875412
SIDI KHLIL

SIDI KHLIL

كاتب من موريتانيا

شياطين الإنس والجن قاعدون

 “قال فَبِما أغْوَيْتَنِي لأقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ المُسْتَقِيمَ” 

مقدمة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.. وبعد:
يهدف هذا الملخص المتواضع الذي بنيته على أقوال علماء أهل السنة الكرام، إلى التعريف بالعدو الذي لا يغفل عنا (الشيطان)، وبجيوش الفساد التابعة له. وترتكز فكرته على تلخيص بعض الفوائد في ذلك المجال من بعض الكتب والمقاطع المباركة بهدف الإعانة على معرفة حقيقة الإبتلاء والإلتجاء إلى رب العالمين تحصنا من شياطين الإنس والجن.

تقرأ في الفصل الأول: أساسيات التوحيد، وتعريف بالشرك والبدع، وبما ينفع القلوب، وبمراتب القدر. وكلها أمور تعتبر من مداخل الشيطان إلى قلب الإنسان.

عداد: سيد محمد اخليل

الفصل الأول: التوحيد

المسألة الأولى: حالة العالم في القرنين السادس والسابع الميلادي (ظهور الرسالة)

 كان القرن السادس والسابع (لميلاد المسيح) من أحط أدوار التاريخ بلا خلاف، فكانت الإنسانية متدلية منحدرة منذ قرون، وما على وجه الأرض قوة تمسك بيدها وتمنعها من التردي.. وكأنَّ الإنسان في هذا القرن قد نسي خالقه، فنسي نفسه ومصيره، وانسحب رجال الدين من ميدان الحياة، ولاذوا إلى الأديرة والكنائس والخلوات، فراراً بدينهم من الفتن وضناً بأنفسهم، أو رغبة إلى الدعة والسكوت، وفراراً من تكاليف الحياة وجدها، أو فشلاً في كفاح الدين والسياسة والروح والمادة، ومن بقي منهم في تيار الحياة اصطلح مع الملوك وأهل الدنيا، وعاونهم على إثمهم وعدوانهم، وأكل أموال الناس بالباطل..

أولا: حال الروم 
لم تكن المسيحية في يوم من الأيام من التفصيل والوضوح ومعالجة مسائل الإنسان، بحيث تقوم عليه حضارة، أو تسير في ضوئه دولة، ولكن كان فيها أثارة من تعليم المسيح، وعليها مسحة من دين التوحيد البسيط، فجاء بولس فطمس نورها، وقضى قسطنطين على البقية الباقية، حتى أصبحت النصرانية مزيجاً من الخرافات اليونانية والوثنية الرومية والأفلاطونية المصرية والرهبانية..

يقول (Sale) مترجم القرآن إلى الانكليزية عن نصارى القرن السادس الميلادي : “وأسرف المسيحيون في عبادة القديسين والصور المسيحية حتى فاقوا في ذلك الكاثوليك في هذا العصر” ، ثم ثارت حول الديانة وفي صميمها مجادلات كلامية، وسفسطة من الجدل العقيم شغلت فكر الأمة واستهلكت ذكاءها، وابتلعت فدرتها العملية، وتحولت في كثير من الأحيان حروباً دامية وقتلاً وتدميراً وتعذيباً، وكان أشد مظاهر هذا الخلاف الديني ما كان بين نصارى الشام والدولة الرومية، وبين نصارى مصر، أو بين (الملكانية) و (المنوفيسية) بلفظ أصح، فكان شعار الملكانية عقيدة ازدواج طبيعة المسيح، وكان المنوفيسيون يعتقدون أن للسيد المسيح طبيعة واحدة.

يقول الدكتور ألفرد . ج . بتلر :” إن ذينك القرنين (السادس والسابع) كانا عهد نضال متصل بين المصريين والرومانيين، نضال يذكيه اختلاف في الجنس واختلاف في الدين، وكان اختلاف الدين أشد من اختلاف الجنس، إذ كانت علة العلل في ذلك الوقت تلك بين الملكانية والمنوفيسية …”، وحاول الإمبراطور هرقل (610-641) بعد انتصاره على الفرس سنة 638 جمع مذاهب الدولة المتصارعة وتوحيدها، وأراد التوفيق، وتقررت صورة التوفيق أن يمتنع الناس عن الخوض في الكلام عن كنه طبيعة السيد المسيح، فعليهم بأن يشهدوا بأن الله له إرادة واحدة أو قضاء واحد، وصار المذهب المنوثيلي مذهباً رسمياً للدولة، ولكن القبط نابذوا هرقل العداء وتبرأوا من هذه البدعة، وصمدوا له فاقتنع بأن يقر الناس بأن الله له إرادة واحدة، وأرجأ القول في نفاذ تلك الإرادة بالفعل، ومنع الناس أن يخوضوا في مناظراتها، فوقع اضطهاد فظيع في مصر، وأوقدت المشاعل وسلطت نارها على الأشقياء حتى سال الدهن، ووضع السجناء في أكياس ملأت من الرمل ورمي بهم في البحر .. و بلغ الانحلال الاجتماعي غايته في الدولة الرومية والشرقية.

وقد هلك عام 532 في الاضطراب ثلاثون ألف شخص في العاصمة ، وأصبح الهم الوحيد اكتساب المال من أي وجه، ثم إنفاقه في التظرف والترف وإرضاء الشهوات، وانهارت دعائم الأخلاق، حتى صار الناس يفضلون العزوبة على الحياة الزوجية ليقضوا مآربهم في حرية، وكان العدل كما يقول سيل: يباع ويساوم مثل السلع، وكانت الرشوة والخيانة تنالان من الأمة التشجيع..

وعن مصر يقول الدكتور غوستاف لوبون في كتابه (حضارة العرب) : “ولقد أكرهت مصر على انتحال النصرانية. ولكنها هبطت بذلك إلى حضيض الانحطاط الذي لم ينتشلها منه سوى الفتح العربي”..

يقول ألفرد: “إن الروم كانوا يجبون من مصر جزية على النفوس وضرائب أخرى كثيرة العدد.. مما لاشك فيه أن ضرائب الروم كانت فوق الطاقة، وكانت تجري بين الناس على غير عدل” . وهكذا اجتمع لمصر من الاضطهاد الديني، والاستبداد السياسي والاستغلال الاقتصادي ما شغلها بنفسها وألهاها عن كل مكرمة.. أما جارتها الحبشة فكانت على المذهب (المونوفيسي) كذلك، وكانت مع ذلك تعبد أوثاناً كثيرة ولم يكن التوحيد إلا ضرباً راقياً من الوثنية خلعت عليها لباساً من علم ومصطلحات نصرانية.. أما الأمم الأوروبية المتوغلة في الشمال والغرب فكانت بين نصرانية وليدة، ووثنية شائبة، ولم تكن بذات رسالة في الدين، ولا بذات راية في السياسة.

يقول (Robert Briffault  ) :”لقد أطبق على أوربا ليل حالك من القرن الخامس إلى القرن العاشر، وكان هذا الليل يزداد ظلاماً وسواداً. قد كانت همجية ذلك العهد أشد هولاً وأفظع من همجية العهد القديم، لأنها كانت أشبه بجثة حضارة كبيرة قد تعفنت، وقد انطمست معالم هذه الحضارة وقضي عليها بالزوال وقد كانت الأقطار الكبيرة التي ازدهرت فيها هذه الحضارة وبلغت أوجها في الماضي، كإيطاليا وفرنسا، فريسة الدمار والفوضى والخراب” .. وكانت في أوربا وآسيا وإفريقيا أمة هي أغنى أمم الأرض مادة في الدين، وأقربها فهماً لمصطلحاته ومعانيه، أولئك هم اليهود، ولكن لم يكونوا عاملاً من عوامل الحضارة والسياسة أو الدين يؤثر في غيرهم، بل قُضي عليهم من قرون طويلة أن يتحكم فيهم غيرهم، وأن يكونوا عرضة للاضطهاد والاستبداد، والنفي والجلاء، والعذاب والبلاء، وقد أورثهم تاريخهم نفسية غريبة لم توجد في أمة، وانفردوا بخصائص خلقية كانت لهم شعاراً على تعاقب الإعصار والأجيال، منها الخنوع عند الضعف، والبطش وسوء السيرة عند الغلبة، والختل والنفاق في عامة الأحوال، والقسوة والأثرة وأكل أموال الناس بالباطل، والصد عن سبيل الله، فعُزلوا بذلك عن إمامة الأمم وقيادة العالم.. وقد تجدد في أوائل القرن السابع من الحوادث ما بغضهم إلى المسيحيين، وبغض المسيحيين إليهم وشوه سمعتهم، ففي السنة الأخيرة من حكم فوكاس (610 م ) أوقع اليهود بالمسيحيين في أنطاكية، فأرسل الإمبراطور قائده ” أبنوسوس” ليقضي على ثورتهم، فذهب وأنفذ عمله بقسوة نادرة، فقتل الناس جميعاً، قتلاً بالسيف، وشنقاً وإغراقاً وتعذيباً، ورمياً للوحوش الكاسرة، وكان ذلك بين اليهود والنصارى مرة بعد مرة.

ثانيا: حال فارس 
أما فارس التي شاطرت الروم في حكم العالم المتمدن فكانت الحقل القديم لنشاط كبار الهدامين الذين عرفهم العالم، حتى إن يزدجرد الثاني الذي حكم في أواخر القرن الخامس الميلادي تزوج  بنته ثم قتلها، وأن بهرام جوبين الذي تملك في القرن السادس كان متزوجاً بأخته، ثم ظهر “ماني” في القرن الثالث المسيحي، وكان ظهوره رد فعل عنيف غير طبعي ضد النزعة الشهوية السائدة في البلاد، ونتيجة منافسة النور والظلمة الوهمية فدعا إلى حياة العزوبة لحسم مادة الفساد الشر من العالم، فحرَّم النكاح استعجالاً للفناء وانتصاراً للنور على الظلمة بقطع النسل، وقتله بهرام سنة 276م قائلاً إن هذا خرج داعياً إلى تخريب العالم فالواجب أن يبدأ بتخريب نفسه قبل أن يتهيأ له شيء من مراده، ولكن تعاليمه لم تمت بموته بل عاشت إلى ما بعد الفتح الإسلامي.. ثم جاء مزدك، مزدك الذي ولد 487 م فأعلن أن الناس ولدوا سواء لا فرق بينهم، فينبغي أن يعيشوا سواء لا فرق بينهم، ولما كان المال والنساء مما حرصت النفوس على حفظه وحراسته كان ذلك عند مزدك أهم ما تجب فيه المساواة والاشتراك. قال الشهرستاني : “أحل النساء وأباح الأموال وجعل الناس شركة فيها كاشتراكهم في الماء والنار والكلأ”، وحظيت هذه الدعوة بموافقة الشبان والأغنياء والمترفين وصادفت من قلوبهم هوى، وسعدت كذلك بحماية البلاط فأخذ قباذ يناصرها حتى انغمست إيران بتأثيرها في الفوضى الخلقية وطغيان الشهوات، قال الطبري: “افترض السّفلة ذلك واغتنموا وكاتفوا مزدك وأصحابه وشايعوهم، فابتلى الناس بهم وقوي أمرهم حتى كانوا يدخلون على الرجل في داره فيغلبونه على منزله ونسائه وأمواله لا يستطيع الامتناع منهم، وحملوا قباذ على تزيين ذلك وتوعدوه بخلعه فلم يلبثوا إلا قليلاً حتى صاروا لا يعرف الرجل ولده ولا المولود أباه ولا يملك شيئاً مما يتسع به” ..

وكانت الأكاسرة ملوك فارس يدَّعون أنه يجري في عروقهم دم إلهي، فكانوا يرونهم فوق القانون وفوق الانتقاد وفوق البشر، لا يجري اسمهم على لسانهم، ولا يجلس أحد في مجلسهم، ويعتقدون أن لهم حقاً على كل إنسان، وليس لإنسان حق عليهم، وليس للناس قِبلهم إلا السمع والطاعة..

