rim4

الوعود الإنتخابية الكاذبة (رئاسيات 2019 / موريتانيا)

كانت أول مخالفة مرورية في تاريخ البلد في عام 1961 في مدينة أطار، وقد حررها المفوض “النجيب ولد عبد العزيز” ضد أحد أبناء المدينة (ولد أبدب)، حيث لم تكن دراجته الهوائية تتوفر على إشارة توقف خلفية، ليتم تغريمه بمبلغ 300 ألف أفرنك إفريقي.

الطريقة القديمة لبناء المصالح في المدن الموريتانية

تتحدث الصورة الجميلة عن بساطة السكان والمكان في ذلك الزمن. قارن ذلك بالتعقيد والإكتظاظ الموجود اليوم.

لم يعد الواحد مقتنعا بالبادية (أو القرية) رغم بساطتها، بسبب رغبته في التحضر الغربي المسخ الذي أفسد كل شيء حتى الدين.. كل مكان يشقه “شارع معبد” ينقلب حاله ويخرب أخلاقيا وهوائيا، واسألوا سكان الأماكن التي مرت بها الطرق المعبدة في نواكشوط وغيرها عن حالها من قبل ومن بعد، فلم تجلب هذه الطرق المعبدة التي يفتخر بها هؤلاء إلا المزيد من السيارات والهواء الملوث والضجيج ومحطات البنزين والبقالات والدكاكين المتنافسة..
كانت حياة المواطنين في الهواء النقي في البادية مع الأمن والسلامة وضيق اليد، خير من حياة المدينة المكتظة مع اللصوص والندامة، فالغذاء في المدينة مغشوش كالبشر والهواء وكل شيء.
والبساطة مريحة إذا توفرت القناعة وانخفض مستوى الطموح المهلك الذي أفسد الناس، وجعلهم أكلة مال حرام، وفسقة، وأتباع كفار يأتمرون بأومرهم وينتهون بنواهيهم من أجل ربح المزيد من المال (حال أغلب الساسة والحكام وأتباعهم من المتلهفين).
فلم يفسد البساطة والبسطاء إلا الطمع في مال الدولة، فتركز الناس في العاصمة المتناقضة نواكشوط بحثا عن النقود، وفروا من البراءة وراحة البال، ومن حياة مهما كانت فهي أفضل من حياة العاصمة.

لقد امتن الله تعالى على الناس بنعمتي الغذاء والأمن في سورة قريش، فليس من الضرورة أن يصبح الواحد مديرا أو وزيرا أو رئيسا أو رجل أعمال شيطانية ليسعد، فالإنسان يقدر على العيش بالخبز الطبيعي وحده، والخبز الطبيعي بالمناسبة غير موجود في المدينة التي كل ما فيها مغشوش، وأن يسعد بأبسط الأمور.
لم يطلب الله تعالى من المسلم العاقل إلا العبادة، أما الدنيا فإذا انفتحت على الواحد فإنها تهلكه كما أهلكت من قبله.. واسأل آلات الأعمال والرؤساء والوزراء وكبار تجار السقط عن تجاربهم البائسة مع ضجيج النقود وأمراضها النفسية والبدنية التي لا حصر لها..
اسأل الأسر التي تتمزق شر تمزق بسسب المأساة المادية.
اسأل بؤساء السياسة والأحزاب الذين يتنافسون على السلطة، ولا يتنافسون في التقوى والصدق، عن علاقتهم بالقرآن والطبيعة والكثبان الرملية.. اسألهم عن علاقتهم بالخالق الذي يعبدون..
كان أحد الفقراء يعيش براحة بال فأُخبر بأن عمه مات، وأنه الوريث الوحيد لثروته الطائلة، فبات يتقلب على فراشه. وفي الصباح دخل عليه أحد الأصدقاء، فرآه متغيرا، فسأله عن السبب، فقال: كنت عندما أضع رأسي على وسادتي أنام فورا مثل الحمار، فلما علمت بخبر الميراث لم يغمض لي جفن.

