9564

ملخص كتاب الهدية الهادية إلى الطريقة التجانية

ملخص كتاب الهدية الهادية إلى الطريقة التجانية للشيخ تقي الدين الهلالي مع تعليقي

يروي الشيخ الهلالي تجربته مع الطريقة التجانية بعد أن بلغ فيها ما بلغ، وينتقدها بأدلة من الكتاب والسنة ، فتعالوا بنا نقرأ ملخصا موجزا مرتبا لما سطر في كتابه “الهدية الهادية إلى الطريقة التجانية”..
إن الهدف ليس الإساءة إلى أتباع الطريقة التجانية بانتقاد وتحليل طريقتهم بل عرض الرأي الآخر في نطاق الأدب والإحترام دون إساءة إلى شيخ أو تلميذ. المهم هو معرفة الحق، والأمر كله مجرد كلام وجُمل، لا أكثر ولا أقل، فهل يستحق ذلك تباغضا واختلافا؟
لماذا عدم احتمال الرأي المخالف؟ ألا ينظر صاحب الحق في ذلك الرأي المغاير، ويحلله، ويرد ما فيه بالدليل من أجل هداية صاحبه؟ فليفرض التجانيون أن السلفيين على خطأ، أليس الأولى من باب الدعوة والنصيحة أن يقرؤوا لهم ويردوا عليهم ليهدوهم إلى الحق الذي معهم؟
لماذا يخاف التجاني من مطالعة الكتب الأخرى، أليس أمامه احتمالان عند مواجهة أصحابها، أولهما أن يهديهم إلى الحق الذي معه (وهو تجانيته)، والثاني أن يهتدي على أيديهم وأيدي كتبهم إلى الحق (سلفيهم)، وهما احتمالان أمرهما حلو لأن نتيجتهما هي اتباع الحق بدليل بعد معرفة ما في جعبة الآخر.
ولو كنت تجانيا لكانت أولى أولوياتي النظر في كتب السلفية لأرى بنفسي حقيقة ما يشاع عنهم، ولأعرف أيهما أهدى سبيلا: مذهب السلف أم مذهب الخلف؟
الأمر في منتهى البساطة، والله يهدي من يشاء ويفعل ما يريد..

1– في أحضان الطريقة التيجانية

يقول الشيخ رحمه الله:

نشأتُ في بلاد سجلماسة وحفظت القرآن وأنا ابن اثنتي عشرة سنة، ورأيت أهل بلادنا مولعين بطرائق المتصوفة لا تكاد تجد واحدا منهم لا عالما ولا جاهلا إلا وقد انخرط في سلك إحدى الطرائق وتعلق بشيخها يستغيث به في الشدائد ويستنجد به في المصائب، ويلهج دائما بشكره والثناء عليه، فإنْ وجد نعمة شكره عليها، وإن أصابته مصيبة اتهم نفسه بالتقصير في محبة شيخه والتمسك بطريقته، ولا يخطر بباله أن شيخه يعجز عن شيء في السماوات ولا في الأرض، فهو على كل شيء قدير !

سمعت أبي وهو من علماء بلدنا مرارا يقول: لولا أن الطريقة التجانية تمنع صاحبها من زيارة قبور الأولياء والإستمداد منهم وطلب الحاجات إلا قبر النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة وقبر الشيخ التجاني وقبور من ينتمي إلى طريقته من الأولياء، لأخذت ورد الطريقة التجانية لأني لا أستطيع أن أترك زيارة جدِّنا عبد القادر بن هلال، وجدُّنا كان مشهوراً بالصلاح وله قبر يزار وهو معدود من جملة الأولياء.

فاشتاقت نفسي إلى أخذ وِرد الطريقة التجانية وأنا قد ناهزت البلوغ فذهبت إلى المقدم وقلت له : يا سيدي أريد منك أن تعطيني ورد الطريقة التجانية، ففرح كثيراً، وقال لي : تأخذ الورد على صغر سنك ؟ قلت: نعم، فقال: بخ بخ لك، أفلحت وأنجحت، فأعطاني الورد وهو : ذكر لا إله إلا الله مائة مرة، والإستغفار مائة مرة، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بأي صيغة مائة مرة، لكن صيغة الفاتح لما أغلق هي أفضل الصيغ ! وأعطاني كذلك الوظيفة، وهي: أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم ثلاثين مرة، وصلاة “الفاتح لما أغلق” خمسين مرة، ولا إله إلا الله مائة مرة، وجوهرة الكمال: اللهم صلي وسلم على عين الرحمة الربانية … الخ.
ويجب ذِكر الوِرد مرة في الصباح ومرة في المساء بطهارة كما يشترط في الصلاة (سيكون تعليقي بين قوسين، أقول: هذه عبادة لم يعرفها الصحابة ولا تابعيهم)، ويكون الذاكر جالسا كجلسة التشهد على الأفضل مغمضا عينيه مستحضرا صورة الشيخ أحمد التجاني، ويتصور في قلبه أن عموداً من النور يخرج من قلب الشيخ ويدخل في قلب المريد (أقول: هذا الخيال هو سبب تلبس الشياطين بالواصلين إلى الشيطان، وهل سمعت بأن أحدا من المسلمين يستحضر صورة النبي صلى الله عليه وسلم في صلاته فكيف بمن هو دونه ؟).

أما الوظيفة فيجب أن تُذكر جماعة بصوت واحد إن كان للمُريد إخوان في بلده، فإن لم يكن له إخوان تجانيون في بلاده جاز له أن يذكرها وحده مرة في كل يوم.

واستمررت على ذكر الوِرد والوظيفة بإخلاص ملتزما الشروط مدة تسع سنين. وهنالك ذِكر آخر يكون يوم الجمعة متصلا بغروب الشمس وهو: لا إله إلا الله ألف مرة، والأفضل أن يكون معه سماع قبله أو بعده، وهو إنشاد شيء من الشعر بالغناء والترنم جماعة، ثم يقولون جميعا : الله حي.

وكنت كلما أصابتني مصيبة أستغيث بالشيخ فلا يغيثني، فمن ذلك أنِّي كنت في الجزائر، وكان لي رفيق له جمل فعقله وأوصاني بحراسته وتركني في خيمة قِلنا فيها من خيام أهل البادية، فانحل عِقال الجمل وانطلق في البرية، فتبعته، فأخذ يستهزئ بي، وذلك أنه يبقى واقفا إلى أن أكاد أضع يدي على عنقه ثم يجفل مرة واحدة ويجري مسافة طويلة ثم يقف ينتظرني إلى أن أكاد أقبضه ثم يهرب مرة أخرى، وذلك في نحر الظهيرة و شدة الحر، فقلت في نفسي هذا وقت الإستغاثة بالشيخ، فتضرعت إليه وبالغت في الإستغاثة أن يمكِّنني من قبض الجمل وإناخته، فلم يستجب، فعدت على نفسي باللوم واتهمتها بعدم الإخلاص.

