخة، واعتذر عن خطئهم، من امثال القاضي أبي بكر الباقلاني، وأي ذر الهروي، وهما من علماء الأشاعرة، فذكر أن في الأول محاسن كثيرة، وأنه من الذين ردوا على الزنادقة والملحدين وأهل البدع، وبسببه انتشر هذا القول.
كما أثبت ما في كتابي “قوت القلوب” وإحياء علوم الدين من خير مع التحذير من بعض ما فيهما خصوصا الإحياء.

الأصل التاسع: رعاية شروط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في ذلك
فحذر من سوء النية والإنتصار للهوى لما يؤديان إليه من إبطال العمل وإشاعة الفرقة، فأكد ان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أفضل الأعمال الصالحة، فيجب أن يبتغى به وجه الله تعالى، وأن يكون مطابقا لأمر، وفي الحديث “من أمر بمعروف ونهى عن المنكر، فينبغي أن يكون عالما بما يأمر به، عالما بما ينهى عنه، رفيقا بما يأمر به، رفيقا فيما ينهى عنه، حليما فيما يأمر به، حليما فيما ينهى عنه، فالعلم قبل الأمر، والرفق مع الأمر، والحلم مع المر، فإن لم يكن عالما لم يكن له أن يقفو ما ليس له بعلم، وإن كان عالما ولم يكن رفيقا كان كالطبيب الذي لا رفق فيه، فلا يقبل من المريض. وكالمؤدب الغليظ الذي لا يقبل من الولد. قال تعالى لموسى وهارون عليهما السلام: “فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى”.
ثم إنه إذا أمر فلابد له ان يُؤذى في العادة، فعليه أن يصبر ويحلم. وأن لا يأمر لطلب رياسة أو لتنقيص غيره أو رياء.
ودعا شيخ الإسلام إلى سلامة النية، واتباع الإحسان في مراتب الإنكار مع جميع المبتدعة مهما غلظت بدعتهم، ومنهم الرافضة، لقصد الإصلاح. ويراعي الأدب عند أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر مما يؤدي إلى إصلاح النفوس واستقامتها، ويدفع ما يؤول إلى مفسدة أعظم، ويقدم الأهم فالأهم، ويراعي المصالح. ويترك النهي إذا كان مآله ما هو أشد شرا وفسادا. وضرب مثلا بتعظيم المولد واتخاذه موسما قد يفعله بعض الناس ويكون فيه أجر عظيم لحسن قصده، وتعظيمه لرسول الله صلى الله عليه وسلم، قيل لأحمد عن بعض الأمراء إنه انفق على مصحف ألف دينار أو نحو ذلك، فقال: دعهم، فهذا أفضل ما أنفقوا فيه الذهب، أو كما قال. مع ان مذهبه أن زخرفة المصاحف مكروهة، ومقصود أحمد أن هذا العمل فيه مصلحة وفيه مفسدة كره لأجلها، فهؤلاء إن لم يفعلوا هذا قد يعتاضوا عنه بفساد لا صلاح فيه مثل ان ينفقها في كتاب من كتب الفجور، من كتب الأسمار أو الأشعار أو حكمة فارس والروم. فيجب التفطن لما اشتملت عليه الأفعال من المصالح الشرعية والمفاسد كم أجل معرفة مراتب المعروف ومراتب المنكر، حتى يتم تقديم أهمها عند الإزدحام.
قال ابن القيم ضاربا مثالا على ذلك إن الهدف من امر المجتمعين على لهو او لعب أو سماع مكاء وتصدية هو نقلهم عنه إلى طاعة الله، وتركهم على ذلك خير من أن تفرغهم لما هو اعظم من ذلك، فكان ما هم فيه شاغلا لهم عن ذلك. قال ابن القيم: “سمعت شيخ الإسلام يقول: مررت أنا وبعض أصحابي في زمن التتار بقوم منهم يشربون الخمر، فأنكر عليهم من كان معي، فانكرت عليه، وقلت له: إنما حرم الله الخمر لنها تصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وهؤلاء يصدهم الخمر عن قتل النفوس وسبي الذرية وأخذ الموال، فدعهم”.
وذكر ابن تيمية أن دفع شر الشرين أولى، إذا لم يمكن دفعهما معا، ولهذا الأولى هو الصلاة خلف مظهر البدعة والفجور إذا كان في منعه ضرر زائد على ضرر إمامته، فيصلي خلفه ما لا يمكنه فعلها إلا خلفه كالجمع والأعياد والجماعة، إذا لم يكن هنالك إمام غيره، ولهذا كان الصحابة يصلون خلف الحجاج والمختار بن أبي عبيد الثقفي وغيرهما الجمعة والجماعة، فإن تفويت الجمعة والجماعة أعظم فسادا من الإقتداء فيها بإمام فاجر، لاسيما إذا كان التخلف عنهما لا يدفع فجوره، فيبقى ترك المصلحة الشرعية بدون دفع تلك المفسدة.
ومثل أئمة البدع من أهل المقالات المخالفة للكتاب والسنة، أو العبادات المخالفة لهما، فإن بيان حالهم، وتحذير الأمة منهم، واجب باتفاق المسلمين (واجب كفاية)، حتى قيل لأحمد بن حنبل: الرجل يصوم ويصلي ويعتكف أحب إليك أو يتكلم في أهل البدع؟ فقال: إذا قام وصلى واعتكف فإنما هو لنفسه، وإذا تكلم في أهل البدع فإنما هو للمسلمين، هذا أفضل. فبين أن نفع هذا عام للمسلمين في دينهم، من جنس الجهاد في سبيل الله.. ولولا من يقيمه الله لدفع ضرر هؤلاء لفسد الدين، وكان فساده اعظم من فساد استيلاء العدو من اهل الحرب، لأن هؤلاء إذا استولوا لم يفسدوا القلوب وما فيها من الدين إلا تبعا، وأما أولئك فهم يفسدون القلوب ابتداء.

الأصل العاشر: مشروعية عقوبة الداعي إلى البدعة بما يحقق الزجر والتأديب والمصلحة لأن ضرره متعد إلى غيره بخلاف المسر فغنه تقبل علانيته ويوكل سره إلى الله تعالى
بين شيخ الإسلام ان السلف والأئمة نهجوا منهج التفريق بين المبتدع الداعية وغير الداعية، في التعامل معهما، “فإن الدعاة إلى البدع لا تقبل شهادتهم، ولا يُصلى خلفهم، ولا يؤخذ عنهم العلم، ولا يُناكحون، فهذه عقوبة لهم حتى ينتهوا.. والكاتم غير الداعية بخلاف الداعية، فإن الكاتم ليس شرا من المنافقين الذين كان النبي صلى الله عليه وسلم يقبل علانيتهم ويكل سرائرهم إلى الله، مع علمه بحال كثير منهم، ولهذا جاء في الحديث: “إن المعصية إذا خفيت لم تضر إلا صاحبها، ولكن إذا اعلنت فلم تنكر ضرت بالعامة”، وذلك أ النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه”. فالمنكرات الظاهرة يجب إنكارها بخلاف الباطنة فإن عقوبتها على صاحبها خاصة.
وعلى العموم من قامت عليه الحجة استحق العقوبة، وإلا كانت اعماله البدعية المنهي عنها باطلة لا ثواب فيها، وكانت منقصة له خافضة له بحسب بعده عن السنة، فإن هذا حكم اهل الضلال، وهو البعد عن الصراط المستقيم.
ولما كانت الغاية من عقوبة المبتدع الداعية كفه عن بدعته وزجره، وابتعاد العامة عن متابعته، تنوعت العقوبة بما يحقق ذلك ويرعى المصلحة، فإنه قد يعاقب أحيانا بالذم، وذكر ما فيه من فجور ومعصية، لينكشف حاله للناس، ولهذا لم يكن للمعلن بالبدع والحجور غيبة كما يروى عن الحسن البصري وغيره، وأقل عقوبته الذم، فهو يكفه ويكف غيره عن متابعته.
وقد تقتضي المصلحة إيقاع عقوبة أشد عليه متى دعا إلى مفسدة عظيمة، وواجه الحق الظاهر، فيعاقب بالهجر أو التعزير أو القتل إذا كان لا يرتدع إلا بإحداها كما فعل أمير المؤمنين بصبيغ بن عسل التميمي (ضربه عمر بعرجون نخل حتى دمى رأسه)، وكما كان المسلمون يفعلونه، أو قُتل كما قتل المسلمون الجهد بن درهم وغيرىن القدري وغيرهما، والمقصود ان الحق إذا ظهر وعرف، وكان مقصود الداعي إلى البدعة إضرار الناس، قوبل بالعقوبة.
والمقصود بالهجر زجر الداعية إلى البدعة وتأديبه إذا كان الهاجرون أقوى وأكثر وكانت المصلحة في ذلك راجحة، بحيث يفضي هجره إلى ضعف الشر وخفيته. أما إذا كان الهاجر ضعيفا، والهجر يؤدي إلى مفسدة أكبر، فيكون التأليف لبعض الناس أنفع من الهجر، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يتألف أقواما ويهجر آخرين، كما أن الثلاثة الذي خلفوا كانوا خيرا من أكثر المؤلفة قلوبهم، لما كان أولئك سادة مطاعين في عشائرهم، فكانت المصلحة الدينية في تأليف قلوبهم، وهؤلاء كانوا مؤمنين، والمؤمنون سواهم كثير، فكان في هجرهم عز الدين وتطهيرهم من ذنوبهم، وهذا كما أن المشروع في العدو القتال تارة، والمهادنة تارة، وأخذ الجزية تارة، كل ذلك بحسب الأحوال والمصالح.
وينبغي أن يُعلم أن الهجر عقوبة لدفع ضرر ناشئ عن بدعة غليطة أو معصية كبيرة، فلا يهجر من كان مستترا على معصية صغيرة، أو مسرا لبدعة غير مكفرة، أو من كانت بدعته فيما يسوغ فيه الإجتهاد من المسائل الدقيقة. وأشار ابن تيمية إلى مثال على ذلك وهو مسألة رؤية الكفار ربهم في عرصات يوم القيامة، فقال إنها ليست مما يوجب المهاجرة والمقاطعة، فالذين تكلموا فيها عامتهم من أهل السنة والإتباع، وقد قيلت فيها كلمات غليظة كقول عائشة رضي الله عنها: “من زعم أن محمدا رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية”، ومع هذا فما أوجب هذا النزاع تهاجرا ولا تقاطعا. كذلك ناظر أحمد أقواما من أهل السنة في مسألة الشهادة للعشرة بالجنة حتى آلت المناظرة إلى ارتفاع الصواتن وكان احمد وغيره يرون الشهادة، ولم يهجروا من امتنع من الشهادة، إلى مسائل نظير هذه كثيرة.
وقرر شيخ الإسلام ان القتل عقوبة تعزيرية ذهب إليها الإمام مالك، وطائفة من أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهم، تشرع في حق الداعية إلى مذهبه ونحو ذلك ممن فيه فساد، لأن عمر رضي الله عنه قال لصبيغ بن عسل: “لو وجدتك محلوقا لضربت الذي فيه عينيك”، ولأن علي بن أبي طالب رضي الله عنه طلب أن يقتل عبد الله بن سبأ، أول الرافضة، حتى هرب منه، ولأن هؤلاء من أعظم المفسدين في الأرض، فإذا لم يندفع شرهم إلا بالقتل قُتلوا. ولا يجب قتل الواحد منهم إذا لم يظهر هذا القول، أو كان في قتله مفسدة راجحة، ولهذا ترك النبي صلى الله عليه وسلم قتل ذلك الخارجي ابتداء، لئلا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه، ولم يكن إذ ذاك فيه فساد عام، ولهذا ترك علي قتلهم أول ما ظهروا، لأنهم كانوا خلقا كثيرا، وكانوا داخلين في الطاعة والجماعة ظاهرا، لم يحاربوا أهل الجماعة، ولم يكن يتبين له أنهم هم.
وعقوبة القتل لا تدل على ردة صاحبها فهو إنما يقتل لكف ضرره عن الناس، كما يقتل المحارب وإن لم يكن في نفس الأمر كافرا، وعلى هذا قتل غيلان القدري وغيره قد يكون على هذا الوجه. وتتم هذه العقوبة بعد اليأس من صلاح الداعي إلى البدعة، وإقامة الحجة عليه كما فعل المسلمون مع غيلان، فإنهم ناظروه وبينوا له الحق، كما فعل عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه، واستتابه ثم نكث التوبة بعد ذلك فقتلوه، وكذلك علي بعض ابن عباس إلى الخوارج فناظرهم، ثم رجع نصفهم، ثم قاتل الباقين.
وعقوبة الداعي ليست دليلا على ما يلي:
أولا: استحقاقه للإثم، فقد يكون معذورا لإجتهاد أو تقليد، ولكن يعاقب من دعا إلى بدعة تضر الناس في دينهم. ثانيا: سلب الهدالة منه، فإنه قد يكون عدلا رجلا صالحا، فعقوبته كهجره مثلا، لا تمنع من معرفة قدره وفضله، كما وقع للثلاثة الذين خُلفوا، فإن اثنين منهما شهدا بدرا، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: “كأن الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم”.
أما غير الداعية ممن وقع في معصية أو بدعة، فحكمه كحكم غيره من المسلمين، ولا أدل على ذلك مما وقع بين السلف من اقتتال في الجمل وصفين، ومع هذا كان بعضهم يوالي بعضا موالاة الدين، ولا يتعادون معاداة الكفار، ويقبل بعضهم شهادة بعض ويأخذ بعضهم العلم عن بعض ويتوارثون ويتناكحون مع ما كان بينهم من القتال والتلاعن وغير ذلك.

الأصل الحادي عشر: صحة الصلاة خلف المبتدع إذا لم يمكن الصلاة خلف المتبع، وإذا أمكن ذلك فالمسألة محل خلاف بين أهل العلم
قال شيخ الإسلام إنه يجوز للرجل أن يصلي الصلوات الخمس والجمع خلف من لم يعلم عنه بدعة ولا فسقا، باتفاق الأئمة الأربعة وغيرهم، وليس من شرط الإئتمام ان يعلم المأموم اعتقاد إمامه، ولا أن يمتحنهن فيقول ماذا تعتقد، بل يصلي خلف مستور الحال.
فإذا علم المأموم ان الإمام مبتدع يدعو إلى بدعته، أو ظاهر الفسق، وهو الإمام الراتب الذي لا تمكن الصلاة إلا خلفه كإمام الجمعة والعيدين ونحو ذلك، فإن المأموم يصلي خلفه عند عامة السلف والخلف، لأن صلاة الجماعة خير من صلاة الرجل وحده، وإن كان الإمام فاسقا، والصحيح أن يصليها ولا يعيدها، فالصحابة كان يصلون خلف أئمة الفجار ولا يعيدون، صلى ابن عمر خلف الحجاج، وصلى ابن مسعود خلف الوليد بن عقبة، وكان يشرب الخمر، حتى أنه صلى بهم مرة الصبح أربعا، ثم قال: أزيدكم، فقال ابن مسعود: ما زلنا معك منذ اليوم في زيادة، ولهذا رفعوه إلى عثمان. ولما حصر عثمان صلى بالناس شخص، فقيل لعثمان إنك إمام عامة، وهذا إمام فتنة، فقال: يا ابن أخي، إن الصلاة من أحسن ما يعمل الناس، فإذا أحسنوا فأحسن معهم، وإذا أساءوا فاجتنب إساءتهم.
والأصل أن من اظهر بدعة أو فجورا لا يرتب إماما للمسلمين، فترك الصلاة خلفه يكون مشروعا إذا حقق مصلحة، مثل أن يؤثر هذا في توبته أو عزله، أو انتهاء الناس عن مثل ذنبه، ولم يفت التارك جمعة ولا جماعة، فمن فوت ذلك من أجل البدعة كان مبتدعا مخالفا للصحابة رضي الله عنهم.
وتنازع العلماء في الحكم إذا امكن الصلاة خلف غيره كأن يوجد عدل تمكن الصلاة خلفه، فمذهب الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين وأبي حنيفة أن الصلاة خلف الفاسق والمبتدع تصح. وقيل لا تصح إذا أمكن الصلاة خلف العدل، وهو إحدى الروايتين عن مالك وأحمد. وقد بين ابن تيمية أن هذا التفصيل إنما هو في البدعة التي يعلم أنها تخالف الكتاب والسنة مثل بدع الرافضة والجهمية ونحوهم، أما مسائل الدين التي يتنازع فيها كثير من الناس وكان أحدهم جاهلا أو متأولا، فلا يمنع الصلاة خلف مثل هذا، وأما إذا ظهرت السنة وعلمت، فخالفها واحد، فهذا الذي فيه النزاع.

الأصل الثاني عشر: قبول توبة الداعي إلى البدعة
يذهب شيخ الإسلام إلى أن البدعة مهما غلظت ذنب من الذنوب، وما من ذنب إلا ويغفره الله تعالى. وعمرو بن العاص كان من اعظم الدعاة إلى الكفر والإيذاء للمسلمين، وقد قال له النبي صلى الله عليه وسلم لما أسلم: “يا عمرو، أما علمت أن الإسلام يجب ما كان قبله؟”.
ومن البدع الغليظة التي نص شيخ الإسلام على قبول توبة التائب منها: بدعة سب الصحابة رضي الله عنهم، وبدعة الإتحادية ووحدة الوجود. وبين غلط من ذهب إلى أن توبة الداعي إلى البدعة لا تقبل، فإن الله بين في كتابه أن يتوب على أئمة الكفر الذين هم اعظم من أئمة البدع، فقال تعالى: “إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق”. ودلت السنة على قبول توبة القاتل كما في حديث “الذي قتل تسعة وتسعين نفسا، فسأل هل له من توبة؟ فدُل على رجل عالم، فقال نعم، ومن يحول بينه وبين التوبة”. والقتل من الذنوب الكبيرة، وقد عُلم يقينا أن كل ذنب فيه وعيد، فإن لحوق الوعيد به مشروط بعدم التوبة، إذ نصوص التوبة مبينة لتلك النصوص، كالوعيد في الشرك وأكل الربا.
ووجه شيخ الإسلام أقوال القائلين بعدم قبول توبة الداعي إلى البدعة بما يلي: أن من قال “توبة الداعي غير مقبولة”، فيعني أن التوبة المجردة تُسقط حق الله في العقاب دون حق المظلومين. ومن قال “البدعة لا يتاب منها”، فيقصد بذلك أن المبتدع الذي يتخذ دينا لم يشرعه الله ولا رسوله، زُين له سوء عمله فرآه حسنا، فهو لا يتوب ما دام يراه حسنا، لأن أول التوبة العلم بأن فعله سيئا ليتوب منه، أو بأنه ترك حسنا مأمورا به أمر إيجاب أو استحباب، ليتوب ويفعله، فما دام يرى فعله حسنا، وهو سيء في نفس الأمر، فإنه لا يتوب.