قد تجد من يعترض على التسريبات، وعنده حق، ومن يسرب ويشغب وليس عنده حق.. وكلها ألعاب ديمقراطية شيطانية، لا يوجد في أصحابها من يفكر في إعلاء كلمة دينه أو الرجوع لعقله، فلا يعد أبدا ببث الدين في التعليم ليصنع مجتمعا صالحا مصلحا، وليس مجرد ساعة أو ساعتين مما يسمونه “التربية الإسلامية” في كل أسبوع! وهو في حقيقته “غربة إسلامية” بدليل واقق المتخرجين وجهلهم بالدين.
كل إنجازاتهم مرتكزة على شق الطرق المعبدة التي لا تجلب غير التلوث والدكاكين.. أما أن يعد الواحد منهم بتطبيق الشريعة، أو إضافة العلوم الشرعية على الأقل إلى مناهج التعليم لتعليم الأبناء دينهم في الصغر، أو بمنع المدسوسين من دخول الوزارات والإدارات من نوافذ المحسوبية الأسبوعية، فلا..
فأين احترام التخصصات، وصون الإدارات من الدخلاء؟
أين احترام التدرج الوظيفي الذي لابد منه من أجل سير الأمور بصورة طبيعية في تلك الإدارات؟
إذا لم يكن هذا هو الفساد فما هو الفساد في نظر هؤلاء؟
هل أصبحت الإدارات تدار بالتصفيق، وما علاقة إدارات الدولة برويبضة السياسة المنافقين الذين علمتهم الديمقراطية االكذب والنفاق والخسة؟
ألا يعد هذا النوع من الفساد أظهر أنواع الفساد الموجود في البلد، وأكثرها إضرارا ب الدولة، لأنه يخربها من الداخل بتخريب مصالحها؟
فإلى متى؟
ألا يحق لنا أن نتسائل: لماذا لا يقررون في كل أسبوع تعيين أحد السياسيين المدنيين المنافقين قائدا أو جنرالا في الجيش؟ إن مصالح الدولة أهم من الجيش لأنها التي يقوم عليها البلد كله !

لقد كان المدسوسون في السابق يدخلون إلى الوظيفة من خلال تصريح بفتح منظمة، أو رعاية زورق صيد أو يدخل الواحد منهم إلى المصلحة أو الإدارة كإطار عادي بواسطة التبيب الذي يعد بريئا مقارنة بالموجود اليوم، والذي يدخل صاحبه كمدير لقوم لم ير وجوههم، ولم تطا رجله أرضهم من قبل (إدارتهم) !
فالمسابقات الحكومية كانت ولا زالت عجفاء نادرة، لكن لم يعد يهتم بها إلا الفقراء والجاهلون بالسياسة، أما غيرهم فيمكنه تقلد أعلى المناصب بكلمة يقولها في الحق، عفوا أقصد في الباطل، وبكشطة توقيع !
يدخل المدسوس إلى الإدارة كمخرب، ناهب، لص. لا يهتم بعمل، ولا بخلق، ويؤمن بأن ما جاء به هو ما سيقيه، فضعفت المردودية واستحقت دولة بحق لقب “بلاد السيبة”. ومع هذا لن تجد أحدا من هؤلاء المترشحين يعد بإيقاف هذا النوع من الفساد الذي هو أعظم انواع الفساد! بل هو فساد غير منطقي، إذ تجد المصفق – أو المقرب – على رأس مصلحة ينزل إليها بالباراشوت ! فعجبا لهذا النوع من البلادة السياسية وقلة الأمانة والنزاهة الذي لا أعتقد ان مثله يوجد في أقذر وأفسد بلد في العالم.
والعجب اكبر من المثقفين الساكتون عن هذه الظاهرة لطمعهم في أن يكون المفسد المعين في احد الأيام يوما واحدا منهم !

يدخل الواحد من هؤلاء، فيوضع في أعلى المناصب كأن المصلحة التي بلي بها بلا موظفين ينتظرون دورهم في الترقي المستحق خطوة خطوة، ولا يلتفت إليهم الرئيس ولا الوزير !