ومع أن شيوخ الطريقة يوصون المريد أن لا يطالع شيئا من كتب التصوف إلا كتب الطريقة التجانية، وقع في يدي مجلد مـن كتاب الإحياء للغزالي فطالعته فأثار في نفسي واجتهدت في العبادة والتزمت قيام الليل في شدة البرد، فبينما أنا ذات ليلة أصلي قيام الليل أمام خيمتي الصغيرة التي إذا كنت جالسا فيها يكاد رأسي يمس سقفها إذ رأيت غماما أبيض سدَّ الأفق كالجبل المرتفع من الأرض إلى السماء، وأخذ ذلك الغمام يدنو مني آتيا من جهة الشرق حتى وقف بعيدا مني، وخرج منه شخص وتقدم حتى قرب مني ثم شرع يصلي بصلاتي مؤتما بي، وثيابه تشبه ثياب جارية بنت خمس عشرة سنة، ولم أستطع أن أميز وجهه بسبب الظلام، ولما شرع يصلي معي كنت أقرأ في سورة آلم السجدة ففزعت وخفت خوفا شديدا فخرجت منها إلى سورة أخرى أظنها سورة سبأ، ولم أستطع قراءة القران مع شدة حفظي له بسبب الرعب الذي أصابني، فتركت السور الطوال وأخذت أقرأ بالسور القصار التي لا تحتاج قراءتها إلى رباطة جأش واستحضار فكر، فصلى معي ست ركعات، ولم أرد أن أكلِّمه لأن كتب الطريقة توصي المريد أن لا يشتغل بشيء مما يعرض لـه في سلوكه حتى يصل إلى الله وتنكشف لـه الحجب فيشاهد العرش والفرش ولا يبقى شيء من المغيبات خافيا عليه (أقول: هذه الأوهام والمطالب إذا تأملها العاقل لم يجدها من أوامر الشرع، فنحن لا نعبد الله تعالي لنصبح بشرا خارقين أو لتنكشف لنا الحجب لأننا نعرف انها ستنكشف يوم القيامة في الجنة برحمة الله ! ومثل هذه الرياضات هو سبب ظهور الشياطين لهؤلاء وإغوائهم للناس بالخوارق التي يسمونها كرامات ، يمكنك مشاهدة فيديو الساحر السوداني الذي وصل في الطريقة التانية إلى درجة القطب من هنا).
ولما طال عليَّ زمن الاضطراب دعوت الله في سجود الركعة السادسة فقلت: يا رب إن كان في كلام هذا الشخص خير فاجعله هو يكلمني، وان لم في كلامه خير فاصرفه عني، فلما سلَّمت من التشهد بعد الركعة السادسة سلَّم هو أيضا ولم أسمع لـه صوتا ولكني رأيته التفت عند السلام إلى جهة اليمين كما يفعل المصلي المنفرد على مذهب المالكية، وبعد السلام انصرف ومشى على مهل حتى دخل في الغمام الأبيض الذي كان قائما في مكانه ينتظره، وبعد دخوله في الغمام أخذ الغمام يتقهقر إلى جهة الشرق حتى اختفى عن بصري !
وكان في قبيلتي (حميان) شيخ شنقيطي صالح ما رأيت مثله في الزهد والورع ومكارم الأخلاق، فسافرت إليه وحكيت لـه تلك الحادثة فقال لي : يمكن أن يكون ذلك شيطانا، لو كان ملكا ما أصابك فزع ولا رعب، فظهر لي أن رأيه صواب (أقول: استحضار صورة الشيخ، والخلوة في الظلام، وظهور الشياطين لأهل الطريقة أكبر دليل على أن مصدرها ليس الحق).

   وبعد ذلك بزمن طويل أخذت أدرس علم الحديث، فرأيت في صحيح البخاري مـا وقع للنبي صلى الله عليه وسلم حين جاءه جبريل وهو في غـار حراء (من خوف)، فظهر لي أن رأي ذلك الشيخ رحمه الله غير صحيح، وبقيت المشكلة بلا حل، وكنت حينئذ مشركا أستغيث بغير الله وأخاف وأرجو غير الله، ومن هذا تعلم أن ظهور الخوارق وما في عالم الغيب ليس دليلا على صلاح من ظهرت لـه تلك الخوارق ولا على ولايته لله البتة، فإن كل مرتاض رياضة روحية تظهر له الخوارق على أي دين كان، وقد سمعنا وقرأنا أن العُبَّاد الوثنيين من أهل الهند تقع لهم خوارق عظام (أقول: إقرأ ملخص قصص ابن بطوطة في موقعنا ففيه الكثيرة من هذه الخوارق).

وبعد ذلك بأيام رأيت في المنام رجلا نبهني وأشار إلى الأفق فقال لي: أنظر، فرأيت ثلاثة رجال فقال لي إن الأوسط منهم هو النبي صلى الله عليه وسلم، فذهبت إليه فأخذت يده فقلت يا رسول الله خذ بيدي إلى الله، فقال لي اقرأ العلم، فقلت يا رسول الله أدع الله أن يختم لي بالإيمان فرفع إصبعه السبابة إلى السماء وقال لي: عند الله (أقول: تعلم العلم هو مفتاح النجاة، خصوصا علم العقيدة الرائع).
وبعد ما خرجت من الطريقة التجانية رأيت النبي صلى الله عليه و سلم مرة أخرى في المنام على صورة تخالف الصورة التي رأيته عليها في المرة المذكورة، وكنت بعدما خرجت من الطريقة التجانية توسوس نفسي أحيانا بما في كتاب “جواهر المعاني” مما ينسب إلى الشيخ التجاني أنه قال: “من أخذ وِردنا وتركه فإنه يحل به البلاء دنيا وأخرى ولا يموت إلا كافرا”.
فكنت أدفع هذا الوسواس بأدلة الكتاب والسنة وأرجم شيطانه بأحجارها فيخنس، فلما رأيت النبي صلى الله عليه و سلم في هذه المرة خطر ببالي ذلك فعزمت على أن أبدأ الكلام بأن أسأله أن يدعو الله لي أن يختم لي بالإيمان، وأظن القارئ لم ينس أني سألته ذلك في المرة الأولى فلم يدع لي ولكنه رفع إصبعه السبابة إلى السماء وقال: عند الله، فقلت يا رسول الله: أدع الله أن يختم لي بالإيمان ؟ فقال لي: أدع أنت وأنا أؤمن على دعائك، فرفعت يدي وقلت اللهم اختم لي بالإيمان، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: آمين وكان رافعا يديه، فزال عني ذلك الوسواس، ولكني لم آمن مكر الله تعالى. وتأولت اختلاف الصورة وعدم الدعاء في الرؤيا الأولى والدعاء في المرة الثانية بما كنت عليه من الشرك في العبادة وبما صرت إليه من توحيد الله تعالى وإتباع سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، والله أعلم.

وكنت أرى خروجي من الطريقة التجانية كالخروج من الإسلام، وكان الشيخ عبد الحي الكتاني عدوا ً للطريقة التجانية لأنه كان شيخا رسميا للطريقة الكتانية، مرَّ بنا في وَجْدَة فمدحته بقصيدة أعجب بها وقال: عاهدني أنك إذا قدمت فاسًا تنزل عندي ضيفا، فعاهدته على ذلك، ثم سافرت إلى فاس ونزلت عنده، وَوُلِد لـه في تلك الأيام ولد، وفي اليوم السابع من مولده عمل مأدبة عظيمة دعا إليها خلقا كثيراً وبعد ما أكلوا وشربوا قاموا للعمارة، ودعوني أن أشاركهم في باطلهم فامتنعت لأن من شروط التجاني المخلص أن لا يذكر مع أهل طريقة أخرى ذكرهم، وفي كتاب "البغية" للشيخ العربي بن السايح حكاية: "أن شخصا تجانيا ذهب إلى زاوية أهل طريقة أخرى لغرض دنيوي، فاستحي أن يبقى منفردا عنهم وهم يذكرون وظيفتهم، فشاركهم في الذكر فلما فتح فاه ليذكر معهم أصابه شلل في فكَّيْه، فبقي فاه مفغورا ولم يستطع سده حتى مـات !".

