9851

حب بين الأنقاض

كانت العاصفة المدمرة على وشك الهبوب فبرقت السحب القاتمة الحبلى بالعواصف النووية القاتلة.. وضرب الرعد المزلزل ضربته القاصمة مؤذنا بالمزيد من النيران.. كانت الطبيعة المغدورة ترسم لوحتها المرعبة التي اعتادت على رسمها منذ انهيار نظامها على يد المخلوق الإنسان..

كان ذلك في عام 2221 حيث تحول الكوكب بأكمله إلى جحيم تحجب فيه السحب المشبعة بالإشعاعات الذرية ضوء الشمس ودفئها.. كان ذلك بعد الحرب النووية الأخيرة التي حول بها الإنسان كوكبه إلى ركام لا ينقشع دخانه.. عالم بالكاد تتسلل خيوط الشمس عبر سحبه الملوثة لتضفي عليه من الكآبة ما لم يشهده في عصر من عصوره السابقة..

اعتاد الناجون من تلك الكارثة على الحياة في ذلك الظلام البائس بين الأوبئة القاتلة.. ورغم ذلك لم تجد العبرة طريقها إلى قلب الإنسان بل زادته رائحة الدماء دموية، وزاده الخراب تخريبا..

انقسم الناس في ذلك العالم المظلم إلى قسمين .. قسم متجبر يستعين بمخلفات الحضارة البائدة من أسلحة ووسائل من أجل الفتك بالقسم الضعيف، فانتشر
الظلم بأبشع صوره، مثبتا أنه قادر على التأقلم مع أحلك الظروف، واندلعت الحروب غير مبالية بالسماء المشتعلة التي تظللها،  وكانت سمتها هذه المرة البدائية.. عاد الإنسان إلى همجيته الأولى بعد تحضر لم تطل مدته، وأصبحت الأرواح توضع في كفة واحدة مع لقمة عيش مغتصبة..

تحركت كومة من الركام في مكان ما على ظهر الكوكب المحترق، فانفتح باب خفي يفضي إلى سرداب عميق.. كان أحد المداخل السرية لإحدى الجماعات المظلومة المتخفية، انبعث منه رجلان يجذبان شابة في مقتبل العمر ارتسمت على وجهها جميع ألوان الألم والحسرات..

كانت العاصفة النووية في آخر أطوارها.. فتمتم أحد الرجلين بحزن:
– يبدو أن العاصفة اللعينة على وشك الهبوب!
أجابه الآخر بأسى:
– إنها تتجمع كل ساعتين لتصب جام غضبها على رؤوسنا..

ارتعدت السماء في تلك اللحظة، و بدأ الهجوم العاصف، لكن الثلاثة كانوا في انتظاره فقد كان السبيل الوحيد لخروجهم من ذلك المخبأ في أمان، فجذبا الفتاة المصابة وشقوا طريقهم وسط وابل من الصواعق المتناثرة غير مبالين بالجحيم الذي يحيط بهم..
كانوا من المستضعفين المستهدفين من طرف الظلمة.. وكانوا كغيرهم يتحصنون بتلك المخابئ تحت الركام خوفا على أرواحهم التي لم تعد تساوي شيئا عند أولئك المخربين..
وكانت العاصفة الغطاء الوحيد الذي يستطيعون التحرك تحت ستاره دون رصدهم..

كانت مهمة الرجلين التخلص من الفتاة التي أصيبت بالوباء القاتل الذي ظهر بعد الحرب، وحصد من الأرواح أكثر مما حصدت.. وكان التخلص من المصابين به هو الوسيلة الوحيدة لسلامة الباقين..
كانت وظيفة الرجلين التخلص من المصابين، ولكن الأمر اختلف هذه المرة، فقد كانت المرأة زوجة أحدهما، وكان عليه أن يقتلها بيده..

بعد أكثر من ساعة من السير المتواصل وصل الثلاثة إلى المكان المنشود – ساحة الإعدام -، فجلس كل واحد منهم على ركام مجاور غير مبال بالأجواء الملتهبة التي تحيط به.. وعلى ضوء الصواعق التقت عيون الزوجين في الوقت الذي كان الآخر يعد فيه إبرته السامة لتنغرس في ذراع المرأة..

