1

مصير المتطاولين على جناب النبوة

المحتوى:
مصير المتطاولين على جناب النبوة
1- رحمة النبي صلى الله عليه وسلم


1- رحمة النبي صلى الله عليه وسلم

أحداث التاريخ تتبؤنا بأن أكثر الناس أشقياء:

التاريخ يتضمن الكثير من الأحداث والمواقف التي تبين عاقبة الإستهزاء بالنبي الكريم أو الإنتقاص من قدره، وتؤكد أن الله تعالى قد تكفل بالإنتقام له ممن أقدم على ذلك، وهذا ماض إلى قيام الساعة مصداقاً لقوله تعالى: “إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئينَ”.
قال العلامة السعدي في تفسيره لهذه الآية : “وهذا وعْدٌ من الله لرسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنْ لا يضره المستهزئون، وأنْ يكفيه الله إياهم بما شاء من أنواع العقوبة، وقد فعل الله تعالى، فإنَّه ما تظاهر أحدٌ بالإستهزاء برسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أهلكه الله وقتله شر قتلة “. ثم إن المجرم الذي يسيء للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إذا لم تدركه عقوبة في الدنيا ـ فيما يظهر للناس ـ فإن وراءه
يوم عبوس قمطرير شره … في الخلق منتشر عظيم الشان
قال الله عز وجل: “إِلاّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا”.
ومن عجيب الأمر أن المسلمين كانوا في جهادهم إذا حاصروا حصنًا أو بلدة فسمعوا من أهلها سبا لرسول الله صلى الله عليه وسلم استبشروا بقرب الفتح مع امتلاء القلوب غيظًا عليهم بما قالوه.

ومن صور حماية الله لنبيه صلى الله عليه وسلم وكفايته إياه استهزاء المستهزئين أن يصرف الشتيمة والذم والإستهزاء إلى غيره، فإذا بالشاتم يريد أن يشتمه فيشتم غيره من حيث لا يشعر!! ففي صحيح البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “ألا ترون كيف يصرف الله عني شتم قريش ولعنهم، يشتمون مذممًا، ويلعنون مذممًا، وأنا محمدٌ”!، قال ابن حجر في “الفتح”: “كان الكفار من قريش من شدة كراهتهم في النبي صلى الله عليه وسلم لا يسمونه باسمه الدال على المدح، فيعدلون إلى ضده فيقولون: مذمم، وإذا ذكروه بسوء قالوا: فعل الله بمذمم. ومذمم ليس اسمه ولا يعرف به، فكان الذي يقع منهم مصروفًا إلى غيره!”.

حرص النبي على أن يدخل الناس جميعا في الإسلام وتوقير المؤمنين له:

وفي مقابل تلك الوقاحة، وذلك الشقاء، لا يؤمن المؤمن حتى يكون الله ورسوله أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين بما فيهم نفسه، عن أسماء قالت: “لما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة واطمأنَّ وجلس في المسجد أتاه أبو بكر بأبي قحافة، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يا أبا بكر، ألا تركتَ الشيخ حتى أكون أنا الذي أمشي إليه؟»، قال يا رسول الله، هو أحقُّ أن يمشي إِليك من أن تمشي إليه. فأجلسه رسول الله صلى الله عليه وسلم بين يديه، ووضع يده على قلبه ثم قال: «يا أبا قحافة، أسلم تسلم» ؛ قال: فأسلم”.

وأخرج ابن عساكر عن معاوية رضي الله عنه قال: خرج أبو سفيان إلى بادية له مردفاً هنداً، وخرجت أسير أمامهما وأنا غلام على حمارة لي إذ سمعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أبو سفيان: أنزل يا معاوية حتى يركب محمد، فنزلت عن الحمارة وركبها رسول الله صلى الله عليه وسلم فسار أمامنا هنيهة، ثم التفت إِلينا فقال: «يا أبا سفيان بن حرب، ويا هند بنت عُتبة، والله لتموتنَّن ثم لتبعثنَّ، ثم ليدخلنَّ المحسن الجنة والمسيء النار، وأنا أقول لكم بحقَ وإنَّكم لأولُ من أُنذرتم» ، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم “حم تَنزِيلٌ مّنَ الرحمن الرَّحِيمِ” حتى بلغ “قالتا أَتَيْنا طائعين”، فقال له أبو سفيان: أفَرَغْت يا محمد؟ قال: نعم، ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحمارة وركبتها، وأقبلت هند على أبي سفيان فقالت: ألهذا الساحر أنزلتَ إبني؟ قال: لا والله ما هو بساحر، ولا كذَّاب”.