ثم جاءني امتحان آخر وذلك أن الشيخ عبد الحي الكتاني قال لي منتقدا أن الطريقة التجانية مبنية على شفا جرف، وأنه لا ينبغي لعاقل أن يتمسك بها، فقلت لـه والطريقة الكتَّانِية التي أنت شيخها ؟ فقال لي كل الطرائق باطلة، وإنما هي صناعة للإحتيال على أكل أموال الناس بالباطل، وتُسَخِّرهم وتَستعبدهم، ثم قلت له: وما الذي حملك على الطعن في الطرائق وما دليلك على بطلانها، قال لي: ادعاء كل من الشيخين أن النبي صلى الله عليه وسلم يحضر بذاته وظيفة أصحابه حين يذكرونها، وهذه قلة حياء منهما وعدم تعظيم للنبي صلى الله عليه وسلم، كيف تُكلفونه أن يخرج من قبره ويقطع كل هذه المسافات من البر والبحر ليجلس أمامكم، فأنتم تبسطون له ثوبا أبيض ليجلس عليه، وأصحابنا يقومون على الباب ليتلقوه !
فقلت إذن أنت لا تعتقد صحة طريقتك ؟ فقال لا أعتقدها أبدا، وقد أخبرتك أنها صناعة لأكل أموال الناس بالباطل، وأزيدك على ذلك أن اعتماد طريقتكم على كتاب “جواهر المعاني” الذي تزعمون أن شيخكم أحمد التجاني أملاه على عليّ حرازم، نصفه مسروق بالحرف، وهو تأليف لمحمد عبد الله المدفون بكذا وكذا بفاس، وسمى ناحية نسيتها الآن، قال: وأنا قابلت الكتابين من أولهما إلى آخرهما فوجدت المجلد الأول من “جوهر المعاني” مسروقا كله من كلام الشيخ المذكور، ففارقته.
وبعد أيام كنت جالسا عند الشيخ عمر بن الخياط بائع الكتب بقرب القرويين، فقال لي: هلْ اجتمعت بالأستاذ الشيخ محمد بن العربي العلوي، فقلت لا، فقال لي هذا الرجل من أفضل علماء فاس وعنده خزانة كتب لا يوجد مثلها في فاس، وأثنى عليه بالعلم والأدب، فقلت له أنا لا أجالس هذا الرجل ولا أجتمع به لأنه يبغض الشيخ أحمد التجاني ويطعن في طريقته، فقال لي: طالب العلم يجب أن يتسع فكره وخلقه لمجالسة جميع الناس وبذلك يتسع علمه وأدبه، ولا يجب أن يقلدهم في كل ما يدَّعون، يأخذ ما صفا ويدع ما كدر، وإن لم تجتمع بهذا الرجل يفوتك علم وأدب كثير (أقول: صدق والله، فالإطلاع على الآراء الأخرى لا يضر، فلا أحد يستطيع ارغام غيره على اتباع ما لا يريده !).
فذهبت إليه لأجتمع به، ووجدت عنده من الترحيب والبشاشة والإكرام والتواضع ما لم أجده عند الشيخ الكتاني ولا عند أحد من علماء فاس، وأخذنا في أحاديث أدبية وكان يقوم ويأتي بالكتب ويضعها أمامي، وبعد أن صلينا المغرب جاء أصحابه فأخذ بعضهم يلعب الشطرنج وهو يراهم ولا ينكر عليهم، فقلت في نفسي هذا دليل على أنه من العلماء الذين لا يعملون بعلمهم فهو جدير أن ينكر على أولياء الله ما خصهم الله به من كرامة، ثم تركوا الشطرنج وأخذوا ينتقدون الطريقة الكتانية ويستهزئون بها ويسخرون من أهلها وكل منهم يحكي حكاية، فقال الشيخ عندي حكاية أعجب وأغرب مما عندكم: جاءني شاب كان متمسكا بالطريقة الكتانية تمسكا عظيما، فقال لي أريد أن أتوب على يدك من الطرائق كلها، وتعلمني التمسك بالكتاب والسنة، فقلت وما دعاك إلى الخروج من طريقتك التي كنت مغتبطا بها ؟ فقال لي انه أمس شرب الخمر وزني وترك صلاة العصر والمغرب والعشاء فمر بالزاوية الكتانية وسمع المريدين يرقصون ويصيحون بأصوات عالية والمنشد ينشدهم، وكانت بقية سُكر لا تزال مسيطرة عليه، فهَمَّ أن يدخل الزاوية ويرقص معهم ولكنه أحجم عن ذلك لأنه جُنب ولم يصلِّ شيئا من الصلوات في ذلك النهار إلا أن سُكره غلب على عقله فدخل الزاوية ووجد الشيخ محمد بن عبد الكبير في صدر الحلقة والمريدون يرقصون، فاشتغل معهم في الرقص وكان أنشطهم، فلما فرغوا من رقصهم دعاه الشيخ وقبله في فمه وقال رأيت النبي صلى الله عليه وسلم قبلك فاقتديت به، قال: ولما دعاني خِفت خوفا شديدا وظننت أنه قد انكشف لـه حالي ويريد أن يوبخني على ذنوبي، فلما قال لي ذلك أيقنت أنه كاذب في كل ما يدعيه ويدعوا إليه وإلا كيف يرضى عنِّي النبي صلى الله عليه وسلم ويُقبِّلني في فمي مع تلك الكبائر التي ارتكبتها في ذلك اليوم ؟ قال: فهذا سبب مجيئي إليك لأتوب إلى الله من الطرائق كلها وأتَّبع طريقة الكتاب والسنة (أقول: أمثال هؤلاء العلماء المجاهدين للبدع موجود في كل بلد إلا أنهم قلة وفي انحسار، فهل بدأ الإسلام يولي غريبا كما بدأ ؟).
ولما رأيتهم يعيبون الطريقة الكتانية ويستهزئون بها أصابني خوف شديد وندمت على زيارتي للشيخ فقلت في نفسي هذا الذي كنت أخافه قد وقعت فيه فكيف الخلاص ؟ وذكرت قول التجاني بن بابا الشنقيطي في منيته :
ومن يجالس مبغض الشيخ هلك *** وضل في مهامه وفي حلك
ومعنى ذلك أن الشيخ أحمد التجاني قال: “قال لي سيد الوجود صلى الله عليه وسلم يقظة لا مناما قل لأصحابك لا يجالسوا المبغضين لك فإن ذلك يؤذيني” (أقول: بل بالعكس سيفرح النبي صلى الله عليه وسلم بمجالستهم لأهل الحق لما في ذلك من خير لهم، وإذا تأملت في هذا القول وحده علمت أن هذه الطريقة بلا أساس، لأن قوله مبغض الشيخ المقصود به من يعترض عليه لأن المعترض مثلي ومثل الشيخ الهلالي، لا يكره الشيخ لشخصه بل يعترض على ما جاء به، فلو كانت أدلته أقوى لما قال “لا تجالسوهم” بل “اغزوهم في بيوتهم”. فالسجال الفكري لا علاقة للحب والبغضاء والشخصنة به. وأغلب المسلمين ليسوا تجانيين، ولا أحد يبغض إلا الكفار، والإختلاف مع الشيخ وطريقته لا يعني بغضهما بل بالعكس انظر في عنوان الكتاب تجده “الهدية الهادية”، يعني أن الناصح للتجانيين هدفه الخير لهم، يريد هدايتهم إلى الحق الذي عرف، ولو كان أنانيا لما كلمهم بكلمة! فلماذا لا يهدونه هم إلى الحق الذي يعرفون؟ لماذا يسترون ما عندهم ويتكتمون عليه؟ فكر).
ولم تخف حالي علـى الشيخ، فقال لي أراك منقبضا فما سبب انقباضك ؟ فقلت سببه أنكم انتقلتم من الطعن في الطريقة الكتانية إلى الطعن في الطريقة التجانية وأنا تجاني لا يجوز لي أن اجلس في مجلس أسمع فيه الطعن في شيخي وطريقته ! فقال لي لا بأس عليك أنا أيضا كنت تجانيا فخرجت من الطريقة التجانية لما ظهر لي بطلانها، فإن كنت تريد أن تتمسَّك بهذه الطريقة على جهل وتقليد فلك عليَّ ألا تسمع بعد الآن في مجلسي انتقادا لها أو طعنا فيها، وإن كنت تريد أن تسلك مسلك أهل العلم فهلُمَّ إلى المناظرة فإن ظهرت عليَّ رجعتُ إلى الطريقة، وإن ظهرتُ عليك خرجتَ منها كما فعلت أنا، فأخذتني النخوة ولم أرض أن أعترف أني أتمسك بها على جهل فقلت قَبِلت المناظرة.

