6514
SIDI KHLIL

SIDI KHLIL

كاتب من موريتانيا

القرية الصوفية : مقدمة كتاب “هذه هي الصوفية”

هنالك là-bas حيث يدرج بي الصبا في مدارجه السحرية وتستقبل النفس كل صروف الأقدار بالفرحة الطرب وتستثني الروح ربا الجمال والحب من كل معاني الحياة، هنالك تحت شفوف الأسحار الوردية من ليالي القرية الوادعة الحالمة وفي هيكل عبق بغيوم البخار جثم على صدره صنم صغير يعبده كثير من شيوخ القرية، هنالك في مطاف هذه الذكريات الولهى كان يجلس الصبي بين شيوخ تغضضت منهم الجباه وتهدلت الجفون ومشى الهرم في أيديهم خفقات حزينة راعشة وفي أجسادهم الهضمية تحولاً ذابلاً يتراءون تحت وصوصة السراج الخافت أوهام ضيعته الخيبة وبقايا آمال عصف بها اليأس وتتهدج ترانيم الشيوخ تحت السحر نواحاً -بينها صوت الصبي- بالتراتيل الوثنية، وما زال الصبي يذكر أن صلوات ابن بشيش ومنظومة الدردير كانتا أحب التراتيل إلى أولئك الشيوخ، وما زال يذكر أن أصوات الشيوخ كانت تشرق بالدموع وتئن فيها الآهات حين كانوا ينطقون من الأولى “اللهم انشلني من أوحال التوحيد!!” ومن الثانية “وجد لي بجمع الجمع منك تفضلاً” يا للصبي الغرير التعس المسكين!! فما كان يدري أنه بهذه الصلوات المجوسية يطلب أن يكون هو الله هوية وماهية وذاتاً وصفة!! ما كان يدري ما التوحيد الذي يضرع إلى الله أن ينشله من أوحاله!! ولا ما جمع الجمع الذي يبتهل إلى الله أن يمن به عليه. 

ويشب الصبي فيذهب إلى طنطا ليتعلم وليتفقه في الدين. وثمة يسمع الكبار من شيوخه يقسمون له ولصحابه أن “البدوي” قطب الأقطاب يصرف من شئون الكون ويدبر من أقداره وغيوبه الخفية!! ويجرؤ الشاب مرة فيسأل خائفاً مرتعداً: وماذا يفعل الله؟! ويهدر الشيخ غضباً ويزمجر حنقاً، فيلوذ الشاب بالرعب الصامت وقد استشعر من سؤاله وغضب الشيخ أنه لطخ لسانه بجريمة لم تكتب لها مغفرة!! ولم لا؟ والشيخ هذا كبير جليل الشأن والخطر وما كان يستطيع الشاب أبداً أن يفهم أن مثل هذا الخبر الأشيب –الذي يسائل عنه الموت- يرضى بالكفر أو يتهوك مع الضلال والكذب. فصدق الشاب شيخه وكذب ما كان يتلو قبل من آيات الله “استوى على العرش يدبر الأمر ما من شفيع إلا من بعد إذنه”! ثم يقرأ الشاب في الكتب التي يدرسها أن الصوفي فلاناً غسلته الملائكة وأن فلاناً كان يصلي كل أوقاته في الكعبة في حين كان يسكن جبل قاف أو جزائر واق الواق!! وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم مد يده من القبر وسلم على الرفاعي!! وأن فلاناً عذبته الملائكة لأنه حفظ القرآن والسنة وعمل بما فيهما ولكنه لم يحفظ كتاب الجوهرة في التوحيد!!! وأن مذهبنا في الفقه هو الحق وحده لأنه أحاديث حذفت أسانيدها!! ويصدق الشاب بكل هذا ويؤمن وما كان يمكن إلا أن يفعل هذا إذ قال في نفسه: لو لم تكن هذه الكتب حقاً ما درست في الأزهر ولا درسها هؤلاء الهرمون من الأحبار ولا أخرجتها المطبعة!! وهل كان يمكن أن يسأل نفسه مثلاً مثل هذا السؤال: أين من الحق البين من كتاب الله هذا الباطل العربيد في هذه الكتب؟! لا، فلقد جيء به إلى طنطا ليتفقه في الدين على هؤلاء  الشيوخ وهاهو فقه الدين يسمعه من الشيوخ ويقرؤه في الكتب وحسبه هذا!! وتموج طنطا بالوفود وتعج بالآمين بين الطاغوت الأكبر من كل حدب ويجلس الشاب في حلقة يذكر فيها الصوفية اسم الله بخنات الأنوف ورجات الأرداف ووثنية الدفوف وثمة يسمع منشد القوم يصيح راقصاً “ولي صنم في الدير أعبد ذاته” فتتعالى أصوات الدراويش طروبة الصيحات “إيوه كده اكفر اكفر يا مربي” ويرى الشاب على وجوه القوم فرحاً وثنياً راقص الإثم بما سمعوا من المنشد الكافر فيسأل شيخا ممن وفدوا من أهل قريته: يا سيدي الشيخ ما ذلك الصنم المعبود؟! فيزم الشيخ شفتيه ثم يجود على الشاب الواله الحيرة بقوله “انته لسه صغير”!! ويسكت الشاب قليلاً ولكن الكفر يضج في النعيق فيسمع المنشد يقيء “سلكت طريق الدير في الأبدية”، “وما الكلب والخنزير إلا إلهنا” ويطوي الشاب نفسه على فزع وعجب يسائل الذهول: ما الكلب؟ ما الخنزير؟ ما الدير؟ وأنى للذهول بأن يجيب؟! ولقد خشي أن يسأل أحد الشيوخ ما دام قد قيل له “انته لسه صغير” ثم إنه رأى بعض شيوخه الكبار يطوفون بهذه الحمآت يشربون “القرفة” ويهنئون الأبدال والأنجاب والأوتاد بمولد القطب الغوث سيدهم السيد البدوي!!!