وفي الأخير إن طلاب العلم بحاجة إلى دراسة هذه الأصول والإستفادة منها عمليا وعلميا، فإنها رسمت المسلك العدل الذي أمر به القرآن الكريم في قوله تعالى: “يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون”.

2- أقوال فيمن يؤذي العلماء بلسانه:
الواجب على كل مسلم أن يحترم أهل العلم والفضل، وأن يعرف لهم قدرهم ومنـزلتهم التي أكرمهم الله بها، وأن يمسك لسانه عن الطعـن فيهم والتشهير بهم، فلحوم العلماء مسمومة وعادة الله في هتك أستار منتقصهم معلومة.
ولا شك أن منزلة العلماء في الإسلام عظيمة، فهم ورثة الأنبياء، وحملة الدين للناس. روى الإمام أحمد وأصحاب السنن عن ابن عمر -رضي الله عنهما- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه: لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من يتبع عورة أخيه يتبع الله عورته حتى يفضحه في بيته ” وقال ابن عساكر: إن لحوم العلماء مسمومة، وسنة الله في هتك أستار منتقصيهم معلومة، فمن أطلق لسانه في العلماء بالانتقاص والثلب، ابتلاه الله عز وجل قبل موته بموت القلب . أما إذا كان ذلك بقصد المصلحة وبيان الخطأ بصورة محترمة، فلا مانع منه بل إن ذلك مطلوب شرعاً، فعلى من علم شيئاً من دين الله أن يبينه للناس، وإذا سمع أن أحد العلماء أخطأ فعليه أن يبين خطأه بحكمة واحترام مصحوب بالدليل الشرعي وأقوال العلماء فيه. ومن هذا القبيل كان السلف الصالح يرد بعضهم على بعض باحترام وكذلك الأئمة الكبار، وكان علماء الحديث يبينون خطأ هذا الراوي وصحة رواية الآخر
وكل إنسـان يؤخذ من قوله ويـرد إلا المعصـوم صلى الله عليه وسلم، والواجب على من رأى خطأ لعالم أو زلة أن يسعى بالنصيحة والبيان، لا بالتحامل والتشنيع والتشهير، فإن هذا يمنع في حق عامة الناس، ومنعه في حق العلماء من باب أولى، صيانة لهذا المنصب الشريف، ومنعاً لاجتراء العامة على أهله.
ولم يزل العلماء يختلفون ويتناصحون ويتناظرون ويكتبون في الرد على المخالف مع التزام الأخلاق الحميدة، وصفاء النفوس من الأحقاد والضغائن
والعلماء والدعاة يخطئ في حقهم فريقان من الناس: فريق يغلو فيهم ويتبعهم في زلاتهم، وينتصر لأقوالهم بغير حق، وفريق يتتبع عثراتهم، ويرميهم بما ليس فيهم، والحق وسط بين الفريقين، والتوفيق من عند الله. 

ومن المعلوم أن العلماء هم ورثة الأنبياء، وأفضل الخلق بعد الرسل؛ فهم النبراس الذي يضيء للناس في ظلمات الجهل، ويأخذون بأيدي الناس إلى طريق الهدى، وسبل الرشاد، وهم أكثر الناس خشية لله تعالى، وخوفًا منه؛ قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ﴾ [فاطر: 28].
وحملة العلم وحفاظ الشريعة لا يستوون مع غيرهم؛ كما قال تعالى: ﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [الزمر: 9]، وقد رفع الله من شأنهم، وأعلى من قدرهم، ويظهر هذا جليًّا في قوله تعالى: ﴿ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ [آل عمران: 18]، فمن قرنه الله بنفسه وملائكته في الشهادة بالتوحيد والحق، واجب إكرامه واحترامه.

لكن هناك من ابتلي بضعف الإيمان، وسلاطة اللسان، فصرف همته، ووجَّه طاقته، وضيع أوقاته، سبًّا وتجريحًا، وتنقيصًا وتسفيهًا لعلماء الأمة ورجالها المخلصين، الذين نذروا أنفسهم لحماية حوزة الدين، وإرشاد المسلمين، وتنبيه الغافلين؛ فالجناية على العلماء خرق في الدين.

يقول الطحاوي رحمه الله تعالى في “عقيدته” (2/ 740): “وعلماء السلف من السابقين، ومن بعدهم من التابعين – أهل الخير والأثر، وأهل الفقه والنظر – لا يُذكرون إلا بالجميل، ومن ذكرهم بسوء، فهو على غير السبيل”؛ اهـ.
لذا كان السلف الكرام يحذرون من سب العلماء والطعن فيهم.

يقول الحافظ ابن عساكر رحمه الله تعالى: “واعلم يا أخي – وفقنا الله وإياك لمرضاته، وجعلنا ممن يخشاه ويتقيه حق تقاته – أن لحوم العلماء مسمومة، وعادة الله في هتك أستار منتقصيهم معلومة؛ لأن الوقيعة فيهم بما هم منه براء أمر عظيم، والتناول لأعراضهم بالزور والافتراء مرتع وخيم، والاختلاف على من اختاره الله منهم لنعش العلم خلق ذميم”؛ (تبيين كذب المفتري: ص 28).

وروي عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى أنه قال: “لحوم العلماء مسمومة؛ من شمها مرض، ومن أكلها مات”؛ (المعيد في أدب المفيد والمستفيد: ص 71).

وصدق القائل حيث قال:
لحومُ أهل العلم مسمومة      ومن يعاديهم سريع الهلاك
فكن لأهل العلم عونًا وإن     عاديتهم يومًا، فخذ ما أتاك

ويقول مالك بن دينار رحمه الله تعالى: “كفى بالمرء خيانة أن يكون أمينًا للخونة، وكفى المرء شرًّا ألا يكون صالحًا، ويقع في الصالحين”؛ (شعب الإيمان للبيهقي: 5/ 316)، (صفة الصفوة: 3/ 286).

ويقول ابن المبارك رحمه الله تعالى: “من استخف بالعلماء ذهبت آخرته، ومن استخف بالأمراء ذهبت دنياه، ومن استخف بالإخوان ذهبت مروءته” (سير أعلام النبلاء: 4/ 408).

ويقول أبو سنان الأسدي رحمه الله تعالى: “إذا كان طالب العلم قبل أن يتعلم مسألة في الدين يتعلم الوقيعة في الناس، متى يفلح؟!”؛ (ترتيب المدارك: 2/ 14).

ويقول الإمام أحمد بن الأذرعي رحمه الله تعالى: “الوقيعة في أهل العلم – ولا سيما أكابرهم – من كبائر الذنوب” (الرد الوافر: ص 197).

عاقبة وجزاء من يقع في العلماء بالسب والطعن:

1- استحق اسم الفسوق بعد أن كان كامل الإيمان: قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ [الحجرات: 11].

2- سن سنة سيئة، فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة: وكما أن الدال على الخير كفاعله، فكذلك الدال على الشر كفاعله، وقد قال تعالى: ﴿ وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ ﴾ [يس: 12].
وصدق القائل حيث قال:
وما من كاتب إلا سيلقى     غداة الحشر ما كتبت يداه
فلا تكتب بكفك غير شيء     يسرُّك في القيامة أن تراه
فالسعيد من إذا مات ماتت معه سيئاته. يقول الشاطبي رحمه الله تعالى: “وطوبى لمن مات وماتت معه ذنوبه، والويل الطويل لمن يموت وتبقى ذنوبه مائة سنة ومائتي سنة يعذب بها في قبره، ويسأل عنها إلى انقراضها”؛ اهـ.
فمن سن سنة الطعن والسب في العلماء وتبعه على هذا غيره، فعليه وزره، ووزر من تبعه، فإن مات دون توبة، وخلف هذه السنَّة بعده، لحقه شؤم هذه المعصية حتى بعد موته، نعوذ بالله من الخِذلان.

3- أنه من شرار الخلق: فقد أخرج الإمام أحمد عن عبدالرحمن بن غنم رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (خيار عباد الله الذين إذا رءوا ذكر الله، وشرار عباد الله المشَّاؤون بالنميمة، المفرقون بين الأحبة، الباغون للبراء العنت) – وفي رواية: “الباغون للبراء العيب”، فهؤلاء الأشرار يطلبون العيوب القبيحة للشرفاء المنزهين عن الفواحش.

4- أنه عرضة لحرب الله عليه: ففي الحديث الذي رواه البخاري أن رب العالمين قال في الحديث القدسي: (من عادى لي وليًّا، فقد آذنته بالحرب)؛ الحديث.

5- أنه عرضة لاستجابة دعوة العالم المظلوم: فدعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب، فكيف بدعوة ولي الله الذي قال الله تعالى عنه: (ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه)؛ (رواه البخاري)؟!
قال الإمام الحافظ ابن العباس الحسن بن سفيان لمن أثقل عليه: “يا هذا، قد احتملتك وأنا ابن تسعين سنة، فاتق الله في المشايخ، فربما استجيبت فيك دعوة” (سير أعلام النبلاء: 14/ 159).
ولما أنكر السلطان على الوزير نظام الملك صرف الأموال الكثيرة في جهة طلبة العلم، أجابه الوزير: “أقمت لك بها جندًا لا ترد سهامهم بالأسحار، فاستصوب السلطان فعله، وساعده عليه” (تحفة الطالبين: ص 115).

6- يعاقبه الله من جنس عمله: وحيث إن الجزاء من جنس العمل، فليحذر الذي يسب العلماء ويطعن فيهم ويستهزئ بهم عاقبة من جنس فعله.
يقول إبراهيم رحمه الله تعالى: “إني أجد نفسي تحدثني بالشيء، فما يمنعني أن أتكلم به إلا مخافة أن أبتلى به”، وقد حكي أن رجلًا كان يجرئ تلامذته على الطعن في العلماء وإهانتهم، وذات يوم تكلم بكلام لم يدعْه أحد تلامذته، فقام إليه فصفعه على رؤوس الأشهاد، فقيل له: ﴿ ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ﴾ [آل عمران: 182].

7- يبتلى بموت القلب: يقول الحافظ ابن عساكر رحمه الله تعالى: “ومن أطلق لسانه في العلماء بالثلب، ابتلاه الله تعالى قبل موته بموت القلب؛ ﴿ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [1] [النور: 63].
ويقول مخلد: حدثنا بعض أصحابنا قال: ذكرت يومًا عند الحسن بن ذكوان رجلًا بشيء، فقال: “مه! لا تذكر العلماء بشيءٍ، فيميت الله قلبك”.

8- من يسب العلماء لدينهم، وقولهم بأحكام الله، فهو على خطر كبير إن كان يعلم ذلك؛ قال تعالى: ﴿ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ﴾ [التوبة: 65، 66].

9- يبتلى بسوء الخاتمة عياذًا بالله: فها هو القاضي الفقيه الشافعي محمد بن عبدالله الزبيدي، ولد سنة عشر وسبعمائة، وشرح التنبيه في أربعة وعشرين مجلدًا، درس وأفتى، وكثرت طلابه ببلاد اليمن، واشتهر ذكره، وبعد صيته، ذكر الجمال المصري: “أنه شاهده عند وفاته وقد اندلع لسانه [خرج من الفم واسترخى] واسود، فكانوا يرون أن ذلك بسبب كثرة وقيعته في الشيخ محيي الدين النووي – رحمهم الله جمعيًا” (الدرر الكامنة: 4/ 106).

ولله در القائل:
إن السعيدَ له في غيره عِظةٌ     وفي التجارب تحكيمٌ ومعتبر

3- مخاطر الطعن في العلماء:

1- تعطيل الانتفاع بعلمهم:
نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن سب الديك فقال: (لا تسبوا الديك؛ فإنه يوقظ للصلاة)؛ (رواه أبو داود)، فكيف بسب ورثة الأنبياء الداعين إلى الله عز وجل، وأفضل الخلق بعد الرسل والأنبياء؟! قال تعالى: ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾ [فصلت: 33].

قال أبو الدرداء رضي الله عنه: “ما نحن لولا كلمات الفقهاء؟!”.

وكان الحسن البصري رحمه الله تعالى يقول: “الدنيا كلها ظلمة، إلا مجالس العلماء”؛ (جامع بيان العلم: ص236).

وقال الإمام رحمه الله تعالى: “إنما الناس بشيوخهم، فإذا ذهب الشيوخ فمع من العيش؟!”.

2- جرح شهود الشرع وهم العلماء جرح المشهود به وهو القرآن والسنة:
فالقدح في الحامل يفضي إلى القدح بما يحمله من الشرع والدين؛ ولهذا أطبق العلماء على أن من أسباب الإلحاد: القدح في العلماء.
وذكر ابن كثير في “تفسيره” (2/ 193) عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رجلٌ في غزوة تبوك في مجلس: ما رأيت مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطونًا ولا أكذب ألسنًا ولا أجبن عند اللقاء، فقال رجل في المسجد: كذبت، ولكنك منافق، لأخبرن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزل قوله تعالى: ﴿ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ ﴾ [التوبة: 65، 66]، فقال عبدالله بن عمر رضي الله عنهما: أنا رأيته متعلقًا بحقب ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم تنكبه الحجارة، وهو يقول: يا رسول الله، إنما كنا نخوض ونلعب، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ﴿ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ ﴾ [التوبة: 65]… الآيات”؛ اهـ.

ويقول العلامة بكر بن عبدالله أبو زيد رحمه الله تعالى: “بادرة ملعونة… وهي تكفير العلماء، والحط من أقدارهم، فهذا من عمل الشيطان، وباب ضلالة وإضلال، وفساد وإفساد، وإذا جرح شهود الشرع جرح المشهود به، لكن الأغرار لا يفقهون ولا يثبتون”؛ اهـ.
فالعلماء عقول الأمة، والأمة التي لا تحترم عقولها غير جديرة بالبقاء؛ (حرمة أهل العلم للمقدم – حفظه الله -: ص 319 – 320) بتصرف واختصار.

وأعلم وفقك الله أن لحوم العلماء رحمة الله عليهم مسمومة ، وعادة الله في هتك أستار منتقصيهم معلومة ؛ لأن الوقيعة فيهم بما هم منه براء أمره عظيم ، والتناول لأعراضهم بالزور والافتراء مرتع وخيم ، والاختلاق على من اختاره الله منهم لنشر العلم خلق ذميم ، والاقتداء بما مدح الله به قول المتبعين من الاستغفار لمن سبقهم وصف كريم ، إذ قال مثنيا عليهم في كتابه وهو بمكارم الأخلاق وضدها عليم : (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) (الحشر /10) .والارتكاب لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الاغتياب وسب الأموات جسيم ، فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم” (تبيين كذب المفتري” (ص 29-30) .

والآية السابقة التي ذكرها أبو القاسم ابن عساكر رحمه الله ، وإن كانت تذكر دعاء المؤمنين الخالفين لمن سبقهم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، فالأدب الذي فيها عام لكل تابع في الخير مع من سبقه .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : “المعنى المقتضي لذلك يعم الصحابة ، وسائر طبقات الأمة ، إذ كل طبقة متأخرة ينبغي أن تستعمل مع الطبقة المتقدمة معنى هذه الآية” انتهى (جواب الاعتراضات على الفتيا الحموية (161) .

وقال الشيخ السعدي رحمه الله : “وهذا دعاء شامل لجميع المؤمنين السابقين من الصحابة ومن قبلهم ومن بعدهم . وهذا من فضائل الإيمان أن المؤمنين ينتفع بعضهم ببعض ، ويدعو بعضهم لبعض بسبب المشاركة في الإيمان المقتضي لعقد الأخوة بين المؤمنين التي من فروعها أن يدعو بعضهم لبعض ، وأن يحب بعضهم بعضا . ولهذا ذكر الله في الدعاء نفي الغل عن القلب الشامل لقليل الغل وكثيره الذي إذا انتفى ثبت ضده وهو المحبة بين المؤمنين والموالاة والنصح ونحو ذلك مما هو من حقوق المؤمنين” (تفسير السعدي (851) .

وقد قال ابن المبارك رحمه الله : “من استخف بالعلماء ذهبت آخرته” (“سير أعلام النبلاء (8/408).

وقال الطحاوي رحمه الله في “عقيدته” (57) : “وعلماء السلف من السابقين ومن بعدهم من التابعين أهل الخير والأثر وأهل الفقه والنظر لا يُذْكرون إلا بالجميل ، ومن ذكرهم بسوء فهو على غير سبيل ” .

ثالثا:
لا يعني ذلك أن أولئك العلماء معصومون من الخطأ ، أو أنه لا يرد عليهم ما أخطأوا فيه ؛ لكن ينبغي أن يكون الرد عليهم بأدبه ؛ فلا يهدر صوابهم وخيرهم لأجل خطأ أخطأ فيه الواحد منهم ، ولا يكون الدافع إلى ذلك جهل أو هوى أو عصبية ؛ ثم الذي يتولى الرد عليهم ، والبحث معهم : هو من تأهل لذلك من أهل العلم الثقات ، الذي يحسن أن يزن الأمور بميزان الشرع ، فلا وكس ولا شطط .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : “فالمؤمن يجمع بين القيام بحق الله بمعرفة دينه ، والعمل به ، وحقوق المؤمنين متقدميهم ومتأخريهم بالاستغفار وسلامة القلوب . فإن من كان له لسان صدق ـ بل ومن هو دونه ـ إذا صدر منه ما يكون منكرا في الشرع ؛ فإما أن يكون مجتهدا فيه يغفر الله له خطأه ، وإما أن يكون مغمورا بحسناته ، وإما أن يكون قد تاب منه . بل من هو من دون هؤلاء ، إذا فعل سيئة عظيمة ، فالله يغفرها له إما بتوبة ، وإما باستغفاره ، وإما بحسناته الماحية ، وإما بالدعاء له ، والشفاعة فيه ، والعمل الصالح المهدى إليه ، وإما أن يكفر عنه بمصائب الدنيا ، أو البرزخ ، أو عرصات القيامة ، أو برحمة الله تعالى . فلهذا ينبغي للمؤمن أن يتوقى القول السيء في أعيان المؤمنين المتقين ، ويؤدي الواجب في دين الله ، والقول الصدق ، واتباع ما أمر الله به ، واجتناب ما نهى الله عنه .
وكما أن هذا الواجبُ في المسائل العملية ، فكذلك في هذه المسائل الخبرية ، لا سيما فيما يغمض معناه ، ويتشبه على عموم الناس الحق فيه بالباطل ؛ فهذا المسلك يجب اتباعه ؛ إذ قل عظيم في الأمة إلا وله زلة … فلا بد من رعاية حق الله بالواجب في الإثبات والنفي ، والأمر والنهي ، وحق عباده المؤمنين بما لهم من إيصال حقوقهم إليهم من المحبة والموالاة ، وتوابع ذلك ، واجتناب البغي والعدوان عليم” (جواب الاعتراضات المصرية على الفتيا الحموية (162-163) .

