5421

درس أصول العقيدة الإسلامية – الجزء 1

يرتكز درس أصول العقيدة الإسلامية على ملخصات ومقاطع دورة “أصول العقيدة” للدكتور “محمود الرضواني” أستاذ العقيدة الإسلامية والمدرس سابقا بالجامعات السعودية، وصاحب قناة “البصيرة” على النايلسات.

ستتمكن بعون الله من خلال هذه الدورة من معرفة جواب الأسئلة التالية:

  • ما هي العلاقة بين العقل والنقل؟ هل يتعارض النقل مع العقل
  • أيهما يُقدم على الاخر عند التعارض الظاهري؟ وما الذي يُقدم؟ وما هي أقوال السلف في هذه المسائل؟
  • هل العقل أصل في ثبوت النقل أم أصل في التعرف على النقل؟
  • أيهما يُحَسِّنُ أو يًقبح؟ هل العقل له دور في التحسين والتقبيح أم يجب إلغائه كليا؟
  • لو قُدم العقل على النقل في باب الأخبار والغيبيات فكيف تظهر بدع الإعتقادات (أصل هذه البدع)؟ ولو قدم العقل على على النقل في باب الأوامر والشرائع والأحكام كيف تظهر بدع العبادات (أصل هذه البدع)؟

أخي الكريم، أختي الكريمة، ستخرج من هذا الدرس وأنت قادر على الإجابة على أكثر الأسئلة العقدية استشكالا، وبفهم الصحابة رضوان الله تعالى عليهم لا فهم غيرهم، يعني فهم السلف الصالح.
أين الله؟ هل تستطيع الإجابة على هذا السؤال دون خطأ؟
هذا السؤال طرحه عليّ أحد المتباهين، ولما قلت له إنه في السماء أدخلني في متاهات لم أكن مدركا لها جيدا، والعجيب أن حوارنا كان حول الدكتور الرضواني الذي يبدو انه يكرهه كراهية عمياء ككل الإخوان المسلمين، فاختار العقيدة بالذات ربما ليثبت لي أنه أعلم منه ومني بها، فخشيت أن أقول في الله بغير علم أو يقين، فقررت تلخيص هذه الدورة الأساس في مجال الهقيدة ليطلع عليها كل مسلم وينتفع وينفع بها.
والمصادفة الجميلة أن جواب سؤاله الذي طرح بفلسفة زائدة (وهو أين الله تعالى؟)، تضمنه المقطع الأول من الدورة دون زيادة كما فعل أو نقصان كما فعلت، وكل ذلك من بركة العلم. فلنبدأ بعون الله.

محتوى الجزء الأول: العلاقة بين العقل والنقل
1- تعريف العقل
2- تعريف النقل
3- هل يمكن أن يتعارض العقل والنقل

نريدك أن تفهم العلاقة بين العقل والنقل بأدلة واضحة من الكتاب والسنة بمنهج أهل السنة والجماعة لأنها تحدد فهمك للأمور العقدية، ومن المعروف أنه بدون العقيدة الصحيحة لا يقبل من الإنسان العمل الذي يقوم به فشرط قبول العمل شيئان “الإخلاص والمتابعة”: الإخلاص لله تعالى، ويتضمن العقيدة والتوحيد، إضافة إلى سلامة المتابعة للنبي صلى الله عليه وسلم. نريدك أن تكون ممن يفهم العلاقة بين العقل والنقل بفهم الصحابة لا فهم من يعتبر فهمه أعلى وأرقى من فهمهم كبعض الجهلة والمشبوهين.

ملاحظة: عليك حفظ القواعد لأنها بمثابة الأساسيات

1- تعريف العقل:

قاعدة: عرف الإمام احمد العقل (وعلى ذلك جمهور المسلمين) بأنه غريزة وضعها الله في قلوب الممتحنين من عباده، تابعة للروح، وموضوعة في الجانب الغيبي من قلب الإنسان لا نعرف كيفيتها، ولكن نتعرف على وجودها ووجود أوصافها من أفعال الإنسان في ظاهر البدن، فيقال: هذا عاقل، إذا فعل أفعال العقلاء، وهذا مجنون إذا لم يتصف بها.

