87563

ملخص الجدية في الالتزام للشيخ محمد حسين يعقوب

 أحبتي في الله .. كثيرًا ما سألتكم وما يزال السؤال مطروحًا إلى الآن، لماذا دبَّ الوهن فينا؟ لماذا لا يعتقد أي منَّا أنه أهل لأن يمَكّن له؟ لماذا انتكس من انتكس؟ لماذا تولى من تولى؟ لماذا صرنا إلى نقصان بعد أن كنا في زيادة؟.. إنه داء الفتور في الالتزام…

  إنني ـ والله ـ أتعجب من لاعبي الكرة كيف يبذلون جهدهم وطاقتهم إخلاصًا للكرة!! وهؤلاء الممثلون في إخلاصهم من أجل الشهرة، والمطربون والمغنيين إخلاصًا للموسيقى، ونفقد نحن هذا الإخلاص في الملتزمين بشريعة رب العالمين، فالذين يعملون لأجل جنة عرضها السموات والأرض متكاسلون فاترون.. ضاع الدين لأن كثيرًا من شباب المسلمين حملوا هذا الدين هواية، كهواية جمع طوابع البريد، وهواية المراسلة..

  إن أكثرنا يعمل لحساب نفسه، ونسي الله الذي خلقه، ما هي وظيفتك في خدام الله؟! إن قلت لي: لا شيء فأنت ـ أيضًا ـ لا شيء، فإن لم يكن لك وظيفة عند ربك فلا نفع لك في هذه الدنيا، ولا قيمة لك عند الله، فإنما قيمة العبد عند الله حين يعظم العبد الله، فيعظُم الله في قلبه..

  أخي الحبيب.. لا تخادع نفسك، فأنت على نفسك بصير، لا تقل: كنت وكان وسوف، فإنها حبائل الشيطان، بل سل نفسك بصدق وفي الحال: من أنا عند الله؟!.. قال ابن مسعود: “إنكم في ممر الليل والنهار في آجال منقوصة، وأعمال محفوظة، والموت يأتي بغتة، فمن زرع خيرا فيوشك أن يحصد رغبته، ومن زرع شرا فيوشك أن يحصد ندامة، ولكل زارع مثل ما زرع لا يسبق بطيء بحظه، ولا يدرك حريص ما لم يقدر له”.

  ما هي الأسباب وراء ضعف الالتزام؟ 
– السبب الأول: عدم الجدية في أخذ الدين، فإننا لم نأخذ هذا الدين في الأصل بجد، بل دخلنا فيه هوى وهواية.
– السبب الثاني: الترف: والترف مفسد أي مفسد، إذ يتعلق قلب صاحبه بالدنيا، وللأسف الشديد إنَّ أكثر الأمة اليوم يعيش ترفًا غريبًا عجيبًا دخيلاً علينا. قال بعض المحققين: “كثرة المال وطيب العيش تسد مسالك العلم إلى النفوس”، فلا تتجه النفوس إلى العلم مع الترف غالبًا، فإن الغنى قد يسهل اللهو ويفتح بابه، وإذا انفتح باب اللهو سد باب النور والمعرفة، فلذائذ الحياة وكثرتها تطمس نور القلب، وتعمي البصيرة، وتذهب بنعمة الإدراك، أما الفقير وإن شغله طلب القوت، فقد سدت عنه أبواب اللهو، فأشرقت النفس، وانبثق نور الهداية والله الموفق والمستعان. 
– السبب الثالث: رواسب الجاهلية: من أسباب ضعف الالتزام رواسب الجاهلية، فإن أكثرنا يدخل طريق الالتزام وفي داخلة نفسه رواسب من رواسب الجاهلية مثل: حب الدنيا، والاعتزاز بالنفس، والآمال الدنيوية العريضة، وعدم قبول النصيحة، وكثرة الأكل، وكثرة النوم، وكثرة الكلام، و.. و…الخ .