وقال ابن القيم رحمه الله : “معرفة فضل أئمة الإسلام ومقاديرهم وحقوقهم ومراتبهم ، وأنَّ فضلَهم وعلمَهم ونصحهم لله ورسوله لا يوجب قبول كلِّ ما قالوه ، وما وقع في فتاويهم من المسائل التي خفي عليهم فيها ما جاء به الرسول ، فقالوا بمبلغ علمهم والحقُّ في خلافها لا يوجب اطِّراح أقوالهم جملة ، وتنقصهم والوقيعة فيهم ، فهذان طرفان جائران عن القصد ، وقصد السبيل بينهما ، فلا نؤثم ولا نعصم”.
إلى أن قال : “ومن له علم بالشرع والواقع يعلم قطعاً أنَّ الرَّجلَ الجليل الذي له في الإسلام قدَم صالح وآثار حسنة ، وهو من الإسلام وأهله بمكان ، قد تكون منه الهفوة والزلَّة هو فيها معذور ، بل ومأجور لاجتهاده ، فلا يجوز أن يُتبع فيها ، ولا يجوز أن تُهدر مكانته وإمامته ومنزلته من قلوب المسلمين ” (إعلام الموقعين (3/283).

فحذار حذار من الوقوع في أهل العلم والإسلام ، والجرأة على ذلك المقام الخطر ، وتقحم الإنسان فيما لا يعنيه ، والسلامة السلامة ، لدينك وعرضك . وننصح بمراجعة كتاب : “حرمة أهل العلم ” للشيخ محمد أحمد إسماعيل ، والانتفاع به .

وقد شاع في هذا العصر أن كثيراً من المنتسبين إلى العلم والدعوة إلى الخير يقعون في أعراض كثير من إخوانهم الدعاة المشهورين ، ويتكلمون في أعراض طلبة العلم والدعاة والمحاضرين . يفعلون ذلك سراً في مجالسهم ، وربما سجلوه في أشرطة تنشر على الناس ، وقد يفعلونه علانية في محاضرات عامة في المساجد ، وهذا المسلك مخالف لما أمر الله به ورسوله من جهات عديدة منها :

أولاً : أنه تعد على حقوق الناس من المسلمين ، بل من خاصة الناس من طلبة العلم والدعاة الذي بذلوا وسعهم في توعية الناس وإرشادهم وتصحيح عقائدهم ومناهجهم ، واجتهدوا في تنظيم الدروس والمحاضرات وتأليف الكتب النافعة .

ثانياً : أنه تفريق لوحدة المسلمين وتمزيق لصفهم ، وهم أحوج ما يكونون إلى الوحدة والبعد عن الشتات والفرقة وكثرة القيل والقال فيما بينهم ، خاصة وأن الدعاة الذين نيل منهم هم من أهل السنة والجماعة المعروفين بمحاربة البدع والخرافات ، والوقوف في وجه الداعية إليها ، وكشف خططهم وألاعيبهم . ولا نرى مصلحة في مثل هذا العمل إلا للأعداء المتربصين من أهل الكفر والنفاق أو من أهل البدع والضلال .

ثالثاً : أن هذا العمل فيه مظاهرة ومعاونة للمغرضين من العلمانيين والمستغربين وغيرهم من الملاحدة الذين اشتهر عنهم الوقيعة في الدعاة والكذب عليهم والتحريض ضدهم فيما كتبوه وسجلوه ، وليس من حق الأخوة الإسلامية أن يعين هؤلاء المتعجلون أعداءهم على إخوانهم من طلبة العلم والدعاة وغيرهم .

رابعاً : إن في ذلك إفساداً لقلوب العامة والخاصة ، ونشراً وترويجاً للأكاذيب والإشاعات الباطلة ، وسبباً في كثرة الغيبة والنميمة وفتح أبواب الشر على مصاريعها لضعاف النفوس الذين يدأبون على بث الشبه وإثارة الفتن ويحرصون على إيذاء المؤمنين بغير ما اكتسبوا .

خامساً : أن كثيراً من الكلام الذي قيل لا حقيقة له ، وإنما من التوهمات التي زينها الشيطان لأصحابها وأغراهم بها وقد قال الله تعالى : (يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضاً) الحجرات/12 ، والمؤمن ينبغي أن يحمل كلام أخيه المسلم على أحسن المحامل ، وقد قال بعض السلف : لا تظن بكلمة خرجت من أخيك سوءً وأنت تجتهد لها في الخير محملاً .

سادساً : وما وجد من اجتهاد لبعض العلماء وطلبة العلم فيما يسوغ فيه الاجتهاد فإن صاحبه لا يؤاخذ به ولا يثرب عليه إذا كان أهلاً للاجتهاد ، فإذا خالفه غيره في ذلك كان الأجدر أن يجادله بالتي هي أحسن ، حرصاً على الوصول إلى الحق من أقرب طريق ودفعاً لوساوس الشيطان وتحريشه بين المؤمنين ، فإن لم يتيسر ذلك ، ورأى أحد أنه لا بد من بيان المخالفة فيكون ذلك بأحسن عبارة وألطف إشارة ، ودون تهجم أو تجريح أو شطط في القول قد يدعو إلى رد الحق أو الإعراض عنه . ودون تعرض للأشخاص أو اتهام للنيات أو زيادة في الكلام لا مسوغ لها . وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يقول في مثل هذه الأمور ما بال أقوام قالوا كذا وكذا .

4- يجب التفريق بين النقد والتجريح، وبين النصيحة والفضيحة، وبين الصدع بالحق والتحامل:
وهذا يجب أن ينتهجه المسلم بشكل عام مع جميع من حوله . ولكن لكوننا نقصد بهذه الرسالة صنف من الناس وهم (العلماء والدعاة) وجب علينا أولا طرح هذا السؤال :
هل يجوز لنا نقد أو نصيحة أو الإنكار على العلماء والدعاة؟! 

الجواب : نعم يجوز ذلك بلا ريب ، فالعالم أو الداعية بشر من البشر يخطئ ويصيب، يعصي ويطيع وكما قال صلى الله عليه وسلم : (كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون) رواه الترمذي وابن ماجه وأحمد بإسناد صحيح من حديث أنس .
وقال الإمام مالك : كل منا يؤخذ من قوله ويرد إلا صاحب هذا القبر وأشار بيده إلى قبر النبي ـ صلى الله عليه وسلم .
ونحن (أهل السنة والجماعة) ننكر أشد الإنكار على ما يعتقده المريد في شيخه الصوفي، فالشيخ الصوفي أول ما يلقن مريده من آداب هو (أن يكون بين يديه كما يكون الميت بين يد مغسله أي جسد بلا روح) ، وهكذا يدرب المريد حتى يؤول الأمر إلى منكرات عظيمة تصل لدرجة أن بعض الزنادقة من شيوخ الصوفية يغتصب زوجة المريد أمام المريد وهو لا يحرك ساكنا امتثالا لأمر الشيخ ، ولا حول ولا قوة إلا بالله .
فنحن لا نعتقد العصمة في أحد من الصحابة ، فكيف نعتقدها في العلماء والدعاة ؟!!.

ثالثا ـ وهنا يأتي السؤال الأهم : كيف يمكن أن يكون (النصح أو النقد أو الإنكار) على أهل العلم والدعاة؟!! وهل من ضوابط في ذلك؟!!
قلت : اعلم ـ وفقك الله للخير ـ أن هناك عدة أمور يجب أن يتحلى بها من تصدى لنقد أو نصح عالم قبل أن يقوم بذلك ، وهي :

1 ـ ملاحظة “مؤشر الإخلاص” في قلبك اتجاه النصيحة :
ويكون ذلك بوقوفك بنفسك على الدوافع الحقيقية التي حملتك على بذل هذه النصيحة، وهذه لن يقف على حقيقتها إلا الله سبحانه وتعالى ثم شخصك الكريم ؛ لأن ذلك محله القلب ، والقلب لا يطلع عليه إلا الله الذي {يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ} (غافر:19) .

وللكشف عن حقيقة دوافعك من النصيحة ومراقبة مؤشر الإخلاص في قلبك أجب على هذه الأسئلة أولا قبل إسداء النصيحة:
س1 : هل أنت محب (لفلان) الذي تنصحه ؟! فإن كنت تحبه فبشارة خير. وإن كان غير ذلك فأجب على ما يلي:
س2 : هل تمنيت أن يكفيك غيرك بذل هذه النصيحة؟!! فإن قلت نعم ، فبشارة خير. وإن كان غير ذلك فأجب على ما يلي:
س3 : هل أحزنك صدور ذلك من (فلان) أم سررت بذلك ووجدتها فرصة لنصحه؟! فإن قلت نعم ، فبشارة خير. وإن كان غير ذلك فأجب على ما يلي:
س4 : هل كنت تتمنى أن تكون نصيحتك في السر بينك وبينه ، ولكنك لم تجد إلى ذلك سبيلا؟!! فإن قلت نعم ، فبشارة خير. وإن كان غير ذلك فأجب على ما يلي:
س5 : هل لو فعلها أحب الناس إليك كنت ستنصحه بنفس الكيفية والأسلوب ؟! فإن قلت نعم ، فبشارة خير. وإن كان غير ذلك فإليك هذه المذكرات الهامة :

1 ـ الإخلاص شرط لقبول العمل الصالح ، فإن فقده فهو طالح ؛ لحديث عمر مرفوعا: (إنما الأعمال بالنيات ، وإنما لكل امرئ ما نوى) رواه الشيخان.
صح من حديث أبي أمامة مرفوعا: (إن الله عز وجل لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصا وابتغى به وجهه) رواه أبو داود والنسائي وغيرهما بإسناد جيد.
وعلاج الإخلاص يكون بكسر حظوظ النفس ، وقطع الطمع عن الدنيا ، والتجرد للآخرة حتى يغلب ذلك على قلبك؟!.
وقد قيل : (يا نفس اخلصي تتخلصي) أي اخلصي لله تتخلصي من العذاب؟!. و(رب عمل صغير يعظمه النية ، ورب عمل كبير تصغره النية) ؟!!

يا أيها الحبيب يا من تريد بذل نصيحة لأحد العلماء أو الدعاة وتريد بها الخير استصحب معك هذه المعاني وأنت مقدم على نصيحة عالم أو نقده:

أ ـ ذكر أحد العلماء عند الإمام أحمد وكان متكئا من علة فاستوى جالسا وقال: (لا ينبغي أن يذكر الصالحون فنتكئ)!!

ب ـ قال الترمذي : (لم يسلم من الخطأ والغلط كبير أحد من الأئمة مع حفظهم) فكيف بعلماء زماننا ودعاتنا، وكيف بي أنا وأنت أيها الناصح الكريم ؟!

جـ ـ يجب على الجميع استيعاب حقيقة لا بد منها ، وهي وقوع الخلاف من عهد الصحابة وحتى يرث الله الأرض ومن عليها؛ لأن الخلاف سنة الله في خلقه وأسبابه كثيرة.

د ـ الفتوى غير ملزمة لأحد إن ترجح لديه مخالفتها لدليل معلوم لديه ، ولكن عدم الطعن في صاحب الفتوى والتشنيع بشخصه ملزم للجميع.

2 ـ أن تقدم بين يديك محبة المنصوح أولا :
وإظهار الشفقة عليه في ثنايا نصحك له، أذكر أن أحدهم كان كلما خاطبني في رسائله قال لي : (أخي الحبيب فلان) ، فلما بدا له أن ينصحني في مسألة ما قال : (الأخ فلان) ، فتعجبت لذلك وقلت له: عجبا لك!! ما خاطبتني قط إلا وتقول: أخي الحبيب ، فلما كان أحوج ما يكون الكلام لذلك عند النصيحة جردت (أخ) من ياء المتكلم التي تتضمن معنى التلطف والقرب وذكرته بقول إبراهيم عليه السلام لأبيه الكافر: {إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً} (مريم:42) وقول لقمان لابنه وهو ينصحه: {يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ} (لقمان:17) ، وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمه الكافر أبي طالب : (يا عماه). فتأمل ـ رحمك الله ـ .

فمحبة العالم أو الداعية ليست للونه أو جنسه أو جماعته ، إنما لما يحمله من بقايا إرث النبوة وهو العلم الشرعي.
وقد تقول : أنا لا أحبه ؛ لأنه يفتي بالطامات ومتساهل !!
فأقول لك : فأخبرني ـ وفقك الله ـ هل ما يفتي به باجتهاده أم بالتشهي ؟!
فإن قلت : باجتهاده . فأقول لك ما قاله شيخ الإسلام: “فأما الصديقون والشهداء والصالحون ، فليسوا بمعصومين، وهذا في الذنوب المحققة، وأما ما اجتهدوا فيه: فتارة يُصيبون وتارة يخطئون. فإذا اجتهدوا وأصابوا فلهم أجران. وإذا اجتهدوا وأخطئوا فلهم أجر على اجتهادهم، وخطؤهم مغفور لهم. وأهل الضلال يجعلون الخطأ والإثم متلازمين ، فتارة يغلون فيهم ويقولون: إنهم معصومون، وتارة يجفون عنهم ويقولون: إنهم باغون بالخطأ. وأهل العلم والإيمان: لا يعصمون ولا يؤثمون”.

وإن قلت : بل يفتي بالتشهي !! فأقول لك : وأين الدليل على ذلك ـ يرحمك الله ؟!
فإن قلت : مخالفته في فتواه النصوص الصريحة والصحيحة وجمهور أهل العلم؟!
قلت لك : هل يلزم كل من تلبس بذلك أن تكون فتواه بالتشهي؟!

يا أيها الحبيب إن العلم واسع ، وأسباب اختلاف العلماء قامت منذ الصدر الأول حتى يومنا هذا ، ولا يوجد أحد من أهل العلم ينكر وجود الخلاف في الفروع الفقهية ، فلا تضيق واسعا !! وعليك بقراءة كتاب (رفع الملام عن الأئمة الأعلام) و(مقدمة في أصول التفسير) لابن تيمية ، حتى تقف على أسباب وحقيقة الخلاف بين أهل العلم حتى لا تنكر شيئا لا إنكار فيه ، أو تعطيه أكبر من حجمه.

أما إن قلت : لا أحبه ؛ لأنه متكبر . فأقول لك : هذا إذا يدور في فلك الإيمان ؛ لأن الحب يكون لطاعة والبغض لمعصية، وإن ثبت أن فلانا من الدعاة من المتكبرين ، فحق لك بغضه في ذلك ، ولكن عليك الاحتراز من الخروج من البغض في الله إلى البغض لحظ النفس .
واعلم ـ وفقك الله للخير ـ أن بغضك له بسبب شرعي لا يسوغ لك التشنيع به والاسترسال في ذمه وتعنيفه في النصيحة، ولذلك إن لم تكن ممن يملك زمام رابطة الجأش ، فأنصحك بعدم نصحه حتى لا تنحرف النصيحة عن وجهتها الصحيحة فتتحامل فيها على المنصوح.

3 ـ أن تــقـدم بيـن يـديـك إحســان الظــن :
فإحسان الظن بالآخر والذهاب في ذلك إلى أبعد الحدود يجب أن يكون مطلقا لجميع المسلمين ، وأهل العلم والدعوة من باب أولى . كما قال الحق سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ} (الحجرات:12) .
وروى أبو هريرة مرفوعا: (إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث) رواه الشيخان .
وروى المحاملي في “أماليه” عن عمر بن الخطاب قال : (لا تظنن بكلمة خرجت من في امرئ مسلم سوءا وأنت تجد لها في الخير محملا) .
وروى البيهقي في “الشعب” عن محمد بن سيرين قال : (إذا بلغك عن أخيك شيء فالتمس له عذرا فإن لم تجد له عذرا فقل له عذر).
وعنه أيضا في “الشعب” عن جعفر بن محمد قال : (إذا بلغك عن أخيك الشيء تنكره فالتمس له عذرا واحدا إلى سبعين عذرا ، فإن أصبته وإلا قل لعل له عذرا لا أعرفه).
وعنه أيضا في “الشعب” عن سعيد بن المسيب قال : (كتب إلى بعض إخواني من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ضع أمر أخيك على أحسنه ما لم يأتك ما يغلبك ولا تظنن بكلمة خرجت من امرئ مسلم شرا وأنت تجد له في الخير محملا).

فالواجب على من سمع مقالة أو فتوى أن يحملها المحمل الحسن بكل وسعه ، ويقول في نفسه: لعله يريد كذا أو كذا ، ولا يقصد كذا أو كذا، فيتأول كلام الآخر بكل السبل، خاصة إذا سبق لذهننا ماهية هذا الشخص من خلال قرائن الحال.

وفي هذا الخصوص روى البيهقي في “الشعب” عن حفص بن حميد قال: (إذا عرفت الرجل بالمودة ، فسيئاته كلها مغفورة ، وإذا عرفته بالعداوة ، فحسناته كلها مردودة عليه).

4 ـ أن تـكون عـالـما بحقيــقة ما تــقوم بالنصـح بـه :
فيجب على الناصح أن يكون مؤهلا علميا فيما سينصح به ، وعلى دراية تامة بأوجه الاجتهاد في المسألة ، ومعرفة الراجح من المرجوح فيه ؛ حتى إذا أنكر على العالم أو الداعية يتناسب إنكاره مع حجم المنكر ، ولا يبالغ في ذلك فيخرج عن الجادة والصواب.

5 ـ تــــرك التــعـــصــب :
فأحيانا نجد البعض من شدة تعصبه لعالم من العلماء يشنع تشنيعا شديدا على العلماء والدعاة المخالفين لرأي شيخه ، وهذه عصبية مقيتة تدل على ضعف إيمان وعقل وعلم صاحبها، فتعمى العصبية لشيخه بصره ، وتغشى على عقله ، فلا يرى حسنا إلا ما حسنه شيخه ، ولا صوابا إلا ما ذهب إليه شيخه!! {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا} (البقرة:91) .
ولهذه العصبية تبعات خطيرة على صاحبها منها : أنها ستصده بكل قوة عن معرفة دليل المخالف لشيخه أو الاستماع إليه أو فهمه وتأمله.