والعقل موجود في القلب كما أخبرنا الله تعالى في الآية: “أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آَذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ”.

كذلك، يقول العوام “عقلك في رأسك تعرف خلاصك”، هذا المعنى صحيح لأن أعضاء الجسد كلها خلقها الله تعالى لتتكامل، فالعقل يستقبل معلوماته من الحواس كالنظر واللمس والشم وغيرها، فيحللها ويقرر وفقها ويخزنها في الدماغ في خلايا ثابتة (الدماغ يشبه القرص الصلب في الكمبيوتر)، فإذا ماتت خلية ضاعت المعلومة المخزنة فيها، فترى الشخص يحاول التذكر فلا يستطيع، وقد يفقد الذاكرة ولا يفقد عقله، فتراه يميز، ولكن لا يقدر على تذكر المخزن من معلومات في دماغه لأنه فقد ذاكرته، اما إذا فقد عقله فإنه يصبح مجنونا ويُرفع عنه التكليف.

الغاية من وجود العقل:

هي معرفة الإنسان ما ينفعه ويضره، وكيف يُحَصِّلُ الخيرَ الأعلى والأفضل دائما، ولا نجد عاقلا يفضل الأدنى على الأعلى، وقد بنيت دعوة الإسلام على إيثار المصلحة العليا، وتفضيل ما عند الله تعالى بطلب الجنة والبعد عن النار، فليس بعد نعيم الجنة من خير، وليس بعد عذاب النار من شر.

والقرآن يخبرنا أن المعرض عن ربه يعترف بذنبه، ويقر على نفسه بأن الله تعالى منحه غريزة العقل، لكنه لم ينتفع بها، وأنه لم يكن عاقلا حين فضل الدنيا على الآخرة، قال تعالى: “وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ”.

قال بعضهم: كانوا يعقلون أمور الدنيا، ولم يعقلوا عن الله ما أخبر عنه ووعد وتوعد.

حدود العقل:

حدود المعرفة بالعقل هي ما وقع تحت مدارك الإنسان من معلومات يدركها بحواسه الخمسة، أي بالنظر في عالم الشهادة (العالم المشهود)، والله تعالى قد خلق الإنسان بجهاز إدراكي محدود (الجهاز الإدراكي هو العقل والحواس إضافة للذاكرة)، فما غاب عن إدراكه إذا تكلم فيه بغير علم فإنه يحاسب على ذلك، وذلك هو ما يسمى بعالم الغيب، فهما عالمان بالنسبة للإنسان غيب وشهادة، لكن بالنسبة لله، الله مطلع على العالمَين، فهما سواء عنده، وقد جعلهما الله تعالى غيبا وشهادة لعلة أرادها وهي الإبتلاء، لأن الإنسان في دار ابتلاء، فهو مكلف بالإيمان مثلا، والإيمان غيب، وذلك ليفلح من آمن ويخسر من أعرض، إذ لو رأى الإنسان ربه والجنة والنار لبطل معنى الإبتلاء، فكيف يكفر حينها؟

العتبات المطلقة للحواس الخمسة:

هي حدود إدراك الإنسان بحواسه حسب علماء النفس والتجربة، أي آخر الحدود التي يمكن للحواس أن تصل إليها.

قالوا إن البصر قد يدرك به العقل شمعة مضيئة على بعد ثلاثين ميلا في ليل مظلم صاف، والسمع قد يدرك به صوت دقة ساعة في ظروف هادئة تماما على بعد عشرين قدما، إلى آخره.

وبهذا يظهر أن العقل قاصر عن الإدراك في هذه الدنيا، فما بالك بما وراء ذلك كعذاب القبر وغيره

ومعلوم أن عدم رؤية الشيء ليست دليلا على عدم وجوده، والجن مثال على ذلك. أما أمر الإدراك في الآخرة فيختلف تماما عنه في الدنيا، لأن مدركات الإنسان في الآخرة تختلف عن مدركاته في الدنيا، ففي الحديث الذي في صحيح البخاري أن الله تعالى خلق آدم على صورته، طوله ستون ذراعا، وأن كل من يدخل الجنة يدخلها على صورة آدم. وهذا يدل على أن الإنسان في الآخرة يكون طوله ستون ذراعا.