أما التعليم فلا وعود حقيقية لدى هؤلاء بإصلاحه، وكذلك الصحة، وإن وجدت فهي كاذبة أو عاجزة مثل ما سبقها.. انحصر الإصلاح في تغيير العَلم والنشيد المبارك والتعيينات وكدروهات ولمرص ومحطات البنزين واللعب بالعقول بأكاذيب السياسة التي لم تعد تخفى على احد..

إن الواحد من هؤلاء المستجلبين لا يدخل إلى الإدارة من بابها الطبيعي ليتعلم ويتدرج في المراتب، ويكون مثل المسلمين الذين وجد أمامه ممن يتفرجون على امثاله يتقافزون مثل الجراد على كراسي القيادة، بل يدخل من النافذة، وبكل وقاحة وسلاطة، ولن بفكر أحد منهم في إصلاح مثل هذا الفساد المستشري.
لن يعد أحد منهم بان يوقف الأطباء عند حدودهم، ويعيد الصدق والقناعة إلى قلوبهم، ويذكرهم بمهنتهم المبنية على الرحمة بدلا من نهب المواطنين والإستخفاف بأرواحهم.
لن يعد احد منهم بوضع حد للغرامات الثقيلة التي يضعها الأطباء على الفقراء المرضى، ولن يعد بتثبيت أسعار السلع الأساسية ليجنبها انتهازية التجار، ولن يعد بجعل العربية لغة التعليم والعمل، ولن يعد بإدخال كل علوم الشرع في مناهج التعليم إلى جانب علوم السياسة والديمقراطية المشؤومة، ولن يعد بتخصيص مساعدات للفقراء والمرضى من خزينة الدولة، ولن يعد بوضع القوانين الضابطة لخلاق وسلوكيات الناس وفرضها للعودة بهم إلى النظام. ولن يعد بأي شيء نافع.. حتى الوعود لم يعد الواحد قادر على المبالغة في النافع منها ولو بنية الكذب الأحمر !
لكنك ستجد بعضهم يقفز بين قرية وقرية لإلقاء الخطب والمهرجانات الفارغة!
ستجد بعضهم يلبس دراعة متقعرة ويبيت مع أسرة فقيرة ليثبت انه فقير!
ستجد بعضهم مرشح الإجماع، والبعضر مرشح الفرقة والكراهية، وآخرون بين ذلك وذلك، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، ساسة كاطرون ياكلون الدنيا ولو من يد الشيطان، يعطينا خير سياستهم الإبليسية المرتبطة بالسياسة الشيطانية العالمية ارتباط العبد بسيده.

هذه هي وعودهم الإنتخابية الحقيقية، كلها سخيفة كاذبة مبنية على المصالح الذاتية الأنانية، أما مصلحة الدولة والمواطنين فلا تهم أي واحد منهم، بل إذا وصل الواحد منهم إلى الحكم اختصره في شخصه، وتصرف على أساس أنه ملك لأجداده الفقراء الذين كانوا يعيشون بسلام آمنين في البادية..
فلن يجلبوا غير المزيد من الفساد والإفساد، وكدروهات المتقعرة والجراد السياسي الذي أفلس الدولة، والخضوع للمستعمر الغربي الذي حولها إلى دولة ديمقراطية تكاد لا تعرف ربا ولا دينا ولا خُلقا !
وأروني منهم رجل رشيد ينادي بإحياء الدين في التعليم وإعادة لغته إلى الألسن وتذكير الناس بأنهم لم يخلقوا إلا لعبادة الله.. هذا هو الأهدف الأساسي من الحياة، ولهذا بدأت المقال بالبادية للتذكير بنعمتي الأمن والغذاء الكافيتن.. وهي فكرة قد لا يوافقني بعض المجربين عليها..
نعوذ بالله من منصب يتبعه الحساب العسير حتى وإن كان رئاسة الجمهورية. والله أعلم بالسرائر، والناس ماهم واحد.

  • شارك الموضوع
Share on facebook
Facebook
Share on google
Google+
Share on twitter
Twitter
Share on linkedin
LinkedIn
Share on pinterest
Pinterest
error: Content is protected !!