6 ـ أن تـتـحرى الألـفــاظ عـنـد الـنـصـيـحة :
فنحن عندما نتكلم على عالم أو داعية إلى الله يجب أن يكون كلامنا يدور بين (النقد البناء، والنصيحة، والصدع بالحق)، ، ونحترز من نواقض هذه الصفات كـ (التجريح ، والفضيحة، والتحامل) ؛ لأن هذه مطية أعداء الدين والتدين، لهدم الدين والخلق كما لا يخفى.

فأعداء الدين من المنافقين ، والعلمانيين ، والحداثيين ، والزنادقة ، والفساق تتهلل وجوههم الكالحة والسوداء من نعت علماء الإسلام والدعاة بهذه النعوت ومن تتبع خضراء الدّمن (جريدة الشرق الأوسط) ، ومجلة (روزر يوسف) ، وغيرهما يعلم جيدا خبث هؤلاء واصطيادهم في الماء العكر، فهل تسعد أيها الناصح المريد للخير بإسعاد هؤلاء؟!! بلا ريب لا وألف لا!!
إذًا فعليك بالاحتياط وتحري الألفاظ . فامتلاك الكلمة قبل النطق بها هو دأب أهل الصلاح والخير ؛ حتى لا نقع في مخالفة شرعية {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} (قّ:18) .
وعن عقبة بن عامر مرفوعا : (أمسك عليك لسانك وليسعك بيتك وابك على خطيئتك) رواه الشيخان.
فالواجب على العاقل أن يملك الكلمة ويتحكم فيها ولا يدعها تملكه ويكون أسيرا لها ، وأذكر أنني قرأت في “روضة العقلاء” لأبي حاتم أنه حكى عن السلف قولهم : (من تكلم بالكلمة ملكته ، ومن لم يتكلم بها ملكها) أو نحو هذا .
وكما روي عن عمر قوله : (من كثر كلامه كثر سقطه ، ومن كثر سقطه كثرت ذنوبه ، ومن كثرت ذنوبه كانت النار أولى به) رواه البيهقي في “الشعب”.
فالمبادرة بالكلام والرد على عجالة له عواقب كثيرة ، والكيس الفطن هو الذي يعلم أين يضع قدمه، ويجهز لكل عبارة جوابا شرعيا لا جوابا فلسفيا أو جدليا أو سفسطائيا. جوابا مفحما للآخرين يقنع نفسه به قبل إقناع الآخرين.
والكيس الفطن من احترز من السقطات بقلة الكلام ، فهذا ابن مسعود يقول : (والله الذي لا إله إلا هو ليس شيء أحوج إلى طول سجن من لساني) .
وقال الحسن : (ما عقل دينه من لم يحفظ لسانه) . وبلا ريب أن الكتابة في المنتديات تعد بمنزلة النطق باللسان. وهذا يتولد منه التنبيه التالي:

7 ـ التـــأني في الإنـــكار :
وذلك خشية أن يقع صاحبه في الظلم، فقد ينكر على الآخر على عجالة بدون تأني ويكون إنكاره ليس له وجه ، فيقع المُنكِر ـ بضم الميم وكسر الكاف ـ في ظلم المنكر عليه ، فيقع في المخالفة الشرعية وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (الحج:71) .
فعلينا تذكر كلام حبيبنا ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيما رواه عنه أبو هريرة مرفوعا : (لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يُقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء) رواه مسلم.
ولا أعني بذلك أن يصاب المؤمن ببرود الدم فيرى المنكر ولا يحرك ساكنا ، لا والله ، ولكن ما قصدته أن ما يظهر للبعض أنه منكر محتمل ويسعه الخلاف أو أنه غير متأكد من درجة المنكر ، فلا يدري بأي درجة يعالج؛ لأن لكل منكر طريقة إنكاره، ومن هنا وجب التفقه في علم الحسبة ومناهج السلف ؛ حتى نوفق في إنكارنا. فمن المنكرات ما يسكت عنه ، ومنها ما يعجل فيه بالإنكار ، وهذا بابه واسع يحتاج لعلم وخبرة. وهذا يفضي بنا إلى التنبيه التالي :

8 ـ طــلـب عـلـم مـا لـم يعــلـم :
فإذا أشكل على المنكر أي أشكال ، فليبادر بالاستفهام كما قال الحبيب ـ صلى الله عليه وسلم ـ : (يا فلان ما منعك أن تصلي في القوم؟) رواه البخاري من حديث عمران بن حصين ، فإنما شفاء العي السؤال.
معنى ذلك أنـنا يجب أن نتـثـبت قبل الخـوض في الرد كما نبـهنا الله تعالى لذلك: {وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} (الإسراء:36) .
فالعاقل يجب عليه أن يحذر من ترديد كلام الآخرين من غير التثبت منه وعقله وفهمه فيورط نفسه ويقع في المخالفة الشرعية التي جاء التحذير منها في حديث أبو هريرة مرفوعا: (كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع) رواه مسلم.
ويترتب على ذلك أن يقع هذا الشخص في التشبع بما لم يعط ، فهو كلابس ثوبي زور كما روى ذلك الشيخان من حديث أسماء.

5- الرد على علماء البدعة وشيوخها 
هل صحيح أنه لا غيبة لمبتدع مطلقا؟
يقول الشيخ الفوزان: هذا شيء بالإجماع، إذا كان قصدك النصيحة لوجه الله وتحذير المسلمين من الوقوع في شر هذا المبتدع فإن هذا لا يسمى غيبة وإنما هو جهاد، ومن باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هذا أمر يتقرب به إلى الله تبارك وتعالى وليس بغيبة، شريطة أن تكون ناصحا لله محذرا للمسلمين من الوقوع في شر هذا المبتدع، فيخرج هذا من إطار البدعة إلى إطار الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإلى إطار الجهاد في سبيل الله – تبارك وتعالى – بل من أفضل أنواع الجهاد، ويوجد كلام لأحمد ولابن تيمية ولأئمة السلف وللفقهاء من مختلف المذاهب أن المبتدع لا غيبة له وأنه يجب التحذير منه، وحكى شيخ الاسلام ابن تيمية الإجماع في ذلك هو وابن رجب والنووي، واستثنى الأئمة من الغيبة ستة :
القـدح ليس بغـيبة في ستة      مـتظلم ومـعرف ومـحذر
ومـجاهـر فـسقا ومستفت ومـن      طلب الإعانة في إزالة منــكر
هذه ستة أبواب اتفق العلماء على أن الكلام فيها في الشخص بما يكره وبما يعيبه ليس من الغيبة وإنما هو من النصيحة ، فأهل التصوف وأهل الضلال منذ زمن يعيبون أئمة السنة وأئمة الجرح والتعديل فيقولون: هذا غيبة، فيجيبهم أهل السنة بأن هذا ليس بغيبة وإنما هو من باب النصيحة ولهم شواهد وأدلة من القرآن والسنة.

قال الشيخ المدخلي (بتصرف):
فالقدح في الناس ليس بغيبةٍ في ستةٍ، متظلمٍ ومعرِّفٍ ومحذِّرِ – هؤلاء ثلاثة -، ومجاهرٍ فِسْقًا – يعني المجاهر بالفسق – ومُسْتفتٍ ، ومن سأل الإعانة أو طلب الإعانة في إزالة منكرِ، هؤلاء الستة لا يُعد الكلام فيهم غيبة.

المتظلِّم؛ يقول ظلمني فلان، يروح عند القاضي يقدِّم له معروض، يشتكي ليصل إلى حقِّه.

والـمُعَرِّف؛ الذي يعرِّف بالناس، مثل: جار بني فلان الأعور، فهو لا يحب أن تقول إنه أعور؟ والتعريف به لا يُعدُّ غيبة، وكذلك الأعرج الأخن، الألثر، الأشل، الأصم، وهكذا. لا يحب هذا، لكن التعريف به اقتضته المصلحة والحاجة، والناس لا يعرفونه إلَّا به، فهذا لا يُعدُّ غيبةً، وإن كان صورته الظاهرة غيبة.

والـمُحَذِّر؛ رآك تمشي مع فلان، فقال: احذر منه، هذا لا يصلح، خئون، فهذا من باب النصيحة.

ومجاهرًا فسقًا؛ هذا الرابع، الذي يجاهر بالمعاصي، كل أهل القرية يعرفون أنَّه مُجرِم، من أصحاب الحشيش والمخدرات، ومن أصحاب الفِسْق والفجور، فحينما تُحذِّر منه؛ لا تُعتبر مُغتابًا له، وإنما تُحذِّر لأن النصيحة أوجبت عليك ذلك.

ومُستفتٍ؛ تأتي إلى المفتي العالم؛ فتقول: أيُّها الشيخ؛ إنَّ أبي قد فعل وفعل وفعل، أو أخي قد فعل وفعل وفعل. قالت هند بنت عتبة – رضي الله عنها – أمُّ معاوية: (يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ لَا يُعْطِينِي مَا يَكْفِينِي وَوَلَدِي إِلَّا مَا أَخَذْتُ مِنْ مَالِهِ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ فَقَالَ خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ)، فوصفت أبا سفيان – رضي الله عنه – بأنه شحيح أو بخيل.

ومن طلب الإعانة في إزالة منكر؛ يعني أن يسأل يأتي إلى الهيئات، أو من بيده الحل والعقد، والأمر والنهي، فيقول: عندنا أُناس فجرة الآن أزعجونا بالخمر والأغاني أو أو، فيصفهم بهذا الوصف، يريد إزالة هذا المنكر الذي أعلنوه، فهذا يطلب الإعانة في إزالة المنكر، وليس ذلك بغيبةٍ وإن كان ظاهره غيبة، فلا يدخلُ في الغيبة المذمومة.

وذكر العلماء أن الغيبة تجوز في حالات :
الأولى : التظلم ، فيجوز للمظلوم أن يتظلم إلى السلطان أو القاضي ، وغيرهما ممن له ولاية أو قدرة على إنصافه من ظالمه .
الثانية : الاستعانة على تغيير المنكر ، ورد العاصي إلى الصواب ، فيقول لمن يرجو قدرته ، فلان يعمل كذا فازجره عنه .
الثالثة : الاستفتاء ، بأن يقول للمفتي ظلمني فلان أو أبي أو أخي بكذا فهل له كذا ؟ وما طريقي للخلاص ودفع ظلمه عني ؟
الرابعة : تحذير المسلمين من شره ، كجرح المجروحين من الرواة والشهود والمصنفين ، ومنها : إذا رأيت من يشتري شيئاً معيباً ، أو شخصا يصاحب إنساناً سارقاً أو زانيا أو ينكحه قريبة له ، أو نحو ذلك ، فإنك تذكر لهم ذلك على وجه النصيحة لا بقصد الإيذاء والإفساد .
الخامسة : أن يكون مجاهراً بفسقه أو بدعته ، كشرب الخمر ومصادرة أموال الناس ، فيجوز ذكره بما يجاهر به ، ولا يجوز بغيره إلا بسبب آخر .
السادسة : التعريف (المعرف)، فإذا كان معروفاً بلقب كالأعشى أو الأعمى أو الأعور أو الأعرج جاز تعريفه به ، ويحرم ذكره به على سبيل التنقيص ، ولو أمكن التعريف بغيره كان أولى .

6- السكوت عن أهل البدع و الباطل و المنحرفين مداهنة و غش للمسلمين فيجب بيان الحق مهما كان:

مخاطر السكوت عن أهل البدع: يتذمر بعض الناس من الحديث عن البدع والمحدثات، حيث يرى فيه تفريقا للأمة، وتشتيتاً لكلمتها. ويرى أن الأولى غض الطرف عنها، وترك كل واحد وما رأى. وهذه النظرة غلط كبير من وجوه متعددة، ومنها:
1- أن السكوت عن البدع والمحدثات، مصادم لما دلت عليه النصوص الشرعية من وجوب ردها وإبطالها، كما في قوله صلى الله عليه وسلم (إياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة) رواه مسلم. وكما في قوله صلى الله عليه وسلم (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) متفق عليه وكما في قوله صلى الله عليه وسلم (القدرية مجوس هذه الأمة إذا مرضوا فلا تعودوهم وإذا ماتوا فلا تشهدوهم) رواه أبو داود والترمذي. وكما في قوله صلى الله عليه وسلم (الخوارج كلاب النار) رواه ابن ماجه وحسنه الألباني وغير ذلك من الأحاديث.
فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم ينهى أمته عن البدع وهو أحرص الناس على هذه الأمة كما قال تعالى (لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم) فعلى أتباعه حقاً وصدقاً أن يتبعوه في هذا الباب أيضاً، فيحذروا الأمة مما حذرها منه نبيها صلى الله عليه وسلم.

2- أن السكوت عن البدع غش للأمة، وخيانة لها، لأن البدع من موجبات غضب الله وسخطه، لقوله صلى الله عليه وسلم (وكل ضلالة في النار) ، ولقوله صلى الله علي وسلم في شأن الذين يذادون عن الحوض يوم القيامة (فأقول يا رب أمتي أمتي!! فيقال : إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك فأقول : سحقاً، سحقاً) متفق عليه .
والبدع بريد الشرك فكثيراً ما جرت البدع أهلها أن عبدوا غير الله فخرجوا من الإسلام ثم ماتوا على الشرك الأكبر والعياذ بالله.

3- أن السكوت عن البدع من أسباب طمس معالم الدين الحق، لأن السكوت عنها يؤدي إلى انتشارها وظهورها، والناس أسرع ما يكونون إلى الباطل، وإذا ظهرت البدع خفيت السنة، وقل من عمل بها، بل قل من يفرق بين السنة والبدعة، وتقرر عند عموم المسلمين أن الحق هو الباطل وأن الباطل هو الحق، فإذا أنكر عليهم شيئ من البدعة قالوا هذا ينكر دين الله ورسوله والله المستعان.

4- أن السكوت عن البدع من أسباب تفرق الأمة، لأن باعث البدع الهوى، والأهواء مختلفة، فيبتدع هذا بدعة، ويبتدع آخر ما يضادها، فيحصل بينهما الشقاق، والنزاع، والاختلاف، في سلسلة غير منتهية الحلقات من الاختلاف. ومن أجلى صور تفريق البدع للأمة ما استمر عليه الحال في المسجد الحرام من تعدد الجماعات على حسب المذاهب الأربعة مدة تزيد على ثمانمئة سنة، حتى قضى الله على هذه البدعة المنكرة بدخول الملك عبد العزيز إلى مكة المكرمة فجمع الناس على إمام واحد فجزاه الله عن الإسلام وأهله خير الجزاء، فالناس لا يجمعهم إلا الحق إن رغبوا في اجتماع الكلمة، وذلك ما أمر الله به كما في قوله تعالى (فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلاً).

5- أن السكوت عن البدع والمحدثات سبب في هوان الأمة الإسلامية، وضعفها، وتسلط عدوها عليها، وذلك أن الله وعد الأمة بحفظها من العذاب والهلكة ما دام فيها المصلحون كما قال تعالى (وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون) وأي إصلاح إذا سكت أهل العلم عن إنكار البدع والحوادث؟!. وقال تعالى (وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقاً) فهل من ركب البدع، وتنكب السنن ممن استقام على الطريقة التي أمر بلزومها، وإذا سكت أهل العلم فمتى سيعلم الناس أنهم على غلط في دينهم. وقال تعالى (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصاحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئاً) فهل المجتمع الذي تسوده البدع والمحدثات ممن توفرت فيهم شروط التمكين في الأرض. وقال تعالى (الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر) فهل الساكتون عن إنكار البدع أو من يحارب إنكار البدع ممن أمر بالمعروف ونهى عن المنكر من الممكنين الآمرين بالمعروف الناهون عن المنكر؟!
وحين استقام الصحابة رضوان الله عليهم والتابعون لهم بإحسان على السنة فلم يبدلوا ولم يحدثوا ولم يقروا ما ظهر من البدع ورثهم الله مشارق الأرض ومغاربها كما وعدهم في زمن قصير، وأمد وجيز في عمر الفتوحات، ومن عرف مدى انتشار البدع والمحدثات العقدية والقولية والعملية في الأمة اليوم لا يتعجب من ذلها وهوانها وتفرقها وتسلط عدوها عليها، نسأل الله أن يرفع الكربة، ويكشف الغمة، وأن يوفق ولاة أمر المسلمين إلى ما فيه صلاح أحوالهم ومعادهم.

6- أن السكوت عن البدع والمحدثات نقض للميثاق الذي أخذه الله على أهل العلم من البيان وعدم الكتمان وتوعدهم بأشد العقوبات إن كتموا ما لم يتوبوا ويصلحوا ويبينوا قال تعالى (إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم) فمن عقل هذه الآية وأمثالها أيتجاسر على كتمان الحق مع القدرة على البيان؟ أو يتجاسر فيدعو إلى السكوت عن البدع والمحدثات مداراة للناس ومراعاة لخواطرهم.

7- أن الذي يفرق الأمة ويشتت الكلمة هو من أحدث في دين الله لأنه حاد عن الصراط المستقيم، وشذ عن الجماعة الذين اجتمعوا على الحق من أهل السنة، فقصارى ما يفعله منكر البدعة هو دعوة من شذ إلى العودة إلى الجماعة فإن فعل فقد أحسن، وإن أبى فهو الذي فرق المسلمين شيعا، ولهذا أمر الله تعالى بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الخير ثم حذرهم أن يتفرقوا كما تفرق من قبلهم، وذلك أن الناس إذا دعوا إلى الحق فواجبهم قبول دعوة الحق ولكن الذي يحصل غالبا هو أن يستجيب القلة للحق، ويأبى الأكثرون وبذلك يوقعون الفرقة في الأمة، ولو تصور أنه لم يستجب أحد لداعي الحق لكان وحده هو الجماعة وأولئك الذين فرقوا دينهم وفي هذا يقول تعالى (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم).

وبعد:
فهذه بعض الأضرار والمفاسد التي تترتب على السكوت عن إنكار البدع والمحدثات، ومنها يتبين غلط هذا القول ومجانبته للصواب إذ ليس عليه دليل من كتاب ولا سنة ولا يؤيده عمل السلف الصالح الذين أنكروا البدع بألسنتهم وأقلامهم، وجانبوا أهلها، وكشفوا للناس عن وجوه الحقائق حتى لا يستزلهم الشيطان، وصبروا على ما لقوا في سبيل ذلك من الأذى العظيم.