كذلك يرى المؤمنون ربهم بأعينهم مما يدل على أن قدرة الأعين على الرؤية تختلف.

ولعدم القدرة على رؤية المرئي سببان رئيسيان هما:

  • خفاؤه، وهذا ممتنع في حق الله تعالى
  • ضعف الجهاز الإدراكي للرائي

فالله تعالى حجب عنا نفسه في هذه الدنيا ابتلاء ورحمة لعدم قدرتنا على رؤية نوره في هذه الدنيا، وسيراه المؤمنون في الآخرة جزاء (قاعدة: حجب عنا نفسه في الدنيا ابتلاءً وسنراه في الآخرة جزاءً)، جعلنا الله وإياكم ممن يراه سبحانه وتعالى، فسيُرى في موضعين:

الأول أرض المحشر في يوم القيامة والثاني الجنة في أيام الجُمَع والعيدين.

سؤال: ما هي المواضع التي سيرى المؤمنون ربهم فيها في الآخرة؟

العقل الصريح ومدارك اليقين:

أما العقل الصريح فأقصى حدوده أن يتعرف على وجود الله وعظمته من خلال الأسباب ودلالاتها، وكيفية التلازم بينها في ترابطها.

وهنالك عدة أمور يدرك بها العقل حقائق الأشياء على وجه اليقين أي المدارك التي تجعلنا على يقين مما نعتقده:

أولها: البديهيات أو الأوليات: وهي الأسباب التي تؤدي إلى نتائج، وذلك كالحكم على أن البعرة تدل على البعير، والأثر يدل على المسير يقينا كما قال الأعرابي مستدلا على الخالق بوجود المخلوق، وهكذا كل مفعول به لابد له من فاعل، وكل نتيجة لابد لها من سبب.

فعرفنا ربنا بالأسباب لأن المخلوق يدل عليه، فالله تعالى جعل لنا الأسباب من أجل أن نتأمل في خالقها. فقال على سبيل المثال: “أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ”، يعني من خلقها؟

إذن الأسباب (وتعرف أيضا بالبديهيات والأوليات)، يُتوصل بها إلى درجة اليقين، ولذلك لما جائت مريم بعيسى تحمله عليهما السلام، استغرب القوم بناء على الأسباب، لأن سبب الولد الزواج أو الزنا، وهي غير متزوجة، فأشارت إليه ليكلمهم، فلما كلمهم وهو في المهد عرفوا أن الأسباب يمكن خرقها، فصدقوها.

الثانية: المحسوسات، جعلها الله وسيلة إثبات، ومن الأمور التي يدرك بها العقل حقائق الأشياء أي من مدارك اليقين، فمثلا جريمة الزنا والعياذ بالله تثبت بالأسباب كظهور الحَمْل، كما تثبت بالمحسوسات أي بالنظر والمشاهدة، وذلك بأن يشهد أربعة على أنهم رأوا الجريمة بأعينهم.

فجعل الله تعالى شهادة الأربعة في جريمة الزنا مؤدية إلى اليقين.

كذلك شهادة الواحد في حالة الأعرابي الذي نزلت فيه الاية “وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ”، جعل الله شهادته بتلك الهيئة وهو وحيدا على امرأته، مؤدية إلى اليقين (وكذلك شهادتها دفاعا عن نفسها).

لذا فالمشاهدة بالنظر (المحسوسات) تؤدي إلى اليقين.

الثالثة: المتواترات والخبر الصادق، التواتر أن يأتي الخبر إليك متواليا، فمثلا من لم يزر مكة، عرف بوجودها لأن الأخبار تواترت بوجودها، والتواتر هو نقل جمع يستحيل تواطؤها على الكذب عن جمع مثلها. كذلك خبر الصادق الواحد يؤدي إلى اليقين، بل قد يؤدي إلى اليقين أكثر من خبر الجماعة، وأكثر أحاديث البخاري ومسلم أحاديث آحاد، فهل يعقل أن لا نأخذ بأحاديث الآحاد كما يزعم البعض؟ (70 بالمائة منها تقريبا آحاد).

