98532
SIDI KHLIL

SIDI KHLIL

كاتب من موريتانيا

الجميلة والكزرة

 الكزرة: اسم يطلق على الأحياء الشعبية في نواكشوط، وأصله “كزر” (في العامية)، ويعني اغتصب جزء من الأرض ، حيث كان بعض ساكنة العاصمة القادمين من أعماق الصحراء – وغيرهم -، يحتلون مواقع في أطرافها، يبنون عليها بعض الأعرشة والأكواخ في انتظار أن تهبها لهم الدولة مما تسبب في انتشار العشوائية وانعدام النظام !

يقولون ان الفقر يلجم الصالحين فيمنعهم من الكلام، ويدفعهم إلى الإنزواء بعيدا عن الأنظار، فيجلسون القرفصاء صامتين في أماكنهم النائية الباردة في انتظار رصاصة رحمة تنهي معاناتهم !
يجوعون ويحزنون وتنهمر الدموع من أعينهم كلما عجزوا عن كبت حاجة ملحة يختلط العوز فيها بالقهر والحسرة والألم..
تراهم في “كزراتهم” المتهالكة يصارعون الجوع والعطش والحر والبرد في انتظار  معجزة تنتشلهم من ذلك العناء !

كانت ليلة صيفية مظلمة لم يتوقع أن تهب فيها تلك العاصفة المتبوعة بذلك المطر الغزير الذي أفرح الأرض وما عليها..
خرج من منزل أهله في “تفرغ زين” – أرقى أحياء العاصمة – باحثا عما يشبع نهمه الغريزي، مرددا جملته التي اعتاد ترديدها كلما امتطى سيارته الفارهة: “في مكان ما من هذه المدينة المزبلة توجد جميلة تحتاجني وأحتاجها”..
كان في منتصف العمر، أمضى شبابه بحثا عن الضحكات المثيرة واللمسات الشيطانية التي تغذي جوع الباحثين عن الحرام ! 

كانت الغيوم تتجمع في السماء لحظة خروجه، فأدار محرك سيارته التي اهدته إياها والدته التاجرة رغم كِبره على الهدايا! وبدأ جولته المعهودة التي تستمر من المغرب إلى ما بعد منتصف الليل..

لم يكن في ذلك اليوم محظوظا، فلم تستجب لمغازلاته المختلطة بالضحكات الكاذبة المفتعلة أي فتاة.. ومر الوقت سريعا دون أن تنجح محاولاته المتكررة في جلب صيد وفير.. أخيرا قادته عجلات سيارته إلى “كزرة” نائية تناثرت أعرشتها على كثبان من الرمال..
أوقف سيارته على حافة الطريق وترجل منها وهو يتمتم: لقد تعبت من هذه الآلة المملة، سأستخدم رجلي في الصيد، على رأي العدو الصديق الذي طالما ضاق ذرعا بي وبها: “دعنا من هذه السيارة المملة، لننزل ونتمشى قليلا فذلك أفضل من هذه المظاهر الكاذبة !”..

أفرغ عليه ما تبقى من زجاجة عطر ثمين يحملها في حله وترحاله، وتقدم متبخترا نحو الأمام، كانت الأرض – الغير سعيدة بمشيته – تنبض من تحت قدميه حنقا وغيظا !
لاحت له من بعيد قطع الدومينو التي تشكل الكزرة، أبنية وأكواخ وخيام متهالكة بدت كأشباح مخيفة في ذلك الظلام.. شق طريقه بينها فاضطر إلى اقتحام بعض الكزرات على رؤوس أصحابها لإنعدام الطريق..

أخيرا وجد نفسه تحت شجرة نائية في ذلك الظلام.. تعالى أذان صلاة العشاء في اللحظة التي أضاء فيها البرق الدنيا، فتأمل الشجرة المنتوفة التي يقف تحتها، وأحس بقشعريرة قوية فذكر اسم ربه خوفا من شياطينها !
هتف في قرارة نفسه: ها أنا ذا كالعادة تائه في هذه المجابات بسبب التسدار ! تذكر قول المغاربة: “اللي تبع لقحب يبات في الزنقة”..
دوى الرعد مزلزلا، وبدأت بوادر العاصفة تعبث بما حوله، فهمس لنفسه: هكذا يتغير الحال بلا مقدمات، فإلى متى أركض في طريق الشيطان الشائك المظلم ؟
صاح بدون شعور: أقسم أنها ستكون آخر مرة !
دعا ربه في تلك اللحظة أن يرزقه التوبة والإستقرار.