اقترب الزوج الحزين من زوجته في خطى متثاقلة وقام بحل وثاقها ثم نزع الشريط اللاصق عن فمها وهم بمعانقتها إلا أن الخوف من العدوى جعله يتقهقر عائدا إلى مكانه وهو يبكي في صمت مزقته الرعود..

ألقت عليه المرأة نظرة إشفاق والدموع تملأ عينيها الغائرتين، ثم حولت بصرها إلى الإبرة التي تلألأ في يد الآخر، وغمغمت بأسى:
– كأني بالموت يعتصرنا بقبضته..
أجابها الآخر :
– إنه قدرنا.. كوني شجاعة فلا مكان للحياة على ظهر هذا الكوكب بعد اليوم.. 
التفتت إلى زوجها وقالت بحسرة:
– كانت أمنيتي أن أرى ضوء الشمس ثانية..
ألقى عليها نظرة إشفاق وقال بخفوت:
– أنت محظوظة بمغادرة هذا العالم الكئيب..
اقترب الآخر منها مشهرا إبرته، وهو يقول:
– إنها مجرد لحظات ثم ينتهي كل شيء..
ابتسمت وهي تحصر القميص البالي عن ذراعها، وتمتمت:
– ما أشد ظلم الإنسان..
هتف حامل الإبرة:
– لقد قتلك و قتلنا وقتل كوكبه بأكمله..
ألقت على زوجها نظرة إشفاق، وقالت مواسية:
– لقد وعدتك بأن الموت هو الوحيد القادر على التفرقة بيننا..
كانت ذلك كل ما ينتظره ذلك الزوج المنكوب، فهب واقفا واقتلع قناعه الواقي ورمى به بعيدا، وهو يهتف:
– لن يفرقنا الموت بل سيجمعنا كما جمعتنا الحياة..
أسرع نحوها غير مبال بصيحات صاحبه التحذيرية، وضمها إلى صدره بقوة وهو يقول:
– سامحيني، كان التمسك بالحياة أقوى مني..
هتف صاحبه وهو لا يكاد يصدق عينيه:
– لقد حكمت على نفسك بالموت..
ازداد تشبثا بجسد زوجته المنهك وقال وهو يرتجف مثلها:
– الموت ! إنه في كل مكان حولنا يا صديقي.. ألا ترى هذا الدخان الذي لا نهاية له، وتلك السحب التي لا تنقشع، وذلك الشر المجهري الفتاك، وتلك الوحوش الآدمية الظالمة؟! إنه الموت يا صديقي، وفي أبشع صوره، فلا بأس به في أحضان من نحب..
غمغمت الفتاة وهي تتشبث بزوجها:
– لقد ساهمنا بشكل أو بآخر في كل هذا..
كان الآخر يراقبهما بأسى، فتمتم:
– أظنكما ستتقاسمان ما في هذه الإبرة من سم..
هتفت الفتاة وهي تستمد شجاعتها من عيني زوجها الزائغتين:
– إذا كان ولا بد من الموت، فليكن انتقاما لكوكبنا المغدور..
برقت عينا الزوج في الظلام، وهتف بحماس:
– صحيح، لم لا نعاقب ذلك المخلوق الذي دمر كوكبنا.. لم لا ننتقم له ولأنفسنا ولكل المستضعفين..
التفت إلى صاحبه وهو يهتف بحماس:
– الموت بين أشلاء أولئك الظلمة أشرف من الموت تحت ظلال إبرتك السامة.. وداعا أيها الصديق لن تجد بعد اليوم من يساعدك في قتل أولئك المستضعفين العاجزين عن الحياة..
هتف الآخر وهو ينزع القناع الواقي عن رأسه:
– لكنك ستجد من يساعدك في التخلص من أولئك المتجبرين..

حمل الثلاثة أسلحتهم المتواضعة واختاروا اقرب طريق إلى أول قاعدة للطغاة تاركين خلفهم مخبأهم السري الموبوء والأمل في رؤية ضوء الشمس ثانية..
اشتبكت يدا الزوجين، وتسارعت خطواتهم وأنفاسهم عندما اقتربوا من هدفهم القاتل..

سيد محمد اخليل

  • شارك الموضوع
Share on facebook
Facebook
Share on google
Google+
Share on twitter
Twitter
Share on linkedin
LinkedIn
Share on pinterest
Pinterest
error: Content is protected !!