2– مناظرة الطريقة التجانية

قال الشيخ أريد أن أناظرك في مسالة واحدة إن ثبتت ثبتت الطريقة كلها، قلت ما هي ؟ قال ادعاء التجاني أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يقظة لا مناما، وأعطاه هذه الطريقة بما فيها من الفضائل ! فإن ثبتت رؤيته للنبي صلى الله عليه وسلم يقظة وأخْذه منه الطريقة فأنت على حق وأنا على باطل، والرجوع إلى الحق أحق، وإن بَطُل ادعاؤه ذلك فأنا على حق وأنت على باطل، فيجب عليك أن تترك الباطل وتتمسك بالحق، ثم قال تبدأ أو أبدأ أنا ؟ فقلت ابدأ أنت، فقال عندي أدلة كل واحد منها كاف في إبطال دعوى التجاني، قلت هات ما عندك وعليَّ الجواب، فقال:
الأول : إن أول خلاف وقع بين الصحابة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم كان بسبب الخلافة، ووقع نزاع شديد بين الفريقين حتى شغلهم عن دفن النبي صلى الله عليه وسلم، فبقي ثلاثة أيام بلا دفن صلاة الله وسلامه عليه، فكيف لم يظهر لأصحابه ويفصِل النزاع بينهم، ويقول لهم الخليفة فلان فينتهي النزاع ! كيف يترك هذا الأمر العظيم ؟ لو كان يُكلِّم أحدا يقظة بعد موته لكلَّم أصحابه وأصلح بينهم وذلك أهم من ظهوره للشيخ التجاني بعد مضي ألف ومائتي سنة، ولماذا ظهر له ؟ أليقول لـه أنت من الآمنين ومن أحبك من الآمنين ومن أخذ وردك يدخل الجنة بلا حساب ولا عقاب هو ووالداه وأولاده وأزواجه ؟!
فقلت له : إن الشيخ رضي الله عنه قد أجاب عن هذا الاعتراض في حياته، فقال أن النبي صلى الله عليه وسلم يلقى الخاص للخاص والعام للعام في حياته أما بعد موته فقد انقطع اللقاء العام للعام وبقي اللقاء الخاص للخاص لم ينقطع بوفاته، وهذا الذي ألقاه على شيخنا من إعطاء الوِرد والفضائل هو من الخاص للخاص. فقال أنا لا أُسلِّم أن في الشريعة خاص وعام لأن أحكام الشرع خمسة وهذا الورد وفضائله إن كان من الدين فلابد أن يدخل في الأحكام الخمسة لأنه عمل أعد الله لعامله ثوابا، فهو إما واجب أو مستحب، ولم ينتقل النبي صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى حتى بين لأمته جميع الواجبات والمستحبات، وفي صحيح البخاري عن علي ابن أبى طالب أنه قيل له هل خصكم رسول الله صلى الله عليه وسلم معشر أهل البيت بشيء ؟ فقال والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما خصنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء إلا فهما يُعطاه الرجل في كتاب الله، وإلا ما في هذه الصحيفة، ففتحوها فإذا فيها العقل وفكاك الأسير وألا يقتل مسلم بكافر، فكيف لا يخص النبي صلى الله عليه وسلم أهل بيته وخلفاؤه بشيء ثم يخص رجلا في آخر الزمان بما يتنافى مع أحكام الكتاب والسنة ؟
فقلت إن الشيخ عالم بالكتاب والسنة وفي جوابه مقنع لمن أراد أن يقنع. قال احفظ هذا .

الأمر الثاني : اختلاف أبى بكر مع فاطمة الزهراء رضي الله عنهما على الميراث، أجاب أبو بكر الصدِّيق فاطمة بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “نحن معشر الأنبياء لا نورث، ما تركنا صدقة”، وقد حضر ذلك جماعة من الصحابة فبقيت فاطمة الزهراء مغاضبة لأبي بكر حتى ماتت بعد ستة أشهر بعد وفاة أبيها صلى الله عليه وسلم، فهذان حبيبان لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذه المغاضَبة التي وقعت بين أبى بكر وفاطمة تسوء النبي صلى الله عليه وسلم، فلو كان يظهر لأحد بعد وفاته لغرض من الأغراض لظهر لأبي بكر الصديق وقال لـه : إني رجعت عما قلته في حياتي فأعطها حقها من الميراث، أو لظهر لفاطمة وقال لها يا ابنتي لا تغضبي على أبي بكر فإنه لم يفعل إلا ما أمرته به.
فقلت له: ليس عندي من الجواب إلا ما سمعتَ. قال احفظ هذا .

الأمر الثالث : الذي وقع بين طلحة والزبير وعائشة من جهة، وعلي بن أبى طالب من جهة أخرى واشتد النزاع بينهم حتى وقعت حرب الجمل، فكيف يهون على النبي صلى الله عليه وسلم سفك هذه الدماء ووقوع هذا الشر بين المسلمين ؟
فقلت لـه: ليس عندي من الجواب إلا ما سمعت، وظهوره وكلامه للشيخ التجاني فضل من الله، والله يؤتي فضله من يشاء. قال احفظ هذا وفكِّر فيه (أقول: ثم ذكر الشيخ مواقف اخرى شبيهة بهذه كانت تحتاج إلى ظهور النبي صلى الله عليه وسلم ولم يظهر).

   فكيف يترك النبي صلى الله عليه وسلم الظهور لأفضل الناس بعده، وفي ظهوره هذه المصالح المهمة من جمع كلمة المسلمين وإصلاح ذات بينهم وحقن دمائهم، ثم يظهر للشيخ التجاني في آخر الزمان لغرض غير مهم، وهو في نفسه غير معقول لأنه مضاد لنصوص الكتاب والسنة ؟!

فلم يجد عندي جوابا غير ما تقدم، ولكني لم أُسلِّم له، فقال لي: فكِّر في هذه الأدلة وسنتباحث في المجلس الآخر، فعقدنا بعد هذا المجلس سبعة مجالس كل منها كان يستمر من بعد صلاة المغرب إلى ما بعد صلاة العشاء بكثير، وحينئذ أيقنت أني كنت على ضلال، ولكن أردت أن أزداد يقينا، فقلت له: من معك من العلماء هنا في المغرب على هذه العقيدة ؟ وهي أن كل مسألة في العقائد أو في الفروع يجب أن نعرضها مع قصر باعنا وقلة اطلاعنا على كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما ظهر لنا أنه موافق لهما قبلناه وما ظهر لنا أنه مخالف رددناه (أقول: وهذه هي القاعدة الذهبية التي نسف بها العلماء الربانيوين كل البدع).
فقال لي يوافقني على هذا أكبر مُقدِّم للطريقة التجانية في المغرب كله وهو الشيخ الفاطمي الشرادي، فكدت أُكذِّبه لأن المشهور في جميع أنحاء المغرب أن هذا الرجل من كبار العلماء، وهو أكبر مقدم للطريقة التجانية، ولم أقل أكبر شيخ لأن الشيخ التجاني لا يبيح لأحد أن يكون شيخا للطريقة سواه، لأن تلقيبه بالشيخ قد يُفهم منه أنه يجوز لغيره أن يتصرف في أوراد الطريقة وفضائلها وعقائدها وذلك ممنوع لأن الذي أعطى هذه الطريقة هو النبي صلى الله عليه وسلم يقظة لا مناما كما تقدم، والمتلقي الأول لها هو الشيخ أحمد التجاني، والنبي صلى الله عليه وسلم سماه شيخاً لهذه الطريقة، وكل ناشر للطريقة وملقن لأورادها يسمى مقدما فقط، فالطريقة لها مصدر واحد وشيخ واحد، ولا يجوز تعدد المصدر ولا تعدد الشيوخ حسب ما في كتب الطريقة .

