welcome6.jpg

الطيف

تكاثف الظلام معتصرا بقبضته الوجود، وأشتد البرد فلم تفلح جبته البالية في صد هجمته القارصة، فارتجف جسده الضئيل بقوة وهو يسند ظهره المنهك إلى جذع الدوحة العملاقة التي شهدت أيام صباه الجميلة..

كان المكان فيما مضى، جنة تشرف على قرية وادعة تنبض بالحياة..
ثبت بصره في السماء الزرقاء الصافية فحمله بريق نجومها إلى عالمه المفقود..
تشبث بالحشائش التي يجلس عليها، وانفرجت أساريره عن ابتسامة صدئة عندما رآها تقف بجواره كما اعتادت أن تفعل في كل ليلة منذ أن فقدها..

كانت جميلة مرحة كعادتها، يتلألأ محياها الصغير استبشارا باللقاء.. تناول يدها الباردة، وانطلقا يمرحان في المروج كما اعتادا أن يفعلا في صباهما..

ألقى نظرة على وجهها المشرق اذي احمر خجلا.. تأمل قطرات العرق التي تنساب عليه بهدوء.. لم يصدق أنه يراها ثانية في نفس المكان والزمان بعد كل هذه السنين !

أغمض عينيه بسعادة الأطفال، ثم فتحهما ليجد نفسه في مكانه المظلم تحت الدوحة المعمرة التي نثرت السنون أوراقها..

نعق غراب في أعلى الدوحة، فأغمض عينيه هربا من واقعه الحزين، ثم فتحهما على صوت ضحكتها التي ملأت الأرجاء.. قهقه بأعلى صوته وهو يسابقها نحو القمة بسعادة الأطفال..

تأمل الشمس التي أوشكت على الغروب.. هتفت به وهي تهبط نحو القرية : “حان وقت العودة إلى الديار”..
عندما تبعها في أول مرة كانت وجهتها أبعد بكثير من الأطلال..

فتح عينيه فجأة كمن أفاق من حلم لذيذ فوجد نفسه في الظلام..

بعد رحيلها منذ أكثر من خمسين سنة، لم يعد يحس إلا بهذه اللحظات الرهيبة المتعلقة بأذيال الليل..
تحسس الدوحة التي يجلس تحتها بحنان، وابتسم عندما داعب أذنيه صوت خطواتها الخافت يقترب منه شيئا فشيء.. ملأ صدره بالهواء المثقل الذي حمل إليه عبقها المريح، وانفرجت أساريره عن ابتسامة واسعة عندما رأى طيفها الذي تقدم في العمر، يشق الظلام نحوه..

سيد محمد اخليل

  • شارك الموضوع
Share on facebook
Facebook
Share on google
Google+
Share on twitter
Twitter
Share on linkedin
LinkedIn
Share on pinterest
Pinterest
error: Content is protected !!