وعن عبد الرحمن العامري عن أشياخ من قومه قالوا: “أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن بسوق عُكاظ، فقال: «مِمَّن القوم؟» قلنا من بني عامر بن صَعْصَعة. قال: «من أيِّ بني عامر؟» قلنا: بنو كعب بن ربيعة. قال: «كيف المَنَعَةُ فيكم؟» قلنا: لا يُرام ما قِبَلنا، ولا يُصطلى بنارنا. قال: فقال لهم: «إنِّي رسول الله، فإنْ أتيتكم تمنعوني حتى أُبلِّغ رسالة ربي؟ ولم أُكره أحداً منكم على شيء». قالوا: ومِنْ أيِّ قريش أنت؟ قال: «من بني عبد المطلب» . قالوا: فأين أنت من بني عبد مناف؟ قال: «هم أول من كذَّبني وطردني» . قالوا: ولكنَّا لا نطردك ولا نُؤمن بك، ونمنعك حتى تبلغ رسالة ربك. قال: فنزل إليهم والقوم يتسوقون إذ أتاهم بُجْرة بن قيس القُشَيري فقال، من هذا الذي أراه عندكم؟ أُنْكره. قالوا: محمد بن عبد الله القرشي. قال: مالكم وله؟ قالوا: زعم لنا أنَّه رسول الله، يطلب إلينا أنْ نمنعه حتى يبلِّغَ رسالة ربه. قال: فماذا رددتم عليه؟ قالوا: قلنا في الرَّحب والسَّعة، نُخرجك إلى بلادنا ونمنعك مما نمنع به أنفسنا. قال بُجْرة: ما أعلم أحداً من أهل هذه السوق يرجع بشيء أشرَّ من شيء ترجعون به، بدأتم لتنابذ الناس، وترميكم العرب عن قوس واحدة، قومه أعلم به، لو آنسوا منه خيراً لكانوا أسعد الناس به، تعمدون إلى رَهيق قوم – أي ناقص عقل، سفيه- قد طرده قومه وكذَّبوه فتؤوونه وتنصرونه، فبئس الرأي رأيتم، ثم أقبل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: قم فالحق بقومك، فوالله لولا أنَّك عند قومي لضربت عنقك. قال: فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ناقته فركبها، فغمز الخبيثُ بُجْرة شكلتها فقمصت برسول الله صلى الله عليه وسلم فألقته. وعند بني عامر يومئذٍ ضُباعة بنت عامر بن قُرط – كانت من النسوة اللاتي أسلمن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة -، جاءت زائرة إلى بني عمها، فقالت: يا آل عامر، – ولا عامر لي – أيُصنع هذا برسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهركم لا يمنعه أحدٌ منكم؟ فقام ثلاثة نفر من بني عمِّها إلى بُجرة واثنين أعاناه، فأخذ كل رجل منهم رجلاً فجلد به الأرض، ثم جلس على صدره ثم علَوا وجوههم لطماً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «اللَّهم بارك على هؤلاء، والعن هؤلاء» . قال: فأسلم الثلاثة الذين نصروه فقتلوا شهداء؛ وهلك الآخرون لعناً”.

وعن يحيى بن يعلى قال: “قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه يوماً – وهو يذكر الأنصار وفضلهم وسابقتهم-: “إنّه ليس بمؤمن من لم يحبَّ الأنصار ويعرف لهم حقوقهم، هم – والله – ربَّوا الإِسلام كما يُربى الفَلُوُّ – المهر الصغير – في غنائهم بأسيافهم وطول ألسنتهم وسخاء أنفسهم. لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج في المواسم فيدعو القبائل، ما أحدٌ من الناس يستجيب له ويقبل منه دعاءه. فقد كان يأتي القبائل بمجنَّة وعُكاظ وبمنى حتى يستقبل القبائل يعود إليهم سنة بعد سنة، حتى إنَّ القبائل منهم من قال: ما آن لك أنْ تيأس منا؟ من طول ما يعرض نفسه عليهم حتى أراد الله عز وجل ما أراد بهذا الحي من الأنصار، فعرض عليهم الإِسلام، فاستجابوا وأسرعوا وآوَوا ونصروا وواسوا، – فجزاهم الله خيراً -، قدمنا عليهم، فنزلنا معهم في منازلهم، ولقد تشاحُّوا فينا حتى إن كانوا ليقترعون علينا، ثم كنَّا في أموالهم أحقَّ بها منهم طيبة بذلك أنفسهم؛ ثم بذلوا مهج أنفسهم دون نبيهم صلى الله عليه وسلم وعليهم أجمعين”.

