6451

درس السيرة النبوية – الجزء 1

المحتوى:
درس السيرة النبوية – الجزء 1
1- أهمية معرفة السيرة

2- العرب قبل البعثة

1– أهمية معرفة السيرة

“أرسل الله تعالى الرسل مبشرين ومنذرين، لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل. فأولهم: نوح، وآخرهم نبينا صلى الله عليه وسلم. فاحرص يا عبد الله على معرفة هذا الحبل، الذي بين الله وبين عباده، الذي من استمسك به سلم، ومن ضيعه عطب.

واعرف ما قص العلماء عن أصحابه وأحوالهم وأعمالهم. لعلك أن تعرف الإسلام والكفر. فإن الإسلام اليوم غريب وأكثر الناس لا يميز بينه وبين الكفر. وذلك هو الهلاك الذي لا يرجى معه فلاح (وهو سبب تسلط البدع والثقافات الغربية الدخيلة علينا).

والدين الإسلامي له شرائع ونظم، منها ما يتعلق بالعبادة ومنها ما يتعلق بالأخلاق والمعاملات والسياسة وغيرها، وهذه كلها مجموعة أفعال الرسول صلى الله عليه وسلم، وأقواله وتقريراته، ولا تُعْرَفُ تلك الشرائع إلا باتباع هدي النبي صلى الله عليه وسلم، قال جل شأنه: «وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ». وقال سبحانه وتعالى: «لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ». بل وحَذَّر الله من مخالفته، فقال عز من قائل: «فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ». وقال صلى الله عليه وسلم: “من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو ردّ”. وقال عليه الصلاة والسلام: “من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردّ”. فالسيرة النبوية نبراس لكل من أراد النور في الدنيا والآخرة.

ولا تكاد تجد سيرةَ لنبي من أنبياء الله السابقين وصفت وصفاً دقيقاً ابتداء من ولادته حتى وفاته، وبقيت بعده، فضلاً عن غيرهم من البشر، لكن سيرة نبينا صلى الله عليه وآله وسلم شملت جميع مراحل حياته، بل وقبل ولادته حتى وفاته عليه الصلاة والسلام.

المراحل الدعوية:

تعدُّ السيرة النبوية لب الإسلام وروحه، وتجسيداً حيًّا لجميع تعاليم الإسلام، وقد وضع صلى الله عليه وسلم أسساً للمنهج الدعوي يتمثل فيما يلي:

– دعوة الأقارب، فإذا أصلح الإنسان من نفسه وأهل بيته انتقل إلى المرحلة التالية وهي:

– إنذار العشيرة، وقد استمر صلى الله عليه وسلم في دعوته لقريش ولم يخرج منها إلى أي بلد حتى أكمل عشر سنين، بعد ذلك انتقل إلى قبيلة أخرى تعد من أقرب القبائل العربية لقريش نسباً وصهراً وجواراً، وهي قبيلة ثقيف في الطائف التي ضرب الرسول صلى الله عليه وسلم في دعوتهم أروع الأمثلة لبذل الجهد وتحمّل الأذى.

– ثم بذل الجهد وتحمل الأذى والصبر عليه.

– ثم لما استقر صلى الله عليه وسلم في المدينة وبعد أن فرض الجهاد بدأ عليه الصلاة والسلام يرسل السرايا والبعوث إلى القبائل العربية لنشر الإسلام تارة، ويخرج هو بنفسه الشريفة صلى الله عليه وسلم تارة أخرى.

التركيز على الجانب العقدي:

ظلّ النبي صلى الله عليه وسلم في مكة ثلاث عشرة سنة يدعو إلى التوحيد الخالص. وكان أيضا يدعو إلى محاسن الأخلاق إلاّ أن تركيزه صلى الله عليه وسلم على الجانب العقدي كان أكثر. وعلى هذا فالواجب على الدعاة اليوم غرس العقيدة الصحيحة في النفوس أولاً مع الاهتمام أيضاً بالجوانب الأخرى (قليل منهم اليوم من يهتم بالتوحيد ويركز عليه).

تعامله صلى الله عليه وسلم مع خصومه من الكفار:

سلك النبي صلى الله عليه وسلم طريقة عجيبة في كيفية دعوة الناس إلى الإسلام، وهي طريقة الصابرين «فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ».

أهمية دراسة السيرة النبوية من الناحية السياسية:

لما وصل النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وجد فيها العزة والقوة والمنعة لكثرة من كان قد أسلم من أهلها، إلا أنه صلى الله عليه وسلم وجد صعوبات في نشر الدعوة، منها القبائل اليهودية وكلها تدين باليهودية، ومنها القبائل المجاورة للمدينة وكلها تدين بالوثنية إلا أفراداً قلائل جدّاً دخلوا في الإسلام.