الرابعة: التجريبيات، وهي التجربة والخبرة، فصاحب الخبرة عنده تجربةن يعرف الأمور ويميزها أكثر من غيره، فمثلا الطبيب ذو التجربة لا يقارن بالطبيب المبتدئ.

الخامسة: الإعتراف، يؤدي إلى اليقين، وكما يقولون “الإعتراف سيد الأدلة”.

2- تعريف النقل:

المقصود بالنقل ما نُقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سماعا، ونقله رسول الله صلى الله عليه وسلمعن جبريل عليه السلام، ونقله جبريل عليه السلام بالسماع المباشر من رب العزة والجلال.

فهو الوحي أي الكتاب والسنة، ويسمى أيضا بالشريعة (أو الشرع)، ويسمى بالسمع (أو السمعيات)، ويسمى بالخبر أو الأثر (الأخبار أو الآثار).

والنقل هو ما جائنا من الله يعرفنا فيه بنفسه، فيبين لنا فيه أسماءه وأوصافه وأفعاله، ويبين ما في عالم عالم الغيب من الملائكة والجن، وما يحدث في الملأ الأعلى، وما سيحدث يوم القيامة.

والعاقل يقر بالنقل ويقدمه، إذ لا يوجد أعلم بالله من الله، ولا اعلم من رسول الله بالله، فما أثبته لنفسه من الأسماء والصفات وجب علينا الإيمان به كما أخبر، وما أمرنا به كان صلاحنا في اتباعه.

سؤال: ما تعريف النقل؟

3- هل يمكن أن يتعارض العقل مع النقل:

هذه المسألة المهمة تميز أهل السنة عن مخالفيهم، فهم يرون استحالة تعارض العقل الصريح مع النقل الصحيح، بل يرون أن العقل الصريح يشهد للنقل الصحيح ويؤيده لأن مصدرهما واحد وهو رب الناس، هو الذي خلق العقل وهو الذي أرسل إليه النقل، فمحال أن يرسل إليه ما يتعارض معه.

قاعدة: العقل الصريح لا يتعارض مع النقل الصحيح بل يشهد له ويؤيده لأن المصدر واحد، فالذي خلق العقل هو الذي أرسل إليه النقل، ومن المحال أن يرسل إليه ما يُفسده.

وعند البشر إذا صنع الواحد منتجا ووضع له منهجا، فإن الإلتزام بذلك المنهج يحفظ المنتج من الفساد بعكس مخالفته. كذلك العقل وضعه الله سبحانه وتعالى في الإنسان، ووضع له الشرع (صحيح النقل)، فإذا التزم به كان في ذلك صلاحه، وبالعكس.

ومعلوم عند سائر العقلاء أن أولى وأفضل من يضع نظام التشغيل للمصنوعات هو صانعها، ولذلك قال تعالى في شأن اتباع بني آدم لمنهجه: “وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (125) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آَيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى”.
قال ابن تيمية: “كل ما يدل عليه الكتاب والسنة فإنه موافق لصحيح المعقول (العقل الصريح)، والعقل الصريح لا يخالف النقل الصحيح، ولكن كثيراً من الناس يغلطون إما في هذا وإما في هذا، فمن عرف قول الرسول ومراده به كان عارفاً بالأدلة الشرعية، وليس في المعقول ما يخالف المنقول”.

وقال أيضا: “من قال بموجب نصوص القرآن والسنة – أي التزم بالأدلة -، أمكنه أن يناظر الفلاسفة مناظرة عقلية يقطعهم بها، ويتبين له أن العقل الصريح مطابق للسمع الصحيح”.