جمع لأقوال أهل العلم:

قيل لأحمد بن حنبل رحمه الله : “الرجل يصوم ويصلي ويعتكف أحب إليك أو يتكلم في أهل البدع ؟ فقال : إذا قام وصلى واعتكف فإنما هو لنفسه ، وإذا تكلم في أهل البدع فإنما هو للمسلمين ، هذا أفضل” .

قال محمد بن بندار السباك الجرجاني : “قلت لأحمد بن حنبل : إنه ليشتد عليَّ أن أقول : فلانٌ ضعيفٌ، فلانٌ كذابٌ ؟ قال أحمد : إذا سكتَّ أنت، وسكتُّ أنا، فمتى يعرف الجاهل الصحيح من السَّقيم” (مجموع الفتاوى ( 28/231 )، وشرح علل الترمذي : ( 1/350 ).

سؤال لمعالي الشيخ صالح الفوزان حفظه الله: هل عدم الرَّد على أهل البدع وكتمان باطلهم والدِّفاع عنهم يعتبر من الغشّ للمسلمين، أجاب الشيخ – حفظه الله -:
هذا من أكبر الغش للمسلمين، السكوت على أهل البدع وعدم بيان بدعهم هذا من الغش للمسلمين، فإذا انضاف إلى هذا أنه يمدحهم ويثني عليهم فهذا أشد وأنكر والعياذ بالله، فالواجب على من عنده علم أن يُبَيِّن البدع والمحدثات وأن ينهى عنها ويُحذِّر منها ولا يسكت، السكوت من الكتمان ﴿إِنَّ الذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ البَيِّنَاتِ وَالهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الكِتَابِ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ(159) إِلَّا الذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ . فلا يجوز للمسلم الذي عنده علم أن يسكت على البدع والمخالفات ولا يُبَيِّنُها للناس لأنه إذا سكت احتجَّ الناس به وقالوا لو كان هذا محرمًا أو ممنوعًا ما سكت العالم الفلاني وهو يراه. 

وقال:
جاء في كتاب “إتحاف القاري بتعليقات شرح السنة للبربهاري” لبقية السلف العلامة صالح بن فوزان الفوزان في [ 1/92 ] طبعة الرشد ما نصه :
هذا الذي خرج عن الحق متعمداً لا يجوز السكوت عنه ، بل يجب أن يكشف أمره ويفضح خزيه حتى يحذره الناس ، ولا يقال : الناس أحرار في الرأي ، حرية الكلمة ، احترام الرأي الآخر ، كما يدندنون به الآن من احترام الرأي الآخر فالمسألة ليست مسألة آراء ، المسألة مسألة إتباع نحن قد رسم الله لنا طريقا واضحا وقال لنا سيروا عليه حينما قال {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [ الانعام ] ، فأي شخص يأتينا ويريد منا أن نخرج عن هذا الصراط فإننا:
أولا : نرفض قوله .
وثانيا : نبين ونحذر الناس منه ، ولا يسعنا السكوت عنه ، لأننا إذا سكتنا عنه اغترّ به الناس ، لاسيما إذا كان صاحب فصاحة ولسان وقلم وثقافة فإن الناس يغترون به ، فيقولون هذا مؤهل هذا من المفكرين ! ، كما هو حاصل الآن ، فالمسألة خطيرة جدًّا
وهذا فيه وجوب الرد على المخالف ، عكس ما يقوله أولئك يقولون : اتركوا الردود ، دعوا الناس كلٌّ له رأيه واحترامه ، وحرية الرأي وحرية الكلمة ، بهذا تهلك الأمة ، فالسلف ما سكتوا عن أمثال هؤلاء بل فضحوهم وردوا عليهم لعلمهم بخطرهم على الأمة ، ونحن لا يسعنا أن نسكت على شرهم ، بل لابد من بيان ما أنزل الله ، وإلا فإننا نكون كاتمين ، من الذين قال الله فيهم {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ} [ البقرة : 159 ] ، فلا يقتصر الأمر على المبتدع ، بل يتناول الأمر من سكت عنه ، فإنه يتناوله الذم والعقاب لأن الواجب البيان والتوضيح للناس ، وهذه وظيفة الردود العلمية المتوفرة الآن في مكتبات المسلمين كلها تذُبُ عن الصراط المستقيم ، وتحذر من هؤلاء فلا يروِّج هذا الفكرة ، فكرة حرية الرأي وحرية الكلمة واحترام الآخر ، إلا مضلل كاتم للحق .
نحن قصدنا الحق ، ما قصدنا نجرح الناس أو الكلام في الناس ، القصد هو بيان الحق ، وهذه أمانة حمّلها الله العلماء ، فلا يجوز السكوت عن أمثال هؤلاء ، لكن مع الاسف لو يأتي عالم يرد على أمثال هؤلاء ، قالوا هذا متسرع ! إلى غير ذلك من الوساوس فهذا لا يخذّل أهل العلم أن يبينوا شر دعاة الضلال ، لا يخذلونهم .

عقد الصلح والسكوت عن أهل البدع مداهنة و يجب بيان الحق مهما كان (للشيخ العثيمين رحمه الله):
السؤال: بعض إخواننا الدعاة إلى الله عز وجل في البلاد رأوا أن من المصلحة أنهم يتفقون مع الصوفية في عدم الكلام في المحاضرات أو في الخطب في الاستواء مثلاً أو الاستغاثة وغيرها من الأشياء، واستدلوا باتفاق النبي صلى الله عليه وسلم مع اليهود، فهل الاستدلال صحيح يا شيخ؟ ما توجيهكم؟
الجواب: لا ، هذا الاستدلال غير صحيح؛ لأن هذا الذي تذكر هو قوله تعالى: {وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ} [القلم:9]، المداهنة في الدين لا تجوز، والرسول عليه الصلاة والسلام إنما صالح اليهود على ألا يعتدي أحد على أحد، لا على أن نرضى بدينهم أبداً ، ولا يمكن أن يرضى الرسول بدينهم أبداً، وهذا الذي تذكر يعني الرضا بما هم عليه من الباطل، فالمصالحة على هذا الوجه هي مداهنة في الواقع، والمداهنة محرمة، لا يجوز لأحد أن يداهن أحداً في دين الله، بل يجب بيان الحق مهما كان، لكن من الممكن إذا رأوا من المصلحة ألا يبدءوا بالإنكار وأن يبدءوا أولاً بالشرح الصحيح، فمثلاً إذا تكلم عن الاستواء كما قلتم يشرح معنى الاستواء ويبين حقيقته دون أن يقول ويوجد أناس يفسرونه بكذا إلا بعد أن يتوطن الناس ويعرفوا الحق ويسهل عليهم الانتقال من الباطل إلى الحق (من لقاء الباب المفتوح الشريط 156).

نصيحة من العلامة ابن عثيمين رحمه الله للمخذلين عن بيان الحق:
يجب على أهل العلم أن يُبينوا للناس ما خالفوا به السنة لقوله : “لم يخطب كخطبتكم هذه ” ، لأنه إذا لم يبين أهل العلم ما خالف فيه الناس السنة بقيت السنة مجهولة ، ثم توسع الأمر حتى تزول سنن كثيرة بسبب سكوت الناس .
لكن هاهنا مسألة وهي أن بعض الناس يُخذل أهل العلم في بيان الحق فيقول مثلا : لماذا تُبين هذا للناس ، الناس لا يستفيدون ، وما أشبه ذلك . وهذا حرام ولا يجوز لأحد أن يقول هذا الكلام لأن هذا هو التخذيل عن الحق ، والعلماء إذا بينوا الحق لو لم يكن من ذلك إلا أن الناس يعرفون أنهم على باطل سواء انتفع أم لم ينتفع ، فهذا أعظم منفعة ، لأن العلماء إذا سكتوا عما كان عليه الناس من مخالفة الحق ظن الناس أن هذا صواب وأنه الحق فيستمرون عليه ويستمرئونه ، ولكن إذا رأوا الإنكار عرفوا أنهم ليسوا على حق ولو لم يكن من ذلك إلا هذه الفائدة لكان كافيا ، فلا تستهن ببيان الحق أبدا (فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام
المجلد الخامس / صفحة رقم 239).

جواب فضيلة الشيخ ربيع المدخلي حفظه الله:
السؤال : يقول البعض إن توضيح منهج السلف الصالح سبّب الإنتكاسة في صفوف الشباب وتنافي الحكمة التي تجمع للإستقامة وتقرب للهداية ، فما حكم هذه المقولة بارك الله فيكم ؟
الجواب : قد تقدم ما يدين هذا القول في الإجابة عن الأسئلة التي سلفت وأن السكوت كتمان للحق “إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون” [ البقرة : 159 ] .
فليهنأ هؤلاء بمثل هذه اللعنات ـ نعوذ بالله من ذلك ـ ، يسمون كتمانهم حكمة ، ويسمون حماية البدع بالحكمة ، كيف يعرف الناس الحق وأنت ساكت ؟ الفتنة والفرقة إنما جاء بها أهل البدع والأهواء ، والدعوة إلى الله وإلى كتاب الله والتمسك بالكتاب والسنة هي دعوة للأمة كلها ، الفتن والإفتراق والخلافات التي جاءت كلها عن طريق أهل الباطل وأهل الفتن ، وهم ما يفترون ، وهم ينشرون باطلهم في صحفهم في مجلاتهم في أشرطتهم ، ويريدون من أهل الحق أن يسكتوا .
صوت الحق هو الذي يجب أن يسكت عندهم ، وصوت الباطل له أن يعلو ويشاع في الأرض ! هل سكت أهل الباطل ؟! ، لا يسكتون ولا يفترون ولا يهدءون ، ولهم خطط جهنمية ينفذونها، ثم يطلبون من أهل الحق أن يسكتوا “ودّوا لو تدهن فيدهنون” [ القلم : 9 ] .
قال الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم : “ولا تطع كلّ حلاّف مهين همّاز مشآء بنميم منّاع للخير معتد أثيم عتلّ بعد ذلك زنيم أن كان ذا مال وبنين إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين” [ القلم : 10 ـ 15 ] .
يجيء للمنهج السلفي يقول لك : هذا يفرّق ! هذا يمزّق ! الذي فرّق ومزّق الأمة هي الأهواء والضلالات التي يتحمس لنشرها أهل الباطل ، الآن في الانترنت مواقع للباطل ، في الصحف في المجلات في المدارس في كل مكان ينشرون باطلهم ، والشيء الذي يصعب عليهم أن يسمعوه هو صوت الحق (فتاوى فضيلة الشيخ ربيع المدخلي حفظه الله / ج 1 ص 211).

جواب فضيلة الشيخ ربيع المدخلي حفظه الله:
السؤال: اتخذ البعض السكوت عن أخطاء الجماعات الإسلامية والحزبية منهجا له ، وأن هذه هي الحكمة ، وأصبح هذا منهجا له أتباع يسيرون عليه ، فما حكم هذا المنهج الجديد ؟
الجواب : أخشى أن يكون هناك مبالغة في هذا السؤال ، أنا لا أعتقد عالما يرى هذا المنهج ، خاصة العالم السلفي ، فأخشى أن يكون في هذا السؤال مبالغة ، فعلى فرض وقوعه ووجوده فإن هذا خطأ ، ويجب على من يقول هذا الكلام وينظر هذا التنظير ويؤصل هذا التأصيل أن يتوب إلى الله تبارك وتعالى ، فإن الله ميّز هذه الأمة وفضلها على سائر الأمم بعدم السكوت بل بالتصريح والتوضيح والجهاد وعلى رأسه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر “كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله”، وقد لعن الله بني إسرائيل لإتخاذهم مثل هذا المنهج السكوتي المقر للباطل المغلف بالحكمة، قال: “لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون”، والرسول يقول: “من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وليس وراء ذلك مثقال ذرة من إيمان”، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أصل عظيم من أصول الإسلام، لا يقوم الإسلام إلا به، ولا تحرز الأمة هذه المصلحة العظيمة الخيرية والتقدم على سائر الأمم إلا إذا قاموا به، فإن هم قصروا استحقوا سخط الله بل لعنته كما لعن بني إسرائيل، فإذا كان بنو إسرائيل استحقوا اللعنات لأنهم لم يأمروا بالمعروف فنحن أولى – والعياذ بالله – لأن ديننا أعظم من دينهم، فإذا قصرنا في هذا الدين وتركناه يعبث به أهل الأهواء والضلال وجاريناهم وسكتنا عنهم وسمينا ذلك حكمة، فإننا نستوجب سخط الله تبارك وتعالى، ونعوذ بالله من سخطه، ونسأل الله – إن كان لهذا الصنف وجود – أن يهديهم وأن يبصرهم بطريق الحق وأن يبصرهم بعيبهم العظيم الذي وقعوا فيه، فيخرجوا منه إلى دائرة الدعاة إلى الله بحق، الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، الصادعين به “فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين”، كذلك اصدع بما تؤمر وأعرض عن المبتدعين الضالين (من شريط بعنوان: الموقف الصحيح من أهل البدع).

وقال الشيخ عبد العزيز باز رحمه الله :
“فلا يجوز لأهل العلم السكوت وترك الكلام للفاجر والمبتدع والجاهل فإن هذا غلط عظيم ومن أسباب انتشار الشر والبدع واختفاء الخير وقلته وخفاء السنة . فالواجب على أهل العلم أن يتكلموا بالحق ويدعوا إليه وأن ينكروا الباطل ويحذروا منه ويجب أن يكون ذلك عن علم وبصيرة ” (مجموع فتاوى ومقالات متنوعة ( 6 / 53).

السكوت عن خطأ المخطئين مشابهة لأهل الكتاب (لابن باز رحمه الله):
“و لو سكت أهل الحق عن بيانه لأستمر المخطئون على أخطائهم، وقلدهم غيرهم في ذلك، وباء الساكتون بإثم الكتمان الذي توعدهم الله في قوله سبحانه “إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات و الهدى من بعد ما بيَّنَّاه للنَّاس في الكتاب أولئك يلعنهم الله و يلعنهم اللاَّعنون إلا الذين تابوا وأصلحوا وبيَّنوا فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم”.
وقد أخذ الله على علماء أهل الكتاب الميثاق لتبيننه للناس ولا تكتمونه، وذمهم على نبذه وراء ظهورهم، وحذرنا من اتباعهم. فإذا سكت أهل السنة عن بيان أخطـاء من خالف الكتاب والسنة شَـابَهُوا بذلك أهل الكتاب المغضوب عليهم والضالين” (مجموع فتاويه 3/ 72).

حكم محبة المبتدع والتبسم في وجهه؟
قرأت أن الفضيل بن عياض قال: “من تبسم في وجه مبتدع فقد استخف بما أنزل الله على محمد صلى الله عليه وسلم . وقال أيضا: من أحب صاحب بدعة فقد أحبط الله عمله . وهذا في صاحب البدع المكفرة، فهل المقصود أن من تبسم في وجه صاحب بدعة مكفرة فقد كفر؟ وهل المقصود أن محبة المبتدع بدعة كفرية محبة طبيعية كفر أم محبته لبدعته الكفرية ؟ لأنني أعرف أن محبته لبدعته الكفرية كفر ؟ وقد قرأت أن التبسم في وجه الكافر لغير حاجة حرام وليس كفراً ، وأن محبة الكافر لدينه كفر ، وأما محبته محبته لشخصه فحرام وليست كفرا ؟
الجواب: هذا الكلام وغيره مما في معناه للفضيل بن عياض ـ رحمه الله ـ رواه عنه جمع من أهل العلم في باب ذم البدع وأهلها، وفي ترجمته من كتب التراجم، ومن هؤلاء: أبو نعيم في الحلية، والبربهاري في السنة، واللالكائي في شرح أصول الاعتقاد، وابن بطة في الإبانة، والهروي في ذم الكلام وأهله، وابن الجوزي في تلبيس إبليس.
والمقصود منه هو التشديد والتحذير من البدع وأهلها، وليس المراد منه الحكم على أعيان من يفعل ذلك بالكفر أو حبوط العمل ، وإلا فمثل هذه الأحكام تحتاج إلى حجة شرعية، وبرهان ظاهر، ولذلك قال الشيخ الدكتور ناصر العقل في تعليقه على شرح السنة للبربهاري: ينبغي التنبه لمثل هذه العبارات، وإن وردت عن مثل الفضيل ـ رحمه الله ـ ففيها نظر، مثل قوله: “من انتهر صاحب بدعة آمنه الله يوم الفزع الأكبر” ، كان المفروض أن يقال: أرجو أن يؤمّنه الله عز وجل من الفزع الأكبر، أي من باب الرجاء، وكذلك قوله: “من أهان صاحب بدعة رفعه الله في الجنة مائة درجة” ، فتحديد المائة فيه نظر، وهو لا ينبغي في الحقيقة، وهذا من التساهل عند بعض العبّاد أمثال الفضيل رحمه الله. والمهم أن تحديد هذه الأمور توقيفي لا ينبغي أن نأخذ الكلام فيها على التسليم، بل لابد أن نناقشها، ونقول: هذا شيء يحتاج إلى دليل شرعي، وليس عندنا دليل شرعي فنتوقف في مثل هذه الأمور، وقد ذكر لها العلماء قواعد كثيرة فيما يتعلق بالاستدلال، وكونها صدرت من الفضيل أو أمثال الفضيل لا يعني أنها تُقبل من كل وجه، فهي زلة. اهـ.
وأما الفتوى المشار إليها فليس فيها أن التبسم في وجه الكافر لغير حاجة حرام.. وأن محبة الكافر لشخصه حرام.. كما ذكر السائل!! وإنما فيها النص على أن مما يُرخَّص فيه: مودة الكافر غير المحارب لقرابته أو لأخلاقه الحسنة أو لنحو ذلك من الأسباب الطبيعية، وأن مضاحكة الكافر غير المحارب والتبسم في وجهه لا بأس به ، كما أن فيها بيان درجات مودة الكافر، فأين هذا مما ذكره السائل؟! وهذا أيضا ينطبق على محبة المبتدع بدعة مكفرة فليس من الكفر أو الإثم محبته محبة طبيعية لقرابة أو في مقابل نعمة أو إحسان ونحو ذلك، بخلاف محبته لبدعته مع العلم بكونها مكفرة، وبهذا يعلم السائل أن مجرد التبسم في وجه صاحب البدعة المكفرة ليس كفرا ولا إثما.