هبت العاصفة متحدية، واختلط الحابل بالنابل، فأدار نظره بحثا عن ملجأ يأوي إليه هربا من قطعة خشب أو قصدير أو سقف أو غصن يابس ينزل على رأسه !
لاح له شبح امرأة تثبت سياج كزرتها، فاندفع نحوها دون وعي.. كانت تصارع الريح العاتية بضعف وعجز وقلة استسلام، فسلم عليها ورمى بنفسه على السياج لمساعدتها، وانهى المهمة في ثوان، ولأول مرة في حياته أحس بأنه قادر على إصلاح شيء كبقية الناس..
بدأ المطر ينهمر كماء مصبوب من أفواه القرب، فأسرعت المرأة إلى داخل الكوخ الخشبي محتمية به، فهم بالعودة إلى شجرته المرعبة، فنادته بحياء: أسرع بالدخول لا يصيبك البلل، فأقبل عليها.

تأمل محتويات الكوخ المثيرة للشفقة، فإذا بفراش متواضع لعبت به السنون والأرضة، وصحون مسودة تناثرت حول قدر متسخ، وثلاث بنات مشرقات كالبدور أكبرهن في العاشرة من عمرها..
كان الكوخ والسياج إضافة إلى “بنطرة” – دكان قصدير صغير – لا يتجاوز عرضها المترين، كل ما تملك تلك الأسرة الصغيرة في ذلك المكان المنسي !
جلس القرفصاء في وسط الكوخ وهو يبتسم للأعين البريئة التي تتأمله بفضول.. كانت رائحة عطره النفاذة قد طغت على المكان، فأحس للأول مرة بالحرج منها !
شعر بعطف شديد على الصغيرات وعلى صاحبتهن التي اندفعت رغم المطر نحو البنطرة لتعود بمعدات الشاي المتواضعة لتصنع له شايا لم يذق مثل حلاوته في حياته !
تأملها للحظات باحثا عن وجهها، فلم يستطع تبينه بسبب النور الخافت الذي انبعث من شمعة محتضرة..

كانت مطرقة طوال الوقت لم ترفع رأسها إلا عندما سلم عليها عند السياج، فسألها: أليس معكن رجل؟ أجابته: لا ؟ فسأل: لماذا ؟ أجابته الصغرى: نحن أيتام، أختنا الكبيرة هي التي تقوم بشؤوننا، وأشارت إليها ! 
إلتفت إليها بإشفاق، وسألها: هل أنت موظفة في الدولة؟ أجابته بحياء: لا، بل عاطلة عن العمل، لكن في “البنطرة” كل الخير !
هتف بحنق: اللعنة على حكومة رئيس الفقراء وعلى حكومة غزواني، أقسم أن هذه البنطرة خير منهما !
دقق فيها، فوجد نفسه لأول مرة يفكر فيما ينفعه.. 

بدأ المطر في الإنحسار فهب النسيم المنعش الذي يعيد إلى النفوس طمأنينتها، سألها: هل أنت متزوجة؟
كان السؤال مباغتا إلى درجة أنها رفعت وجهها إليه لأول مرة، وعندما رآه تأكد من أنه قد عثر على مبتغاه..
سمع ضحكات خافتة في الكوخ، فالتفت إلى مصدرها، فرأى السعادة تتلألأ على وجوه الصغيرات ابتهاجا باللحظات الرائعة التي تعقب المطر، ابتسم لهن ثم عاد بنظره إلى صاحبته التي عادت بنظرها إلى الأرض..
أعاد عليها السؤال، فهتفت الكبرى ممازحة: لن تجيبك فهي بكماء !
صاحت فيها: اصمتي !

كان المطر قد توقف تماما، فارتفع صوت الإقامة منذرا ببدء الصلاة، هب واقفا وهو يشكر الفتاة على المأوى، ووعدها بالعودة قريبا، وخطا مسرعا نحو المسجد ليدرك الصلاة ونفسه تحدثه بالإستقرار لأول مرة..
كانت الغشاوة التي تحجب السماء تتلاشى شيئا فشيئا كالغشاوة التي تحجب النور عن قلبه، فبرز البدر من بين الغيوم منيرا الدنيا، وبرز وجهها الجميل في مخيلته منيرا طريق الحياة.. التفت إلى الكزرة  فرآها متسمرة عند مدخلها وقد التفت الصغيرات حولها وهن ينظرن إليه برجاء !
كن قد أحببنه كما أحبهن، فلوح لهن بيده وهو يبتسم بعطف وشفقة، وخطا نحو المسجد الخشبي الصغير، وقد قرر أن يتجاوز كل العراقيل التي يبثها الشيطان في طريقه، وأن لا يفعل بعد اليوم إلا الصواب.
 من مسودات 2013 

سيد محمد اخليل

  • شارك الموضوع
Share on facebook
Facebook
Share on google
Google+
Share on twitter
Twitter
Share on linkedin
LinkedIn
Share on pinterest
Pinterest
error: Content is protected !!