وقال أيضا: “العقل الصريح لا يخالف النقل الصحيح، كما أن المنقول عن الأنبياء عليهم السلام لا يخالف بعضه بعضا، ولكن كثيرا من الناس يظن تناقض ذلك، وهؤلاء من الذين اختلفوا في الكتاب، وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد”.

أي أن مصدر ما جاء به الأنبياء واحد.

والهداية الحقيقية تكمن في قيادة النقل الصحيح للعقل الصريح، أي في قيادة الوحي للعقل، قال تعالى: “وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ”.

وفي صحيح البخاري من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى، قالوا: يا رسول الله ومن يأبى؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى”.

والضلال الحقيقي يكون في اتباع العقل بعيدا عن النقل، انظر لمن يترك شرع الله ويتبع إملاءات الكفار وقوانينهم معتقدا أنها أهدى سبيلا وأصلح للعصر. قال تعالى: “وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ”.
الله سبحانه وتعالى يحذره من أعدائه، وعقله بناء على الممصالح الآنية يدفعه إلى التعلق بهم، تركوا هدى الله واتبعوا طرق الكفار، فخذلهم الله.

وفي صحيح البخاري من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “لتتبعن سَنَنَ كم قبلكم، شبرا بسبر، وذراعا بذراع، حتى لو سلكوا جحر ضب لسلكتموه، قلنا: يار رسول الله، اليهودُ والنصارى؟ قال: فمن؟”.

عقوبة من أفسد النظام الذي وضعه الخالق سبحانه وتعالى:
قال تعالى: “ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ”.

وقال تعالى: “وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آَمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ”.

وقال تعالى: “وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآَيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آَذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا”.

وقال تعالى: “إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآَيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ”.

وقال تعالى: “إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ”.

وقال تعالى: “وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ”.

أسباب تعارض العقل مع النقل:

قاعدة: إذا تعارض العقل مع النقل فذلك لسببين، أحدهما: أن النقل لم يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والآخر: ان العقل لم يفهم النقل، ولم يدرك خطاب الله على النحو الصحيح.
فمثلا نجد بعض الخطباء ينسب إلى رسول الله صلى الله عليه قوله “إن أول ما خلق الله القلمَ، فقال له: اكتب، فجرى بما هو كائن إلى الأبد”، وآخر ينقل: “أول ما خلق الله العقل”، وثالثا ينقل: “أول ما خلق الله نوري”. فلا شك أنه سيقف حائرا بين تلك الروايات التي كان يجب قبل نقلها التثبت من صحتها. فالحديث الأول صحيح، وهو مرفوع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، أما الآخران فموضوعان.
والأحاديث الضعيفة والموضوعة لا ينبغي نقلها حتى إن اعتقد الناقل أن فيها ترغيبا في الدين لأنها تفتح باب البدعة على مصراعيه وتشوه الوحي بمصدريه الكتاب والسنة.

وقد ذكر ابن القيم أمثلة كثيرة للأحاديث الموضوعة تبين منافاتها للعقل الصريح، منها الحديث المكذوب الذي فيه: (من قال: لا إله إلا الله، خلق الله من تلك الكلمة طائرا له سبعون ألف لسان، لكل لسان سبعون ألف لغة، يستغفرون الله له).
وكذلك الحديث الموضوع: “الباذنجان شفاء من كل داء”. قال ابن الجوزي: “هذا حديث موضوع على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا سقى الغيث قبر من وضعه، لأنه قصد شين الشريعة بنسبة رسول الله إلى غير مقتضى الحكمة والطب”.
وكذلك الحديث الموضوع الذي فيه: “عليكم بالعدس فإنه مبارك يرقق القلب ويكثر الدمعة قُدس فيه سبعون نبيا”. سُئل عبد الله بن المبارك عن هذا الحديث الموضوع وقيل له إنه يُروى عنه، فقال: “وعني؟ ما أرفع شيئا فيه العدس، إنه شهوة اليهود. ولو قدس فيه نبي واحد لكان شفاء من الأدواء، فكيف بسبعين نبيا؟ وقد سماه الله أدنى، وذم من اختاره على المن والسلوى، وجعله قرين الثوم والبصل” (الآية 61 من سورة البقرة).
وكذلك الحديث الموضوع: “من عشق فكتم، وعف فمات، فهو شهيد”.
والحديث الموضوع: “من ولد له مولود فسماه محمدا تبركا، فهو والولد في الجنة”.