قواعد في التعامل مع أهل البدع والإنكار عليهم وغيبتهم:
كيف تكون توبة من تحدث في داعية أو شيخ أو عالم، وندم، أشعر بالندم كثيرًا وأعلم جدًا عظم هذا الموضوع حتى عندما تكلمت به، إذ طلبت من صديقاتي ألا يسمعن إلا للمشايخ المعروفين الثقات ونهيتهم عن غيرهم، فسألنني من هم أولئك الذين لا تريديننا أن نسمع منهم ! لكنني كنت لا أذكر أسماءهم إلى أن زلق لساني وقلت أسماءهم ، وقلت لا تسمعوا لهم، وأحسب أنهم قد ساهموا في ثورة مصر وهكذا.. حتى تأثّرت القلوب بكلامي ذلك أنني ذات مكانة عالية في الثقافة في نظر معلماتي وصديقاتي وأنا محل ثقة لديهن، وقد ندمت أشد الندم.. فذهبت ساعية لتكفير خطئي ولحقت بكل فتاة أعرف أنها حضرت المجلس الذي تحدّثت فيه عن العلماء ورحت أخبرها أن كلامي غير صحيح وأنني مخطئة وأنني لم أتثبت من المعلومة وإن كنت في نفسي لم تختلف نظرتي لأولئك المشايخ لكن لهم حرمة أعظم، وأخشى أنني لم أستطع تذكر كل من حضر المجلس وخاصة أن المصلى تدخل فيه الفتيات ليصلين الضحى ويخرجن وقد يسمعن وقد ينشرن، وبعد ذلك قررت ألا أتكلم أبدًا في عالم أو داعية، لكنني رأيت بعد ذلك إحدى معلماتي تنشر في صفحتها الخاصة مقطعا لداعية معروف بالتصوّف، فأعطيتها مقطعا مسجلا للشيخ الفوزان فيما تحدث به عن هذا الداعية وأنه لا يسكت عنه، فلم تنتصح وقالت هذا الداعية والشيخ الفوزان عندي سيّان ولا يحق لي أن أتحدث عن عالم وحسابهم على الله، وأما الداعية الذي نهيتني عنه فقد استفدت منه أكثر، فكتبت لها رسالة مؤثرة وختمتها بنقده وأنه يدعو القبور ويكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم وينسب إليه أحاديث موضوعة، وأنه من الأصاغر، فهل لي توبة عند الله وهو الذي يغفر؟ وكيف أبرأ من حسابي أمام هؤلاء إن كنت مخطئة فيهم أو لم يكن لي حق في التحدث عنهم يوم الحساب؟ وإذا رأيت دعاة ينشرون الباطل، فهل لي حق في السكوت؟ وهل يجوز السكوت عليهم؟ وما الفرق بين الدعاة الذين ننكر عليهم والذين ننكرهم تمامًا؟ كما وقعت طولًا وعرضًا أيضًا في الإخوان المسلمين.

الجواب:
نسأل الله تعالى أن يغفر ذنبك، وأن يلهمك رشدك، وأن يقيك من شر نفسك، وشكر الله لك حرصك على السؤال وتحريك عن الحق، وأما ما سألت عنه: فجوابه في النقاط التالية:

النقطة الأولى: الغيبة من كبائر الذنوب، ويشتد فحشها إذا كانت في حق أهل العلم والفضل الذين يُقتدى بهم، وقد حصر أهل العلم مواطن جواز الغيبة في ستة مواطن، ومنها ما يتعلق بالتحذير من أهل البدع بالقدر الذي تحصل به النصيحة لعموم المسلمين دون زيادة، قال النووي في رياض الصالحين: “اعلم أن الغيبة تباح لغرض صحيح شرعي لا يمكن الوصول إليه إلا بها، وهو ستة أسباب … منها: إذا رأى متفقها يتردد إلى مبتدع، أو فاسق يأخذ عنه العلم، وخاف أن يتضرر المتفقه بذلك، فعليه نصيحته ببيان حاله، بشرط أن يقصد النصيحة، وهذا مما يغلط فيه، وقد يحمل المتكلم بذلك الحسد، ويلبس الشيطان عليه ذلك، ويخيل إليه أنه نصيحة، فليتفطن لذلك”. اهـ.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: الداعي إلى البدعة مستحق العقوبة باتفاق المسلمين.. ولو قدر أنه لا يستحق العقوبة أو لا يمكن عقوبته، فلابد من بيان بدعته والتحذير منها، فإن هذا من جملة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي أمر الله به ورسوله، والبدعة التي يعد بها الرجل من أهل الأهواء ما اشتهر عند أهل العلم بالسنة مخالفتها للكتاب والسنة: كبدعة الخوارج، والروافض، والقدرية، والمرجئة”. اهـ.

وقال القرافي في الفروق في الفرق بين قاعدة الغيبة المحرمة وقاعدة الغيبة التي لا تحرم: قال بعض العلماء: استثني من الغيبة ست صور.. الرابعة: أرباب البدع والتصانيف المضلة ينبغي أن يشهر الناس فسادها وعيبها وأنهم على غير الصواب، ليحذرها الناس الضعفاء فلا يقعوا فيها، وينفر عن تلك المفاسد ما أمكن، بشرط أن لا يتعدى فيها الصدق ولا يفتري على أهلها من الفسوق والفواحش ما لم يفعلوه، بل يقتصر على ما فيهم من المنفرات خاصة.. وهذا القسم داخل في النصيحة” اهـ.

ولا يخفى أن للبدع رتبا متفاوتة، فبعضها أشد من بعض، وينبغي أن تُعامَل كل بدعة بما يناسبها ويليق بأهلها، قال الشاطبي في الاعتصام: “إن القيام عليهم ـ يعني أهل البدع ـ بالتثريب، أو التنكيل، أو الطرد، أو الإبعاد، أو الإنكار، هو بحسب حال البدعة في نفسها من كونها: عظيمة المفسدة في الدين أو لا، وكون صاحبها مشتهرا بها أو لا، وداعيا إليها أو لا، ومستظهرا بالأتباع أو لا، وخارجا عن الناس أو لا، وكونه عاملا بها على جهة الجهل أو لا، وكل هذه الأقسام له حكم اجتهادي يخصه، إذ لم يأت في الشرع في البدعة حد لا يزاد عليه ولا ينقص منه، كما جاء في كثير من المعاصي كالسرقة، والحرابة، والقتل، والقذف، والجراح، والخمر، وغير ذلك ، لا جرم أن المجتهدين من الأمة نظروا فيها بحسب النوازل، وحكموا باجتهاد الرأي، تفريعا على ما تقدم لهم في بعضها من النص، كما جاء في الخوارج من الأثر بقتلهم، وما جاء عن عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ في صبيغ العراقي، فخرج من مجموع ما تكلم فيه العلماء أنواع: فذكر خمسة عشرا وجها لمعاملتهم:
أحدها: الإرشاد، والتعليم، وإقامة الحجة، كمسألة ابن عباس حين ذهب إلى الخوارج، فكلمهم، حتى رجع منهم ألفان أو ثلاثة آلاف، ومسألة عمر بن عبد العزيز مع غيلان، وشبه ذلك.
والثاني: الهجران، وترك الكلام والسلام، حسبما تقدم عن جملة من السلف في هجرانهم لمن تلبس ببدعة، وما جاء عن عمر ـ رضي الله عنه ـ من قصة صبيغ.
… والخامس: ذكرهم بما هم عليه، وإشاعة بدعتهم كي يُحْذَروا، ولئلا يُغتَر بكلامهم، كما جاء عن كثير من السلف في ذلك اهـ.

النقطة الثانية: هناك أصول وقواعد تضبط التعامل مع من وقع في شيء من البدع، ينبغي مراعاتها وتنزيلها على الواقع ، وقد جمع الدكتور أحمد الحليبي طائفة من هذه الأصول من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية، طبعتها وزارة الأوقاف القطرية ضمن سلسلة كتاب الأمة تحت عنوان: “أصول الحكم على المبتدعة عند شيخ الإسلام ابن تيمية” ، ومن هذه الأصول:
الأصل الأول: الاعتذار لأهل الصلاح والفضل عما وقعوا فيه من بدعة عن اجتهاد، وحمل كلامهم المحتمل على أحسن محمل.
الأصل الثاني: عدم تأثيم مجتهد إذا أخطأ في مسائل أصولية أو فرعية.. وأولى من ذلك عدم تكفيره أو تفسيقه.
الأصل الثالث: عذر المبتدع المجتهد لا يقتضي إقراره على ما أظهره من بدعة، ولا إباحة اتباعه، بل يجب الإنكار عليه فيما يسوغ إنكاره مع مراعاة الأدب في ذلك.
الأصل الرابع: عدم الحكم على من وقع في بدعة أنه من أهل الأهواء والبدع ولا معاداته بسببها، إلا إذا كانت البدعة مشتهرة مغلظة عند أهل العلم.
وغير ذلك من الأصول، فراجعيها للفائدة، كما يمكن الرجوع لكتاب: “دراسات في الأهواء والفرق والبدع وموقف السلف منها”، للدكتور ناصر العقل، ومما جاء فيه ص: 129ـ 13 ـ التحذير من ثلاثة أمور:
الأول: احذر زلة العالم ولا تغمطه قدره..
الثاني: اتق هفوة العابد ولا تعاديه.. 
الثالث: تنبه لغفلة الرجل الصالح ولا تلمزه.. 

النقطة الثالثة: إذا صدر من المسلم غيبة محرمة لأحد من أهل العلم أو الدعاة إلى الله، فإن ذلك وإن كان ذنبا، لكن الله تعالى يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات.

وأخيرا ننبه على أن التحذير من أهل البدع ينبغي أن يقتصر على من كان مؤهلا لذلك: علمًا وفهمًا وإنصافًا، ومن شك في كون المحذَّر منه ممن تجوز غيبته والتحذير منه، فليمسك عن ذلك، وليدع هذا الشأن لأهله، فإن السلامة لا يعدلها شيء، والأصل في المسلم البراءة.

سئل الإمام ابن الصلاح الشَّهْرَزُوري: هل تجوز غيبة المبتدع ابتداء وانتهاء ؟
فأجاب رحمه الله تعالى : ” تجوز غيبة المبتدع بل ذكره بما هو عليه مطلقا غائبا وحاضرا إذا كان المقصود التنبيه على حاله ليحذروا . وعلى هذا مضى السلف الصالحون أو من فعل ذلك منهم . ثم يجوز ذلك ابتداء يبتدي به وإن لم يسأل . ويجوز عند جريان سبب من سؤال وغيره ” (فتاوى ابن الصلاح – (ج 2 / ص 497).

سئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن أثر الحسن البصري “لا غيبة لفاسق”؟ 
فأجاب : “وهذان النوعان يجوز فيهما الغيبة بلا نزاع بين العلماء : أحدهما أن يكون الرجل مظهرا للفجور مثل الظلم والفواحش والبدع المخالفة للسنة فإذا أظهر المنكر وجب الإنكار عليه بحسب القدرة  كما قال النبي صلى الله عليه وسلم {من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان} رواه مسلم (مجموع الفتاوى – (ج 28 / ص 219).
ثم قال : “وإذا كان مبتدعا يدعو إلى عقائد تخالف الكتاب والسنة أو يسلك طريقا يخالف الكتاب والسنة ويخاف أن يضل الرجل الناس بذلك : بين أمره للناس ليتقوا ضلاله ويعلموا حاله . وهذا كله يجب أن يكون على وجه النصح وابتغاء وجه الله تعالى ” (مجموع الفتاوى – (ج 28 / ص 221).

وسئل – رحمه الله – عن الغيبة هل تجوز على أناس معينين أو يعين شخص بعينه ؟ وما حكم ذلك ؟
فأجاب : “ومثل أئمة البدع من أهل المقالات المخالفة للكتاب والسنة أو العبادات المخالفة للكتاب والسنة ؛ فإن بيان حالهم وتحذير الأمة منهم واجب باتفاق المسلمين حتى قيل لأحمد بن حنبل : الرجل يصوم ويصلي ويعتكف أحب إليك أو يتكلم في أهل البدع ؟  فقال : إذا قام وصلى واعتكف فإنما هو لنفسه وإذا تكلم في أهل البدع فإنما هو للمسلمين ، هذا أفضل .
فبين أن نفع هذا عام للمسلمين في دينهم من جنس الجهاد في سبيل الله ؛ إذ تطهير سبيل الله ودينه ومنهاجه وشرعته ودفع بغي هؤلاء وعدوانهم على ذلك واجب على الكفاية باتفاق المسلمين ولولا من يقيمه الله لدفع ضرر هؤلاء لفسد الدين وكان فساده أعظم من فساد استيلاء العدو من أهل الحرب ؛ فإن هؤلاء إذا استولوا لم يفسدوا القلوب وما فيها من الدين إلا تبعا وأما أولئك فهم يفسدون القلوب ابتداء” (مجموع الفتاوى – (ج 28 / ص 231).

قال الإمام ابن باز رحمه الله تعالى: “وأما من أظهر المنكر أو البدعة فلا غيبة له فيما أظهر وبين” (مجموع ابن باز 8 س25).

قلت : السكوت عن ذكر أسماء من ينشر ما يخالف السنة وينشر البدع والدجل والشركيات (خصوصا من تم نصحه وبيان الحق له ثم عاند واستكبر) هو مخالف لمنهج أهل السنة والجماعة على مر التاريخ الإسلامي ، وفيه معاونة لأهل البدع وخيانة للإسلام وللمسلمين ،
فكم من العوام يغترون بفلان وفلان وهم في حقيقتهم جهلة أو مبتدعة يهدمون السنن ويحيون البدع وينشرونها بين صفوف المسلمين فتبلغ بدعهم الآفاق وقد يستحيل أو يصعب جدا محاربتها والقضاء عليها ، ولكن بالتحذير منه باسمه وعينه مع بيان مخالفته وبدعته ودجله بالأدلة الشرعية سيقطع الطريق عليه ويفضح أمره بين المسلمين ولا يستطيع بعدها التلبيس على العامة بسهولة كما كان قبل فضحه ، وهذه الحقيقة هي التي أدركها أئمة أهل السنة والجماعة ولم يدركها من أنكر على من حذر من أعيان أهل البدع.

هل يجوز تعلم الفقه أو علوم الحديث على شخص أشعري؟
الأشاعرة فرقة تنتسب إلى الإمام أبي الحسن الأشعري – رحمه الله – ، وقد مر الأشعري بثلاث مراحل – كما ذكر ابن تيمية في مجموع الفتاوى ج4/72 – وهي باختصار : مرحلة الاعتزال ، ثم متابعة ابن كلاب ، ثم موافقة أهل السنة وعلى رأسهم الإمام أحمد بن حنبل ، وقد صرح الأشعري بهذا الموقف الأخير في كتبه الثلاثة : رسالة إلى أهل الثغر ، ومقالات الإسلاميين ، والإبانة ، فمن تابع الأشعري على هذه المرحلة ، فهو موافق لأهل السنة والجماعة في أكثر المقالات ، ومن لزم طريقته في المرحلة الثانية ، فقد خالف الأشعري نفسه ، وخالف أهل السنة في العديد من مقالاتهم .

قال الشيخ ابن عثيمين في الفتاوى ج3/338 : “والمتأخرون الذين ينتسبون إلى أبي الحسن الأشعري أخذوا بالمرحلة الثانية من مراحل عقيدته ، والتزموا طريق التأويل في عامة الصفات ، ولم يثبتوا إلا الصفات السبع المذكورة في هذا البيت :
حي عليم قدير والكلام له      إرادة وكذا السمع والبصر
على خلاف بينهم وبين أهل السنة في كيفية إثباتها” . انتهى .

وقد أفتت اللجنة الدائمة فتوى رقم 6606 ج3/220 : “إن الأشاعرة ليسوا كفارا ، وإنما أخطأوا في تأويلهم بعض الصفات” انتهى .

وعلى هذا فالأولى ألا يدرس المسلم علوم الشريعة إلا على العلماء المعروفين بعلمهم ، وسلامة اعتقادهم ، والبعد عن المبتدعة والمخالفين لأهل السنة ومنهم الأشاعرة ، والأمر في هذا سهل ولله الحمد ، فقد أصبحت سبل التعلم متاحة في كل الأوقات لجميع الناس ، فها هو علم علماء أهل السنة موجودة بعدة وسائل كالشريط الإسلامي ، وهذه الكتب والكتيبات النافعة ، وهذه المنتديات الإسلامية على الإنترنت ، وهذه المواقع الإسلامية المفيدة ، فطرق الخير وأبواب العلم سهلة ميسرة ولله الحمد والمنة. والله اعلم .

7- السلفية هي اتباع الدليل من الكتاب والسنة والشيخ ابن تيمية وابن عبد الوهاب من أعلامها
لابد لك يا اخي من معرفة ذلك ، وإن شئت التأكد منه فأقرأ كتبهما ففيها الحق الذي يخفيه المخالفون المفترون من أهل البدع والأغراض. فلا تتبع تتلك الدعاية الشيطانية المحذرة منهما (أي من التوحيد)، وتبين، فإن الفاسق إذا جاء بنبأ فعلينا التبين.
أقول هذا لأنه قد شاع في هذا العصر – بفعل المغرضين – أن ابن تيمية من علماء القاعدة وداعش، ويكفر طوائف المسلمين، وأن الوهابية طريقة التعصب والتكفير والتطرف، وهذا كذب، ذنب ابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب عند هؤلاء هو ردهم لبدعهم وشركياتهم وضلالاتهم، وأغلب كارهيهم هم من أهل البدع كالأشاعرة والمتصوفة والشيعة وغيرهم.