  طرق العلاج من ضعف الالتزام:

  أولا: قف مع نفسك وقفة صادقة جادة: لابد من وقفة جادة مع النفس، اصدق مع نفسك، ولا تبخل في بذل النصح لها. سل نفسك: ماذا تريدين؟ هل تريدين الجنة أم النار؟ فإن قلت: الجنة فبماذا تطمعين فيها وأنت في هذا البلاء، وأنت تعصين الله في السر والعلن، في الليل والنهار، حالك هذا والله لا يرضي الله، إنَّ هذا لهو الغرور عينه.

  سل نفسك: مالك تشتهين الدنيا وقد علمت حقيقتها؟ أليس نعيمها منغصًا؟ أليس كل ما فيها يزول ويفنى؟ فمالك تريدين الدنيا وهي إلى رحيل ولا تعملين للجنة وهي دار الخلود؟ بعضنا إذا سألته: هل تريد الدنيا أم الآخرة؟ يقول: الآخرة قطعًا، وحاله شاهد على كذبه. وآخرون لا يدرون ماذا يريدون؟ وبعضنا لا يريد أن يفوت الدنيا ولا الآخرة، والجمع بين النقيضين محال (أقول: إلا بتوفيق من الله وعمل وصبر).

  إن أهل الآخرة يكفي أحدهم أقل القليل من حطام الدنيا، فمن كان همُّه الآخرة لم يبالِ بما حصَّل الناس من الدنيا، إذا رأى الناس يتنافسون في الحصول على المرأة الجميلة تذكر هو قول الله في الحور العين: “إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاء فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا عُرُبًا أَتْرَابًا لِّأَصْحَابِ الْيَمِينِ”[2]، فصرف رغبته إليهن، وشمَّر عن ساعد الجد لنيلهن، وهكذا تلمح دائمًا الفرق بين أهل الدنيا وأهل الآخرة فممن أنت؟‍!

  ثانيًا: مخالفة النفس طريق الهدى: فهذا أول السبيل تهذيب النفس بمخالفة الهوى، فلا تتابع نفسك في كل ما تشتهي، فلا تجبها في كل ما تطلب. فمن تابع نفسه في كل ما تطلب أهلكته، لذلك قال تعالى في عاقبة من يخالف نفسه في هواها: ” وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى”[3]، وقد بين لنا ربنا حقيقة النفس فقال: “إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ “[4]. فالنفس قد تكون طاغوتًا يعبد من دون الله دون أن يدري الإنسان منا، قال تعالى: “أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ”[5]. 

  فإتباع الهوى سبب الضلال، قال تعالى: “فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِين”[6]. 

  إننا اليوم نرى سمات الصالحين في الظاهر، ولكن على قلوب فارغة، على عقول فارغة ، وأنا آسف إن قلت هذا، ولكن هذا واقع للأمة لابد من تصحيحه؛ لأنه عار علينا، ووصمة للدعوة، وقد بدأت تظهر أمور لا تمت بصلة للإسلام، في المعاملات وأكل أموال الناس بالباطل، والمشاكل الأسرية والطلاق، والأولاد الذين كنَّا نعقد عليهم آمالنا، أولاد الملتزمين الذين لم يعرفوا الجاهلية التي مرَّ بها آباؤهم، فوجدنا من كبر منهم ـ وللأسف ـ بعضهم أسوأ من أبيه .

  ثالثًا : التخلص من مظاهر عدم الجدية: ومن أخطر تلك المظاهر: الرضا بالظواهر والشكليات، ونسيان القلب والأعمال.. فليس جل الدين في اللحية والقميص القصير والنقاب.. فالملتزم هو الصوَّام القوَّام، القائم بالقسط، هو من خلا بيته من المنكرات، من يتفقه في دينه، من يفهم عن ربه، من يعمل في تزكية نفسه، هذه هي المعايير الآن، ومن ابتعد عن هذا فليس من  الملتزمين، فقف لتحاسب نفسك. قال الحسن البصري: “ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي ولكن ما وقر في القلب وصدقته الأعمال، وإن قومًا خرجوا من الدنيا ولا حسنة لهم ، قالوا: نحسن الظن بالله. وكذبوا، لو أحسنوا الظن لأحسنوا العمل”. 