يقول البروفسور أرتهرسين مؤلف (تاريخ إيران في عهد الساسانيين): ” كان المجتمع الإيراني مؤسساً على اعتبار النسب والحِرف.. وكانت الحكومة تحظر على العامة أن يشتري أحد منهم عقاراً لأمير أو كبير، وكان من قواعد السياسة الساسانية أن يقنع كل واحد بمركزه الذي منحه نسبه، ولا يستشرف لما فوقه، وكان ملوك إيران لا يولون وضيعاً وظيفة من وظائفهم، وكان العامة كذلك طبقات متميزة بعضها عن بعض تميزاً واضحاً، وكان لكل واحد مركز محدد في المجتمع”.. ثم يبالغون في تمجيد القومية الفارسية ويرون أن لها فضلاً على سائر الأجناس والأمم.. وكانوا ينظرون إلى الأمم حولهم نظرة ازدراء وامتهان، ويلقبونها بألقاب فيها الاحتقار والسخرية.

وكانوا في الزمن القديم يعبدون الله ويسجدون له، ثم جعلوا يمجدون الشمس والقمر والنجوم وأجرام السماء مثل غيرهم من الأوائل، وجاء زرادشت صاحب الديانة الفارسية فيقال: إنه دعا إلى التوحيد وأبطل الأصنام، وقال : إن نور الله يسطع في كل ما يشرق ويلتهب في الكون. وأمر بالاتجاه إلى جهة الشمس والنار ساعة الصلاة لأن النور رمز إلى الإله وأمر بعدم تدنيس العناصر الأربعة وهي: النار والهواء والتراب والماء، وجاء بعده علماء سنوا للزرادشتيين شرائع مختلفة فحرموا عليهم الاشتغال بالأشياء التي تستلزم النار، ولما كانت النار لا توحي إلى عبّادها بشريعة ولا ترسل رسولاً، ولا تتدخل في شئون حياتهم ولا تعاقب العصاة والمجرمين أصبحت الديانة عند المجوس عبارة عن طقوس وتقاليد يؤدونها في أمكنة خاصة في ساعات خاصة، أما في خارج المعابد، وفي دورهم ودوائر حكمهم وتصرفهم، وفي السياسة والاجتماع، فكانوا أحراراً يسيرون على هواهم.

ثالثا: حال الصين 
كانت تسود الصين في هذا القرن ثلاث ديانات: ديانة ” لاوتسو” وديانة “كونفوشيوس” والبوذية، أما الأولى ففضلاً عن أنها تحولت وثنية في عهد قريب فهي تُعني بالنظريات أكثر منها بالعمليات، وكان أتباعها متقشفين زاهدين، لا يتزوجون ولا ينظرون إلى المرأة ولا يتصلون بها اتصالاً، فلم يكن لها أن تكون أُسّاً لحياة سديدة أو حكومة رشيدة، حتى التجأ الذين جاءوا بعد مؤسسها إلى مخالفته والعدول عنه إلى غيره. أما “كونفوشيوس” فقد كان يعني بالعمليات أكثر من النظريات، ولكن انحصرت تعاليمه في شؤون هذه الدنيا، وقد كان أتباعه لا يعتقدون – في بعض الأزمنة – بعبادة إله معين، فيعبدون ما يشاءون من الأشجار والأنهار، وليس فيها نور من يقين ولا باعث من إيمان ولا شرع سماوي، وإنما هو حكمة حكيم وتجارب خبير، يستفيد بها الإنسان إذا شاء ويرفضها إذا شاء.

أما البوذية فقد فقدت بساطتها وحماستها، وابتلعتها البرهمية الثائرة الموتورة فتحولت وثنية تحمل معها الأصنام حيث سارت. وتبني الهياكل. وتنصب تماثيل بوذا حيث حلت ونزلت. ولم يزل وجود الإله والإيمان به في البوذية موضع خلاف وشك عند مؤرخي هذه الديانة ومترجمي مؤسسها، حتى يحار بعضهم ويتساءل: كيف قامت هذه الديانة العظيمة على أساس رقيق من الآداب التي ليس فيها الإيمان بالله .

أما الأمم الأخرى في آسيا الوسطى وفي الشرق، كالمغول والترك واليابانيين، فقد كانت بين بوذية فاسدة، ووثنية همجية، وكانت في طور الانتقال من عهد الهمجية إلى عهد الحضارة، ومنها شعوب لا تزال في طور البداوة والطفولة العقلية.

رابعا: حال الهند 
أما الهند فقد اتفقت كلمة المؤلفين في تاريخها على أن أحط أدوارها ديانة وخلقاً واجتماعاً ذلك العهد الذي يبتدئ من مستهل القرن السادس الميلادي، وقد امتازت عن جاراتها في ظواهر وخلال يمكن أن نلخصها في ثلاث: كثرة المعبودات والآلهة وكثرة الفاحشة، الشهوة الجنسية الجامحة، التفاوت الطبقي والمجحف والامتياز الاجتماعي الجائر.

وقد بلغت الوثنية أوجها في القرن السادس، فقد كان عدد الآلهة في “ويد” ثلاثة وثلاثين، وقد أصبحت في هذا القرن 330 مليون. وقد أصبح كل شيء رائع وكل شيء جذاب وكل مرفق من مرافق الحياة إلهاً يعبد، وهكذا جاوزت الأصنام والتماثيل والآلهة والإلاهات الحصر وأربت على العد، فمنها أشخاص تاريخية، وأبطال تمثل فيهم الله – زعموا – في عهود وحوادث معروفة، ومنها جبال تجلى عليها بعض آلهتهم، ومنها معادن كالذهب والفضة تجلى فيها إله، ومنها نهر الكنج الذي خرج من رأس “مهاديو” الإله، ومنها آلات الحرب وآلات الكتابة وآلات التناسل وحيوانات أعظمها البقرة والأجرام الفلكية وغير ذلك، وأصبحت الديانة نسيجاً من خرافات وأساطير وأناشيد وعقائد وعبادات ما أنزل الله بها من سلطان، ولم يستسغها العقل السليم في زمن من الأزمان. وقد عكفت الطبقات كلها وعكف أهل البلاد من الملك إلى الصعلوك على عبادة الأصنام ، حتى لم تجد الديانة البوذية والجينية منها بدا، وتذرعت هاتان الديانتان بهذه الوسيلة للاحتفاظ بحياتهما وانتشارهما في البلاد..

وأما الشهوة فقد امتازت بها ديانة الهند ومجتمعها منذ العهد القديم، وقد تناقلت الكتب الهندية وتحدثت الأوساط الدينية اختلاط الجنسين من الآلهة وغارة بعضها على البيوت الشريفة، وتأثير هذه الحكايات في عقول المتدينين زد على ذلك تصويرهم لآلة التناسل لإلههم الأكبر “مهاديو” في صورة بشعة، واجتماع أهل البلاد على عبادتها من رجال ونساء وأطفال وبنات. كما كان رجال بعض الفرق الدينية يعبدون النساء العاريات والنساء يعبدن الرجال العراة، وكان كهنة المعابد من كبار الخونة والفساق الذين كانوا يرزءون الراهبات والزائرات في أعز ما عندهن، وإذا كان هذا شأن البيوت التي رفعت للعبادة والدين فما ظن القارئ ببلاط الملوك وقصور الأغنياء.

وقبل ميلاد المسيح بثلاثة قرون ازدهرت في الهند الحضارة البرهمية، ووضع فيها مرسوم جديد للمجتمع الهندي، وألف فيه قانون مدني وسياسي اتفق عليه البلاد وأصبح قانوناً رسمياً ومرجعاً دينياً في حياة البلاد ومدنيتها وهو المعروف الآن بـ “منوشاستر “، ويقسم هذا القانون أهل البلاد إلى أربع طبقات ممتازة وهي: البراهمة: طبقة الكهنة ورجال الدين، شتري: رجال الحرب، ويش: رجال الزراعة والتجارة، شودر: رجال الخدمة.

وقد منح هذا القانون طبقة البراهمة امتيازات وحقوقاً ألحقتهم بالآلهة فقد قال إن البراهمة هم صفوة الله وهم ملوك الخلق، ولهم أن يأخذوا من مال عبيدهم شودر ما شاؤوا، لأن العبد لا يملك شيئاً وكل ماله لسيده.. ولا يجوز للملك حتى في أشد ساعات الاضطرار والفاقة أن يجبي من البراهمة جباية أو يأخذ منهم إتاوة، وإن استحق برهمي القتل لم يجز للحاكم إلا أن يحلق رأسه ، أما غيره فيقتل، أما الشتري فإن كانوا فوق الطبقتين “ويش وشودر” ولكنهم دون البراهمة بكثير فيقول “منو”: إن البرهمي الذي هو في العاشرة من عمره يفوق الشتري الذي ناهز مائة كما يفوق الوالد ولده” . أما شودر “المنبوذون” فكانوا في المجتمع الهندي أحط من البهائم وأذل من الكلاب، فيصرح القانون بأن من سعادة شودر أن يقوموا بخدمة البراهمة وليس لهم أجر وثواب بغير ذلك، وليس لهم أن يقتنوا مالاً أو يدخروا كنزاً فإن ذلك يؤذي البراهمة، وإذا مد أحد من المنبوذين إلى برهمي يداً أو عصاً ليبطش به قطعت يده، وإذا رفسه في غضب فدعت رجله، وإذا هم أحد من المنبوذين أن يجالس برهمياً فعلى الملك أن يكوي إسته وينفيه من البلاد، وأما إذا مسه بيد أو سبه فيقتلع لسانه، وإذا ادعى أنه يعلمه سقي زيتاً فائرا، وكفارة قتل الكلب والقطة والضفدعة والوزغ والغراب والبومة ورجل من الطبقة المنبوذة سواء.

أما النساء فقد نزلن في هذا المجتمع منزلة الإماء، وكان الرجل قد يخسر امرأته في القمار، وكان في بعض الأحيان للمرأة عدة أزواج، فإذا مات زوجها صارت كالموءودة لا تتزوج، وتكون هدفا للإهانات والتجريح، وكانت أمة بيت زوجها المتوفى وخادم الأحماء وقد تحرق نفسها على إثر وفاة زوجها تفادياً من عذاب الحياة وشقاء الدنيا.

خامسا: حال العرب
أما العرب فقد امتازوا بين أمم العالم وشعوبه في العصر الجاهلي بأخلاق ومواهب تفردوا بها أو فازوا فيها بالقِدْح المعلَّى، كالفصاحة وقوة البيان وحب الحرية والأنفة والفروسية والشجاعة والحماسة في سبيل العقيدة والصراحة في القول وجودة الحفظ وقوة الذاكرة وحب المساواة وقوة الإرادة والوفاء والأمانة..

وكان الشرك هو دين العرب العام والعقيدة السائدة، كانوا يعتقدون في الله أنه إله أعظم خالق الأكوان ومدبر السماوات والأرض، بيده ملكوت كل شيء، “وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ”، لكنهم بحثوا لهم عن وسطاء توسلوا بهم إلى الله وأشركوهم في الدعاء، وقاموا نحوهم ببعض العبادات ورسخت في أذهانهم فكرة الشفاعة حتى تحولت إلى عقيدة قدرة الشفعاء على النفع والضرر ، ثم ترقوا في الشرك فاتخذوا من دون الله آلهة، واعتقدوا أن لهم مماثلة ومشاركة في تدبير الكون، وقدرة ذاتية على النفع والضرر والخير والشر والإعطاء والمنع، فكان لكل قبيلة أو ناحية أو مدينة صنم خاص، بل كان لكل بيت صنم خصوصي. قال الكلبي:” كان لأهل كل دار من مكة صنم في دارهم يعبدونه، فإذا أراد أحدهم السفر كان آخر ما يصنع في منزله أن يتمسح به، وإذا قدم من سفر كان أول ما يصنع إذا دخل منزله أن يتمسح به أيضاً” . واستهترت العرب في عبادة الأصنام، فمنهم من اتخذ بيتاً، ومنهم من اتخذ صنماً، ومن لم يقدر عليه ولا على بناء بيت نصب حجراً أمام الحرم، وأمام غيره، مما استحسن، ثم طاف به كطوافه بالبيت وسموها الأنصاب، وكان في جوف الكعبة وفي فنائها ثلاث مائة وستون صنماً، روى البخاري عن أبي رجاء العطاردي قال: “كنا نعبد الحجر، فإذا وجدنا حجراً هو خير منه ألقيناه وأخذنا الآخر، فإذا لم نجد حجراً، جمعنا حثوة من تراب، ثم جئنا بالشاة فحلبنا عليه ثم طفنا به”.. و قال الكلبي: “كانت بنو مليح من خزاعة يعبدون الجن” ، وقال صاعد: كانت حِمْيَر تعبد الشمس، وكنانة القمر، وتميم الدبران، ولخم وجذام المشتري، وطيء سهيلاً، وقيس الشِّعري العبور، وأسد عطارداً ، وانتشرت اليهودية والنصرانية في بلاد العرب، ولم تستفد منها العرب كثيراً من المعاني الدينية، وكانتا نسختين من اليهودية في الشام ، والنصرانية في بلاد الروم والشام قد طرأ عليها من التحريف والزيغ والوهن ما شرحناه من قبل.

