548763

درس آداب طالب العلم – الجزء 1

المحتوى:
درس آداب طالب العلم – الجزء 1
1- فضل العلم الشرعي وحكمه

1– فضل طلب العلم الشرعي وحُكْمه:

فضل العلم الشرعي من القرآن:

إن أول آيةٍ نزلت في القرآن ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ)، ظاهرةُ الدِّلالة في بيان أهميَّة العلمِ وفضله.
وقد فُضل آدمُ على الملائكة بالعلم، قال تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة: 31].

وقد أمر الله -عز وجل- نبيَّه -صلى الله عليه وسلم- بالزِّيادة من العلم، وهو أمرٌ للأُمَّة جميعًا، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: 114].

كذلك قال تبارك وتعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: 11]، فجعل الرِّفْعَةَ لأهل العلم، ولم يرتفع أهلُ العلمِ إلا بهذا العلمِ. فأولى الناس بالإمامة في الصَّلاةِ -التي هي أعظمُ الفرائض بعد التَّوحيد- هو أقرأهم لكتاب الله -عز وجل-، فهذه رِفْعَةٌ في الدُّنيا. أما الرِّفْعَةُ في الآخرة، فمثل قارئ القرآنِ يُقال له في الآخرة “اقرأ وارتَقِي فإنَّ منزلَتَك عند آخر آيةٍ تقرأها”، أي ارتقي في درجات الجنَّة، فهذه رِفْعَةٌ أخرى.كذلك قوله -تبارك وتعالى- في سورة آل عمران: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: 18]، قَرَنَ اللهُ -عز وجل- في هذه الآية شهادَةَ أهلِ العلمِ بشهادته وشهادة الملائكة، وهؤلاء هم أعظمُ الشُّهود على أعظم مشهود وهو التَّوحيد.

واستدل ابنَ القَيِّم -رحمه الله- في كتابه “مفتاح دار السَّعادة” بقول الله -عز وجل- في سورة المائدة: ﴿وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾ [المائدة: 4]، قال: “هذه الآيةُ تدلُّ على فضل العِلم”. فاللهَ -عز وجل- أباح صيدَ الكلبِ المُعَلَّم، وأمَّا الكلبُ غيرُ المُعَلَّم فصيده لا يجوز، وذلك بفضل العلم رغم أنه نجس.

وفي هذه الآيةِ فائدةٌ أخرى: وهي أنَّ العلمَ ليس صعبًا، فهذه الحيوانات العَجْمَاوات تتعلَّم، وكذلك كل إنسان يمكنه أن يتعلم إذا عقد العزم على ذلك، وتأمَّلوا في أبي هريرة -رضي الله عنه-، أسلم في السنة السابعة ولازم النبي -صلى الله عليه وسلم- أربع سنوات، ومع ذلك روى للأمة الكثير من الأحاديث !.

فضل العلم من السنة:

مما يدلُّ أيضًا على فضلِ العلم قوله -صلى الله عليه وسلم- في الحديث المُتَّفق عليه: «مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ»، فإذا أردتَ أيُّها المسلمُ أن تكونَ من خير الناس فعليك بالفقه في الدِّين.

وهذا الحديثُ له منطوقٌ وله مفهومٌ، فمنطوقه أنك إذا رأيتَ المسلمَ يحرص على الفقه في دينِه فذلك دلالة على أنَّ الله أرادَ به خيرًا. أما مفهوم المُخالفة فعكس ذلك. إذا رأيتَه يُعْرِضُ عن الفقه في الدِّين والإستماع للموعظةَ فذلك دليلٌ على أنَّ الله لم يُرد به خيرًا.

والفقه هنا مفهومٌ عامٌّ يشمل الفقه الأكبر والفقه الأصغر. فالفقهُ الأكبرُ هو علم العقيدة، والفقهُ الأصغرُ هو علم الفروع وعلم الأحكام.

أيضًا مما يدلُّ على فضل العلم ما رواه مسلمٌ في صحيحه من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: «مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ»، لاحظوا أنَّ الجزاءَ من جنس العمل.

