9851
سيد محمد

سيد محمد

كاتب

حب بين الأنقاض

كانت العاصفة المدمرة على وشك الهبوب فبرقت السحب القاتمة الحبلى بالعواصف النووية القاتلة.. وضرب الرعد المزلزل ضربته القاصمة مؤذنا بالمزيد من النيران.. كانت الطبيعة المغدورة ترسم لوحتها المرعبة التي اعتادت على رسمها منذ انهيار نظامها على يد الإنسان..

كان ذلك في عام 2221 حيث تحول الكوكب بأكمله إلى جحيم تحجب فيه السحب المشبعة بالإشعاعات ضوء الشمس ودفئها.. كان ذلك بعد الحرب النووية الأخيرة التي حول بها الإنسان كوكبه إلى ركام لا ينقشع دخانه.. عالم بالكاد تتسلل خيوط الشمس عبر سحبه الملوثة لتضفي عليه من الكآبة ما لم يشهده في عصر من عصوره الماضية..

اعتاد الناجون من تلك الكارثة على الحياة في ذلك الظلام البائس بين الأوبئة القاتلة.. ورغم ذلك لم تجد العبرة طريقها إلى قلب الإنسان بل زادته رائحة الدماء دموية، وزاده الخراب تخريبا..

انقسم الناس في ذلك العالم المحترق إلى قسمين .. قسم متجبر يستعين بمخلفات الحضارة البائدة من وسائل لأجل الفتك بالضعفاء (القسم الثاني)، فانتشر الظلم بأبشع صوره، مثبتا أنه قادر على التأقلم مع أحلك الظروف، واندلعت الحروب غير مبالية بالغيوم الحارقة التي تظللها،  وكانت سمتها هذه المرة البدائية.. عاد الإنسان إلى همجيته الأولى بعد تحضر قصير، وأصبحت الأرواح توضع في كفة مع لقمة عيش مغتصبة..

تحركت كومة من الركام في مكان ما على ظهر الكوكب المحترق، فانفتح باب خفي يفضي إلى سرداب عميق.. كان أحد المداخل السرية لمقر إحدى الجماعات المتوارية، انبعث منه رجلان يجذبان شابة في مقتبل العمر ارتسمت على وجهها كل ألوان الألم والحسرة..

كانت العاصفة في آخر أطوارها.. فتمتم أحد الرجلين بحزن:
– يبدو أن العاصفة اللعينة على وشك الهبوب!
أجابه الآخر بأسى:
– إنها تتجمع كل ساعتين لتصب جام غضبها على رؤوسنا..

ارتعدت السماء في تلك اللحظة، و بدأ الهجوم، لكن الثلاثة كانوا في انتظاره علىأحر من الجمر لأنه كان السبيل الوحيد لخروجهم من ذلك المخبأ السري في أمان، فجذبا الفتاة وشقا طريقهما وسط وابل من الصواعق غير مبالين بالجحيم الذي يحيط بهما..
كان الثلاثة من المستضعفين المستهدفين من طرف أولئك الظلمة (أحفاد ترامب).. وكانوا كغيرهم يتحصنون بتلك المخابئ تحت الركام خوفا على أرواحهم التي لم تعد تساوي شيئا عند الهمجيين المخربين..
وكانت العاصفة الغطاء الوحيد الذي يستطيعون التحرك تحت ستاره دون رصدهم..

كانت مهمة الرجلين التخلص من الفتاة التي أصيبت بالوباء القاتل الذي ظهر بعد الحرب، وحصد من الأرواح أكثر مما حصدت.. كان التخلص من المصابين به هو الوسيلة الوحيدة لسلامة الباقين.، وكانت وظيفة الرجلين التخلص من المصابين، ولكن الأمر اختلف هذه المرة، فقد كانت المرأة زوجة لأحدهما، وكان عليه أن يقتلها بيديه..

بعد ساعة من السير الحثيث وصل الثلاثة إلى المكان المنشود – ساحة الإعدام -، فجلس كل واحد منهم على ركام من الحجارة غير مبال بالأجواء الملتهبة التي تحيط به.. وعلى ضوء الصواعق التقت أعين الزوجين في الوقت الذي كان فيه الآخر  يجهز إبرته السامة لتنغرس في ذراع الشابة..