أما من جهة الأخلاق، فكانت فيهم أدواء وأمراض متأصلة، وأسبابها فاشية، فكان شرب الخمر واسع الشيوع شديد الرسوخ فيهم تتحدث عن معاقرتها والاجتماع على شربها الشعراء.. وكانت حوانيت الخمارين مفتوحة دائماً، يرفرف عليها علم يسمى غاية. وكان القمار من مفاخر الحياة الجاهلية، وكان عدم المشاركة في مجالس القمار عاراً، قال قتادة : كان الرجل في الجاهلية يقامر على أهله وماله فيقعد حزيناً سليباً ينظر إلى ماله في يد غيره، فكانت تورث بينهم عداوة وبغضاً .

وكان أهل الحجاز، العرب واليهود، يتعاطون الربا، وكان فاشياً فيهم، وقال الطبري: “كان الربا في الجاهلية في التضعيف وفي السنين، يكون للرجل فضل دين فيأتيه إذا حلّ الأجل فيقول له: تقضيني أو تزيدني؟ فإن كان عنده شيء يقضيه قضى وإلا حوله إلى السن التي فوق ذلك، إن كانت ابنة مخاض يجعلها ابنة لبون في السنة الثانية، ثم حُقَّة ثم جَذَعة ثم رباعياً هكذا إلى فوق، وفي العين يأتيه، فإن لم يكن عنده أضعفه في العام القابل وإن لم يكن عنده أضعفه أيضاً فتكون مائة فيجعلها إلى القابل مائتين، فإن لم يكن عنده جعلها أربعمائة يضعفها له كل سنة أو يقضيه” . 

ولم يكن الزنى نادراً وكان غير مستنكر استنكاراً شديداً، فكان من العادات أن يتخذ الرجل خليلات ويتخذ النساء أخلاء بدون عقد، وكانوا قد يُكرهون بعض النساء على الزنى، قال ابن عباس: “كانوا في الجاهلية يكرهون إماءهم على الزنى يأخذون أجورهن”، قالت عائشة: “إن النكاح في الجاهلية كان على أربعة أنحاء، فنكاح منها نكاح الناس اليوم يخطب الرجل إلى الرجل وليته أو بنته فيصدقها ثم ينكحها، والنكاح الآخر كان الرجل يقول لامرأته إذا طهرت من طمثها: أرسلي إلى فلان فاستبضعي منه، ويعتزلها زوجها ولا يمسها أبداً حتى يتبين حملها من ذلك الرجل الذي تستبضع منه، فإذا تبين حملها أصابها زوجها إذا أحب، وإنما يفعل ذلك رغبة في نجاة الولد، فكان هذا النكاح نكاح الاستبضاع، ونكاح آخر يجتمع الرهط ما دون العشرة فيدخلون على المرأة، كلهم يصيبها، فإذا حملت ووضعت ومرَّ عليها ليال بعد أن تضع حملها أرسلت إليهم فلم يستطيع رجل منهم أن يمتنع حتى يجتمعوا عندها، تقول لهم: قد عرفتم الذي كان من أمركم وقد ولدت فهو ابنك يا فلان، تسمي من أحبت باسمه فيلحق به ولدها ولا يستطيع أن يمتنع ممن جاءها، وهن البغايا  كن ينصبن على أبوابهن رايات تكون علما، فمن ارادهن دخل عليهن فإذا حملت إحداهن ووضعت حملها جمعوا لها ودعوا لها القافة ثم ألحقوا ولدها بالذي يرون فالتاطه ودعي ابنه لا يمتنع من ذلك” .

وكانت المرأة في المجتمع الجاهلي عرضة غبن وحيف، وتؤكل حقوقها وتُبْتز أموالها وتُحرم إرثها وتعضل بعد الطلاق أو وفاة الزوج من أن تنكح زوجاً ترضاه، وتورث كما يورث المتاع أو الدابة، عن ابن عباس قال: “كان الرجل إذا مات أبوه أو حميّه فهو أحق بامرأته، إن شاء أمسكها أو يحبسها حتى تفتدي بصداقها أو تموت فيذهب بمالها”، وقال السُدّي: إن الرجل في الجاهلية كان يموت أبوه أو أخوه أو ابنه فإذا مات وترك امرأته فإن سبق وارث الميت فألقى عليها ثوبه فهو أحق بها أن ينكحها بمهر صاحبه أو يُنكحها فيأخذ مهرها، وإن سبقته فذهبت إلى أهلها فهي أحق بنفسها.

وكانت المرأة في الجاهلية يطفف معها الكيل، فيتمتع الرجل بحقوقه ولا تتمتع هي بحقوقها، يؤخذ مما تؤتي من مهر وتمسك ضراراً للاعتداء، وتلاقي من بعلها نشوزاً أو إعراضاً وتترك في بعض الأحيان كالمعلقة، ومن المأكولات ما هو خالص للذكور ومحرم على الإناث، وكان يسوغ للرجل أن يتزوج ما يشاء من النساء من غير تحديد، وقد بلغت كراهة البنات إلى حد الوأد، ومنهم من كان يئد البنات لمزيد الغيرة ومخافة لحوق العار بهم من أجلهن، ومنهم من كان يئد من البنات من كانت زرقاء أو شيماء (سوداء) أو برشاء (برصاء) أو كسحاء (عرجاء) تشاؤماً منهم بهذه الصفات، ومنهم من كان يقتل أولاده خشية الإنفاق وخوف الفقر، وهم الفقراء من بعض قبائل العرب فكان يشتريهم منهم بعض سراة العرب وأشرافهم ، وكانوا يقتلون البنات ويئدونهن بقسوة نادرة في بعض الأحيان، فقد يتأخر وأد الموءودة لسفر الوالد وشغله فلا يئدها إلا وقد كبرت وصارت تعقل، وقد حكوا في ذلك عن أنفسهم مبكيات، وقد كان بعضهم يلقي الأنثى من شاهق .

وكانت في المجتمع العربي طبقات وبيوت ترى لنفسها فضلاً على غيرها، وامتيازاً، فتترفع على الناس ولا تشاركهم في عادات كثيرة حتى في بعض مناسك الحج، فلا تقف بعرفات، وتتقدم على الناس في الإفاضة والإجازة، وتنسأ الأشهر الحرم، وكان النفوذ والمناصب العليا والنسيء متوارثاً، يتوارثه الأبناء عن الآباء، وكانت طبقات مسخرة وطبقات سُوقة وعوام، فكان التفاوت الطبقي من مسلمات المجتمع العربي. وكانت الحرب والغزو مما طبعت عليه طبيعتهم العربية ، حتى قال قائلهم:

وأحياناً على بكر أخينا … إذا ما لم نجد إلا أخانا

وقد وقعت الحرب بين بكر وتغلب ابني وائل ومكثت أربعين سنة أريقت فيها دماء غزيرة، وما ذاك إلا لأن كليباً – رئيس معدّ – رمى ضلع ناقة البسوس بنت منقذ فاختلط دمها بلبنها وقتل جساس بن مرة كليباً ، واشتبكت الحرب بين بكر وتغلب، وكانت كما قال المهلهل أخو كليب: “قد فني الحيان وثكلت الأمهات ويتم الأولاد، دموع لا ترقأ وأجساد لا تدفن” . كذلك حرب داحس والغبراء فما كان سببها إلا أن داحساً فرس قيس بن زهير كان سابقاً في رهان بين قيس بن زهير وحذيفة بن بدر فعارضه أسدي بإيعاز من حذيفة فلطم وجهه وشغله ففاتته الخيل، وتلا ذلك قتل ثم أخذ بالثأر ونصر القبائل لأبنائها، وأسر ونزح للقبائل، وقتل في ذلك ألوف من الناس .

وكان الناس يُتخطفون من بين عشيرتهم في القوافل، حتى احتاجت الدول القوية إلى الخفارة الساهرة، والبذرقة  القوية، فكانت عير كسرى تبذرق من المدائن حتى تدفع إلى النعمان بن المنذر بالحيرة، والنعمان يبذرقها بخفراء من بني ربيعة حتى تدفع إلى بني هوذة بن علي الحنفي باليمامة فيبذرقها حتى تخرج من أرض بني حنيفة ثم تدفع إلى تميم وتجعل لهم جعالة فتسير بها إلى أن تبلغ اليمن وتسلم إلى عمال كسرى باليمن.

أما معاملة الرجل مع أخيه وأبناء عمه وعشيرته فقد كانت موطدة قوية، فقد كانوا يحيون للعصبية القبلية ويموتون لها، وكانت روح الاجتماع سائدة بين القبيلة الواحدة تزيدها العصبية، وكان أساس النظام الاجتماعي هو العصبية الجنسية والرحم، وكانوا يسيرون على المثل السائر‏:‏ ‏(‏انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا‏)‏. أما العلاقة بين القبائل المختلفة فقد كانت مفككة الأوصال تمامًا، وكانت قواهم متفانية في الحروب.

أما الحالة الاقتصادية، فتبعت الحالة الاجتماعية، ويتضح ذلك إذا نظرنا في طرق معايش العرب‏.‏ فالتجارة كانت أكبر وسيلة للحصول على حوائج الحياة، والجولة التجارية لا تتيسر إلا إذا ساد الأمن والسلام، وكان ذلك مفقودًا في جزيرة العرب إلا في الأشهر الحرم، وهذه هي الشهور التي كانت تعقد فيها أسواق العرب الشهيرة من عُكاظ وذي المجَاز ومَجَنَّة وغيرها‏.‏ 

وأما الصناعات فكانوا أبعد الأمم عنها، ومعظم الصناعات التي كانت توجد في العرب من الحياكة والدباغة وغيرها كانت في أهل اليمن والحيرة ومشارف الشام، نعم، كان في داخل الجزيرة شيء من الزراعة والحرث واقتناء الأنعام، وكانت نساء العرب كافة يشتغلن بالغزل، لكن كانت الأمتعة عرضة للحروب، وكان الفقر والجوع والعرى عامًا في المجتمع‏.‏

وبالجملة لم تكن على ظهر الأرض أمة صالحة المزاج، ولا مجتمع قائم على أساس الأخلاق والفضيلة، ولا حكومة مؤسسة على أساس العدل والرحمة، ولا قيادة مبنية على العلم والحكمة، ولا دين صحيح مأثور عن الأنبياء.