وتكفن دورات الفلك من عمر الشاب سنوات فيصبح طالباً في كلية أصول الدين فيدرس أوسع كتب التوحيد -هكذا تسمى- فيعي منها كل شيء إلا حقيقة التوحيد بل ما زادته دراستها إلا قلقاً حزيناً وحيرة مسكينة.
ويجلس الشاب ذات يوم هو وصديق من أصدقائه مع شيخ صوفي أمي فيسأله عن معاني بعض تهاويل ابن عطاء السكندري “إرادتك التجريد مع إقامة الله إياك في الأسباب من الشهوة الخفية وإرادتك الأسباب مع إقامة الله إياك في التجريد انحطاط على الهمة العلية” ويحار الطالبان ولا يدريان بم يجيبان هذا الأمي عن هذه الحكم المزعومة -وقد عرفا بعد (ذلك) أنها تهدف إلى تقرير أسطورة رفع التكليف- فتمتلئ نفساهما بالغم المهموم إذ رسبا في امتحان عقده لهما أمي صوفي؟!

ويدور الزمن فيصبح الشاب طالباً في شعبة التوحيد والفلسفة ويدرس فيها التصوف ويقرأ في كتاب صنفه أستاذ من أساتذته “رأي ابن تيمية في ابن عربي” فتسكن نفس الشاب قليلاً إلى ابن تيمية وكان قبل يراه ضالاً مضلاً فهذا البهتان الأثيم نعته الدردير!! وكانت عنده لابن تيمية كتب بيد أنه كان يرهب مطالعتها خشية أن يرتاب في الأولياء كما قال له بعض شيوخه من قبل!! وخشية أن يضل ضلال ابن تيمية.. ويقرأ الشاب ويستغرق في القراءة ثم ينعم القدر على الشاب يصبح مشرق يهتك عنه حجب هذا الليل…

من كتاب “هذه هي الصوفية” للشيخ عبد الرحمن الوكيل

  • شارك الموضوع
Share on facebook
Facebook
Share on google
Google+
Share on twitter
Twitter
Share on linkedin
LinkedIn
Share on pinterest
Pinterest
error: Content is protected !!