  رابعًا: زيادة الطاعات وعدم الاغترار بالعمل اليسير: معتقد أهل السنة والجماعة أنَّ الإيمان يزيد وينقص، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، فإن لم يكن يزيد فإنه ينقص. أريد أن يزيد إيمانك كل يوم، تقرب إلى الله بما تستطيع، ولا تغتر بالعمل اليسير، ولا تكثر التشدق بالإنجازات، لأنَّ هذا  قد يورث العجب والفرح بالعمل والاشتغال بالنعمة عن المنعم. والولد إذا رضي عن نفسه في علم من العلوم يبدأ يهجر مدرسته، ثمَّ بعد هذا تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن، وقد يرسب في هذه العلم، بسبب تهاونه وعجبه.

  خامسًا : عدم التسويف: فمن مظاهر عدم الجدية في الالتزام كثرة الوعود والأماني مع التسويف، فتجد المرء منَّا يمني نفسه، تقول له: احفظ القرآن. فيقول: سأحفظ إن شاء الله عندما أجد الوقت. وبطبيعة الحال لا يجد الوقت فهو مهموم دائمًا، يقول: عندما أنتهي من الدراسة سأتعلم العلم الشرعي، وأتفرغ للدعوة إلى الله، ثمَّ يدخل الجيش فيقول: عندما أنتهي من هذه الفترة الشاقة سأصنع ما أريد بإذن الله، ثمَّ تنتهي مدة الجيش فيبدأ في البحث عن العمل، ثمَّ يقول: لابد أن أتزوج، فيظل مهمومًا بأمر الزوجة والبحث عنها، ثمَّ يجدها فيهتم بأمر الشقة وتجهيز المنزل، ثمَّ يتزوج فيبدأ في السعي لتحسين وضعه الاجتماعي، ثمَّ يرزق بالأولاد فيظل مهمومًا بأمورهم هكذا دواليك. والعجيب انّك قد تجد رجلًا من هؤلاء في النهاية قد رضي بهذا الضنك، ويقول: هذه سنة الحياة!! سنة الحياة أن تعبد الدنيا وتنسى أمر الآخرة!! سنة الحياة أن تهجر الطاعات من أجل الهوى والشهوات!!.

  بسيف التسويف قُتل أناس كثيرون، فالتسويف رأس كل فساد، فمن أجَّل الطاعات لغد وبعد غد لا يلبث أن يتركها بالكلية، فالشيطان يسول له، ويمنيه، ويغريه بطول الأمل، والموت يأتي بغتة، والقبر صندوق العمل. فالحذر الحذر من التسويف، وطول الأمل، قبل فجأة الموت، وحسرة الفوت. يا من تعمل في أعمال محرمة، إياك أن تسوِّف، فقد تموت قبل أن تتخلص منه، هيا الآن، لا تؤجل، لا تعطل، واتخذ هذا القرار الحاسم في حياتك فهذا دليل توبتك حقًا، لا أن تتشدق بالأوهام .

  سادسًا: أخذ الدين بشموليته: فمن مظاهر عدم الجدية في الالتزام الاكتفاء ببعض الجوانب، وقد قال الله: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّة “[7]، فكثير من الملتزمين يدخل في الدين، ويلتزم ببعض الجزئيات التي أحبها في الدين، وقد يكون ذلك هوى، فليس الهوى في فعل المحرمات، بل وفي فعل الطاعات أيضًا، إني أريدك متكاملاً في جانب العبادة صوام قوام ذكار لله تتلو القرآن فتصبح ذا شخصية متألهة متنسكة، وعلى الجانب العلمي فأنت طالب علم مجتهد، حافظ للقرآن، ذو عقل وفكر نير واستيعاب شامل، وفي الجانب الدعوي فنشاط متقدم، سرعة واستجابة، وعدم رضا بالواقع، وتفكير متواصل في الطرق الشرعية لتحويل وتغيير مجرى الحياة، ذو تأثير ملحوظ في المحيط الذي تعيش فيه، كما قال الله تعالى في وصف نبيه عيسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام : “وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ”[8]. 