وكان النور الضعيف الذي يتراءى في هذا الظلام المطبق من بعض الأديرة والكنائس أشبه بالحباحب الذي يضيء في ليلة شديدة الظلام فلا يخترق الظلام، ولا ينير السبيل، وكان الذي يخرج في ارتياد العلم الصحيح، وانتجاع الدين الحق يهيم على وجهه في البلاد. يقول سلمان الفارسي أكبر الرواد الدينيين في القرن السادس، الذي تنقل من الشام إلى الموصل، ومن الموصل إلى نُصيبين، ومن نصيبين إلى عمورية، يوصي به بعضهم إلى بعض، حتى أتى على آخرهم فلم يجد لهم خامساً، وأدركه الإسلام في هذا الظلام: “لما قدمت الشام، قلت: من أفضل أهل هذا الدين؟ قالوا: الأسقف في الكنيسة! قال فجئته، فقلت: إني قد رغبت في هذا الدين، وأحببت أن أكون معك أخدمك في كنيستك وأتعلم منك وأصلي معك، قال: فادخل، فدخلت معه، قال فكان رجل سوء يأمرهم بالصدقة ويرغبهم فيها، فإذا جمعوا إليه منها أشياء اكتنزه لنفسه، ولم يعطه المساكين حتى جمع سبع قلال من ذهب وورِق، قال: وأبغضته بغضاً شديداً لما رأيته يصنع، ثم مات فاجتمعت إليه النصارى ليدفنوه، فقلت لهم: إن هذا كان رجل سوء، يأمركم بالصدقة ويرغبكم فيها فإذا جئتموه بها اكتنزها لنفسه، ولم يعط المساكين منها شيئاً، قالوا: وما علمك بذلك؟ قال قلت: أنا أدلكم على كنزه، قالوا: فدلنا عليه، قال فأريتهم موضعه، قال: فاستخرجوا منه سبع قلال مملوءة ذهباً وورقاً، قال: فلما رأوها، قالوا: والله لا ندفنه أبداً، فصلبوه ثم رجموه بالحجارة، ثم جاؤوا برجل آخر فجعلوه مكانه، قال: يقول سلمان: فما رأيت رجلاً لا يصلي الخمس أرى أنه أفضل منه وأزهد في الدنيا وأرغب في الآخرة ولا أدأب ليلاً ونهاراً منه، قال : فأحببته حباً لم أحبه من قبل وأقمت معه زماناً، ثم حضرته الوفاة، فقلت له يا فلان: إني كنت معك وأحببتك حباً لم أُحبه من قبلك، وقد حضرك ما ترى من أمر الله، فإلى من توصى بي، وما تأمرني؟ قال: يا بني والله ما اعلم أحداً اليوم على ما كنت عليه، لقد هلك الناس وبدلوا وتركوا أكثر ما كانوا عليه إلا رجلاً بالموصل وهو فلان، فهو على ما كنت عليه فالحق به، قال: فلما مات وغيب لحقت بصاحب الموصل، فقلت له: يا فلان إن فلاناً أوصاني عند موته أن ألحق بك، وأخبرني أنك على أمره. قال: فقال لي: أقم عندي، فأقمت عنده، فوجدته خير رجل على أمر صاحبه، فلم يلبث أن مات فلما حضرته الوفاة، قلت له: يا فلان، إن فلاناً أوصى بي أليك وأمرني باللحوق بك، وقد حضرك من الله عز وجل ما ترى، فإلى من توصى بي وما تأمرني؟ قال: يا بني والله ما أعلم رجلاً على مثل ما كنا عليه إلا رجلا بنصيبين وهو فلان فالحق به، فلما مات وغيب لحقت بصاحب نصيبين فجئته فأخبرته بخبري وما أمرني به صاحبي، قال فأقم عندي فأقمت عنده فوجدته على أمر صاحبيه، فأقمت مع خير رجل، فو الله ما لبث أن نزل به الموت، فلما حضر قلت له: يا فلان إن فلاناً كان أوصى بي إلى فلان ثم أوصى بي فلان إليك، فإلى من توصى بي وما تأمرني؟ قال: أي بني والله ما نعلم أحداً بقي على أمرنا آمرك أن تأتيه إلا رجلاً بعمورية فإنه بمثل ما نحن عليه، فإن أحببت فأته، قال: فإنه على أمرنا، قال فلما مات وغيب لحقت بصاحب عمورية، وأخبرته خبري، فقال: أقم عندي، فأقمت مع رجل على هدي أصحابه وأمرهم.

قال: واكتسبت كان لي بقرات وغنيمة، قال: ثم نزل به أمر الله، فلما حُضِر قلت له: يا فلان، إني كنت مع فلان، فأوصى بي فلان إلى فلان، وأوصى بي فلان إلى فلان، ثم أوصى بي فلان إليك، فإلى من توصى بي وما تأمرني؟ قال: أي بني، والله ما أعلم أصبح على ما كنا عليه أحد من الناس آمرك أن تأتيه، ولكنه قد أظلك زمان نبي هو مبعوث بدين إبراهيم يخرج بأرض العرب مهاجراً إلى أرض بين حرتين بينهما نخل به علامات لا تخفى، يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة، بين كتفيه خاتم النبوة، فإن استطعت أن تلحق بتلك البلاد فافعل الخ” .

المسألة الثانية: التوحيد

أولا: أنواع التوحيد
قال الشيخ ابن باز رحمه الله : “التوحيد: مصدر وحد يوحد توحيدا، يعني: وحد الله أي اعتقده واحدا لا شريك له في ربوبيته، ولا في أسمائه وصفاته، ولا في ألوهيته وعبادته، سبحانه وتعالى. والتوحيد هو الأمر الذي بعث الله من أجله الرسل، وأنزل من أجله الكتب، وخلق من أجله الثقلين، وبقية الأحكام تابعة لذلك”. 

وعند التفصيل تكون أنواع التوحيد ثلاثة: توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات.

1- توحيد الربوبية:
أقر به المشركون ولم ينكروه كما قال سبحانه: “وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ “، لكنهم لم يدخلوا به في الإسلام؛ لأنهم لم يخصوا الله بالعبادة، ولم يقروا بتوحيد الإلهية، بل اتخذوا معه وسائط، وزعموا أنها شفعاء وأنها تقربهم إلى الله زلفى، كما قال تعالى: “وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ “، فقال سبحانه ردا عليهم: “قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ “، فهو سبحانه لا يعلم له شريكا، لا في السماء ولا في الأرض، بل هو الواحد الأحد، سبحانه وتعالى، الفرد الصمد، المستحق للعبادة جل وعلا.

وعرف بهذا أنهم لم يعتقدوا أن آلهتهم تنفع وتضر، وتحيي وتميت، وترزق وتعطي وتمنع، وإنما عبدوهم ليشفعوا لهم وليقربوهم إلى الله زلفى، فاللات والعزى ومناة والمسيح ومريم والصالحون من العباد، كل هؤلاء ما عبدهم المشركون الأولون، لأنهم ينفعون ويضرون، بل عبدوهم لأنهم يرجون شفاعتهم، وأن يقربوهم إلى الله زلفى. وقد دعاهم صلى الله عليه وسلم عشر سنين يقول لهم: “يا قوم قولوا لا إله إلا الله تفلحوا “فأعرض عنه الأكثرون، ولم يهتد إلا الأقلون. فتوحيد الربوبية معناه: الإقرار بأفعال الرب، وتدبيره للعالم، وتصرفه فيه، وهو الاعتراف بأنه الخلاق الرزاق مدبر الأمور ومصرفها، يعطي ويمنع، ويخفض ويرفع، ويعز ويذل، ويحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير (أقول: وهذا النوع حتى الملحدين يؤمنون به في بواطنهم بدليلهم التجائهم إلى الله في حال الخطوب).

2- توحيد الأسماء والصفات:
وهو أيضا من جنس توحيد الربوبية، قد أقروا به وعرفوه. وتوحيد الربوبية يستلزمه؛ لأن من كان هو الخلاق الرزاق والمالك لكل شيء، فهو المستحق لجميع الأسماء الحسنى والصفات العلى.

3- هو توحيد الله بالعباد:
وهو معنى لا إله إلا الله، فإن معناها لا معبود حق إلا الله، فهي تنفي العبادة بجميع أنواعها عن غير الله، وتثبتها لله وحده سبحانه وتعالى. وهذه الكلمة هي أصل الدين وأساسه كله، وهي الكلمة التي دعا إليها النبي صلى الله عليه وسلم قومه. قال سبحانه: “وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ “. وقال جل وعلا: “وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ”. فالله سبحانه وتعالى هو الحق، وله دعوة الحق، وعبادته هي الحق دون كل ما سواه سبحانه وتعالى، فلا يستغاث إلا به، ولا ينذر إلا له، ولا يتوكل إلا عليه، ولا يطلب الشفاء إلا منه، ولا يطاف إلا ببيته العتيق، إلى غير هذا من أنواع العبادة. 

فالنوعان الأوليان هما بحمد الله من أوضح الأشياء وأبينها، لكن النوع الثالث أعني: توحيد العبادة يشتبه على أكثر الناس بسبب الشبه الكثيرة التي يروجها أعداء الله، ويلبسون بها علي كثير من الناس، والأمر فيها بحمد الله واضح لمن نور الله بصيرته، وهي شبه باطلة لا وجه لها.

ثانيا: أنواع الشرك
الشرك هو جعل شريك لله تعالى في ربوبيته وإلهيته. والغالب الإشراك في الألوهية بأن يدعو مع الله غيره، أو يصرف له شيئا من أنواع العبادة: كالذبح والنذر والخوف والرجاء والمحبة. والشرك أعظم الذنوب، وذلك لأمور: لأنه تشبيه للمخلوق بالخالق في خصائص الإلهية، فمن أشرك مع الله أحدا فقد شبهه به. إنَ الله أخبر أنه لا يغفر لمن لم يتب منه، قال تعالى: “إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ” . إن الله أخبر أنه حرم الجنة على المشَرك، وأنه خالد مخلد في نار جهنم، قال تعالى: “إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ ” .

إن الشرك يحبط جميع الأعمال، قال تعالى: “وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يعْمَلُونَ ” . إن المشرك حلال الدم والمال، قال تعالى : “فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ” .  وقال النبي صلى الله عليه وسلم : “أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها”.

إن الشرك أكبر الكبائر، قال صلى الله عليه وسلم: “ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قلنا: بلى يا رسول الله. قال: الإشراك بالله وعقوق الوالدين”.

الشرك نوعان:

النوع الأول : شرك أكبر
يخرج من الملة، ويخلد صاحبه في النار إذا مات ولم يتب منه، وهو صرف شيء من أنواع العبادة لغير اللّه، كدعاء غير اللّه والتقرب بالذبائح والنذور لغير اللّه من القبور والجن والشياطين. والخوف من الموتى أو الجن أو الشياطين أن يضروه أو يمرضوه، ورجاء غير اللّه فيما لا يقدر عليه إلا اللّه من قضاء الحاجات وتفريج الكربات مما يمارس الآن حول الأضرحة المبنية على قبور الأولياء والصالحين. قال تعالى: “وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ” .

النوع الثاني: شرك أصغر 
لا يخرج من الملة، لكنه ينقص التوحيد، وهو وسيلة إلى الشرك الأكبر، وهو قسمان: القسم الأول: شرك ظاهر، وهو ألفاظ وأفعال. فالألفاظ كالحلف بغير اللّه، قال صلى الله عليه وسلم: “من حلف بغير اللّه فقد كفر وأشرك” رواه الترمذي وحسنه. وقوله: ما شاء اللّه وشئتَ، قال صلى الله عليه وسلم: لما قال رجل: ما شاء الله وشئتَ. فقال: “أجعلتني للّه ندّا؟! قل: ما شاء اللّه وحده” . وقول: لولا الله وفلان، والصواب أن يقال: ما شاء الله ثم فلان، ولولا اللّه ثم فلان، لأن ثم للترتيب مع التراخي تجعل مشيئة العبد تابعة لمشيئة اللّه، كما قال تعالى: “وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ “.

القسم الثاني من الشرك الأصغر: شرك خفي، وهو الشرك في الإرادات والنيات، كالرياء والسمعة، كأن يعمل عملا مما يتقرب به إلى الله، يريد به ثناء الناس عليه، كأن يحسن صلاته أو يتصدق لأجل أن يمدح ويُثنى عليه. أو يتلفظ بالذكر ويحسن صوته بالتلاوة لأجل أن يسمعه الناس فيثنوا عليه ويمدحوه. والرياء إذا خالط العمل أبطله، قال الله تعالى: “فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا” . وقال النبي صلى الله عليه وسلم: “أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر، قالوا: يا رسول اللّه؛ وما الشرك الأصغر؛ قال: الرياء” . ومنه العمل لأجل الطمع الدنيوي، كمن يحج أو يؤذن أو يؤم الناس لأجل المال، أو يتعلم العلم الشرعي أو يجاهد لأجل المال. قال النبي صلى الله عليه وسلم: “تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة، تعس عبد الخميلة إن أُعطي رضي وإن لم يعط سخط” . قال الإمام ابن القيم رحمه اللّه: وأما الشرك في الإرادات والنيات فذلك البحر الذي لا ساحل له وقل من ينجو منه. فمن أراد بعمله غير وجه اللّه ونوى شيئا من غير التقرب إليه وطلب الجزاء منه فقد أشرك في نيته وإرادته، والإخلاص أن يخلص للّه في أفعاله وأقواله وإرادته ونيته .