  فتوجهت إلى الشيخ الفاطمي رحمه الله وكان الوقت ضحى، وقد أوصاني شيخنا محمد بن العربي ألا أسأله إلا في خلوة، فوجدت عنده جماعة فانصرف بعضهم وجاء آخرون، وبقيت عنده أنتظر أن أخلو به حتى صلينا الظهر وجاء الغداء فلم أستطيع أن أخلو به، وكان ثلاثة ممن كانوا  في مجلسه حاضرين، فقلت لـه إن الشيخ محمد بن العربي العلوي يقول يجب علينا أن نعرض جميع المسائل أصولا وفروعا على كتاب الله وسنة رسول الله فما وافق في نظرنا القاصر قبلناه وما خالف رددناه ولو قال به الإمام مالك أو الشيخ أحمد التجاني، فأشار إلي بيده يستمهلني، وكان جلوسي عنده قد طال فانصرفت إلى مدرسة الشَّرَّاطين حيث كنت نازلا قبل لقائي بالشيخ العلوي، وفي ذلك اليوم بعد صلاة العشاء جاءني بواب المدرسة وقال لي إن الشيخ الفاطمي الشرادي أرسل إليك عبده وبغْلته يطلب أن تزوره، فتعجَّبتُ كثيرا لأمرين أحدهما أن الوقت ليس وقت زيارة وثانيهما أنه لم تجر العادة أن كبار العلماء الطاعنين في السن يبعثون الدابة للركوب إلا لمن هو مثلهم في السن والعلم، وأنا شاب، فركبت البغلة وسار العبد أمامي حتى وصلت إليه وسلمت عليه فرد أحسن رد ورحَّب بي وقال يا ولدي أنا رجل كبير طاعن في السن ليس لي قدرة على القتال أما سيدي محمد بن العربي العلوي فهو شاب مستعد للقتال، وأنت سألتني أمام الناس عن مسألة مهمة لا يسعني أن أكتم جوابها ولا أستطيع أن أصرح به أمام الناس فاعلم أن ما قال لك سيدي محمد بن العربي العلوي هو الحق الذي لا شك فيه وقد أخذت الطريقة القادرية وبقيت فيها زمانا، ثم أخذت الطريقة الوزانية وبقيت فيها زمانا، ثم أخذت الطريقة التجانية والتزمتها حتى صرت مقدما فيها، فلم أجد في هذه الطرائق فائدة وتركتها، ولم يبق عندي من التصوف إلا طلب الشيخ المربي على الكتاب والسنة علما وعملا ولو وجدته لصاحبته وصرت تلميذا لـه، وأنت تريد أن تسافر إلى الشرق فإن ظفرت بشيخ مرب متخلق بأخلاق الكتاب والسنة علما وعملا فاكتب إلي وأخبرني به حتى أشد الرحال إليه، فازددت يقينا بالنتيجة التي وصلت إليها في مناظرتي مع الشيخ العلوي .

ولو كان عندي من العلم مثل ما عندي الآن لقلت لـه إن ضالَّتك المنشودة هي أقرب إليك من كل قريب فإن هذا الشيخ الذي تطلبه وتريد أن تشد الرحال ولو بعُدت الدار وشط المزار هو أنت نفسك، بشرط أن يكون عندك العزم التام على العمل بالكتاب والسنة وطرح التقليد جانبا كيفما كان الأمر، فجزاهم الله خيرا وتغمدهما برحمته (أقول: قوة الإرادة والعزيمة في الخير هما أصل الفلاح، لابد من الشجاعة في الحق ولو تحول الناس كلهم إلى أعداء للداعية، وهذا هو ما يحبه الله ورسوله).

 وبعد ذلك بعشرين سنة اجتمعت بالشيخ عبد العزيز بن إدريس من علماء تطوان وهو من تلاميذ الشيخ الفاطمي، فذكرت لـه الحكاية السالفة، فقال لي وأنا أيضا وقع لي ما يشبه هذا فإني بعد إتمام دراستي في جامع القرويِّين ذهبت إليه وهو أفضل شيوخي، فقلت لـه أيها الشيخ أريد أن أرجع إلى وطني تطوان فأريد أن تزودني بدعاءك الصالح وأن تلقنني وِرد الطريقة التجانية، فقال لي : يا أسفاً عليك أنت تحفظ كتاب الله وقد درست العلوم الإلهية التي تمكِّنك من فهم كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ولم يكفيك ذلك كله حتى تطلب الهدى في غيره، والطريقة لا شيء، فعليك بكتاب الله وسنة رسول الله، فكشف الله عني بفضله ظلام الشرك والبدعة وفتح لي باب التوحيد والإتباع فله الحمد والمنة نسأله أن يثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة إنه الهادي إلى الصراط المستقيم .

وقد وجدت هذه المناظرة – التي جرت بينه وبين الشيخ محمد العربي – في كتاب “غاية الأماني في الرد على النبهاني” لمؤلفه العالم السلفي محمود شكري الألوسي البغدادي رحمة الله، وهذا الكتاب من أنفس كتب السلفية، جادل المبتدعين من المتصوفة وشدد عليهم الخناق بعبارات بليغة كأنها عقود الجمان في أجياد الحسان، فيه من المتعة والفوائد ما يقل نظيره في الكتب.

هذا سبب خروجي من الطريقة التجانية الذي لم يكن يخطر ببالي، وإنما اضطرني إليه البرهان اليقيني الذي لا يترك شكا ولا ريبا في أن هذه الطريقة كما هي في كتب أهلها وفي اعتقادهم لا يمكن الجمع بينها وبين اتباع كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم البتة وبيان ذلك تجده في الفصول التالية .

3– ما جاء في كتب الطريقة من فضل مزعوم لشيخها أحمد التجاني

يقول الهلالي: كتب الطريقة التجانية كثيرة أقتصر على ذكر بعضها (وهي التي نقل منها في ردوده هنا):
الأول : “جواهر المعاني من فيض أبي العباس التجاني” لمؤلفه علي حرازم بن العربي برادة الفاسي، أخبرني الشيخ أحمد سكيرج أنه قرأ بخط الشيخ أحمد التجاني على هامش النسخة المخطوطة التي كتبها علي حرازم العبارة التالية “كل ما في هذا الكتاب فهو من إملائنا على محبنا سيدي علي حرازم” وفضائل هذا الكتاب عندهم كثيرة، منها أن البيت الذي تكون فيه نسخة منه تكثر عليه الخيرات والبركات ويحفظ أهله من جميع الشرور !
الثاني : “الجامع” للشيخ محمد بن المشري، وهو من قدماء أصحاب الشيخ أحمد التجاني ولكن التجانيين لا يعباؤن بهذا الكتاب ومن الشائع عندهم أن الشيخ التجاني لم يكن راضيا عن مؤلفه كل الرضا لأنه أظهر الولاية وادعاء المشيخة في حياة شيخه وأن الشيخ أمره ألا يُساكنه في بلد واحد .
الكتاب الثالث : “الإفادة الأحمدية” ، لمؤلفه الطيب السفياني.
الكتاب الرابع : “رماح حزب الرحيم على نحور حزب الرجيم” لمؤلفه عمر بن سعيد الفوتي السنيغالي .
الكتاب الخامس : ” كتاب البغية شرح المنية “، وهي الأرجوزة التي تقدم ذكرها تأليف الشيخ العربي بن السايح، وهناك كتب أخرى كثيرة لا أحب الإطالة بذكرها.