  سابعًا: التعاهد على الثبات حتى الممات: فمن مظاهر عدم الجدية التفلت من الالتزام لأول عارض، فمن أول شبهة أو أول وارد من شهوة يتفلت، وسرعان ما تتتابع التنازلات، مرة ترك النوافل، ثمَّ مرة ترك الجماعة، ثم ترك رفقة الصالحين… إلخ. يقول ابن القيم: “وقال لي شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رضي الله عنه ـ وقد جعلت أُورد عليه إيرادًا بعد إيراد: لا تجعل قلبك للإيرادات والشبهات مثل السفنجة فيتشربها فلا ينضج إلا بها، ولكن اجعله كالزجاجة المصمتة تمر الشبهات  بظاهرها، ولا تستقر فيها، فيراها بصفائه، ويدفعها بصلابته، وإلا فإذا أشربت قلبك كل شبهة تمر عليها صار مقرًا للشبهات أو كما قال”. يقول ابن القيم : فما أعلم أنِّي انتفعت بوصية في دفع الشبهات كانتفاعي بذلك[9]. وهذا هو السبيل، فلا تكن خفيفًا، قال الله تعالى: “وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ”[10]، ولهذا من يتأثر بأدنى شبهة فهذا لا يقين عنده ، وأهل العلم واليقين هم الذين يثبتون ، فلهذا أقول لك : لا تقف مع الشبهات، وخذ بنصيحة رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ” .[11]  فالخفيف الذي لم يفقه سرعان ما يلتبس عليه الأمر، ومع أول مضايقة يفر، وهذا يعني عدم الإخلاص وعدم اليقين، وأصل كل المشاكل الإيمانية يدور حول هذين الأمرين، لذلك أقول لك: لابد أن تتعلم أولاً، ثم تعمل بما تعلم، ثمَّ تدعو إلى ما وفقك الله له.

  قال تعالى: “وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ” [سورة العصر].

  مثلًا: تجد من يعمل في ساعة مبكرة من النهار يضيع منه الفجر مرة فأخرى، ثمَّ يبدأ يتنازل وتجده يقول: لا يمكن أن أستيقظ للفجر، فإذا أراد أن ينام يضبط المنبه على ميعاد العمل، وينسى صلاة الفجر، وأخشى أن يكون هذا إصرارًا على تضييع الصلاة في وقتها، فيكون هذا نذير شرك والعياذ بالله.

  أنا أريدك موقنًا بما في يد الله، أريدك موقنًا بأنَّ الله هو الرزاق، أريدك إذا عصفت الرياح قويًا تفهم سنن الله الكونية، وتصبر على البلاء حتى يقضي الله أمرًا كان مفعولاً.

  بعض الإخوة إذا أصابه شيء من القهر يجزع سريعًا، وآخرون يقعون في أول اختبار في شهوة، فإذا فتحت عليه الدنيا شيئًا ما نسي ما قدمت يداه، فأين الثبات على الدين؟ أين الاستقامة على شريعة رب العالمين؟

  ثامنًا: عدم إكثار الشكوى وتضخيم المشاكل: فمن مظاهر عدم الجدية في الالتزام: كثرة الشكوى وتضخيم المشاكل وإيجاد المبررات، فدائمًا أبدًا  شكاء، لا يرضى، وكل مشكلة صغيرة يضخمها، وهذا من البطالة وعدم الجدية. وآخر صاحب منطق تبريري، فلا يريد أن يواجه نفسه ويلقي باللائمة عليها، بل يتذرع ويعلل ويبرر، وهو يدري أنَّه على غير الحق.