حكم من يفتري على ابن تيمية:
أشدّ ما يحزننا أن يقع في أهل الإسلام مثل هذا ، حين يطعن من لا يؤبه له من العوام الجهلة وأهل البدعة في صروح الإسلام ورموزه من أئمة الدين ومشايخ أهل السنة والجماعة ، وهم أهل العلم ورثة الأنبياء ، الذين يعلِّمون الناس أمور دينهم ، وأحكام شريعة ربهم ، وهم المأوى والملاذ في المهمات التي تعصف بالأمم ، والفتن التي تجتاح القلوب .
والمنهج السلفي منهج غضّ ، لا يزال بطراوته وحسنه إلى آخر الزمان ، لا يقف أصحابه عند قول عالم ، ولا يتعصبون لمذهب ، ولا يردون قول الحق وإن ورد على لسان المخالف ، يقولون قولة واحدة : ” ليس أحد إلا ويؤخذ من قوله ويترك ، ما خلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ” .
يتبعون الأئمة ، ويقتدون بالسلف ، ولا ينكلون بأحد لمجرد زلة أو هفوة ، وخاصة إذا كان معروفا بالصلاح ، ولكن يعرفون لأهل العلم والفضل مكانتهم ، ويلتمسون المعاذير للخلق ، ويعذُرون بالجهل ، ويوجبون على العالم تعليم الجاهل قبل أن يؤاخذوا الجاهل بجهله .
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : “مَعَ أَنِّي فِي عُمْرِي إلَى سَاعَتِي هَذِهِ لَمْ أَدْعُ أَحَدًا قَطُّ فِي أُصُولِ الدِّينِ إلَى مَذْهَبٍ حَنْبَلِيٍّ وَغَيْرِ حَنْبَلِيٍّ ، وَلَا انْتَصَرْت لِذَلِكَ ، وَلَا أَذْكُرُهُ فِي كَلَامِي ، وَلَا أَذْكُرُ إلَّا مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ سَلَفُ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتُهَا، وَقَدْ قُلْت لَهُمْ غَيْرَ مَرَّةٍ : أَنَا أُمْهِلُ مَنْ يُخَالِفُنِي ثَلَاثَ سِنِينَ إنْ جَاءَ بِحَرْفِ وَاحِدٍ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْقُرُونِ الثَّلَاثَةِ يُخَالِفُ مَا قُلْته فَأَنَا أُقِرُّ بِذَلِكَ ، وَأَمَّا مَا أَذْكُرُهُ فَأَذْكُرُهُ عَنْ أَئِمَّةِ الْقُرُونِ الثَّلَاثَةِ بِأَلْفَاظِهِمْ وَبِأَلْفَاظِ مِنْ نَقْلِ إجْمَاعِهِمْ مِنْ عَامَّةِ الطَّوَائِفِ ، هَذَا مَعَ أَنِّي دَائِمًا وَمَنْ جَالَسَنِي يَعْلَمُ ذَلِكَ مِنِّي : أَنِّي مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ نَهْيًا عَنْ أَنْ يُنْسَبَ مُعَيَّنٌ إلَى تَكْفِيرٍ وَتَفْسِيقٍ وَمَعْصِيَةٍ ، إلَّا إذَا عُلِمَ أَنَّهُ قَدْ قَامَتْ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ الرسالية الَّتِي مَنْ خَالَفَهَا كَانَ كَافِرًا تَارَةً وَفَاسِقًا أُخْرَى وَعَاصِيًا أُخْرَى ، وَإِنِّي أُقَرِّرُ أَنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ خَطَأَهَا ، وَذَلِكَ يَعُمُّ الْخَطَأَ فِي الْمَسَائِلِ الْخَبَرِيَّةِ الْقَوْلِيَّةِ وَالْمَسَائِلِ الْعَمَلِيَّةِ ، وَمَا زَالَ السَّلَفُ يَتَنَازَعُونَ فِي كَثِيرٍ مِنْ هَذِهِ الْمَسَائِلِ وَلَمْ يَشْهَدْ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَلَى أَحَدٍ لَا بِكُفْرِ وَلَا بِفِسْقِ وَلَا مَعْصِيَةٍ” (“مجموع الفتاوى” (3/ 229) .
ويقول ابن القيم رحمه الله : “شَيْخُ الْإِسْلَامِ حَبِيبٌ إِلَيْنَا – يعني الهروي رحمه الله – وَالْحَقُّ أَحَبُّ إِلَيْنَا مِنْهُ ، وَكُلُّ مَنْ عَدَا الْمَعْصُومِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِ وَمَتْرُوكٌ ، وَنَحْنُ نَحْمِلُ كَلَامَهُ عَلَى أَحْسَنِ مَحَامِلِهِ ، ثُمَّ نُبَيِّنُ مَا فِيهِ ” (“مدارج السالكين” (2/ 38) .
وقال أيضا : “وَنَحْنُ مَعَنَا الْعِصْمَةُ النَّافِعَةُ: أَنَّ كُلَّ أَحَدٍ – غَيْرَ الْمَعْصُومِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَمَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِ وَمَتْرُوكٌ ، وَكُلَّ سَبِيلٍ لَا يُوَافِقُ سَبِيلَهُ فَمَهْجُورٌ غَيْرُ مَسْلُوكٍ” (“مدارج السالكين” (2/ 240) .
وقال رحمه الله في رسالته إلى أحد إخوانه (36-38) : “وقد أقسم الله سبحانه بنفسه الكريمة أنّا لا نؤمن حتى نحكم الرسول فيما شجر بيننا، وننقاد لحكمه ونسلم تسليما ، فلا ينفعنا تحكيم غيره والانقياد له ولا ينجينا من عذاب الله ولا يقبل منا هذا الجواب إذا سمعنا نداءه سبحانه يوم القيامة ( ماذا أجبتم المرسلين ) فإنه لا بد أن يسألنا عن ذلك ويطالبنا بالجواب قال تعالى ( فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين ) وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( أوحي إلي أنكم بي تفتنون وعني تسألون ) ، يعني المسألة في القبر، فمن انتهت إليه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتركها لقول أحد من الناس فسيرد يوم القيامة ويعلم” انتهى .
ولما تكلم أبو إسماعيل الهروي رحمه الله في مسألة لم يحسن الكلام فيها عقب عليه ابن القيم قائلا : “وَلَا تُوجِبُ هَذِهِ الزِّلَّةُ مِنْ شَيْخِ الْإِسْلَامِ إِهْدَارَ مَحَاسِنِهِ ، وَإِسَاءَةَ الظَّنِّ بِهِ ، فَمَحَلُّهُ مِنَ الْعِلْمِ وَالْإِمَامَةِ وَالْمَعْرِفَةِ وَالتَّقَدُّمِ فِي طَرِيقِ السُّلُوكِ الْمَحَلُّ الَّذِي لَا يُجْهَلُ ، وَكُلُّ أَحَدٍ فَمَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِ وَمَتْرُوكٌ إِلَّا الْمَعْصُومَ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ ، وَالْكَامِلُ مَنْ عُدَّ خَطَؤُهُ” (“مدارج السالكين” (1/ 216) .

وهم – على ما منّ الله به عليهم من العلم والفضل – أهل تواضع للخلق ، وإذعان للحق ، ما نطق به لسان ، غير هيابين فيه أحدا ، لا تأخذهم في الله لومة لائم ، قال شيخ الإسلام رحمه الله : “مَا ذَكَرْتُمْ مِنْ لِينِ الْكَلَامِ وَالْمُخَاطَبَةِ بِاَلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنِّي مِنْ أَكْثَرِ النَّاسِ اسْتِعْمَالًا لِهَذَا ، لَكِنَّ كُلَّ شَيْءٍ فِي مَوْضِعِهِ حَسَنٌ ، وَحَيْثُ أَمَرَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ بِالْإِغْلَاظِ عَلَى الْمُتَكَلِّمِ لِبَغْيِهِ وَعُدْوَانِهِ عَلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فَنَحْنُ مَأْمُورُونَ بِمُقَابَلَتِهِ” (“مجموع الفتاوى” (3/ 232) .
وقال ابن القيم : “وَلَوْلَا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ، وَأَنَّ كُلَّ مَا عَدَا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ، فَمَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِ وَمَتْرُوكٌ ، وَهُوَ عُرْضَةُ الْوَهْمِ وَالْخَطَإِ ، لَمَا اعْتَرَضْنَا عَلَى مَنْ لَا نَلْحَقُ غُبَارَهُمْ ، وَلَا نَجْرِي مَعَهُمْ فِي مِضْمَارِهِمْ، وَنَرَاهُمْ فَوْقَنَا فِي مَقَامَاتِ الْإِيمَانِ، وَمَنَازِلِ السَّائِرِينَ كَالنُّجُومِ الدَّرَارِيِّ ، وَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ عِلْمٌ فَلْيُرْشِدْنَا إِلَيْهِ ، وَمَنْ رَأَى فِي كَلَامِنَا زَيْغًا أَوْ نَقْصًا وَخَطَأً، فَلْيَهْدِ إِلَيْنَا الصَّوَابَ، نَشْكُرُ لَهُ سَعْيَهُ ، وَنُقَابِلُهُ بِالْقَبُولِ وَالْإِذْعَانِ وَالِانْقِيَادِ وَالتَّسْلِيمِ” (“مدارج السالكين” (2/ 137) .

ومن خرج عن المنهج السلفي فقد خرج عن منهج أهل السنة والجماعة إلى مسلك أهل الأهواء والبدع .
وقول هؤلاء الأغرار : “أن فتاوي العلماء السلفيين تسببت في أن بعض الشباب أصبحوا لا دينيين” افتراء وظلم ، فأقوال العلماء السلفيين المتقدمين والمتأخرين وفتاويهم لا تخرج عن أحكام الشريعة وأقوال الصحابة وأئمة المسلمين .
والذين تركوا الدين لم يتركوه لقول ابن تيمية أو ابن القيم أو ابن عبد الوهاب ، وإنما تركوه لبغضهم إياه وحبهم الباطل وتقديمه على الحق ، فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم ، وأين في كلام السلفيين ما يوجب مثل ذلك أو يدل عليه بوجه ؟ سبحانك ، هذا بهتان عظيم !
لو كان هؤلاء المرتدون يرون أن هؤلاء هم السبب في ردتهم فليتركوا قولهم ، ولا ينشغلوا بهم ، وكأنهم لم يخلقوا ، وليأخذوا عن غيرهم من علماء السنة أتباع الأئمة الأربعة وغيرهم .
ولو أنهم فعلوا ذلك ثم نظروا لوجدوا أن هؤلاء وأولئك إنما يأخذون من مشكاة واحدة.

وقول هؤلاء السفهاء : “إذا كان هذا هو الإسلام فنحن لا نريده ” يبين عوار ما هم عليه من الضلالة ، فهم يريدون دينا يتوافق مع آرائهم وأهوائهم ولا يخرج عما يعتقدونه ويدينون به ، فلما بحثوا ووجدوا أن أهل السنة أتباع السلف يحاربون الأهواء ويردون على أهلها ، لم يطب لهم اتباعهم ، ونفرت قلوبهم منهم ومن منهجهم ، وما ذلك إلا لزيغهم وانحرافهم .

وقولهم: إن الدين يؤخذ من الأئمة الأربعة فقط : قول فاسد أيضا ، وعمن كان الناس يأخذون دينهم قبل الأئمة الأربعة ؟ وإنما يؤخذ الدين من نبعيه الصافيين : الكتاب والسنة ، وطالب الحق يدركه إذا طلبه ، وحيثما وجده اتبعه ، دون أن يتقيد بأحد من الخلق خاصة ، يدور معه حيث دار .
يقول الشيخ ابن باز رحمه الله : “ليس العلم مقصورا في المذاهب الأربعة ، بل هناك مذاهب أخرى مثل التابعين وأتباع التابعين والأئمة المعروفين من أهل العلم غير الأربعة ، فهناك الأوزاعي، وهناك الثوري ، وهناك إسحاق بن راهويه ، وهناك أئمة كبار لهم آراء ولهم معلومات نقلها العلماء عنهم ، فالمؤمن -أعني طالب العلم المتبصر- ينظر في الأدلة إذا وقع الخلاف ، ويأخذ ما وافق الدليل من أقوال الأئمة الأربعة وغيرهم من أهل العلم ، من أئمة الصحابة والتابعين وأتباعهم بإحسان .
فالواجب على أهل العلم وأهل البصيرة أن يعتنوا بهذا، وأن يعرضوا ما تنازع فيه الناس من الأئمة الأربعة أو من قبلهم أو من بعدهم على الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة ، فما وافق الدليل في مسائل الخلاف وجب الأخذ به وطرح ما سواه ، سواء كان ذلك القول قال به أحد الأئمة الأربعة أو قال به غيرهم ، لأن الله يقول سبحانه وتعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ) ، فالواجب الرد إلى الكتاب والسنة عند النـزاع ، وقال سبحانه: (وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ) ، وهذا محل إجماع بين أهل العلم : أن مسائل الخلاف يجب ردها إلى كتاب الله أو إلى سنة رسوله محمد عليه الصلاة والسلام، فما وافقهما فهو الحق، وما خالفهما وجب اطراحه ، أما الاقتصار على المذاهب الأربعة وتقليدها والتعصب لها فليس من شأن أهل العلم ” انتهى كلامه.
ثم إننا احتكمنا إلى الأئمة الأربعة ، فوجدناهم ينهون الناس عن التعصب لهم ، ويرشدونهم إلى طلب العلم من أصوله ، ولا يأخذون عنهم ما عسى أن يقع في كلام الواحد منهم ، من مخالفة لشيء من الكتاب أو السنة .
قال زفر: ” كنا نختلف إلى أبي حنيفة ومعنا أَبُو يوسف وَمُحَمَّد بن الحسن ، فكنا نكتب عنه ، فقال يوما أَبُو حنيفة لأبي يوسف : ويحك يا يَعْقُوب لا تكتب كل ما تسمع مني ، فإني قد أرى الرأي اليوم فأتركه غدا، وأرى الرأي غدا وأتركه بعد غد” (“تاريخ بغداد” (15/ 554) .
وقال الإمام الشافعي رحمه الله : “إذَا صَحَّ عِنْدَكُمُ الْحَدِيثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقُولُوا بِهِ وَدَعُوا قَوْلِي فَإِنِّي أَقُولُ بِهِ وَإِنْ لَمْ تَسْمَعُوهُ مِنِّي ، وَفِي رِوَايَةٍ: فَلَا تُقَلِّدُونِي. وَفِي رِوَايَةٍ: فَلَا تَلْتَفِتُوا إِلَى قَوْلِي ، وَفِي رِوَايَةٍ: فَاضْرِبُوا بِقَوْلِي عُرْضَ الْحَائِطِ ، فَلَا قَوْلَ لِي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ” (“البداية والنهاية” (14/ 137).
وقال الإمام أحمد رحمه الله : “لَا تُقَلِّدْنِي وَلَا تُقَلِّدْ مَالِكًا وَلَا الثَّوْرِيَّ وَلَا الْأَوْزَاعِيَّ، وَخُذْ مِنْ حَيْثُ أَخَذُوا” . وَقَالَ: “مِنْ قِلَّةِ فِقْهِ الرَّجُلِ أَنْ يُقَلِّدَ دِينَهُ الرِّجَالَ” . (“إعلام الموقعين” (2/ 139).
وَقَالَ بِشْرُ بْنُ الْوَلِيدِ : قَالَ أَبُو يُوسُفَ: “لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ مَقَالَتَنَا حَتَّى يَعْلَمَ مِنْ أَيْنَ قُلْنَا” (“إعلام الموقعين” (2/ 140) .
قال ابن القيم : “وَقَدْ صَرَّحَ مَالِكٌ بِأَنَّ مَنْ تَرَكَ قَوْلَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ لِقَوْلِ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ أَنَّهُ يُسْتَتَابُ، فَكَيْفَ بِمَنْ تَرَكَ قَوْلَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِقَوْلِ مَنْ هُوَ دُونَ إبْرَاهِيمَ أَوْ مِثْلِهِ ؟” (“إعلام الموقعين” (2/ 140) .

على أننا نعود ، ونقول لهذا القائل : قد رضينا منك ، ما رضيته لنفسك ، ونقول لك : نعما هو ؛ ألا تخرج في شيء من أقوالك وأفعالك عما عليه الأئمة الأربعة ، وخلاك ذم ، ويسعك ذلك إن شاء الله ، ما دمت لم تتأهل للاجتهاد والنظر ، وأما الإنكار والعيب على غيرك ، فليس هذا من شأنك ، إنما هو شأن أهل العلم في بحثهم ونظرهم .
ونقول لك : إن اتفاق الأئمة الأربعة ليس إجماعا شرعياً ، ولا هو حجة واجبة الاتباع ، لكننا نقول لك : إن الحق لا يكاد يخرج عما اتفق عليه الأئمة الأربعة ، اللهم إلا أن يكون في الشاذ النادر من المسائل والأقوال ، فحسبك بالمذاهب الأربعة طريقا تسلكه ، ودع عنك التشنيع على غيرك ، ودع عنك الإلحاد ومسالكه .
والله عند قلب كل قائل ولسانه ، والله يعلم المفسد من المصلح ؛ ولو شاء الله لأعنتكم ؛ إن الله عزيز حكيم .

هل كانت للشيخ ابن تيميه رحمه الله علاقة بالحركة الوهابية ؟
أولا : لا بد من التنبيه بداية على أن إطلاق اسم “الوهابية” على دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب إنما بدأه أعداء هذه الدعوة بقصد التنفير عنها وتحذير الناس منها ، يحاولون إظهارها مظهر الدعوة المنفردة بآرائها الشاذة ، المتحيزة إلى أفكار إمامها ، المخالفة لمذهب أهل السنة والجماعة .

جاء في “فتاوى اللجنة الدائمة” (2/255) : “الوهابية : لفظة يطلقها خصوم الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله على دعوته إلى تجريد التوحيد من الشركيات ونبذ جميع الطرق إلا طريق محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم ، ومرادهم من ذلك : تنفير الناس من دعوته ، وصدهم عما دعا إليه ، ولكن لم يضرها ذلك ، بل زادها انتشارًا في الآفاق وشوقًا إليها ممن وفقهم الله إلى زيادة البحث عن ماهية الدعوة وما ترمي إليه وما تستند عليه من أدلة الكتاب والسنة الصحيحة ، فاشتد تمسكهم بها ، وعضوا عليها ، وأخذوا يدعون الناس إليها ولله الحمد ” انتهى .