والحديث الموضوع: “إن الناس يوم القيامة يدعون بأمهاتهم لا آبائهم”.

والحديث الموضوع: “لما اقترف آدم الخطيئة، قال: رب أسألك بحق محمد لما غفرت لي”. وفيه أن آدم عرف درجة النبي برؤية اسمه مكتوبا على قوائم العرش “لا إله إلا الله، محمد رسول الله”، وفيه أن الله سبحانه وتعالى قال له “لولا محمد ما خلقتك”.
والحديث الموضوع الذي فيه: “والدنيا والآخرة حرام على أهل الله”.
والآخر الذي فيه: “يأتي على الناس زمان هم فيه ذئاب، فمن لم يكن ذئبا أكلته الذئاب”.
والآخر: “من حج البيت ولم يزرني فقد جفاني”.

وإذا صح النقل ولم يفهمه العقل:

فلابد من تنزيه كلام الله ورسوله عن التضارب والخطأ، ورد العيب إلى قصور العقل في إدراك الفهم الصحيح، فإن كتاب الله لا يأتيه الباطل من بين يديه فيتعارض ظاهرا، ولا من خلفه فيتعارض باطنا.
سُئل أبا بكر عن تفسير الآية “وفاكهة وأبا”، فقال: “أي سماء تظلني، وأي أرض تقلني إن أنا قلت في كتاب الله ما لا أعلم”.

ومن الأمثلة على ثبوت النقل وعدم إدراك العقل له:

إدعاء التعارض بين نصوص المعية والإستواء، وأن الله في السماء، كما زعم كثير من الأشعرية قديما وحديثا، فظنوا أن الإستواء والمعية والعلو كاستواء الإنسان ومعيته وعلوه، وقد ابطل أبو الحسن الأشعري نفسه هذا الزعم منذ القدم بقوله في كتابه الإبانة الذي يجب على كل طالب علم أن يتوفر عليه: “نقول: إن الله يستوي على عرشه استواء يليق به، فالسماوات فوقها الماء، والماء فوقه العرش، فلما كان العرش فوق السماوات قال: أأمنتم من في السماء، لأنه مستو على العرش الذي فوق السماء، وكل ما علا فهو سماء، والعرش أعلى السماوات، وليس إذ قال: أأمنتم من في السماء، يعني جميع السماوات، وإنما أراد العرش الذي هو أعلى السماوات، ألا ترى الله تعالى ذكر السموات فقال تعالى: وجعل القمر فيهن نورا. ولم يرد أن القمر يملأهن جميعا وأنه فيهن جميعا. ورأينا المسلمين جميعا يرفعون أيديهم إذا دعوا نحو السماء، لأن الله تعالى مستو على العرش الذي هو فوق السماوات”.
ومعنى “فيهن” بالنسبة القمر العلو، أي فوقهن، كذلك الله سبحانه وتعالى أراد ب “في السماوات” العرش وأنه فوق السماوات لا يملأهن.

وإذا قال الأشعري: “الله في كل مكان”، فاسأله: هل هو في الحمام؟ وسيصمت.

والله سبحانه وتعالى مستوي على عرشه كما ورد في القرآن الذي أنزل بلغة عربية واضحة، توجد كيفية لذلك الإستواء، لكن لا نعلمها، نجهلها كجهلنا لكيفية عرشه، وقد قال سبحانه وتعالى: “لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ”، فهو سبحانه ليس له مثيل يقاس عليه، فنثبت له ما أثبت لنفسه دون تكييف أو تعطيل أو تشبيه.