  ومنهم: من إذا التزم بالدين صار عالة على الدعاة، ولسان حاله يقول: أنا صنعت ما قلتم لي، فعليكم أن توجدوا لي الحلول لكل مشكلاتي، وهل لما التزمت التزمت من أجل فلان وفلان أم ابتغاء وجه رب العالمين ؟! .. فإذا كنت كذلك فتعلم: “إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله”[12]، لا تكثر الشكوى خوفًا أن تتسخط على قدر الله، وتلك بلية عظيمة أعيذك بالله أن تقع فيها.

  أريد أن تتعلم أن تلجأ إلى الله، لا تتوكل على أحد سوى الله، والله هو القادر على أن يدفع عنك، “إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا”[13]، “واستعن بالله ولا تعجز”[14]، وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: “واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف”.

  إننا نحتاج إلى إخوة جادين في كل شؤون حياتهم، تبدو عليهم تلك السمات في أفعالهم، جادين في تفكيرهم، الهم الأول عندهم هو الدين، ثمَّ تأتي سائر الهموم بعد ذلك، فلا شيء يقدم على دين الله. وفي صحيح البخاري عن الأسود بن يزيد النخعي قال: “سألت عائشة ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يصنع في بيته. قالت: كان يكون في مهنة أهله -تعني خدمة أهله- فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة”. قال تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ”[15].

  كان الإمام ابن عقيل الحنبلي شيخ ابن الجوزي يقول: “أنا لا أحل لنفسي أن تضيع لحظة من عمري، فأنا إما أكتب، وإما أقرأ، وإما أطالع، وإما أدرس، وإما أصلي، وإما أذكر، أو اتذاكر حتى إذا تعبت فارقد على جنبي وأسرح بخيالي في مسائلي فإذا عمت لي مسألة قمت وكتبتها”.

  أخيرًا عليكم بالاقتصاد في الهزل والمزاح: فلقد صار الهزل وكثرة الضحك شعار الشباب في هذه الأيام، وليست المشكلة في الدعابة اليسيرة، والمزاح القليل الذي لا يخرج عند حدود الأدب، وإنما في هذا الإفراط والمبالغة حتى أن بعض الشباب يقلب أكثر المواقف جدية إلى هزل وفكاهة، والذي لا يصنع هكذا يتهم بأنه مصاب بالجمود والانغلاق …الخ. أين الجد في حياتنا يا شباب الإسلام؟ قال أبو الدرداء الصحابي الجليل: “أضحكني ثلاث، وأبكاني ثلاث. فقال: أبكاني رجل ضاحك ملء فيه وهو لا يدري أرضي الله عنه أم سخط”.

________________________________________

[1] الجدية في الالتزام للشيخ محمد حسين يعقوب

[2] [الواقعة /35-38]

[3] [ النازعات /40-41]

[4] [ يوسف/53]

[5] [ الجاثية /23 ]

[6] [ القصص/ 50 ]

[7] [ البقرة /208 ]

[8] [ مريم /31 ] [ مريم /31 ]

[9] مفتاح دار السعادة (1/140)

[10] [ الروم/60]

[11] متفق عليه . أخرجه البخاري (52) ك الإيمان ، باب فضل من استبرأ لدينه ، ومسلم (1599) ك المساقاة،  باب أخذ الحلال وترك الشبهات .

[12] تقدم تخريجه .

[13] [ الحج/38 ]

[14] جزء من حديث أخرجه مسلم ( 2664) ك القدر ، باب في الأمر بالقوة وترك العجز والاستعانة بالله.     

[15] [التوبة /38-39]

  • شارك الموضوع
Share on facebook
Facebook
Share on google
Google+
Share on twitter
Twitter
Share on linkedin
LinkedIn
Share on pinterest
Pinterest
error: Content is protected !!