ثالثا: أنواع الكفر
الكفر في اللغة التغطية والستر، والكفر شرعا: ضد الإيمان.

الكفر نوعان:ا

لنوع الأول: كفر أكبر
 يخرج من الملة، وهو خمسة أقسام: الأول: كفر التكذيب، والدليل قوله تعالى: “وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ” . الثاني: كفر الإباء والاستكبار مع التصديق، والدليل قوله تعالى: “وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ” . الثالث: كفر الظن، والدليل قوله تعالى: “وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا * وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا * قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا * لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا” . الرابع: كفر الإعراض، والدليل قوله تعالى: “وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ” . الخامس: كفر النفاق، والدليل قوله تعالى: “ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ” .

النوع الثاني: كفر أصغر لا يخرج من الملة، وهو الكفر العملي، وهو الذنوب التي وردت تسميتها في الكتاب والسنة كفرا، وهي لا تصل إلى حد الكفر الأكبر، مثل كفر النعمة المذكور في قوله تعالى: “وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ” . ومثل قتال المسلم المذكور في قوله صلى الله عليه وسلم: “سباب المسلم فسوق وقتاله كفر” . وفي قوله صلى الله عليه وسلم: “لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض” . ومثل الحلف بغير الله قال صلى الله عليه وسلم: “من حلف بغير اللّه كفر أو أشرك” .

رابعا: أنواع النفاق
النفاق لغة، مصدر نافق، يقال: نافق ينافق نفاقا ومنافقة، وهو مأخوذ من النافقاء: أحد مخارج اليربوع من جحره، فإنه إذا طلب من واحد هرب إلى الآخر وخرج منه، وقيل هو من النفق، وهو السرب الذي يستتر فيه. أما النفاق في الشرع فمعناه إظهار الإسلام وإبطال الكفر والشر. سمي بذلك لأنه يدخل في الشرع من باب، ويخرج منه من باب آخر. وعلى ذلك نبه اللّه تعالى بقوله: “إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ” . وجعل اللّه المنافقين شرا من الكافرين فقال: “إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ” .

والنفاق نوعان:

الأول: النفاق الاعتقادي، وهو النفاق الأكبر الذي يظهر صاحبه الإسلام ويبطن الكفر، وهذا النوع مخرج من الدين بالكلية، وصاحبه في الدرك الأسفل من النار، وقد وصف اللّه أهله بصفات الشر كلها: من الكفر وعدم الإيمان، والاستهزاء بالدين وأهله، والسخرية منهم، والميل بالكلية إلى أعداء الدين لمشاركتهم في عداوة الإسلام، وهؤلاء موجودون في كل زمان.

الثاني: النفاق العملي، وهو عمل شيء من أعمال المنافقين مع بقاء الإيمان في القلب، وهذا لا يخرج من الملة، لكنه وسيلة إلى ذلك. وصاحبه يكون فيه إيمان ونفاق، وإذا كثر صار بسببه منافقا خالصاَ، والدليل عليه قوله صلى الله عليه وسلم: “أربع من كن فيه كان منافقا خالصا. ومن كانت فيه خصله منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا اؤتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر” . فمن اجتمعت فيه هذه الخصال الأربع فقد اجتمع فيه الشر، وخلصت فيه نعوت المنافقين. ومن كانت فيه واحدة منها صار فيه خصلة من النفاق، فإنه قد يجتمع في العبد خصال خير وخصال شر وخصال إيمان وخصال كفر ونفاق، ويستحق من الثواب والعقاب بحسب ما قام به من موجبات ذلك، ومنه التكاسل عن الصلاة مع الجماعة في المسجد، فإنه من صفات المنافقين، فالنفاق شر وخطير جدا، وكان الصحابة يتخوفون من الوقوع فيه. قال ابن أبي مليكة: أدركت ثلاثين من أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم كلهم يخاف النفاق على نفسه.

خامسا: بيان حقيقة كل من الجاهلية و الفسق و الضلال و الردة 

الجاهلية: هي الحال التي كانت عليها العرب قبل الإسلام نسبة إلى الجهل الذي هو عدم العلم أو عدم اتباع العلم. وتنقسم إلى قسمين: جاهلية عامة، وهي ما كان قبل مبعث الرسول صلى الله عليه وسلم وقد انتهت ببعثه. وجاهلية خاصة ببعض الدول وبعضه البلدان وبعض الأشخاص، وهذه لا تزال باقية.

الفسق: هو لغة: الخروج، والمراد به شرعا: الخروج عن طاعة اللّه وهو يشمل الخروج الكلي، فيقال للكافر: فاسق. والخروج الجزئي فيقال للمؤمن المرتكب لكبيرة من كبائر الذنوب: فاسق.

فالفسق فسقان: فسق ينقل عن الملة وهو الكفر. فيسمى الكافر فاسقا، فقد ذكر اللّه إبليس، فقال: “فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ”، وقال اللّه تعالى: “َأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ” ، يريد الكفار.

ويسمى العاصي من المسلمين فاسقا، ولم يخرجه فسقه من الإسلام، قال تعالى: “وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ” .

الضلال: العدول عن الطريق المستقيم. وهو ضد الهداية، قال تعالى: “مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا” . والضلال يطلق على عدة معان: فتارة يطلق على الكفر، قال تعالى: “وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا” . وتارة يطلق على الشرك، قال تعالى: “وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا” . وتارة يطلق على المخالفة التي هي دون الكفر، كما يقال: الفرق الضالة أي المخالفة. وتارة يطلق على الخطأ، ومنه قول موسى عليه السلام: “قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ ” . وتارة يطلق على النسيان، ومنه قوله تعالى: “أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى” . ويطلق الضلال على الضياع والغيبة ومنه: ضالة الإبل.

الردة: لغة: الرجوع. قال تعالى: “وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ” . أي لا ترجعوا، والردة في الاصطلاح الفقهي: هي الكفر بعد الإسلام، قال تعالى: “وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ”. وتحصل بارتكاب ناقض من نواقض الإسلام. ونواقض الإسلام كثيرة ترجع إلى أربعة أقسام هي:

الردة بالقول: كسب اللّه تعالى أو رسوله صلى الله عليه وسلم أو ملائكته أو أحد من رسله. أو ادعاء علم الغيب، أو ادعاء النبوة أو تصديق من يدعيها، أو دعاء غير اللّه أو الاستعانة به فيما لا يقدر عليه إلا اللّه، أو الاستعاذة به في ذلك.

الردة بالفعل: كالسجود للصنم والشجر والحجر والقبور والذبح لها. وإلقاء المصحف في المواطن القذرة، وعمل السحر وتعلمه وتعليمه، والحكم بغير ما أنزل اللّه معتقدا حله.

الردة بالاعتقاد: كاعتقاد الشريك للّه، أو أن الزنا والخمر والربا حلال. أو أن الخبز حرام، أو أن الصلاة غير واجبة، ونحو ذلك مما أجمع على حله أو حرمته أو وجوبه إجماعا قطعيا، ومثله لا يجهله.

الردة بالشك في شيء مما سبق: كمن شك في تحريم الشرك أو تحريم الزنا والخمر، أو في حل الخبز، أو شك في رسالة النبي صلى الله عليه وسلم رسالة غيره من الأنبياء أو في صدقه أو في دين الإسلام أو في صلاحيته لهذا الزمان.

وأحكامها التي تترتب عليها بعد ثبوتها :

أولا: استتابة المرتد، فإن تاب ورجع إلى الإسلام في خلال ثلاثة أيام قبل منه ذلك وترك.

ثانيا: إذا أبى أن يتوب وجب قتله لقوله صلى الله عليه وسلم: “من بدل دينه فاقتلوه” .

ثالثا: يمنع من التصرف في ماله في مدة استتابته فإن أسلم فهو له، وإلا صار فيئا لبيت المال من حين قتله أو موته على الردة، وقيل من حين ارتداده يصرف في مصالح المسلمين.

رابعا: انقطاع التوارث بينه وبين أقاربه فلا يرثهم ولا يرثونه.

خامسا: إذا مات أو قتل على ردته فإنه لا يغسل ولا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين، وإنما يدفن في مقابر الكفار، أو يوارى في التراب في أي مكان غير مقابر المسلمين.

سادسا: أقوال وأفعال تنافي التوحيد أو تنقصه

ادعاء علم الغيب في قراءة الكف والفنجان وغيرهما: 
المراد بالغيب ما غاب عن الناس من الأمور المستقبلة والماضية وما لا يرونه، وقد اختص اللّه تعالى بعلمه، وقال تعالى: “قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ” . فلا يعلم الغيب إلا اللّه سبحانه وحده، وقد يطلع رسله على ما شاء من غيبه لحكمة ومصلحة، قال تعالى: “عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا*إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ” . أي لا يطلع على شيء من الغيب إلا من اصطفاه لرسالته، فيظهره على ما يشاء من الغيب . لأنه يستدل على نبوته بالمعجزات التي منها الإخبار عن الغيب الذي يطلعه اللّه عليه. وهذا يعم الرسول الملكي والبشري ، ولا يطلع غيرهما لدليل الحصر. فمن ادعى علم الغيب بأي وسيلة من الوسائل غير من استثناه اللّه من رسله فهو كاذب كافر، سواء ادعى ذلك بواسطة قراءة الكف أو الفنجان أو الكهانة أو السحر آو التنجيم أو غير ذلك، وهذا الذي يحصل من بعض المشعوذين والدجالين من الجن والشياطين، ويظهرون للناس أن هذا يحصل لهم عن طريق عمل هذه الأشياء من باب الخداع والتدليس. وقد يذهب بعض الجهال وضعاف الإيمان إلى هؤلاء المنجمين فيسألهم عن مستقبل حياته وما يجري عليه فيه وعن زواج وغير ذلك ..

السحر والكهانة والعرافة: 
سمي السحر سحرا، لأنه يحصل بأمور خفية لا تدرك بالأبصار، وهو عزائم ورقى وكلام يتكلم به وأدوية وتدخينات. وله حقيقة. ومنه ما يؤثر في القلوب والأبدان فيمرض ويقتل ويفرق بين المرء وزوجه وتأثيره بإذن اللّه الكوني القدري، وهو عمل شيطاني، وكثير منه لا يتوصل إليه إلا بالشرك والتقرب إلى الأرواح الخبيثة بما تحب والتوصل إلى استخدامها بالإشراك بها، ولهذا قرنه الشارع بالشرك حيث يقول النبي صلى الله عليه وسلم: “اجتنبوا السبع الموبقات. قالوا: وما هي؟ قال: الإشراك باللّه والسحر” .

وقد تساهل الناس في شأن الساحر والسحر، وربما عدوا ذلك فنا من الفنون التي يفتخرون بها ويمنحون أصحابها الجوائز والتشجيع. ويقيمون النوادي والحفلات والمسابقات للسحرة، ويحضرها آلاف المتفرجين والمشجعين. وهذا من الجهل بالدين والتهاون بشأن العقيدة وتمكين للعابثين بها.

أما الكهانة والعرافة: فادعاء الغيب ومعرفة الأمور الغائبة: كالأخبار بما سيقع في الأرض وما سيحصل. وأين مكان الشيء المفقود. وذلك عن طريق استخدام الشياطين الذين يسترقون السمع من السماء.. والكهانة لا تخلو من الشرك، لأنها تقرب إلى الشياطين بما يحبون. فهي شرك في الربوبية من حيث ادعاء مشاركة اللّه في علمه، وشرك في الألوهية من حيث التقرب إلى غير اللّه بشيء من العبادة.. وبعضهم يظهر بمظهر الولي الذي له خوارق وكرامات كدخول النار ولا تؤثر فيه. وضرب نفسه بالسلاح، أو وضع نفسه تحت عجلات السيارة ولا تؤثر فيه أو غير ذلك من الشعوذات التي هي في حقيقتها سحر من عمل الشيطان يجري على أيدي هؤلاء للفتنة. أو هي أمور تخيلية لا حقيقة لها بل هي حيل خفيفة يتعاطونها أمام الأنظار كعمل سحرة فرعون بالحبال والعصي.