قال أبو عمر الطلمنكي: “أجمع المسلمون من أهل السنة على أن معنى قوله: “وهو معكم أينما كنتم” ونحو ذلك من القرآن: أنه علمه، وأن الله تعالى فوق السموات بذاته، مستو على عرشه كيف شاء، وقال أهل السنة في قوله “الرحمن على العرش استوى” إن الإستواء من الله على عرشه على الحقيقة لا على المجاز”.سؤال: ما معنى “الله في السماء”، وما معنى “هو معكم أينما كنتم”؟

ومن استشكل عليه شيء من هذه المسائل فاتقى الله برد ذلك إلى تقصير عقله، وسأل العلماء وأخلص في البحث ليتعلم، فإن الله تعالى يعلمه، قال تعالى: “وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ”.

والذي لا ينزه كلام الله تعالى عن النقص أو يجعل لعقله طريقا إلى انتقاده ورده، كما فعل رئيس تونس “الباجي قائد السبسي” عندما قدم مشروع قانون يرد آية “للذكر مثل حظ الأنثيين” ليساوي بينهما بعقل أوليائه اليهود والنصارى، فمثل هذا لا تتعب نفسك معه ولا تناقشه، قل له راجع إيمانك أولا ثم تعال نتحاور لأنه رد كلام الله تعالى الصريح.

ومن الأمثلة أيضا ادعاء وجود تعارض بين حديث الذباب مع العقل الصريح، ونص الحديث: “إذا وقع الذباب في إناء أحدكم، فليغمسه كله، ثم ليطرحه، فإن في أحد جناحيه شفاءً، وفي الآخر داء”.
هذا الحديث تعلق به المغرضون من المشرقيين والغربيين حتى ثبت علميا وعلى لسان الغربيين أنفسهم أن الذبابة تحمل عامل المرض في احد جناحيها، وعامل الشفاء في الجناح الآخر” أي تصنع مضا حيوي لعامل المرض، ومعروف أن المضادات الحيوية هي أفضل علاج للمراض، لذا يستخرجونها ويصنعونها كأدوية. فثبت في هذه أن الوحي أدرى من العقل (وانتصر الذين قدموا النقل على الذين قدموا العقل، مما يدل على انهم منتصرون في غيره من الأمور الغيبية والعقلية).

ومن الأمثلة إدعاء بعض المستشرقين تعارض إثبات الهداية للنبي صلى الله عليه وسلم في الآية: “وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم”، فهي تثبت له الهداية مع وجود نفيها في الآية الأخرى: “إنك لا تهدي من أحببت”.
فكذا فهموا بعقولهم.
ومن المعلوم أن الهداية المثبة للنبي صلى الله عليه وسلم هي الهداية الشرعية التكليفية الدينية، وهي هداية البيان والدلالة والإرشاد لما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة. أما الهداية المنفية عنه فهي الهداية الكونية التي قدرها لمن شاء قبل خلق السماوات والأرض، وكتبها في اللوح المحفوظ إظهارا لقدرته، وأخفاها عن سائر الخلق إظهارا لحكمته، فلا يعلم عنها ملك مقرب، ولا نبي مرسل.
ونفس الشيء يقال في الحسنات والسيئات، فمنها ما يكون الإنسان مسؤولا عنه، ومنها ما هو من النعم والمصائب مثل الهزيمة في الحرب كقوله تعالى: “إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا”، فهذا بخلاف قوله: “مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا”، فإذا قال: “ما اصابك”، “ما مسك”، فهذا من فعل الله تعالى بعبده، أما إذا قال: “من جاء”، فهذا من فعل العبد بنفسه لا من فعل غيره به (1h36).

ومن الأمثلة إدعاؤهم التعارض في ضرب الأمثال لله، فمرة نجد في القرآن: “ولا تضربوا لله الأمثال”، ومرة نجد:”ولله المثل الأعلى”.

هذا التعارض سببه عدم فهم العقل للنقل، فالمثل الذي لا يجوز ضربه في حق الله هو قياس التمثيل والشمول، وأما الجائز فهو قياس الأولى (وسيأتي تفصيل ذلك).

  • شارك الموضوع
Share on facebook
Facebook
Share on google
Google+
Share on twitter
Twitter
Share on linkedin
LinkedIn
Share on pinterest
Pinterest
error: Content is protected !!