فهاتان مشكلتان تعيقان نشر الدعوة، ولاسيما مشكلة القبائل اليهودية التي عُرف عنها المكر والخداع وقتل الأنبياء، بالإضافة إلى قوتها الاقتصادية والعسكرية، وتحالفاتها مع بعض القبائل العربية مما قد يسبب في حال مواجهتها عسكريّاً عدم تمكين الرسول صلى الله عليه وسلم من الإستمرار في نشر دعوته، فما كان منه صلى الله عليه وسلم إلا أن وضع التدابير الكفيلة لحماية الدعوة الإسلامية الناشئة.

وقد كان على النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعل المدينة – مقر الدعوة الإسلامية- آمنة، حتى يتفرغ لقريش أعتى قبائل العرب في زمانها، والتي تعد الحاجز الأقوى في وجه الدعوة الإسلامية، فبدأ صلى الله عليه وسلم بموادعة القبائل المجاورة للمدينة والتي كان معظمها يدين بالشرك وهواها مع قريش، وقد تمت هذه المعاهدات بطرق عدة.

وبهذا اطمأنَّ النبي صلى الله عليه وسلم على الوضع الأمني للمدينة من هجوم القبائل المجاورة لها، ومن فتنة اليهود المتوقعة وإثارتها للفتن والاضطرابات بين أفراد المجتمع المدني، ثم استطاع بعد ذلك وفي فترة وجيزة مواجهة قريش خاصة والتفرغ لها.

الغاية من إنشاء الجيوش العسكرية:

اختلفت أهداف إنشاء الجيش الإسلامي عن بقية الجيوش، فغاياته سامية، وغرضه نبيل، فالغرض ديني بحت لنشر الإسلام وإقامة شرع الله في الأرض لا لشيء آخر «الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ».

ومما يدل على أن الدين الإسلامي دين العدل والرحمة والمساواة، تلك الضوابط التي وضعها الشارع على الجيوش الإسلامية، وهي ضوابط وقيود خاصة لا يشاركه فيها أي جيش في العالم، والسيرة النبوية مليئة بذلك، فلا قتال دون سابق إنذار إلا لمن بلغتهم الدعوة، ولا قتال يتسم بالعنف الهمجي الذي يجهز على إزهاق الأنفس بحق وبغير حق (ومع هذا يكذب أعداء الإسلام عليه بوصفه دين سيف وعدوان وهمجية، والحقيقة أنك إذا تأملت في كل ما يقوله هؤلاء وأمثالهم وجدته مجرد إفتراءات هم أول من يعرف أنها أكاذيب، فمثلا كل الشبهات مكذوبة على الدين موضوعة فيه، فسبحان الله ما أكذب الإنسان وأخسه إذا اختار جانب العداوة وإن كان ما يعادي الحق المبين. تأمل فقط في كذب أمريكا وأوروبا على الإسلام اليوم ممثلا في رعايتهم للدواعش الذين يعجزون عن اختراق أصعف مركز أمني في أضعف دولة مسلمة، ومع هذا تصورهم أمريكا كجيش خطير غني بالدولارات، يعجز العالم كله عن القضاء عليه ! وهم حفنة من المتحجرين أقسم أن عددهم لا يزيد على الألف أو ما في حدودها في كل بلد مسلم ! فهي التي صنعتهم، وهي التي تغذيهم وتضمن لهم البقاء وتستغل جهلتهم بقيادة مخابراتها، وذلك لضرب عصفورين بحجر واحد، الأول إبعاد العالم عن الإسلام الرائع بحجة أنه دين همجي البوذية أعقل منه ! والثاني التعدي على دول المسلمين بحجة محاربة داعش، وكلها أكاذيب مفضوحة، فسبحان الله، ما أظلم الكافر، وما أجدره بالسكن في جهنم إلى الأبد، والعياذ بالله).

وكانت للنبي صلى الله عليه وسلم رايات يحملها جماعة من أصحابه، فقد كانت للمهاجرين راية، وللأنصار رايتان واحدة للأوس وأخرى للخزرج . والهدف من حمل الرايات – والله أعلم- التميّز عن الغير، هذا من جهة، ومن جهة أخرى حتى تقاتل كل فئة تحت رايتها فتستميت دونها، وحتى لا تأتي الهزيمة من قِبَلها، وبما أنّ حامل الراية هو الأكثر عرضة للقتل، فلا بد أن يكون متصفاً بالشجاعة والإقدام؛ لأنّ الراية إذا سقطت انهار الجيش. وقد كانت بعضُ راياتِ النبي مكتوباً عليها: لا إله إلا الله.

وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا استنفر الناس وتجهزوا، استعرضهم حتى لا يخرج معه إلا من كان قادراً على القتال، فكان صلى الله عليه وسلم لا يسمح باصطحاب الغلمان، والعجزة كما حصل في غزوة أُحد ، ولا يسمح للمشركين بالقتال مع المسلمين جنباً إلى جنب. وهذا يدل على أخذ الحيطة والحذر؛ لأنّ المشركين يُخشى منهم الغدر والخيانة وهم مظنة ذلك مع إخوانهم المنافقين.

وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا وصل أرض المعركة اتخذ له مكاناً مناسباً وجعل جيشه في صفوف حتى لا يُخترق، ثم يوصيهم بتقوى الله والصبر والسمع والطاعة، وكان يجعل لهم شعاراً يَعرف به بعضهم بعضاً، وهذا الشعار يكون في كلمة أو كلمتين، مثل الشعار الذي كان لهم في غزوة بني المصطلق لأنّ بعض المقاتلين لا يعرف بعضهم بعضاً من تغطية السلاح لأشياء كثيرة من أجسادهم ووجوههم، فقد لا ترى إلا الحدق – العيون- منهم، فحتى لا يضرب بعضهم بعضاً كانت هذه الشعارات.

2– العرب قبل البعثة:

العرب لغة الصحاري والقفار والأرض المجدبة. وجزيرة العرب محاطة بالصحاري والرمال أنقذت سكانها من هجمات الإمبراطوريات وجعلتهم أحرارا منذ أقدم العصور. وهي تقع بين القارات المعروفة في العالم القديم .

وشبه جزيرة العرب عبارة عن الجزء الذي يقع في الجنوب الغربي من قارة أسيا، وهي أكبر جزيرة في العالم، تحيط بها البحار والأنهار من جميع نواحيها إلا جزء قليلا منها، وهي أرض صحراوية تتخللها جبال كثيرة، وتحصر بينها وبين ساحل البحر الأحمر أرضا سهلة ضيقة تعرف بتهامة (أي الأرض المنخفضة) تشرف عليها المرتفعات وتنحدر إليها انحدارا شديدا قصيرا. وسواحلها المهيمنة على البحر الأحمر يصعب رسوّ السفن فيها لخلوّها من المرافئ الصالحة، ولوجود الشعب المرجانية.

وفي شبه جزيرة العرب حرارة شديدة، وهي أرض ذات حجارة سود نخرة، واحدتها حَرَّة، وتسمى لابة ولوبة، وقد تكونت من فعل البراكين.

وقد اشتهر كثير من مناطق الحِرار بالخصب، والنماء، وبكثرة المياه، ولاسيما حِرار المدينة التي استغلت استغلالا جيدا، ومنها خيبر حيث كانت واحة عظيمة، تضم قرى كانت تشتهر بأنواع المزروعات من قديم الزمان.

وليس في بلاد العرب نهر واحد بالمعنى المعروف من الأنهار، وإنما هي جداول غير صالحة للملاحة، وهي إما قصيرة سريعة الجريان، شديدة الإنحدار، وإما ضحلة تجف في بعض المواسم، وبها كثير من العيون العذبة، وتنتشر حول هذه العيون الواحات، والوديان ذات الأشجار الوارفة، وتوجد بها بعض المزروعات، والخضر، والفاكهة.

والأمة العربية من أقدم الأمم وأشهرها، كان لها في التاريخ القديم والحديث آثار لا تزال باقية إلى الآن، وقد خلّد الله سبحانه وجودها بأن اختار منها خاتم أنبيائه ورسله سيدنا محمدا صلّى الله عليه وسلّم، فكان شاهد صدق على أنها الأمة الجديرة بقيادة العالم إذا عضّت بالنواجذ على هذا الدين الذي هو خاتم الأديان وأوفاها بحاجة البشرية، كما خلّد لغتها حينما جعل آية خاتم أنبيائه العظمى وحيا يتلى، وقرانا عربيا مبينا، باقيا.

وقد قسّم جغرافيو العرب شبه الجزيرة إلى خمسة أقسام: الحجاز، وتهامة، ونجد، والعروض، واليمن. وزاد الأصطخري وابن حوقل ثلاثة أصقاع وهي: بادية العراق، وبادية الجزيرة، وبادية الشام..

وقد نشأت من قديم الزمان ببلاد العرب حضارات أصيلة، ومدنيات عريقة من أشهرها حضارة سبأ باليمن، وقد دل القرآن الكريم على أنه كان في بعض بلاد العرب حضارات قديمة، وعمران، وخصب، ونماء، ورخاء، وتقدم.