وطُرُق تحصيل العلم كثيرةٌ، ولهذا قال أهلُ العلم: “الطُّرق المُؤَدِّية لطلب العلم كثيرةٌ تشمل الطُّرقَ الحِسِّيَّة والطُّرق المعنوية”. فالطُّرُق الحِسِّيَّة كأن تذهبَ بقدميك إلى دُور العلم كالمساجد وغيرها وتسافر لطلب العلم. أما الطُّرُقَ المعنويَّةَ فمثل حفظ العلم ومراجعته مع الأقران… إلخ

أيضًا مما يدلُّك على فضل العلم: ما رواه البخاريُّ في صحيحه من حديث أبي واقدٍ اللَّيثِيِّ -رضي الله عنه- أنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- كان جالسًا في المسجدِ والناس معه، فأقبل ثلاثةُ نفرٍ ودخلوا المسجدَ، فأقبل اثنان عليه وأعرض الثالثُ، قال راوي الحديث: (فوقفا على رسول الله -صلى الله عليه وسلم فأمَّا أحدُهما فرأى فُرْجَةً في الحَلَقَةِ فجلس فيها). يدلُّ ذلك على رغبته في العلم، اقترب ليتعلم. (وأمَّا الآخرُ فجلس خلفهم). استحى، والعلم لا ينالُه مُسْتَحٍ ولا مُتَكَبِّرٌ. (وأمَّا الثالثُ فأَدْبَرَ ذَاهِبًا) أعرضَ. (فلمَّا فرغ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم) يعني من حديثه قال: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ عَنِ النَّفَرِ الثَّلَاثَةِ؟». فبيَّن أحوالَ هؤلاء الثَّلاثةِ فقال: «أَمَّا أَحَدُهُمْ فَآوَى إِلَى اللهِ فَآوَاهُ اللهُ»، وهذا هو الأول الذي وجد فُرْجَةً فجلس فيها، وهذا يدلُّ على حرصه ورغبته في طلب العلم، فكانت النتيجة «فَآوَاهُ اللهُ». «وَأَمَّا الآخَرُ» فاستحى فكانت النتيجة «فَاسْتَحْيَا اللهُ مِنْهُ» لما قصَّر في طلب العلم؛ جاءه من الثَّواب بقدر تقصِيره. «وَأَمَّا الآخَرُ فَأَعْرَضَ» فكانت النَّتيجة «فَأَعْرَضَ اللهُ عَنْهُ».

وهذا الحديثُ فيه ترغيبٌ وترهيبٌ، فالتَّرغيب في قوله: «فَآوَى إِلَى اللهِ فَآوَاهُ اللهُ»، والتَّرهيبُ في قوله: «فَأَعْرَضَ فَأَعْرَضَ اللهُ عَنْهُ»، والجزاءَ من جنس العمل، لذلك مَن أعرض عن طلب العلم كانت النتيجة إعراضَ الله عنه، فوُكِلَ إلى نفسه، ومَن وُكِلَ إلى نفسه فقد وُكِلَ إلى ضعفٍ.

والعلماءِ الرَّبَّانيون كلَّما ازدادوا علمًا ازدادوا خشيةً لله، يقول ربنا -تبارك وتعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: 28]؛ لأنَّهم عرفوا حقَّ الرَّبِّ -عز وجل- فقدَّرُوه حقَّ قدره.

ما العلمُ الذي بيَّن اللهُ تعلى ونبيه الكريم فضلَه في الكتاب والسنة ؟

هو العلم بالله وبكتابه وبرسوله -صلى الله عليه وسلم-، هذا هو العلم الذي يُمدح لذاته، أمَّا العلوم الدُّنيويَّة التَّجريبيَّة فتُمدح ويُؤجر الإنسانُ عليها بحسب نيته لأنَّها مُباحةٌ، فلا يُتَعَبَّدُ بها لذاتها كالعلم الشرعي، وإنَّما هي وسيلةٌ كسائر الوسائل، فيُثاب الإنسانُ عليها بحسب نيَّته الصَّالحة فيها (يعني أنه قد يبلغ فيها أعلى الدرجات وتكون نيته فاسدة فلا يثاب على شيء في الآخرة أما في الدنيا فأغلب المخترعين يأخذ جزائه فيها من مال وشهرة فيوفى حقه فيها).