هل يمد التيجاني أحدا؟

قال صاحب الرماح في الجزء الثاني صفحة (4) الفصل السادس والثلاثون: “في ذكر فضل شيخنا رضي الله عنه وأرضاه وعنا به، وبيان أنه خاتم الأولياء وسيد العارفين وإمام الصديقين وممد الأقطاب والأغواث، وأنه هو القطب المكتوم والبرزخ المختوم الذي هو الواسطة بين الأنبياء والأولياء بحيث لا يتلقى واحد من الأولياء مَن كبر شأنه ومن صغر فيضا من حضرة نبي إلا بواسطته رضي الله عنه من حيث لا يشعر بذلك الولي، وحيث كان الأمر هكذا فإياك أخي الإنكار على مثل هذا السيد العظيم..
اعلم أنه ينبغي لنا أن نورد هنا كلاما قبل الشروع في هذا الفصل الذي نريد الشروع فيه لأن بعض من لم يكن لـه في العلم ولا في نفحات أهل العلم من خلاق قد يورد علينا إيرادين:
أولهما أنه يقول: الشيخ رضي الله عنه وأرضاه مدح نفسه وزكاها وذلك مذموم ؟
ثانيهما أنه يقول: أن قول الشيخ رضي الله عنه وأرضاه وعنا به أن الفيوض التي تفيض من ذات سيد الوجود صلى الله عليه وسلم تتلقاها ذوات الأنبياء، وكل ما فاض وبرز من ذوات الأنبياء تتلقاه ذاتي ومني يتفرق على جميع الخلائق من نشأة العالم إلى النفخ في الصور، ويدخل فيه جميع الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، فيكون أفضل من جميع الصحابة رضي الله تعالى عنهم وذلك باطل ؟
وكذا قوله رضي الله عنه وأرضاه وعنا به: لا يشرب ولي ولا يسقى إلا من بحرنا من نشأة العالم إلى النفخ في الصور.
وكذا قوله رضي الله تعالى عنه وأرضاه وعنا به: إذا جمع الله خلقه في الموقف ينادي مناد بأعلى صوته يسمعه كل من في الموقف يا أهل المحشر هذا أمامكم الذي كان مددكم منه.
وكذا قوله رضي الله عنه وأرضاه وعنـا بـه: روحه صلى الله عليه وسلم وروحي هكذا مشيرا بإصبعيه السبابة والوسطى، روحه صلى الله عليه وسلم تمد الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام وروحي تمد الأقطاب والعارفين والأولياء من الأزل إلى الأبد.
وكذا قوله رضي الله عنه وأرضاه وعنا به: قدماي هاتان على رقبة كل ولي لله تعالى من لدن آدم إلى النفخ في الصور.
وكذا قوله رضي الله تعالى عنه وأرضاه وعنا به: أن مقامنا عند الله في الآخرة لا يصله أحد من الأولياء ولا يقاربه من كبر شأنه ولا من صغر وأن جميع الأولياء من عصر الصحابة إلى النفخ في الصور ليس فيهم من يصل مقامنا.
وكذا قوله رضي الله تعالى عنه وأرضاه وعنا به: أعمار الناس كلها ذهبت مجانا إلا أعمار أصحاب “الفاتح لما أغلق” فقد فازوا بالربح دنيا وآخرة، ولا يشغل بها عمره إلا السعيد.
فيقول المعترض: هذه الأقوال تقتضي تفضيله هو وأهل طريقته على جميع الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين ؟!

فالجواب: "أن الإيراد الأول غير وارد لأن هذا كما قال الحافظ جلال الدين عبد الرحمن السيوطي في "الصواعق على النواعق" ليس من باب الافتخار ولا تزكية النفس بل لهم في هذا وجهان أحدهما أن هذا من باب التعريف بحاله إذا جهل مقامه". انتهى بلفظه.

وها أنذا ألخص بقية جوابه عما توقع أن يورده عليه، فأقول: نُقل عن النووي في الأذكار أنه يجوز للإنسان أن يذكر فضائل نفسه إذا كان غرضه صحيحا كأن يُعرِّف الناس بعلمه ليأخذوا عنه العلم أو بأمانته ليأتمنوه على الودائع والأموال..
ثم قال في الوجه الثاني : “أن يقال في جواب الإيراد الأول، أن هذا من باب التحدث بنعم الله”. ثم نقل آثارا عن الصحابة وغيرهم في التحدث بالنعم وأنه شُكرٌ لها.

أقول مستعينا بالله في جوابه :
كل ما أوردته في التحدث بالنعم المعنوية والحسية، فهو حق لا ننازعك فيه، ولكن الطوام التي نقلتها عن شيخك لم يسبقه إليها سابق من الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين، ولا دليل عليها من كتاب الله ! بل أدلة الكتاب والسنة تغبر في وجهها وتدحضها وتدمغها، فقد أتعبت نفسك في غير طائل.

ثم أجاب عن الإيراد الثاني بما ملخصه أن ظاهر كلام شيخه هو تفضيله على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من العام المخصوص كقوله تعالى في ريح عاد : "تدمر كل شيء"، فإنها لم تدمر الجبال ولم تدمر أحدا مـن البشر إلا عـادا.

والجواب عن ذلك: أنه لا حجة لـه فيه لأن كلام الله وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم حق، لا يحتاجان إلى دليل ولا إقامة حجة لأنهما حجة، والحجة العامة تخصص بالحجة الخاصة، أما كلام شيخه فليس بحجة فهو محتاج إلى حجة، فيقال لـه من أين علمت أن روحك مقارنة لروح النبي صبى الله عليه وسلم، روحه عليه الصلاة والسلام تمد الأنبياء وروحك تمد الأولياء ؟ هكذا يقال أولا، ويقال ثانيا ماذا تعني بالمدد أهو حسي أم معنوي، فالحسي هو بسطة الجسم والرزق وما أشبههما، والمعنوي هو هداية القلوب وما يُفتح عليها به من العلوم والحكم والتوفيق على طاعة الله والحفظ من معصية الله، فإن كان هذا مقصودك فإن الكتاب والسنة وأصول الدين وجميع الأدلة النقلية والعقلية تدل بأصرح العبارات أن الله وحده هو الذي يمد عباده بالرزقين سواءا أكانوا أنبياء أو شهداء أو صالحين أو من عامة المؤمنين، وأن النبي صلى الله عليه وسلم وهو أفضل خلق الله على الإطلاق لا يمد أحدا بشيء من ذلك، لا الأنبياء ولا غيرهم بل هو نفسه عليه الصلاة والسلام فقير إلى الله يتلقى المدد منه ! والأدلة على هذا الأصل من كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر من أن تُحصى منها قوله تعالى في سورة القصص يخاطب خير خلقه محمدا صلى الله عليه وسلم : “إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ”، قال الحافظ بن كثير: “أي ليس إليك ذلك، إنما عليك البلاغ والله يهدي من يشاء.

فإن قلت: أإنما أردتُ أن النبي صلى الله عليه وسلم هو الواسطة في إيصال هذه النعم !

فالجواب، وما دليلك على أن الله لا يمد الناس ألا بواسطة النبي صلى الله عليه وسلم ؟ فإن قلت قد أسند الله إليه الهداية في قوله تعالى في سورة الشورى 52: “وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ “. فالجواب : أن الهداية في كتاب الله تجيء ويراد بها تارة الدلالة والإرشاد، فالنبي صلى الله عليه وسلم يهدي إلى صراط مستقيم أي يدل الناس عليه ويدعوهم إليه بأقواله وأفعاله وأخلاقه الكريمة، أما التصرف في القلوب بالهداية فهو خاص بذي الجلال.
وإذا ثبت أن المدد كله من الله وليس في قدرة المخلوق أن يمد مخلوقا برزق حسي أو معنوي بأن يخلق ذلك الرزق ويهبه لـه فقد تهدم ما بناه صاحب الرماح ولم تصب رماحه أحدا من أهل الحق بأذى لأنه طعن بها أشياء تخيلها لا وجود لها، وطاشت سهامه فلم تصب هدفا !
فأين المدد الذي يتلقاه أحمد التجاني ليوزعه على الناس من لدن آدم إلى النفخ في الصور ؟ ونحن نقول أن البحار والأنهار كلها لله تعالى لا يشاركه فيها أحد، فهو الذي يسقي منها من شاء على المقدار الذي يريده ويمنع من شاء.