ويقول الشيخ صالح الفوزان حفظه الله “البيان لأخطاء بعض الكتاب” (70) : “فهذه التسمية خطأ من ناحية اللفظ ، ومن ناحية المعنى : أما الخطأ من ناحية اللفظ ، فلأن الدعوة لم تنسب في هذا اللقب إلى من قام بها – وهو الشيخ محمد – ، وإنما نسبت إلى عبد الوهاب – الذي ليس له أي مجهود فيها – ، فهي نسبة على غير القياس العربي ، إذ النسبة الصحيحة أن يقال : ( الدعوة المحمدية ) .
لكن الخصوم أدركوا أن هذه النسبة نسبة حسنة لا تنفر عنها فاستبدلوها بتلك النسبة المزيفة.
وأما الخطأ من ناحية المعنى ، فلأن هذه الدعوة لم تخرج عن منهج مذهب السلف الصالح من الصحابة والتابعين وأتباعهم ، فكان الواجب أن يقال : الدعوة السلفية ؛ لأن القائم بها لم يبتدع فيها ما نسب إليه كما ابتدع دعاة النِّحَل الضالة من الإسماعيلية والقرمطية ، إذ هذه النحل الضالة لو سميت سلفية لأبى الناس والتاريخ هذه التسمية ؛ لأنها خارجة عن مذهب السلف ، ابتدعتها من قام بها .
فالنسبة الصحيحة لفظًا ومعنى لدعوة الشيخ محمد عبد الوهاب أن يقال ” الدعوة المحمدية ” ، أو ” الدعوة السلفية ” .
لكن لما كانت هذه النسبة تغيظ الأعداء حرفوها ، ولذلك لم تكن الوهابية معروفة عند أتباع الشيخ ، وإنما ينبزهم بها خصومهم ، بل ينبزون بها كل من دان بمذهب السلف ، حتى ولو كان في الهند أو مصر وإفريقية وغيرها ، والخصوم يريدون بهذا اللقب عزل الدعوة عن المنهج السليم ، فقد أخرجوها من المذاهب الأربعة ، وعدُّوها مذهبًا خامسًا ( حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ ) ” انتهى .

ثانيا : كانت دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب في القرن الثاني عشر امتدادا لدعوة شيخ الإسلام ابن تيمية التي ظهرت في القرنين السابع والثامن .
وقد تأثر بها الإمام لموافقتها أصول الإسلام في العقائد والأحكام ، ومن هذه الأصول :
1- اعتماد القرآن الكريم والسنة الصحيحة مصادر التشريع الأولى .
2- الحرص على التمسك بمنهج السلف الصالح من الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة وغيرهم .
3- الدعوة إلى التوحيد ونبذ الشرك .
4- إثبات ما أثبته الله لنفسه ونفي ما نفاه عن نفسه في باب الأسماء والصفات .
5- نبذ التعصب للأئمة المتبوعين والدعوة إلى اتباع الحق بالدليل .
6- الدعوة إلى السنة ومحاربة البدعة .
وقد كان الكتاب هو حلقة الوصل بين الإمامين ، فقد اعتنى الإمام محمد بن عبد الوهاب بكتب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم اعتناء بالغا .
يقول عبد الرحمن بن عبد اللطيف آل الشيخ “مشاهير علماء نجد وغيرهم” (18) :
” وقد كتب بخط يده كثيرا من مؤلفات شيخ الإسلام ابن تيمية ، لا يزال بعضها موجودا بالمتحف البريطاني بلندن ” انتهى .

ولقد أبرز الكتاب المسلمون وغيرهم من المستشرقين في كتاباتهم صلةَ الإمام ابن عبد الوهاب بدعوة شيخ الإسلام بأهمية بالغة .
ذكر العلامة الشيخ أحمد بن حجر آل بوطامي في كتابه “الشيخ محمد بن عبد الوهاب” تصريحات كثير منهم :
قال عبد المتعال الصعيدي في كتابه “المجددون في الإسلام” : “أخذ يدعو مثل ما دعا إليه ابن تيمية قبله من التوحيد بالعبادة لله وحده”.
وقال الأمير شكيب أرسلان في الجزء الرابع من “حاضر العالم الإسلامي” تحت عنوان : “تاريخ نجد الحديث” : “وتَشَرَّبَ مبادئ الحافظ حجة الإسلام ابن تيمية .. وأخذ يفكر في إعادة الإسلام لنقاوته الأولى.. ولا أظنه أورد ثمة شيئا غير ما أورده ابن تيمية” انتهى .
وقال حافظ وهبة في كتابه “جزيرة العرب” : “وتكاد تكون تعاليمهم مطابقة تمام المطابقة لما كتبه ابن تيمية وتلاميذه في كتبهم ، وإن كانوا يخالفونهم في مسائل معدودة في فروع الدين” انتهى .
وقال منهج هارون في الرد على الكاتب الإنجليزي ( كونت ويلز ) : “كل ما قاله الشيخ ابن عبد الوهاب قال به غيره ممن سبقه من الأئمة والأعلام ومن الصحابة الكرام ، ولم يخرج في شيء عما قاله الإمام أحمد وابن تيمية رحمهما الله” انتهى .
وقال محمد ضياء الدين الريس : “وابن تيمية هو الأستاذ المباشر لابن عبد الوهاب ، وإن فصل بينهما أربعة قرون ، فقد قرأ كتبه وتأثر كل التأثر بتعاليمه” انتهى .
وقال بروكلمان في “تاريخ الشعوب الإسلامية” : “وفي بغداد درس محمد فقه أحمد بن حنبل .. ثم إنه درس مؤلفات أحمد ابن تيمية الذي كان قد أحيا في القرن الرابع عشر [ يقصد الميلادي ] تعاليم ابن حنبل ، والواقع أن دراسته لآراء هذين الإمامين انتهت به إلى الإيقان من أن الإسلام في شكله السائد في عصره وبخاصة بين الأتراك ، شُرِّبَ بالمساوئ التي لا تمت إلى الدين الصحيح بنسب ” انتهى.
وقال أحمد أمين : “اقتفى في دعوته وتعاليمه عالما كبيرا ظهر في القرن السابع الهجري في عهد السلطان الناصر ، هو ابن تيمية.. وهو كان يقول بالاجتهاد ، وكان حر التفكير في حدود الكتاب والسنة.. فيظهر أن محمد بن عبد الوهاب عرف ابن تيمية.. فكان إمامه ، ومرشده ، وباعث تفكيره ، والموحي إليه بالاجتهاد ، والدعوة إلى الإصلاح” انتهى .
انظر “أثر دعوة شيخ الإسلام ابن تيمية في الحركات الإسلامية المعاصرة” (1/136-138) لصلاح الدين مقبول ، ومنه استفدت هذه النقول .

ثالثا :
ولكن ، ومع هذه الصلة القوية بين فكر الإمامين ، إلا أن الإمام محمد بن عبد الوهاب كان متبعا للدليل ولم يكن مقلدا للأشخاص ، فقد كان يدرك أن شيخ الإسلام ابن تيمية أحد أئمة الإسلام العظام إلا أن الخطأ جائز على جميع البشر ، ويدرك أن ابن تيمية رحمه الله لم يكن مستحدثا لدعوة مبتدعة غريبة عن الإسلام ، إنما كان متبعا نهج السلف الصالحين ، والاتِّبَاعُ يجب أن يكون للدليل وما أجمعت عليه الأئمة ، ولا ينبغي أن يقدس الإمام مهما بلغت رتبته في العلم ، بل كلٌّ يُؤخَذُ من قوله ويرد إلا النبي صلى الله عليه وسلم .
يقول الشيخ الفوزان حفظه الله في “البيان بالدليل” (150) في الرد على دعوى أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب لم يكن إلا نسخة مكررة من ابن تيمية : “هكذا قال عن مرتبة الشيخ محمد بن عبد الوهاب العلمية أنه لم يدرس إلا مؤلفات ابن تيمية ! وكأنه لم يقرأ ترجمة الشيخ وسيرته ، ولم يعرف شيئا عن تحصيله العلمي ، أو أنه عرف ذلك وكتمه بقصد التقليل من شأنه ، والتغرير بمن لم يعرف شيئا عن الشيخ . ولكن هذا لا يستر الحقيقة ، ولا يحجب الشمس في رابعة النهار ، فقد كتب المنصفون عن الشيخ – رحمه الله – مؤلفات كثيرة انتشرت في الأقطار ، وعرفها الخاص والعام ، وأنه – رحمه الله – تعمق في دراسة الفقه والحديث والأصول وكتب العقيدة التي من جملتها مؤلفات شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم ، وقد تخرج على أيدي علماء أفذاذ وأئمة كبار في مختلف الفنون في بلاد نجد والحجاز والإحساء والبصرة ، وقد أجازوه في مروياتهم وعلومهم ، وقد ناظر ودرس وأفتى وألف في الفقه والحديث والعقيدة حتى نال إعجاب من اجتمع به أو استمع إلى دروسه ومناظراته أو قرأ شيئا من مؤلفاته ، ومؤلفاته تدل على سعة أفقه وإدراكه في علوم الشريعة ، وسعة اطلاعه وفهمه ، ولم يقتصر فيما ذكر في تلك المؤلفات على كتب ابن تيمية – كما يظن الجاهل أو المتجاهل – بل كان ينقل آراء الأئمة الكبار في الفقه والتفسير والحديث ؛ مما يدل على تبحره في العلوم ، وعمق فهمه ، ونافذ بصيرته ، وها هي كتبه المطبوعة المتداولة شاهد بذلك والحمد لله ، ولم يكن رحمه الله يأخذ من آراء شيخ الإسلام ابن تيمية ولا من آراء غيره إلا ما ترجح لديه بالدليل ، بل لقد خالف شيخ الإسلام في بعض الآراء الفقهية” انتهى .

ولتعلم أخي أن من سنن الله تعالى في عباده المصطفين أن يبتليهم على قدر إيمانهم ليبين الصادق من الكاذب ، كما قال سبحانه : ( ألم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ) العنكبوت / 1 – 3 ، وأشدّ أولئك العباد بلاءً الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل ، كما صحّ ذلك عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
ولو تأمّل الإنسان سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم لوجد أنه – بأبي هو وأمي – قد أصابه من البلاء الشيءُ العظيم ، حتى نُعت بأنه كذاب وساحر ومجنون ، ووُضع سلا جزور على ظهره ، وطرد من مكة ، وأدميت قدماه الشريفتان في الطائف ، حاله حال الأنبياء الذين كُذِّبوا من قبله صلوات ربي وسلامه عليهم .

والشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله قد أصيب بما أصيب به العلماء والدعاة المخلصون ، لكن كانت العاقبة في النهاية للحق الذي كان يحمله ، وأنّى للحق أن يخبو نوره أو يعفو أثره ، ولك أن تتصوّر أن يوفّق الله هذا الرجل بغرس التوحيد في أنحاء الجزيرة العربية وأطرافها ، ويقضي على جلّ صور الشرك وأشكاله ، وهذا إن دلّ فإنما يدلّ على إخلاصه وتفانيه في دعوته فيما نحسب ، مع ما اقترن ذلك من سداد الله له وتوفيقه إياه .

وأما أعداء الدعوة فلم يألوا جهداً في إلصاق التهم الباطلة به ، فزعموا – وهم كاذبون – بأن الشيخ يدّعي النبوة ، وأنه ينتقص من قدر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأنه يكفّر الأمة جزافاً .. إلى غير ذلك من الافتراءات التي أُلصقت به ، ومن ينظر إلى تلك الدعاوى يعلم يقيناً أنها محض كذب وافتراء ، وكتب الشيخ المبثوثة أكبر شاهد على ذلك ، وأتباعه من الذين استجابوا لدعوته لم يذكروا ذلك أيضاً ، ولو كان الأمر كما ادّعى المدّعون لأبان ذلك أتباعُه ، وإلاّ كانوا له عاقّين غير بارّين ، ولو أردت الاستفصال في هذا الأمر واستجلاء ما خفي عليك من حقائق فعليك بالرجوع إلى كتاب ” دعاوى المناوئين لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب” للدكتور عبد العزيز العبد اللطيف . فإنك ستجد فيه ما يشفي تساؤلاتك بإذن الله .

أما نعت أتباعه ( بالوهابية ) فما هو إلاّ مسلسل من مسلسلات افتراءات أعداء الدعوة فيه أيضاً ليحولوا الناس عن دعوة الحق ، وليبنوا بين دعوته وبين الناس جداراً وحاجزاً يحول دون بلوغ الدعوة ، ولو تأمّلت قصة إسلام الطفيل بن عمرو الدوسي رضي الله عنه لوجدت أحداثها تقارب ما حصل لدعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب . فقد أورد ابن هشام في السيرة (1/394) أن الطفيل خرج قاصداً مكة ، فتلقفته قريش على أبوابها وحذرته من السماع من محمد صلى الله عليه وسلم ، وأوحوا إليه بأنه ساحر وأنه يفرّق بين المرء وزوجه … ، فلم يزالوا به حتى عمد إلى قطن فوضعه في أذنيه ، فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم حدّث نفسه بأن ينزع القطن ويسمع منه فإن كان ما يقوله حقاً قبل منه ، وإن كان ما يقوله باطلاً وقبيحاً ردّ ، فلما استمع إليه ما كان منه إلاّ أن أسلم في مكانه .
نعم أسلم بعد أن وضع القطن في أذنيه ، وهكذا ينهج المناوئون لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب نهج قريش في الافتراء ، ذلك لأن قريشاً تدرك تمام الإدراك أن دعوة محمد صلى الله عليه وسلم تلامس شغاف القلوب والأفئدة ، وتهتدي إليها الفطرة ، فعمدوا إلى تهويل أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ليحولوا دون بلوغ الناس الحق ، وهكذا نرى الذين يتكلمون على الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأتباعه يعيدون نفس الفصول والمؤامرات التي حيكت حيال الدعوة الأولى .
وعليك أخي الكريم – إن كنت تنشد الحق – أن لا تترك لتلك الدعاوى مجالاً لسمعك وقلبك، واقصد الحق في المسألة بالنظر إلى كتب الشيخ محمد ، فكتبه أعظم دليل على كذب القوم والحمد لله .

وثمت أمرٌ آخر لطيف وهو أن اسم الشيخ هو ( محمد ) والنسبة إليه محمدي ، أما ( وهّابي ) فهو نسبة إلى الوهّاب ، والوهاب هو الله تعالى كما قال : ( ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب ) آل عمران /8 .
والوهاب كما قال الزجاج في اشتقاق أسماء الله ص : 126 : ” الكثير الهبة والعطية ، وفعّال في كلام العرب للمبالغة، فالله عز وجل وهّاب يهب لعباده واحداً بعد واحد ويعطيهم ” .
ولاشك أن سبيل الوهّاب هو السبيل الحق الذي لا اعوجاج فيه ولا افتراء ، وحزبه غالب ومفلح ( ومن يتولّ الله ورسوله فإن حزب الله هم الغالبون ) المائدة /56 ، ( أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون ) المجادلة/22 .

وقديماً اتهموا الشافعي بالرفض فردّ عليهم قائلاً :
إن كان رفضاً حبّ آل محمد      فليشهد الثقلان أني رافضي

ونحن نردّ على من يتّهمنا بالوهابية بقول الشيخ ملا عمران الذي كان شيعياً فهداه الله إلى السنة ، قال رحمه الله :
إن كان تابع أحمد متوهّباً      فأنا المقرّ بأنني وهّابي
أنفي الشريك عن الإله فليس لي     ربٌ سوى المتفرّد الوهّاب
نفر الذين دعاهم خير الورى     إذ لقّبوه بساحرٍ كذّاب
( انظر : منهاج الفرقة الناجية للشيخ محمد جميل زينو ص : 142 – 143 )
والله تعالى أعلم .

لقد أسلمت حديثاً وأخبرني الكثيرون أن أبتعد عن الوهابيين فمن هم وما هي دعوتهم؟
الواجب على المسلم اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، على منهج السلف الصالح الذين ساروا على هدي النبي صلى الله عليه وسلم من الصحابة ومن تبعهم رضوان الله عليهم أجمعين ، وهؤلاء يسمون بأهل السنة والجماعة ، وكل من سار على الطريق الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو منهم ، والنبي صلى الله عليه وسلم إنما جاء بالتوحيد ونبذ الشرك والدعوة إلى عبادة الله وحده دون سواه ، أما كلمة الوهابيين فيطلقها عدد من الناس على دعوة الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب بن سليمان التَّمِيمي الحنبلي رحمه الله ، ويسمونه وأتباعه الوهَّابيين ، وقّدْ علم كلّ من له أدنى بصيرةٍ بحركة الشِّيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله ودعوته أنَّه قام بِنَشْر دعوة التوحيد الخالص والتَّحْذِير من الشرك بسائر أنواعه ، كالتَّعلُّقِ بالأموات والأشجار والأحجار ونحو ذلك ، وهو رحمه الله في العقيدة على مذهب السلف الصالح والتابعين كما تدلُّ على ذلك كتبه وفتاواه وكتب أتباعه من أبنائه وأحفاده وغيرهم ، وقد طبعت كلها وانتشرت بين الناس ، وكانت دعوته وِفْقَ كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم . والوهابية ليست طريقة أو مذهباً ، وإنما كانت دعوة للتوحيد ، وتجديد ما اندثر من معالم الدين ، والواجب عليك أيها السائل أن تحذر من الذين حذَّروك منهم لأنهم يحذرونك من اتِّباع الحق وسلف الأمة ، وإطلاق كلمة الوهابيين على من تمسك بالعقيدة الصحيحة ، والتحذير منهم إنما هي طريق الجاهلين والمغرضين ، نسأل الله العافية .

والواجب على المسلم أن يقبل تعاليم الإسلام ، ويعمل بها ، فمتى سمع بقول أو عمل يكون دليله من الكتاب والسنة فعليه أن يقبله وأن يقدمه على ما سواه ، وأن يعرض أقوال الناس على الأدلة الشرعية ، ويأخذ منها ما وافق الدليل . وقد عُلم أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب – رحمه الله – كانت دعوته إلى التوحيد وألّف في ذلك كتابه المشهور الذي هو “كتاب التوحيد” ، واقتصر فيه على الأدلة الواضحة من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الصحيحة ، وشرحه حفيده عبد الرحمن بن حسن وغيره من العلماء ، ولهذا لم يقدر أحد من خصمائه أن يردّ على هذا الكتاب ولا أن يُبطل أدلته ، وإنما جمعوا أكاذيب عليه واعتقدوا صحتها ، فلذلك اعتقدوا أنه على ضلالة وألحقوا به علماء المسلمين كالشيخ ابن باز والشيخ الألباني رحمهما الله ، ومعلوم أن المشائخ المذكورين لم يخرجوا عن القول الصحيح في الاعتقاد والعمل ، وأنهم على ما كان عليه الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة وأصحاب الكتب الستة وغيرهم . أما الذين لا يعترفون بهم فإنما ذلك لجهل أو تقليد أو حسد أو عناد أو اتباع للأهواء أو تمسك بالعادات والتقاليد والبدع والمنكرات المخالفة للدليل ، وقد ردّ عليهم العلماء المتقدمون والمتأخرون ، فيجب اتباع الدليل وتقديمه على قول كل أحد .

  • شارك الموضوع
Share on facebook
Facebook
Share on google
Google+
Share on twitter
Twitter
Share on linkedin
LinkedIn
Share on pinterest
Pinterest
error: Content is protected !!