قال شيخ الإسلام  في مناظرته للسحرة البطائحية الأحمدية (الرفاعية): قال شيخ البطائحية ورفع صوته: “نحن لنا أحوال. وكذا وكذا. وادعى الأحوال الخالقة كالنار وغيرها واختصاصهم بها. وأنهم يستحقون تسليم الحال إليهم لأجلها، قال شيخ الإسلام: فقلت ورفعت صوتي وغضبت: أنا أخاطب كل أحمدي من مشرق الأرض إلى مغربها، أي شيء فعلوه في النار فأنا أصنع مثل ما تصنعون، ومن احترق فهو مغلوب. وربما قلت: فعليه لعنة اللّه، ولكن بعد أن تُغسل جسومنا بالخل والماء الحار، فسألني الأمراء والناس عن ذلك فقلت: لأن لهم حيلا في الاتصال بالنار يصنعونها من أشياء من دهن الضفادع ومن النارنج وحجر الطلق، فضج الناس بذلك، فأخذ يظهر القدرة على ذلك فقال: أنا وأنت نُلَفُّ في بارية بعد أن تطلى جسومنا بالكبريت. فقلت: فقم. وأخذت أكرر عليه في القيام إلى ذلك. فمد يده يظهر خلع القميص. قلت: لا حتى تغتسل بالماء الحار والخل، فأظهر الوهم على عادتهم، فقال: من كان يحب الأمير فليحضر خشبا أو قال حزمة حطب. فقلت: هذا تطويل وتفريق للجمع ولا يحصل به مقصود، بل قنديل يوقد وأدخل أصبعي وأصبعك فيه بعد الغسل، ومن احترقت أصبعه فعليه لعنة الله، أو قلت فهو مغلوب. فلما قلت ذلك تغير وذل” . والمقصود منه بيان أن هؤلاء الدجالين يكذبون على الناس بمثل هذه الحيل الخفية. 

تقديم القرابين والنذور والهدايا للمزارات والقبور وتعظيمها:
لقد سد النبي صلى الله عليه وسلم كل الطرق المفضية إلى الشرك، وحذر منها غاية التحذير. ومن ذلك مسألة القبور. فقد وضع الضوابط الواقية من عبادتها، والغلو في أصحابها، ومن ذلك : أنه حذر صلى الله عليه وسلم من الغلو في الأولياء والصالحين. لأن ذلك يؤدي إلى عبادتهم. فقال: “إياكم والغلو فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو ” . وقال: “لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم. إنما أنا عبد فقولوا: عبد اللّه ورسوله” . وحذر صلى الله عليه وسلم من البناء على القبور، كما روى أبو الهياج الأسدي قال: قال لي علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه: “ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أن لا تدع تمثالا إلا طمسته، ولا قبرا مشرفا إلا سويته” . ونهى عن تجصيصها والبناء عليها. عن جابر رضي اللّه عنه قال: ” نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تجصيص القبر. وأن يقعد عليه. وأن يبنى عليه بناء” . وحذر صلى الله عليه وسلم من الصلاة عند القبور . قال صلى الله عليه وسلم: “ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد. ألا فلا تتخذوا القبور مساجد. فإني أنهاكم عن ذلك” .

تعظيم التماثيل والنصب التذكارية: 
التماثيل: جمع تمثال، وهو الصورة المجسمة على شكل إنسان أو حيوان أو غيرهما مما فيه روح. ولقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من تصوير ذوات الأرواح. ولا سيما تصوير المعظمين من البشر: كالعلماء والملوك والعبّاد والقادة والرؤساء.

ونهى صلى الله عليه وسلم عن تعليق الصور على الجدران ونحوها. وعن نصب التماثيل ومنها النصب التذكارية. لأن ذلك وسيلة إلى الشرك. فإن أول شرك حدث في الأرض كان بسبب التصوير ونصب الصور. وذلك أنه كان في قوم نوح رجال صالحون، فلما ماتوا حزن عليهم قومهم، فأوحى إليهم الشيطان أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابا وسموها بأسمائهم ففعلوا ولم تعبد حتى إذ هلك أولئك ونسي العلم عبدت . ولما بعث اللّه نبيه نوحا عليه السلام ينهى عن الشرك الذي حصل بسبب تلك الصورة التي نصبت امتنع قومه من قبول دعوته، وأصروا على عبادة تلك الصورة المنصوبة التي تحولت إلى أوثان: “وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا” . ولهذا لعن النبي صلى الله عليه وسلم المصورين. وأخبر أنهم أشد الناس عذابا يوم القيامة. وأمر بطمس الصور. وأخبر أن الملائكة لا تدخل بيتا فيه صورة. كل ذلك من أجل مفاسدها وشدة مخاطرها على الأمة في عقيدتها .

الاستهزاء بالدين والاستهانة بحرماته: 
الاستهزاء بالدين ردة عن الإسلام وخروج عن الدين بالكلية. قال اللّه تعالى: “قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ” . ومثل هذا ما يقوله بعضهم: إن الإسلام لا يصلح للقرن العشرين، وإنما يصلح للقرون الوسطى. وأنه تأخر ورجعية. وأن فيه قسوة ووحشية في عقوبات الحدود والتعازير. وأنه ظلم المرأة حقوقها حيث أباح الطلاق وتعدد الزوجات. وقولهم: الحكم بالقوانين الوضعية أحسن للناس من الحكم بالإسلام. ويقولون في الذي يدعو إلى التوحيد وينكر عبادة القبور والأضرحة: هذا متطرف أو يريد أن يفرق جماعة المسلمين. أو هذا وهابي أو مذهب خامس. وما أشبه هذه الأقوال التي كلها سب للدين وأهله، واستهزاء بالعقيدة الصحيحة، ولا حول ولا قوة إلا باللّه. ومن ذلك استهزاؤهم بمن تمسك بسنة من سنن الرسول صلى الله عليه وسلم فيقولون: الدين ليس في الشعر استهزاء بإعفاء اللحية، وما أشبه هذه الألفاظ الوقحة.

الحكم بغير ما أنزل الله:
من مقتضى الإيمان بالله تعالى وعبادته الخضوع لحكمه والرضا بشرعه والرجوع إلى كتابه وسنة رسوله عند الاختلاف في الأقوال وفي الأصول وفي الخصومات وفي الدماء والأموال وسائر الحقوق. فإن اللّه هو الحكم وإليه الحكم. فيجب على الحكام أن يحكموا بما أنزل اللّه.. قال تعالى: “أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا” . إلى قوله تعالى: “فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا” . ولا بد من الحكم بما أنزل اللّه والتحاكم إليه في جميع مواد النزاع في الأقوال الاجتهادية بين العلماء. فلا يقبل منها إلا ما دل عليه الكتاب والسنة من غير تعصب لمذهب ولا تحيز لإمام. وفي المرافعات والخصومات في سائر الحقوق لا في الأحوال الشخصية فقط، كما في بعض الدول التي تنتسب إلى الإسلام، فإن الإسلام كل لا يتجزأ. قال تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً” ، وقال تعالى: “أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ” . 

حكم من حكم بغير ما أنزل الله: قال تعالى: “وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ” . في هذه الآية الكريمة أن الحكم بغير ما أنزل اللّه كفر. وهذا الكفر تارة يكون كفرا أكبر ينقل عن الملة. وتارة يكون كفرا أصغر لا يخرج من الملة، وذلك بحسب حال الحاكم، فإنه إن اعتقد أن الحكم بما أنزل اللّه غير واجب، وأنه مخير فيه، أو استهان بحكم اللّه، واعتقد أن غيره من القوانين والنظم الوضعية أحسن منه، وأنه لا يصلح لهذا الزمان، أو أراد بالحكم بغير ما أنزل الله استرضاء الكفار والمنافقين فهذا كفر أكبر. وإن اعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله وعلمه في هذه الواقعة وعدل عنه مع اعترافه بأنه مستحق للعقوبة فهذا عاص، ويسمى كافرا كفرا أصغر. وإن جهل حكم اللّه فيه مع بذل جهده واستفراغ وسعه في معرفة الحكم وأخطأه فهذا مخطئ، له أجر على اجتهاده وخطؤه مغفور ..

وأما الحكم في القضايا العامة فإنه يختلف. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: “فإن الحاكم إذا كان ديّنا لكنه حكم بغير علم كان من أهل النار. وإن كان عالما لكنه حكم بخلاف الحق الذي يعلمه كان من أهل النار. وإذا حكم بلا عدل ولا علمِ أولى أن يكون من أهل النار. وهذا إذا حكم في قضية لشخص. وأما إذا حكم حكما عاما في دين المسلمين، فجعل الحق باطلا، والباطل حقا، والسنة بدعة، والبدعة سنة، والمعروف منكرا، والمنكر معروفا. ونهى عما أمر اللّه به ورسوله. وأمر بما نهى اللّه عنه ورسوله، فهذا لون آخر يحكُم فيه رب العالمين وإله المرسلين مالك يوم الدين الذي له الحمد في الأولى والآخرة: “لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ” . “هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا” .. وقال أيضا: ولا ريب أن من لم يعتقد وجوب الحكم بما أنزل اللّه على رسوله فهو كافر. فمن استحل أن يحكم بين الناس بما يراه هو عدلا من غير اتباع لما أنزل اللّه فهو كفر. فإنه ما من أمة إلا وهي تأمر بالحكم بالعدل. وقد يكون العدل في دينها ما يراه أكابرهم، بل كثير من المنتسبين إلى الإسلام يحكمون بعاداتهم التي لم ينزلها اللّه كسوالف البادية (أي عادات من سلفهم) وكانوا الأمراء المطاعين، ويرون أن هذا هو الذي ينبغي الحكم به دون الكتاب والسنة وهذا هو الكفر. فإن كثيرا من الناس أسلموا ولكن لا يحكمون إلا بالعادات الجارية التي يأمر بها المطاعون. فهؤلاء إذا عرفوا أنه لا يجوز لهم الحكم إلا بما أنزل اللّه فلم يلتزموا ذلك. بل استَحَلُّوا أن يحكموا بخلاف ما أنزل اللّه فهم كفار .. وقال الشيخ محمد بن إبراهيم: وأما الذي قيل فيه: إنه كفر دون كفر، إذا حاكم إلى غير اللّه مع اعتقاده أنه عاص وأن حكم اللّه هو الحق، فهذا الذي يصدر منه المرة ونحوها. أما الذي جعل قوانين بترتيب وتخضيع فهو كفر وإن قالوا أخطأنا، وحكم الشرع أعدل، فهذا كفر ناقل عن الملة . ففرق رحمه اللّه بين الحكم الجزئي الذي لا يتكرر وبين الحكم العام الذي هو المرجع في جميع الأحكام أو غالبها، وقرر أن هذا الكفر ناقل عن الملة مطلقا، وذلك لأن من نحى الشريعة الإسلامية، وجعل القانون الوضعي بديلا منها فهذا دليل على أنه يرى أن القانون أحسن وأصلح من الشريعة، وهذا لا شك أنه كفر أكبر يخرج من الملة ويناقض التوحيد.

ادعاء حق التشريع والتحليل والتحريم: 
تشريع الأحكام التي يسير عليها العباد في عبادتهم ومعاملاتهم وسائر شئونُهم والتي تفصل النزاع بينهم وتنهي الخصومات حق للّه تعالى رب الناس وخالق الخلق: “أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ” . وهو الذي يعلم ما يصلح عباده فيشرعه لهم. فبحكم ربوبيته لهم يشرعّ لهم. وبحكم عبوديتهم له يقبلون أحكامه، والمصلحة في ذلك عائدة إليهم، قال تعالى: “فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا” . وقال تعالى: “وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي” . واستنكر بسبحانه أن يتخذ العباد مُشرِّعا غيره، فقال: “أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ” . فمن قبل تشريعا غير تشريع اللّه فقد أشرك باللّه تعالى وما لم يشرعه اللّه ورسوله من العبادات فهو بدعة، وكل بدعة ضلالة، قال صلى الله عليه وسلم: “من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد” . وما لم يشرعه اللّه ولا رسوله في السياسة والحكم بين الناس فهو حكم الطاغوت وحكم الجاهلية: “أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ”.