حُكم تَعَلُّم العلمِ الشَّرعيِّ:

العلمَ الشَّرعيَّ منه ما هو واجبٌ عينيٌّ، ومنه ما هو واجبٌ كِفَائِيٌّ، ومنه ما هو مُسْتَحَبٌّ.

أمَّا الواجبُ العَينِيُّ فهو الذي يجب على كلِّ مسلمٍ مُكَلَّفٍ تعلُّمُه (أي يتعين عليه)، كأن يتعلم من دينه ما لابد له منه كأصول الإيمان السِّتَّة وأركان الإسلام، وما يجب اجتنابُه من المُحَرَّمات، وما يحتاج إليه في باب المُعاملات، وإذا كان يملك مالاً يبلغ النِّصَابَ؛ فيجب عليه أن يتعلَّم أحكامَ الزَّكاة، وإذا كان يستطيع الحجَّ وهو مُكَلَّفٌ؛ فيجب عليه أن يتعلَّم أحكامَ الحجِّ حتى يحجَّ كما حجَّ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم. وهكذا، لأن ما لا يتمُّ الواجبُ إلا به فهو واجبٌ.

أمَّا ما زاد على ذلك من علوم الشَّريعة، كمعرفة الخلاف في المسائل، وتفصيلات المسائل؛ فهذا مما لا يجب وجوبًا عينيًّا، وإنَّما يكون من فُرُوضِ الكِفَايات (إذا قام به البعض كفى)، وما زاد على ذلك كتَعَلُّم الأمور المُسْتَحَبَّة؛ فهو مما يُستحبُّ.

والذي يُذَمُّ هو ترك الواجب؛ أمَّا ترك المُسْتَحَبِّ فلا يُذَمُّ التَّاركُ له، فالمُسْتَحَبُّ هو ما يُثاب فاعلُه امتثالاً ولا يُعاقب تاركُه.

جاء صحابي إلى المسجد فوجد النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- في حَلَقَةٍ مع أصحابه، فصلى صلاةً خفيفةً لم يُتِمَّ ركوعَها ولا سجودَها، ثمَّ أقبل على النبيِّ -عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ- وسلَّم عليه فردَّ عليه السَّلامَ وقال له قبل أن يجلس: «ارْجِعْ فَصَلِّ؛ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ». حكم النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- بأنَّه لم يصلِّ، فرجع الصَّحابيُّ وأعاد الصَّلاةَ مرَّةً أخرى، ثمَّ جاء فسلَّم، فردَّ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- عليه السَّلامَ، وهكذا حتى حكم عليه ثلاثَ مرَّاتٍ بأنَّه لم يُصَلِّ فقال الصحابيُّ بعد المحاولة الثالثة: «وَاَلَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَا أُحْسِنُ غَيْرَهُ، فَعَلِّمْنِي». فعلَّمه النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- كيفيَّة الصَّلاة.

وهذا صحابي فما ظنُّك بكثيرٍ من المسلمين اليوم، لا يعرفون شروط الصَّلاة ولا أركانها ولا واجباتها، يُصَلُّون كيفما اتَّفق لهم، فحينئذٍ لا يُعذر الواحد منهم بجهله، بل يجب عليه تَعَلُّم هذا النوع من العلمِ. وقد جاء في البخاريِّ – وغيره – أنَّ حُذيفةَ -رضي الله عنه- رأى رجلاً يُصَلِّي ولا يُتِمُّ الركوعَ ولا السُّجودَ، فقال له: “منذُ متى وأنت تُصَلِّي على هذه الحال؟” قال: “منذ أربعينَ سنةً”. قال: “منذ أربعين سنةً ما صليتَ، ولو مِتَّ على ما مِتَّ عليه لمِتَّ على غير الفِطْرَةِ التي فطر اللهُ عليها محمدًا -صلى الله عليه وسلم- ولو مِتَّ على غير الفِطْرَةِ ما أفلحت أبدًا”.

  • شارك الموضوع
Share on facebook
Facebook
Share on google
Google+
Share on twitter
Twitter
Share on linkedin
LinkedIn
Share on pinterest
Pinterest
error: Content is protected !!