حكاية: توجهتُ سنة 1341 هـ من القاهرة إلى مديرية (أسيوط) من صعيد مصر، ونزلت في مدينة (ملوي) وبقربها قرية تسمى (الريمون) وكانت فيها فئة قليلة جدا من السلفيين الموحدين لله المتبعين لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعوني إلى بلدهم، وشرعت أدعو إلى الله تعالى فأعانني الله سبحانه بفضله ورحمته فاستجاب أهل القرية كلهم لدعوتي ولم يشذ منهم إلا شيخ الطريقة والعمدة وخدمهما، ولا يزيد عددهم على خمسة عشر، وبعد مُضي زهاء أربع سنيين زرت هذه القرية للمرة الثانية فأخبروني أن شيخ الطريقة كان يأتيهم من بلد آخر في بعض الأحيان زاعما أنه يمدهم ويحفظهم، والحقيقة أنه يبتز أموالهم ويزيدهم خضوعا إليه ويحافظ عليهم حتى لا يخرجوا من ربقته كما يحافظ الراعي على غنمه، فبعد أن هداهم الله إلى توحيده واتباع رسوله الكريم وترك كل بدعة زارهم شيخ الطريقة المذكور وانتظر ما عهد منهم من التعظيم والخضوع والمبادرة إلى تقديم الهدايا، فرآهم تلقوه كما يُتَلقَّى الضيف العادي فأنكر ذلك، فقال قائل منهم أي شيء تريد أكثر من الضيافة أتريد أن نعبدك من دون الله كما كنا نفعل في زمن الجهل والضلالة ؟ فقال: يا عكروط (أي يا لئيم)، أنا قتلت نفسا للمحافظة على بطيخك الذي زرعته بشاطئ فرع النيل، لأن رجلا جاء يسرق بطيخك فوجهت أليه همتي وقتلته !
فقال: يا سيدنا الشيخ لقد أخطأت في حسابك لأمرين أحدهما أن البطيخ أتت عليه آفة فأهلكته قبل أن يُنتفع به، والثاني أني لا أرضى بقتل نفس مسلمة أو كافرة لأجل بطيخة تسرق من مزرعتي، فغضب الشيخ وسبهم وانصرف عنهم.
وكذلك المدد الذي يدَّعيه صاحب الرماح ليثبت به فضيلة لشيخه لا وجود له في الحقيقة، ومن اعتقد أن غير الله يمد القلوب بالهدى والأحوال السنية والمقامات السامية فقد عبد مع الله إلها آخر :
فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة *** وإن كنت تدري فالمصيبة اعظم

دعوى أن الشيخ التجاني خاتم الأولياء :
كما أن النبي صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء !

 قال صاحب الرماح: اعلم أن أفراد الأحباب يعلمون أن مقامه ختم المقامات، يفوق جميع مقامات الولاية، ولا يكون فوقه إلا مقامات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وذلك الخاتم هو سيد الأولياء وهو ممدهم وإن لم يعلموا من أين هو ! قال الشيخ "محي الدين ابن عربي" الحاتمي – رضي الله تعالى عنه: "فكل نبي من لدن آدم إلى آخر نبي ما أحد منهم يأخذ النبوة إلا من مشكاة خاتم النبيين وإن تأخر وجود طينته فإنه بحقيقته موجود، وهو قوله : (كنت نبيا وآدم بين الماء والطين) أي لم يكمل بدنه العنصري".. وبيان ذلك أن الله سبحانه وتعالى لما خلق النور المحمدي كما أشار صلى الله عليه وسلم بقوله (أول ما خلق الله تعالى نوري)، جمع في هذا الروح المحمدي جميع أرواح الأنبياء والأولياء جمعا أحديا قبل التفصيل في الوجود العيني..

ثم نقل صاحب الرماح عن “عبد الوهاب الشعراني” وشيخه “علي الخواص” ما يؤيد ما نقله عن ابن عربي الحاتمي وقد أتعب نفسه هذا الإتعاب كله ليثبت لشيخه التجاني ما ادعاه من أنه خاتم الأولياء وممدهم .
ثم نقل صاحب الرماح عن الحاتمي زعمه وجود خاتم الأولياء، ثم نقل عنه ادعاؤه أنه هو هو، ثم نقل عنه رجوعه عن ذلك ليمهِّد السبيل لدعوى أن شيخه التجاني هو خاتم الأولياء يقينا (ولم يذكر كتب ابن عربي التي نقل منها رغم أن كتبه مشهورة منتشرة بين الناس !).

الجواب: قول ابن عربي الحاتمي - ولو لم ينقل الفاسي في "تاريخ مكة" اتفاق العلماء على كفره - لا يساوي بعرة في أصول الدين، فإن أصول الدين لا يثبت منها شيء إلا بدليل من الكتاب والسنة والإجماع والقياس على اختلاف في الأخير، وابن عربي الحاتمي سرق ما ادعاه من الرؤيا من حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي أخرجه البخاري: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن مثلي ومثل الأنبياء قلبي كمثل رجل بنى بيتا فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له ويقولون هلا وضعت هذه اللبنة فأنا اللبنة، وأنا خاتم النبيين" (أقول: ذكر ابن عربي وجود لبنتين إحداهما لخاتم الأنبياء وألأخرى لخاتم الأولياء، ويظهر جليا أن كلامه مسروق من هذا الحديث الشريف، وعندما تتأمل في أقوال مشايخ الصوفية تجد معظمها مسروقا، وتلك قلة إبداع وجهل وتخلف لا يخفى إلا على الأميين في الأزمان الغابرة، لكن العجب الحقيقي هو خفائها على دكاترة هذا الزمن !).


 ثم قال صاحب الرماح ما نصه : وشيخنا التجاني ولد عام خمسين ومائة وألف ووقع لـه الأذن من النبي صلى الله عليه وسلم يقظة لا مناما بتربية الخلق على العموم.. قال - أي التجاني: قد أخبرني سيد الوجود صلى الله عليه وسلم بأني القطب المكتوم منه إلي مشافهة يقظة لا مناما ! فقيل له ما معنى المكتوم ؟ فقال هو الذي كتمه الله تعالى عن جميع خلقه حتى الملائكة والنبيين إلا سيد الوجود صلى الله عليه وسلم فإنه علم به وبحاله !

وقال – أي التجاني: الفيوض التي تفيض من ذات سيد الوجود صلى الله عليه وسلم تتلقاها ذوات الأنبياء، وكل ما فاض وبرز من ذوات الأنبياء تتلقاه ذاتي ومني يتفرق على جميع الخلائق من نشأة العالم إلى النفخ في الصور، وخصصت بعلوم بيني وبينه منه إلي مشافهة لا يعلمها إلا الله عز وجل بلا واسطة.