ففي اليمن استفادوا من مياه الأمطار والسيول التي كانت تضيع في الرمال، وتنحدر إلى البحار، فأقاموا الخزانات والسدود بطرق هندسية بديعة، وأشهر هذه السدود (سد مأرب)، قال الله تعالى: “لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ * فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ * ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا وَهَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ”.

كما دل القران الكريم أيضا على أنه كانت هناك في هذا الزمن الغابر قرى متصلة، ما بين اليمن، إلى بلاد الحجاز، إلى بلاد الشام، وأن قوافل التجارة والمسافرين كانوا يخرجون من اليمن إلى بلاد الشام، فلا يعدمون ظلا، ولا ماء، ولا طعاما، قال عزّ شأنه: “وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيها قُرىً ظاهِرَةً وَقَدَّرْنا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيها لَيالِيَ وَأَيَّاماً آمِنِينَ”.

كما قامت حضارات أخرى في غير اليمن، فقد كان في الأحقاف شمال حضرموت قبيلة عاد ، وهم الذين أرسل إليهم نبي الله هود عليه السلام، وكانوا أصحاب بيوت مشيدة، ومصانع متعددة، وجنات، وزروع، وعيون. قال تعالى: “كَذَّبَتْ عادٌ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلا تَتَّقُونَ * إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ * أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ * وَتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ * وَإِذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِما تَعْلَمُونَ * أَمَدَّكُمْ بِأَنْعامٍ وَبَنِينَ * وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ”.

وكذلك كانت حضارة في بلاد الحجر حيث تسكن ثمود، وقد دلّ القرآن الكريم على ما كانوا يتمتعون به من القدرة على نحت البيوت في الجبال، وعلى ما كان يوجد في بلادهم من عيون وبساتين وزروع، قال تعالى: “كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صالِحٌ أَلا تَتَّقُونَ * إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ * أَتُتْرَكُونَ فِي ما هاهُنا آمِنِينَ * فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ * وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً فارِهِينَ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ”.

(توجد لثمود بئر عمقها 30 مترا وعرضها 5 أمتار تقريبا محفورة في الجبل ! أما بيوتهم ودار الندوة التي كانوا يجتمعون فيها فأعجوبة يمكن مشاهدتها على اليوتيوب).

وقد اضمحل كل ذلك من زمان طويل، ولم يبق منه إلا آثار ورسوم، فقد درست القرى والمدن، وتخربت الدور والقصور، ونضبت العيون، وجفت الأشجار، وانمحت البساتين والزروع.

قال بعض الباحثين: «وتدل البحوث والدراسات التي قام بها السياح والعلماء عن بلاد العرب على أن تغييرا كبيرا طرأ على جوها، وأن هذا الجفاف الذي نعهده الآن في هذه البلاد لم يكن على النحو الذي كان عليه في العصور التي سبقت الإسلام، وأن ذلك الجفاف أثر في شبه جزيرة العرب، فجعل أكثر بقاعها صحارى جرداء، كما أثّر في حالة سكانها، فقاوم نشوء المجتمعات الكبرى، وأثر تأثيرا خطيرا في تاريخ الأمة العربية، وفي حدوث الهجرات».

ويميل كثير من علماء طبقات الأرض الذين جابوا أنحاء شبه الجزيرة العربية إلى تأييد القول بظهور الجفاف في الألف الثانية قبل الميلاد.

ولا يفوتني في هذا المقام أن أنبه إلى أن هذه الحقائق جاء بها القرآن منذ قرابة أربعة عشر قرنا على لسان النبي العربي الأمي، ثم جاء علماء الآثار وطبقات الأرض في العصر الأخير، فوصلوا إلى ما أيد هذه الحقائق كل التأييد، وهذا من أكبر الأدلة على صدق النبي صلّى الله عليه وسلّم.

وقد شاء الله تبارك وتعالى ألا تطأ الحجاز قدم دخيل قط أو مغير، ولا كان لأحد من الدول المجاورة القوية عليها سلطان، ولعل ذلك لوعورة الأرض وكثرة الجبال، وضيق المسالك، وسعة مغاورها، كما أن حالته الإقتصادية لم تكن لتُطمع أحدا فيه، فمن ثمّ بقي أهله على ما فطروا عليه من الحرية، والإنطلاق، وما اتصفوا به من الخلال الكريمة، وبقيت أنسابهم سليمة من الهجنة، ولغتهم سليمة من العجمة.

  • شارك الموضوع
Share on facebook
Facebook
Share on google
Google+
Share on twitter
Twitter
Share on linkedin
LinkedIn
Share on pinterest
Pinterest
error: Content is protected !!