اقترب الزوج من زوجته في خطى متثاقلة وقام بحل وثاقها ثم نزع الشريط اللاصق عن فمها وهم بمعانقتها إلا أن الخوف من العدوى جعله يتراجع إلى مكانه وهو يبكي في صمت تمزقه الرعود..

ألقت عليه المرأة نظرة إشفاق والدموع تملأ عينيها الغائرتين، ثم حولت بصرها إلى الإبرة التي تلألأت في يد الآخر، وغمغمت بأسى:
– كأني بالموت يعتصرنا بقبضته الثقيلة..
أجابها:
– إنه قدرنا.. كوني شجاعة فلا مكان للحياة على ظهر هذا الكوكب البائس.. 
التفتت إلى زوجها وهتفت بحسرة:
– كانت أمنيتي أن أرى ضوء الشمس مرة أخرى..
ألقى عليها نظرة حانية وقال بإشفاق:
– أنت محظوظة لأنك ستغادرين هذا العالم الكئيب..
اقترب الآخر منها مشهرا إبرته، وهو يقول:
– إنها مجرد لحظات ثم ينتهي كل شيء..
ابتسمت وهي تحصر القميص الممزق عن ذراعها، وتمتمت:
– ما أشد ظلم الإنسان..
هتف حامل الإبرة:
– لقد قتلك و قتلنا وقتل كوكبه بأكمله..
ألقت على زوجها نظرة حب أخيرة وقال بصوت مبحوح:
– لقد وعدتك بأن الموت هو الوحيد الذي سيفرق بيننا في هذه الدنيا..
كانت ذلك ما ينتظره الزوج المنكوب، فهب واقفا واقتلع قناعه الحافظ ورمى به بعيدا، وهو يهتف:
– لن يفرقنا الموت بل سيجمعنا كما جمعتنا الحياة..
أسرع نحوها غير مبال بصيحات صاحبه التحذيرية، وضمها إلى صدره بقوة وهو يقول:
– سامحيني فقد كان التمسك بالحياة أقوى مني..
هتف صاحبه وهو لا يكاد يصدق عينيه:
– لقد حكمت على نفسك بالموت..
ازداد تشبثا بجسد زوجته الضئيل وهتف وهو يرتجف مثلها:
– الموت ! إنه في كل مكان حولنا يا صديقي.. ألا ترى هذا الدخان الذي لا نهاية له، وتلك السحب التي لا تنقشع، وذلك الشر المجهري الفتاك، وتلك الوحوش الآدمية التي تتحين فرص الإنقضاض؟! إنه الموت يا صديقي العزيز، وفي أبشع صوره، فلا بأس به إن كان في أحضان الذين نحبهم..
غمغمت الفتاة وهي تتشبث به:
– لقد ساهمنا في هذا بشكل أو آخر..
كان الآخر يراقبهما بصمت، فتمتم بحزن:
– أظنكما ستتقاسمان ما في هذه الإبرة من سم..
هتفت الفتاة وهي تستمد الشجاعة من عيني زوجها الزائغتين:
– إذا كان ولا بد من الموت، فليكن انتقاما لكوكبنا المغدور..
برقت عينا الأخير في ذلك الظلام، وهتف بحماس:
– لم لا نعاقب ذلك المخلوق الذي دمر كوكبنا.. لم لا ننتقم له ولأنفسنا ولكل المستضعفين..
التفت إلى صاحبه وهو يهتف بحماس:
– الموت بين أشلاء أولئك الظلمة أشرف من الموت تحت ظلال هذه الإبرة السامة.. وداعا يا صديقي لن تجد بعد اليوم من يساعدك في التخلص من أولئك المستضعفين العاجزين عن الحياة..
هتف الآخر وهو يلقي بقناعه بعيدا:
– لكنك ستجد من يساعدك في التخلص من أولئك المتجبرين الملاعين..

حمل الثلاثة أسلحتهم المتواضعة واختاروا اقرب طريق إلى قاعدة أولئك الطغاة تاركين خلفهم مخبأهم السري الموبوء والأمل المنسي في رؤية ضوء الشمس ثانية..
اشتبكت يدا الزوجين، وتسارعت الخطوات والأنفاس وهم يقتربون أكثر فأكثر من هدفهم القاتل..
 من مسودات 1998 

سيد محمد اخليل

  • شارك الموضوع
Share on facebook
Facebook
Share on google
Google+
Share on twitter
Twitter
Share on linkedin
LinkedIn
Share on pinterest
Pinterest
error: Content is protected !!