وكذلك التحليل والتحريم حق للّه تعالى، لا يجوز لأحد أن يشاركه فيه. قال تعالى: وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ” . فجعل سبحانه طاعة الشياطين وأوليائهم في تحليل ما حرم اللّه شركا به سبحانه. وكذلك من أطاع العلماء والأمراء في تحريم ما أحل اللّه أو تحليل ما حرم اللّه، فقد اتخذهم أربابا من دون اللّه، لقول اللّه تعالى: “اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ” . وعند الترمذي وغيره “أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا هذه الآية على عدي بن حاتم الطائي رضي اللّه عنه، فقال: يا رسول الله لسنا نعبدهم. قال: أليس يحلون لكم ما حرم اللّه فتحلونه، ويحرمون ما أحل اللّه فتحرمونه؟ قال: بلى. قال النبي صلى الله عليه وسلم فتلك عبادتهم” .

الانتماء إلى المذاهب الإلحادية والأحزاب الجاهلية:
كالشيوعية والعلمانية والرأسمالية وغيرها من مذاهب الكفر، ردة عن دين الإسلام. فإن كان المنتمي إلى تلك المذاهب يدعي الإسلام فهذا من النفاق الأكبر، فإن المنافقين ينتمون إلى الإسلام في الظاهر، وهم مع الكفار في الباطن، كما قال تعالى فيهم: “وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ” . وهذه المذاهب الإلحادية مذاهب متناحرة، لأنها مؤسسة على الباطل، فالشيوعية تنكر وجود الخالق سبحانه وتعالى، وتحارب الأديان السماوية، ومن يرضى لعقله أن يعيش بلا عقيدة، وينكر البدهيات اليقينية فيكون ملغيا لعقله. والعلمانية تنكر الأديان وتعتمد على الماديات التي لا موجه لها ولا غاية لها في هذه الحياة إلا الحياة البهيمية. والرأسمالية همها جمع المال من أي وجه، ولا تقيد بحلال ولا حرام ولا عطف ولا شفقة على الفقراء والمساكين (أقول: لهذا هم عبارة عن مجرمين يؤججون الحروب ليبيعوا أسلحتهم، ويغشون في كل شيء حتى الدواء إذا لم الأمر من اجل ربح المزيد، وسياستهم الدولية والمحلية لا تقوم على الأخلاق بل على المصالح وحدها، وليتها كانت المصالح المباحة بل المصالح الشيطانية، لذا فهم عدو لكل مسلم، وأفعالهم كلها تدل على ذلك، ومع نحن مغترون بحضارتهم الشيطانية التافهة، ولا نفكر على مستوى الحكومات في الإعداد لهم، والتحرز منهم، بل بالعكس مرتمون في سبيل ترسيخ ديمقراطيتهم وتفاقهم وكفرهم في مجتمعاتنا).

وقوام اقتصاد الرأسمالية مبني على الربا الذي هو محاربة للّه ولرسوله.

والانتماء للأحزاب الجاهلية والقوميات العنصرية هو الآخر كفر وردة عن دين الإسلام، لأن الإسلام يرفض العصبيات والنعرات الجاهلية يقول تعالى: “يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ” . ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: “ليس منا من دعا إلى عصبية، وليس منا من قاتل على عصبية، وليس منا من غضب لعصبية” . وقال صلى الله عليه وسلم: “إن اللّه قد أذهب عنكم عُبية الجاهلية وفخرها بالآباء، إنما هو مؤمن تقي أو فاجر شقي، الناس بنو آدم وآدم خلق من تراب، ولا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى” . وهذه الحزبيات تفرق المسلمين، واللّه قد أمر بالإجتماع والتعاون على البر والتقوى، ونهى عن التفرق والاختلاف، قال تعالى: “وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا” . إن اللّه سبحانه يريد منا أن نكون حزبا واحدا، هم حزب اللّه المفلحون. والواجب أن يعلم أن هذه الحزبيات عذاب بعثه اللّه على من أعرض عن شرعه وتنكر لدينه كما قال تعالى: “قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ” . وقال صلى الله عليه وسلم: “وما لم تحكم أئمتهم بكتاب اللّه إلا جعل اللّه بأسهم بينهم”.

إن التعصب للحزبيات يسبب رفض الحق الذي مع الآخرين، كحال اليهود الذين قال اللّه فيهم: “وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ” . وكحال أهل الجاهلية الذين رفضوا الحق الذي جاءهم به الرسول صلى الله عليه وسلم تعصباَ لما عليه آباؤهم: “وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا”، يريد أصحاب هذه الحزبيات أن يجعلوها بديلة عن الإسلام الذي منَّ اللّه به على البشرية .

النظرة المادية للحياة ومفاسد هذه النظرة: 
هناك نظرتان للحياة، نظرة مادية للحياة ونظرة صحيحة.

أولا: النظرة المادية للحياة: أن يكون تفكير الإنسان مقصورا على تحصيل ملذاته العاجلة، ويكون عمله محصورا في نطاق ذلك، فلا يتجاوز تفكيره ما وراء ذلك من العواقب، ولا يعمل له، ولا يهتم بشأنه، ولا يعلم أن اللّه جعل هذه الحياة الدنيا مزرعة للآخرة، فجعل الدنيا دار عمل، وجعل الآخرة دار جزاء. فمن استغل دنياه بالعمل الصالح ربح الدارين، ومن ضيع دنياه ضاعت آخرته: “خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ” . قال تعالى: “الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا” . فمن الناس – وهم الأكثر-  من قصر نظره على ظاهرها ومفاتنها، ومتع نفسه بها ولم يتأمل في سرها، فانشغل بتحصيلها وجمعها والتمتع بها عن العمل لما بعدها. بل أنكر أن يكون هناك حياة غيرها كما قال تعالى: “وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ” . وقد توعد اللّه تعالى من هذه نظرته للحياة، فقال تعالى: “إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ * أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ” . وقال تعالى: “مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ” . وهذا الوعيد يشمل أصحاب هذه النظرة، سواء كانوا من الذين يعملون عمل الآخرة يريدون به الحياة الدنيا كالمنافقين والمرائين بأعمالهم، أو كانوا من الكفار الذين لا يؤمنون ببعث ولا حساب كحال أهل الجاهلية والمذاهب الهدَّامة من رأسمالية وشيوعية وعلمانية إلحادية.. ومن النظرة المادية للحياة الدنيا ما ذكره في قصة قارون وما آتاه اللّه من الكنوز: “فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ” . فتمنوا مثله وغبطوه ووصفوه بالحظ العظيم بناء على نظرتهم المادية، وهذا كما هو الحال الآن في الدول الكافرة وما عندها من تقدم صناعي واقتصادي، فإن ضعاف الإيمان من المسلمين ينظرون إليهم نظرة إعجاب دون نظر إلى ما هم عليه من الكفر وما ينتظرهم من سوء المصير، فتبعثهم هذه النظرة الخاطئة إلى تعظيم الكفار واحترامهم في نفوسهم، والتشبه بهم في أخلاقهم وعاداتهم السيئة، ولم يقلدوهم في الجد وإعداد القوة والشيء النافع من المخترعات والصناعات .

ثانيا: النظرة الصحيحة للحياة: هي أن يعتبر الإنسان ما في هذه الحياة من مال وسلطان وقوى مادية وسيلة يستعان بها لعمل الآخرة، فالدنيا في الحقيقة لا تذم لذاتها، وإنما يتوجه المدح والذم إلى فعل العبد فيها، فهي قنطرة ومعبر للآخرة ومنها زاد الجنة. وخير عيش يناله أهل الجنة إنما حصل لهم بما زرعوه في الدنيا، فهي دار الجهاد والصلاة والصيام والإنفاق في سبيل اللّه ومضمار التسابق إلى الخيرات. يقول اللّه تعالى لأهل الجنة: “كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ”، يعني الدنيا.

الرقى والتمائم: 
الرقى: جمع رقية وهي العُوذةُ التي يرقى بها صاحب الآفة كالحمى والصرع وغير ذلك من الآفات، ويسمونها العزائم، وهي على نوعين:

النوع الأول: ما كان خاليا من الشرك بأن يُقْرأ على المريض شيء من القرآن، أو يُعَوَّذ بأسماء اللّه وصفاته، فهذا مباح، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد رقى وأمر بالرقية وأجازها، فعن عوف بن مالك قال: “كنا نرقى في الجاهلية فقلنا: يا رسول اللّه كيف ترى في ذلك؟ فقال: اعرضوا عليَّ رقاكم، لا بأس بالرقى ما لم تكن شركا” . قال السيوطي: “وقد أجمع العلماء على جواز الرقى عند اجتماع ثلاثة شروط: أن تكون بكلام اللّه أو بأسماء اللّه وصفاته، وأن تكون باللسان العربي وما يعرف معناه، وأن يعتقد أن الرقية لا تؤثر بذاتها بل بتقدير اللّه تعالى” .

وكيفيتها أن يقرأ وينفث على المريض، أو يقرأ في ماء ويسقاه المريض، كما جاء في حديث ثابت بن قيس: “أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ ترابا من بطحان، فجعله في قدح، ثم نفث عليه، وصبه عليه” .

النوع الثاني: ما لم يخل من الشرك، وهي الرقى التي يستعان فيها بغير اللّه من دعاء غير اللّه والاستغاثة والاستعاذة به، كالرقى بأسماء الجن أو بأسماء الملائكة والأنبياء والصالحين، فهذا دعاء لغير اللّه وهو شرك أكبر، أو يكون بغير اللسان العربي أو بما لا يعرف معناه، لأنه يخشى أن يدخلها كفر أو شرك ولا يعلم عنه، فهذا النوع من الرقية ممنوع.

والتمائم جمع تميمة وهي: ما يعلق بأعناق الصبيان لدفع العين، وقد يعلق على الكبار من الرجال والنساء وهو على نوعين:

الأول: ما كان من القرآن، بأن يكتب آيات من القران، أو من أسماء الله وصفاته ويعلقها للاستشفاء بها، فهذا النوع قد اختلف العلماء في حكم تعليقه على قولين: القول الأول: الجواز، وهو قول عبد الله بن عمرو بن العاص، وهو ظاهر ما روي عن عائشة، وبه قال أبو جعفر الباقر وأحمد بن حنبل في رواية عنه، وحملوا الحديث الوارد في المنع من تعليق التمائم، على التمائم التي فيها شرك.

القول الثاني: المنع من ذلك وهو قول ابن مسعود وابن عباس وهو ظاهر قول حذيفة وعقبة بن عامر وابن عكيم، وبه قال جماعة من التابعين منهم أصحاب ابن مسعود وأحمد. وفي رواية اختارها كثير من أصحابه، وجزم بها المتأخرون، واحتجوا بما رواه ابن مسعود رضي اللّه عنه قال: “سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول: إن الرقى والتمائم والتِّولة شرك”. التولة: شيء يضعونه، يزعمون أنه يحبب المرأة إلى زوجها والرجل إلى امرأته .

وهذا هو الصحيح – أي المنع – لوجوه ثلاثة: الأول: عموم النهي ولا مخصص للعموم. الثاني: سد الذريعة فإنها تفضي إلى تعليق ما ليس مباحا. الثالث: أنه إذا علق شيئا من القرآن، فلا بد أن يمتهنه المعلق بحمله معه في حال قضاء الحاجة والاستنجاء ونحو ذلك .

النوع الثاني من التمائم: التي تعلق على الأشخاص ما كان من غير القرآن، كالخرز والعظام والودع والخيوط والنعال والمسامير وأسماء الشياطين والجن والطلاسم، فهذا محرم قطعا وهو من الشرك، لأنه تعلق على غير اللّه سبحانه وأسمائه وصفاته وآياته، وفي الحديث: “من تعلق شيئا وكل إليه”. أي وكله اللّه إلى ذلك الشيء الذي تعلقه، فمن تعلق باللّه والتجأ إليه، وفوض أمره إليه كفاه، وقرب إليه كل بعيد، ويسر له كل عسير، ومن تعلق بغيره من المخلوقين والتمائم والأدوية والقبور، وكله اللّه إلى ذلك الذي لا يغني عنه شيئا ولا يملك له ضرّا ولا نفعا، فخسر عقيدته وانقطعت صلته بربه وخذله اللّه.

والواجب على المسلم المحافظة على عقيدته مما يفسدها أو يخل بها، فلا يتعاطى ما لا يجوز من الأدوية، ولا يذهب إلى المخرفين والمشعوذين ليتعالج عندهم من الأمراض، لأنهم يمرضون قلبه وعقيدته، ومن توكل على اللّه كفاه.

