درس الطهارة (1)| تعريف بالفقه والطهارة

المحتوى:
1- مدخل إلى الفقه الإسلامي
2- الطهارة لغة واصطلاحا وصفة الماء الصالح للطهارة

سندرس من خلال هذا الموضوع فقد الطهارة، وذلك من المصادر المسموعة الموثوقة التي تتحرى الدليل (بعيدا عن أهل البدع). وإذا رجح غير مذهب الشيخ المدرس فإنه يقدم الراجح على المرجوح من مذهبه، ويشير إلى ذلك.
ويجب العلم بأن كل مذاهب المسلمين تطلب الدليل من الكتاب والسنة، فالدليل الراجح هو المذهب لا غيره، ومن جهِل الدليل واعتمد على الرأي المرجوح في المذهب فلا شيء عليه، أما من عرف الدليل وتعصب للمذهب فذلك المذموم.

1- مدخل إلى الفقه الإسلامي

هنالك مسائل لا يسع المؤمن والمؤمنة جهلُها، ولهذا سوف نشرحها – بإذن الله- مبنية على الدليل المعتمد من الكتاب وصحيح السنة، دون الالتفات إلى المذهبية؛ فننظر ما وافق فيه هؤلاء الأئمة الدليل، وقد قال الإمام مالك بن أنس – رحمه الله-: “كلٌّ يؤخذ من قوله ويُترك، إلا صاحب هذا القبر”، وأشار إلى قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن النبي صلى الله عليه وسلم هو المعصوم. وإلا؛ فكل واحد من علماء الإسلام أصاب كثيرا، وخفيت عليه السنة في بعض المسائل.
والمسائل العملية التي يحتمل أن يكون المسلم فيها مصيبا أو مخطئا، هو على خير فيها ما دام ينشد الكتاب والسنة، فإذا أخذ بقول أبي حنيفة وترك قول مالك أو الشافعي أو أحمد؛ فهو على خير بإذن الله ما دام لا يعرف الدليل؛ كما قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله: “ما أحب أنّ أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم اتفقوا؛ لأنهم لو اتفقوا؛ لرأيت أن مخالفهم على ضلال، فأما وقد اختلفوا، فرأيت أن الناس في سعة”.
ومن المعلوم أن الأئمة لم يأتوا من فراغ، ولم يجتهد الواحد منهم من عند نفسه، بل تربى على مدارس سبقه إليها علماء كبار.
فأبو حنيفة رحمه الله تربى على مذهب عبد الله بن مسعود، الذي أخذ عنه تلامذته، ثم أخذ عنهم النّخعِي، ثم أخذ عنهم حماد بن أبي سليمان، ثم أخذ عنه أبو حنيفة النعمان.
ومالك بن أنس رحمه الله أخذ علمه من عبد الله بن عُمر الذي كان فقيه أهل المدينة، ثم عبد الله بن عُمر تربى عليه تلامذته كنافع وسالم، وتربى عليهما فقهاء المدينة كالزهري وغيره، وأخذ مالكٌ من الزهري وربيعة بن أبي عبد الرحمن، ومن الأئمة بعدهم.
وكذلك الإمام الشافعي؛ أخذ علمه من سفيان بن عيينة في مكة، ومن مسلم بن خالد الزنجي في مكة، ثم انتقل بعد ذلك ليتعلم على يد مالك وهو ابن ستّ عشرة سنة، ثم بعد ذلك حينما أخذ علم مالك ذهب إلى محمد بن الحسن، فأخذ علم محمد بن الحسن، فجمع بين فقه الرأي وفقه الحديث، وألف كتابه العظيم “الرسالة”.
ثم جاء أحمد بن حنبل رحمه الله فأخذ بعلم من كان قبله، فأخذ بعلم أهل الحديث، وفقه الأئمة التابعين كالفقهاء السبعة، وكذلك عطاء بن أبي رباح، وسعيد بن المسيّب، وغيرهم.

وعلى هذا أيها الإخوة فلسنا نشرح متنا فقهيّا حنبليّا أو شافعيّا أو مالكيّا، وإنما نذكر المسائل ونذكر الدليل، فإن وافقنا الحقّ؛ فالحمد لله، وإن لم نُوافقه فأعذرونا.
ولا ينبغي أن تكون مسائل الاجتهاد مسائل تضليل، فقد سُئل الإمام أحمد بن حنبل: ما ترى في لحم الجزور، هل ينقض الوضوء؟ قال: نعم، ينقض الوضوء، فقالوا له: يا أبا عبد الله، هل نصلي خلف مالك بن أنس وسعيد بن المسيب؟ يعني كيف نصلي خلفهم وهم يرون أنه لا ينقض، فقال أحمد: “أتُرانِي أقول: لا تُصلِّ خلف مالك بن أنس، أو لا تُصلِّ خلف سعيد بن المسيب؟!”.
يعني أن هؤلاء لهم اجتهادهم، وأنت إذا صليت خلفهم فلك اجتهادهم، وهذا هو مذهب أهل العلم.