وقال – أي التجاني: أنا سيد الأولياء كما كان النبي صلى الله عليه وسلم سيد الأنبياء.
وقال في جواهر المعاني : وسألته – يعني الشيخ أحمد التجاني- عن حقيقة الولاية فأجاب بما نصه : الولاية عامة وخاصة، فالعامة هي من آدم عليه السلام إلى عيسى عليه السلام، والخاصة هي من سيد الوجود صلى الله عليه وسلم إلى الختم (أقول: فكر في هذا القول هل قال به أحد من علماء الأمة المعروفين في الفقه أو السيرة أو التاريخ ؟!).
وقال – أي التجاني: نسبة الأقطاب معي كنسبة العامة مع الأقطاب، وقال الشيخ عبد القادر الجيلاني: قدمي هذا – كذا – على رقبة كل ولي لله، يعني أهل عصره، وأما أنا فقدماي هاتان جمعهما – وكان متكئا فجلس وقال – على رقبة كل ولي لله تعالى من لدن آدم إلى النفخ في الصور.
وقال الشيخ التجاني: كل الطرائق تدخل عليها – كذا – طريقتنا فتبطلها، وطابعنا يركب على كل طابع، ولا يحمل طابعنا غيره.
وقال: من ترك وِردا من أوراد المشايخ لأجل الدخول في طريقتنا هذه المحمدية التي شرفها الله على جميع الطرق آمَّنه الله تعالى في الدنيا والآخرة، فلا يخاف من شيء يصيبه لا من الله ولا من رسوله ولا من شيخه أيا كان من الأحياء أو من الأموات، وأما من دخل زُمرتنا وتأخر عنها ودخل غيرها تحل به المصائب دنيا وأخرى ولا يفلح أبدا.
ثم قال ناقلا عن شيخه التجاني كما في جواهر المعاني: وليس لأحد من الرجال أن يُدخل كافة أصحابه الجنة بلا حساب ولا عقاب ولو عملوا من الذنوب ما عملوا وبلغوا من المعاصي ما بلغوا إلا أنا وحدي ! ووراء ذلك مما ذكر لي فيهم وضمنه أمر لا يحل لي ذكره ولا يُرى ولا يُعرف إلا في الدار الآخرة، بشرى لكل معتقد رغم أنف المنتقد (أقول: كل ما قرأنا من كلامه حتى الآن قابل للرد كما هو واضح).
ثم نقل صاحب الرماح عن شيخه التجاني قوله: لو بحت بما علمني الله تعالى لأجمع أهل العرفان على قتلي.
ثم نقل عنه ما نصه : وأقول لكم إن مقامي عند الله تعالى في الآخرة لا يصله أحد من الأولياء، ولا يقاربه من كبر شأنه أو صغر، وأن جميع الأولياء من عصر الصحابة إلى النفخ في الصور ليس فيهم من يصل مقامنا ولا يقاربه لبعد مرامه عن جميع العقول، وصعوبة مسلكه على أكابر الفحول، ولم أقل لكم ذلك حتى سمعته منه صلى الله عليه وسلم تحقيقا ! (أقول : يمهدهم لقبول كل ما يسمعون منه !).
ثم قال عنه أيضا : أن سيد الوجود صلى الله عليه وسلم ضمن لنا أن من سبنا وداوم على ذك ولم يتب لا يموت إلا كافرا ! (أقول : السب طريق الجهال، أما مقارعة الحجة بالحجة فلابد منها خصوصا مع مثل هذا الكلام ! ثم، يا أخي تأمل في المرتبة التي أعطى لنفسه بقوله “من سبنا وداوم على ذلك.. يموت كافرا”، فهل هو فوق النبي صلى الله عليه وسلم ومن اليهود والنصارى من يسبه ثم يسلم).

ونقل عنه أيضا قوله : أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبره بقوله عليه الصلاة والسلام بعزة ربي يوم الاثنين ويوم الجمعة لـم أفارقك فيهما من الفجر إلى الغروب ومعي سبعة أملاك، وكل من رآك في اليومين تكتب الملائكة اسمه في ورقة من ذهب ويكتبونه من أهل الجنة !
ثم قال صاحب الرماح وقد أخبرني بعض من لقيه أنه ما تنزل إلى إفادة الخلق بعد ما أخبره صلى الله عليه وسلم بذلك إلا بعد قوله للنبي صلى الله عليه وسلم : إن كنت بابا لنجاة كل عاص تعلق بي فنعم وإلا فأي فضل لي ؟ فقال صلى الله عليه وسلم أنت باب لنجاة كـل عاص تعلق بك ! وحينئذ طابت نفسه لذلك ! (أقول: في هذا تشجيع لأهل طريقته على فعل ما يريدون وهو يحط عنهم الخطايا لمجرد أنهم يحبونه أو لمجرد رؤيته يوم الجمعة، لكن ألم يحب أبو طالب النبي صلى الله عليه وسلم ؟ ألم يره الكفار والمنافقون أكثر من مرة في أكثر من يوم جمعة فماذا لم يختم لهم بالهداية ؟!).
ثم ادعى صاحب الرماح وجود دائرة عند الله تعالى تسمى الدائرة الفضلية كل من كان من أهل هذه الدائرة يتفضل الله عليه بالرحمة والنعيم وينجيه من عذاب الجحيم ولا يتوقف ذلك على عمل صالح ولا يضر معه سيئة ولا معصية وزعم أن شيخه وأتباعه كلهم من أهل هذه الطريقة ثم ادعى أن خلة الله ثابتة لشيخه وأن الله تعالى اتخذ محمد صلى الله عليه وسلم حبيبا وإبراهيم خليلا وأن شيخه ورث المحبة والخلة من هذين النبيين.
ثم قال ومن بحر هذه الدائرة تفضل رسول الله صلى الله عليه وسلم بدائرة الإحاطة وبالكنز المطلسم الذي هو خص به صلى الله عليه وسلم (أقول: دخلنا في الطلاسم !).
وبمقامه وبالخريدة الفريدة التي هي خاصة به صلى الله عليه وسلم وبإطلاقه، يعني الإذن له في إعطاء جميع أوراده من الإسم الأعظم الكبير وما دونه لمن شاء ومنعها ممن شاء، وكذلك من قدَّمه الشيخ ومن قدمه هذا المقدم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها .
انتهى ما أردنا الإشارة إليه من الفصل السادس والثلاثين ويلي ذلك وضع ما تضمَّنه من المسائل في الميزان وقد تقدم أن أول ما نقله مؤلف الإفادة الأحمدية عن شيخه التجاني أنه سأله سائل : أيُكذبُ عليك ؟ قال نعم ما جاءكم عني فاعرضوه على كتاب الله وسنة رسوله فما وافقهما فهو عني سواء أقلته أو لم أقله وما خالفهما فليس عني سواء أقلته أو لم أقله، فنحـن حين نعرض هذه المسائل على الكتاب والسنة نكون عاملين بكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وبوصية الشيخ التجاني نفسه، فنقول وبالله التوفيق وهو الهادي بمنه إلى أقوم طريق .

المسألة الأولى :
ما يعتقده خاصة التجانين وعامتهم من أن شيخهم أبا العباس أحمد بن محمد التجاني رأى النبي صلى الله عليه وسلم في أواخر المائة الثانية بعد الألف يقظة لا مناما ومنه تلقى كل أوراده وأذكاره وفضله وفضل طريقته، قد تقدم إبطال ذلك بالأدلة النظرية بإجماع خير القرون على أن ذلك لم يقع لحد من الصحابة ولا التابعين ولا الأئمة المجتهدين مع شدة الحاجة إليه، أما النقل فليس لهم دليل ولا شبهة يتكئون عليها في هذه الدعوى .

المسالة الثانية :
وهي من أهم المسائل عند التجانيين، اعتقادهم أن المدد كله من النبي صلى الله عليه وسلم يفيض على ذوات الأنبياء والمرسلين نهرا جاريا إليهم، وهناك نهر آخر يجري من النبي صلى الله عليه وسلم بلا واسطة إلى الشيخ التجاني، وكل ما فاض من ذوات الأنبياء تتلقاه ذات الشيخ التجاني ومنه يتفرق على جميع الخلائق من لدن آدم إلى النفخ في الصور وفي رواية من الأبد إلى الأزل.
وهذا تهور عظيم، وقد كان الله تعالى ولا شيء معه هو الأول، فالأزلية خاصة به سبحانه لا يشاركه فيها أحد، وقد تقدم الكلام على إبطال المدد من الصفحة 26 إلى الصفحة 30 فانظره (أقول: وما هي هذه العلوم التي حُرم منها مالك وأبو حنيفة والشافعي وأحمد، وحصل عليها من هو دونهم ؟!).

  • شارك الموضوع
Share on facebook
Facebook
Share on google
Google+
Share on twitter
Twitter
Share on linkedin
LinkedIn
Share on pinterest
Pinterest
error: Content is protected !!