وعن عبد الله بن سَلام رضي الله عنه قال: “إنَّ الله عزَّ وجلَّ لمَّا أراد هُدى زيد بن سُعنَة، قال زيد بن سُعْنَة: ما من علامات النبوة شيء إلا وقد عرفتها في وجه محمد صلى الله عليه وسلم حين نظرت إِليه إلا اثنتين لم أخبُرهما منه: يسبق حلمُه جهلَه، ولا تزيده شدة الجهل عليه إلا حلماً. قال زيد بن سُعْنة: فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً من الحُجرات – منازل أزواجه عليه الصلاة والسلام – ومعه علي بن أبي طالب، فأتاه رجل على راحلته كالبدوي، فقال: يا رسول الله، لي نفر في قرية بني فلان قد أسلموا ودخلوا في الإِسلام، وكنت حدَّثتهم إِن أسلموا أتاهم الرزق رَغَداً. وقد أصابتهم سَنَة وشدّة وقحط من الغيث، فأنا أخشى – يا رسول الله – أن يخرجوا من الإِسلام طمعاً كما دخلوا فيه طمعاً؛ فإن رأيتَ أن ترسل إليهم بشيء تغيثهم به فعلتَ. فنظر إلى رجل إِلى جانبه – أُراه علياً -، فقال: يا رسول الله ما بقي منه شيء. قال زيد بن سُعْنة: فدنوت إليه فقلت: يا محمد، هل لك أن تبيعني تمراً معلوماً في حائط بني فلان إلى أجل معلوم، إلى أجل كذا وكذا. قال: «لا تُسمِّ حائط بني فلان» (الحائط هو البستان)، قلت: نعم، فبايَعَني، فأطلقت هِمْياني (كيس النفقة) فأعطيته ثمانين مثقالاً من ذهب في تمر معلوم إلى أجل كذا وكذا، فأعطاه الرجل وقال: «إعدل عليهم وأغثهم». قال زيد بن سُعْنة: فلما كان قبل مَحِلِّ الأجل بيومين أو ثلاثة خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه أبو بكر، وعمر، وعثمان رضي الله عنهم في نفر من أصحابه، فلما صلّى على الجنازة ودنا إلى الجدار ليجلس إليه أتيته، فأخذتُهُ بمجامع قميصه وردائه، ونظرت إليه بوجه غليظ، وقلت له: يا محمد، ألا تقضيني حقِّي؟ فوالله، ما عُلِمْتُم بني عبد المطلب إلا مُطْلاً، ولقد كان لي بمخالطتكم علم. ونظرت إلى عمر وعيناه تدوران في وجهه كالفِلك المستدير، ثم رماني ببصره فقال: يا عدو الله، أتقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما أسمع، وتصنع به ما أرى؟ فوالذي نفسي بيده لولا ما أحاذر فَوْته لضربت بسيفي رأسك، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر إليَّ في سكون وتُؤدة. فقال: يا عمر، أنا وهو كنا أحوج إلى غير هذا؛ أن تأمرني بحسن الأداء، وتأمره بحسن اتباعه. إذهب به يا عمر، فأعطه. قال زيد: فذهب بي عمر فأعطاني حقِّي وزادني عشرين صاعاً من تمر. فقلت: ما هذه الزيادة يا عمر؟ قال: أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أزيدك مكان ما رُعتك. قال: قلت: وتعرفني يا عمر؟ قال: لا. قلت: أنا زيد بن سُعْنة. قال: الحَبْرُ؟ قلت: الحَبْرُ. قال: فما دعاك إلى أن فعلتَ برسول الله ما فعلت، وقلت له ما قلت؟ قلت: يا عمر، لم يكن من علامات النبوّة شيء إِلا وقد عرفت في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم حين نظرت إِليه إِلا اثنتين، لم أخبُرهما منه: يسبق حلمه جهله، ولا تزيده شدة الجهل عليه إِلا حلماً. وقد اختبرتهما، فأشهدك – يا عمر – أنِّي قد رضيتُ بالله رباً وبالإِسلام ديناً وبمحمد نبياً، وأشهدك أنَّ شطر مالي – فإني أكثرها مالاً – صدقةٌ على أُمة محمد صلى الله عليه وسلم، قال عمر: أو على بعضهم، فإنَّك لا تسعهم، قلت: أو على بعضهم. فرجع عمر وزيد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال زيد: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. وآمن به وصدَّقه وبايعه، وشهد معه مشاهد كثيرة؛ ثم توفي في غزوة تبوك مقبلاً غير مدبر”.

  • شارك الموضوع
Share on facebook
Facebook
Share on google
Google+
Share on twitter
Twitter
Share on linkedin
LinkedIn
Share on pinterest
Pinterest
error: Content is protected !!