دين النبيِّ محمد أخبارُ *** نِعم المطية للفتى الآثارُ
لا ترغبنّ عن الحديث وآلهِ *** فالرأيُ ليلٌ والحديث نهارُ
ولربما نسِي الفتى أثر الهُدى *** والشمسُ طالعةٌ لها أنوارُ

والإنسان لا يعرف الحلال والحرام إلا بالفقه في الدين، والناس كُثر لكنّ الفقهاء قلة، وتتفاوت منازل الفقهاء، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم لفقيه الأمة معاذ بن جبل: «يأتي معاذ بن جبل يوم القيامة وقد سبق العلماء بخطوة».
ويعتب البعض على أبو حنيفة لتركه الدليل، والسبب في ذلك أنه عاش رحمه الله في الكوفة؛ وأهل الحديث في ذلك الوقت قلة، فكان يعتمد على النصوص العامّة، فيستدل من خلالها. يقول ابن تيمية عن أبي حنيفة: “ربما يترك القياس والقاعدة لأجلِ أثر رواه عبد الله بن مسعود، فيترك القياس بقول صحابيّ”، قال ابن تيمية: “فما بالك لو كان حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم؟!”.

وقد ذكر الخطيب البغدادي في كتابه “الفقيه والمتفقه” قصة الأعمش سليمان بن مهران، الإمام المحدث القارئ، كان عنده أبو حنيفة النعمان رحمه الله، فسأل الأعمش سائل، فقال: “ما تقول يا سليمان في هذه المسألة؟ فطأطأ الأعمش رأسه ثم رفعه، فقال: ما تقول يا نعمان؟ فقال أبو حنيفة رحمه الله: “أقول فيها كيت وكيت”، فسكت الأعمش ثم رفع رأسه، وقال: من أين لك هذا؟ – يعني سموا لنا رجالكم، فالعالم يُوقِّع عن رب العالمين، فلا بد له من الدليل -، قال النعمان رحمه الله: “أو لم تحدثنا، قلت: حدثنا فلان عن فلان عن فلان أن رسول الله قال كذا؟! فهذا منك”، فضحك الأعمش وقال: “يا معشر الفقهاء، أنتم الأطباء ونحن الصيادلة، أنتم الأطباء ونحن الصيادلة”.

واعلم رحمك الله أن العلم بركة، فمن أعطاه الله إياه فقد أعطاه حظا عظيما، و«من يُرد الله به خيرا يُفقه في الدين»، والعلم لا يُستطاع براحة الجسد، فلا بد من الجد والإجتهاد..

2- الطهارة لغة واصطلاحا وصفة الماء الصالح للطهارة

حينما يتحدث الفقهاء عن الفقه يبدؤون بكتاب الطهارة، لأن الطهارة هي مفتاح الصلاة، ولا تتأتى الصلاة إلا بمفتاحها، روى الإمام أحمد والتِّرمِذِيّ من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم- قال: «مفتاح الصلاة الطُّهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم».
وقال صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم من حديث أبي مالك الأشعري: «الطُّهور شطر الإيمانِ». فالإيمان قول وعمل، قولُ بالقلب واللسان: لا إله إلا الله، وعمل قلبيُّ، إضافة إلى عمل الجوارح وهو الطهارة والصلاة.
ولا تقبل الصلاة إلا بطُهور، قال صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «إن الله لا يقبل صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ».

ولابد في الطهارة من وجود النية لتكون طهارة شرعية.

والطهارة في اللغة هي النظافةُ والنزاهة من الأقذارِ. أما في الإصطلاح فهي ارتفاع الحدث وما في معناه، وزوال الخبث.
والحدث هو وصف معنوي قائم بالبدن، يمنع من الصلاة ونحوها من العبادات.
أما ما في معنى ارتفاع الحدث، فلو أن شخصا توضأ وُضوء أولا، ثم توضأ ثانية وهو طاهر، فلا يرتفع حدثه بالوضوء الثاني لأنه طاهر، فيُسميه العلماء تجديد الوضوء، فهذا ما في معناه.

أما زوال الخبث: فمعناه إزالة النجاسة، والنجاسة إما أن تكون عينِيّة أو حُكمِيّة. فالعينية كروثِ الحمار وعُذرةِ بني آدم وبوله، فهذه لا يمكن أن تطهُر بنفسها.
أما الحكمية أو ما في حكمها، فكوقوع النجاسة في شيء؛ كثوب أو أرض، فهذا يسمى مُتنجِّس، فلا بد من إزالتها لكي يطهر، فالحكمية هي الشيء الطاهر الذي وقعت النجاسة فيه.

أما الطهارة من حيث المعنى الشرعيُّ؛ فهي التعبد لله تعالى باستعمال الماءِ أو بدله (وهو التيمم) على وجه مخصوص في صفة مخصوصة.
وبدل الماء هو التيمم بالصعيد على صفة مخصوصة أيضا.

صفة الماء الصالح للطهارة: أن يكون ماء وأن يوصف بأنه مطلق. فمثلا العصير فيه ماء لكنه تحول إلى عصير إذن لم يعد ماء مطلقا.
والماء أقسام: الطهور والنجس، وبعض العلماء جعلها ثلاثة: طهور، وطاهر في نفسه غير مطهر لغيره، ونجس. والراجح أنه قسمان فقط.

  • شارك الموضوع
Share on facebook
Facebook
Share on google
Google+
Share on twitter
Twitter
Share on linkedin
LinkedIn
Share on pinterest
Pinterest
error: Content is protected !!