وبعض الناس يعلق هذه الأشياء على نفسه، وهو ليس في مرض حسي، وإنما في مرض وهمي، وهو الخوف من العين والحسد، أو يعلقها على سيارته أو دابته أو باب بيته أو دكانه. وهذا كله من ضعف العقيدة ، وهو المرض الحقيقي الذي يجب علاجه بمعرفة التوحيد والعقيدة الصحيحة.

الحلف بغير الله والتوسل والاستغاثة بالمخلوق: 
الحلف: هو اليمين، وهي توكيد الحكم بذكر مُعظَّم على وجه الخصوص. والتعظيم: حق للّه تعالى فلا يجوز الحلف بغيره، فقد أجمع العلماء على أن اليمين لا تكون إلا باللّه أو بأسمائه وصفاته، وأجمعوا على المنع من الحلف بغيره . والحلف بغير اللّه شرك لما روى ابن عمر رضى اللّه تعالى عنهما: أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال: “من حلف بغير اللّه فقد كفر أو أشرك” . وهو شرك أصغر. إلا إذا كان المحلوف به معظَّما عند الحالف إلى درجة عبادته له فهذا شرك أكبر. كما هو الحال اليوم عند عُبَّاد القبور، فإنهم يخافون من يعظمون من أصحاب القبور أكثر من خوفهم من اللّه وتعظيمه، بحيث إذا طلب من أحدهم أن يحلف بالولي الذي يعظمه لم يحلف به إلا إذا كان صادقا، وإذا طلب منه أن يحلف باللّه حلف به وإن كان كاذبا. وقد قال تعالى: “وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ”. أي لا تحلفوا إلا عند الحاجة وفي حالة الصدق والبر، لأن كثرة الحلف أو الكذب فيها يدلان على الاستخفاف باللّه وعدم التعظيم له، وهذا ينافي كمال التوحيد. وفي الحديث أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال: “ثلاثة لا يكلمهم اللّه ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم” وجاء فيه: “ورجل جعل اللّه بضاعته لا يشتري إِلا بيمينه، ولا يبيع إلا بيمينه” . وكذلك يحرم الحلف باللّه كاذبا وهي الغموس .

التوسل بالمخلوق إلى اللّه تعالى: 
التوسل هو التقرب إلى الشيء والتوصل إليه. والوسيلة: القربة. قال اللّه تعالى:  “وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ”، أي: القربة إليه سبحانه بطاعته واتباع مرضاته. والتوسل قسمان: توسل مشروع وهو أنواع: الأول: التوسل إلى اللّه تعالى بأسمائه وصفاته، كما أمر تعالى بذلك في قوله: “وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ” .

الثاني: التوسل إلى اللّه تعالى بالإيمان والأعمال الصالحة: التي قام بها المتوسل، كما قال تعالى عن أهل الإيمان: “رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ” . وكما في حديث الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة فسدت عليهم باب الغار فلم يستطيعوا الخروج، فتوسلوا إلى اللّه بصالح أعمالهم، ففرج اللّه عنهم فخرجوا يمشون.

الثالث: التوسل إلى اللّه تعالى بتوحيده، كما توسل يونس عليه السلام: “فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ” .

الرابع: التوسل إلى اللّه تعالى بإظهار الضعف والحاجة والافتقار إلى اللّه، كما قال أيوب عليه السلام: “أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ” .

الخامس: التوسل إلى اللّه بدعاء الصالحين الأحياء، وكما كان الصحابة إذا أجدبوا طلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو اللّه لهم، ولما توفي صاروا يطلبون من عمه العباس رضي اللّه عنه، فيدعو لهم (رواه البخاري).

السادس: التوسل إلى اللّه بالاعتراف بالذنب: “قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي” . 

القسم الثاني: توسل غير مشروع: وهو التوسل بطلب الدعاء والشفاعة من الأموات، والتوسل بجاه النبي صلى الله عليه وسلم، والتوسل بذوات المخلوقين أو حقهم، وتفصيل ذلك كما يلي:

طلب الدعاء من الأموات لا يجوز: لأن الميت لا يقدر على الدعاء، كما كان يقدر عليه في الحياة، وطلب الشفاعة من الأموات لا يجوز، لأن عمر بن الخطاب ومعاوية بن أبي سفيان ومن بحضرتهما من الصحابة والتابعين لهم بإحسان لما أجدبوا استسقوا وتوسلوا واستشفعوا بمن كان حيا كالعباس وكيزيد بن الأسود، ولم يتوسلوا ولم يستشفعوا ولم يستسقوا بالنبي صلى الله عليه وسلم لا عند قبره ولا عند غيره، بل عدلوا إلى البدل كالعباس وكيزيد، وقد قال عمر: “اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل بعم نبينا فاسقنا”، فجعلوا هذا بدلا من ذلك لما تعذر أن يتوسلوا به على الوجه المشروع الذي كانوا يفعلونه.

التوسل بجاه النبي صلى الله عليه وسلم أو بجاه غيره لا يجوز : والحديث الذي فيه: “إذا سألتم اللّه فاسألوه بجاهي، فإن جاهي عند اللّه عظيم”. حديث مكذوب ليس في شيء من كتب المسلمين التي يعتمد عليها. ولا ذكره أحد من أهل العلم بالحديث . وما دام لم يصح فيه دليل فهو لا يجوز، لأن العبادات لا تثبت إلا بدليل صحيح صريح. 

التوسل بذوات المخلوقين لا يجوز: لأنه إن كان الباء للقسم فهو إقسام به على اللّه تعالى، وإذا كان الإقسام بالمخلوق على المخلوق لا يجوز وهو شرك كما في الحديث، فكيف بالإقسام بالمخلوق على الخالق جلّ وعلا؟

وإن كانت الباء للسببية، فاللّه سبحانه لم يجعل السؤال بالمخلوق سببا للإجابة، ولم يشرعه لعباده.

والتوسل بحق المخلوق لا يجوز لأمرين: الأول: أن اللّه سبحانه لا يجب عليه حق لأحد، وإنما هو الذي يتفضل سبحانه على المخلوق بذلك، كما قال تعالى: “وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ” . فكون المطيع يستحق الجزاء هو استحقاق فضل وإنعام، وليس استحقاق مقابلة كما يستحق المخلوق على المخلوق. الثاني: أن هذا الحق الذي تفضل اللّه به على عبده هو حق خاص به لا علاقة لغيره به، فإذا توسل به غير مستحقه كان متوسلا بأمر أجنبي لا علاقة له به، وهذا لا يجديه شيئا. وأما الحديث الذي فيه: “أسألك بحق السائلين”، فهو حديث لم يثبت، لأن في إسناده عطية العوفي وهو ضعيف مجمع على ضعفه، كما قال بعض المحدثين. وما كان كذلك فإنه لا يحتج به في هذه المسألة المهمة من أمور العقيدة، ثم إنه ليس فيه توسل بحق شخص معين، وإنما فيه التوسل بحق السائلين عموما وحق السائلين الإجابة كما وعدهم الله بذلك، وهو حق أوجبه على نفسه لهم لم يوجبه عليه أحد، فهو توسل بوعده الصادق لا بحق المخلوق.

حكم الاستعانة والاستغاثة بالمخلوق: 
الاستعانة: طلب العون والمؤازرة في الأمر. والاستغاثة: طلب الغوث وهو إزالة الشدة. فالاستعانة والاستغاثة بالمخلوق على نوعين النوع الأول: الاستعانة والاستغاثة بالمخلوق فيما يقدر عليه، وهذا جائز. قال تعالى: “وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى” . وقال تعالى: “فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ” .

النوع الثاني: الاستغاثة والاستعانة بالمخلوق فيما لا يقدر عليه إلا اللّه: كالاستعانة بالأموات، والاستغاثة بالأحياء، والاستعانة بهم فيما لا يقدر عليه إلا اللّه من شفاء المرضى وتفريج الكربات ودفع الضر، فهذا النوع غير جائز، وهو شرك أكبر، وقد كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم منافق يؤذي المؤمنين فقال بعضهم: قوموا بنا نستغيث برسول اللّه صلى الله عليه وسلم من هذا المنافق. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: “إنه لا يستغاث بي، وإنما يستغاث باللّه” . كره صلى الله عليه وسلم أن يستعمل هذا اللفظ في حقه وإن كان مما يقدر عليه في حياته حماية لجناب التوحيد وسدّا لذرائع الشرك، وأدبا وتواضعا لربه، وتحذيرا للأمة من وسائل الشرك في الأقوال والأفعال. فإذا كان هذا فيما يقدر عليه النبي صلى الله عليه وسلم في حياته، فكيف يستغاث به بعد مماته، ويطلب منه أمور لا يقدر عليها إلا اللّه . وإذا كان هذا لا يجوز في حقه صلى الله عليه وسلم فغيره من باب أولى.

المسألة الثالثة البدع

أولا: البدعة في اللغة
مأخوذة من البَدع وهو الاختراع على غير مثال سابق، ومنه قوله تعالى: “بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ”، أي مخترعها على غير مثال سابق، ويقال: أبَدع فلان بدعة يعني ابتدأ طريقة لم يسبق إليها. والابتداع على قسمين: ابتداع في العادات: كابتداع المخترعات الحديثة، وهذا مباح لأن الأصل في العادات الإباحة. وابتداع في الدين، وهذا محرم، لأن الأصل فيه التوقف، قال صلى الله عليه وسلم: “من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد”، وفي رواية: “من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد” .

ثانيا: أنواع البدع 
البدعة في الدين نوعان:
الأول: بدعه قولية اعتقادية: كمقالات الجهمية والمعتزلة والرافضة وسائر الفرق الضالة واعتقاداتهم.
الثاني: بدعة في العبادات: كالتعبد للّه بعبادة لم يشرعها وهي أقسام:

الأول: ما يكون في أصل العبادة: بأن يحدث عبادة ليس لها أصل في الشرع، كأن يحدث صلاة غير مشروعة أو صياما غير مشروع أصلا أو أعيادا غير مشروعة كأعياد الموالد وغيرها. الثاني: ما يكون من الزيادة في العبادة المشروعة، كما لو زاد ركعة خامسة في صلاة الظهر أو العصر مثلا. الثالث: ما يكون في صفة أداء العبادة المشروعة بأن يؤديها على صفة غير مشروعة، وذلك كأداء الأذكار المشروعة بأصوات جماعية مطربة، وكالتشديد على النفس في العبادات إلى حد يخرج عن سنة الرسول صلى الله عليه وسلم. الرابع: ما يكون بتخصيص وقت للعبادة المشروعة لم يخصصه الشرع كتخصيص يوم النصف من شعبان وليله بصيام وقيام، فإن أصل الصيام والقيام مشروع ولكن تخصيصه بوقت من الأوقات يحتاج إلى دليل.

ثاثا: حكم البدعة في الدين
كل بدعة في الدين فهي محرمة وضلالة، لقوله صلى الله عليه وسلم:”وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة” . ومعنى ذلك أن البدع في العبادات والاعتقادات محرمة، ولكن التحريم يتفاوت بحسب نوعية البدعة، فمنها ما هو كفر صراح، كالطواف بالقبور تقربا إلى أصحابها. وتقديم الذبائح والنذور لها. ودعاء أصحابها. والاستغاثة بهم، وكأقوال غلاة الجهمية والمعتزلة. ومنها ما هو من وسائل الشرك، كالبناء على القبور والصلاة والدعاء عندها. ومنها ما هو فسق اعتقادي كبدعة الخوارج والقدرية والمرجئة في أقوالهم واعتقاداتهم المخالفة للأدلة الشرعية. ومنها ما هو معصية كبدعة التبتل والصيام قائما في الشمس، والخصاء بقصد قطع شهوة الجماع .

رابعا: تقسيم البدعة إلى حسنة وسيئة
من قسم البدعة إلى بدعة حسنة وبدعة سيئة فهو مخطئ ومخالف لقوله صلى الله عليه وسلم: “كل بدعة ضلالة”. لأن الرسول صلى الله عليه وسلم حكم على البدع كلها بأنها ضلالة، وهذا يقول ليس كل بدعة ضلالة بل هناك بدعة حسنة.

قال الحافظ ابن رجب في شرح الأربعين: فقوله صلى الله عليه وسلم: “كل بدعة ضلالة”، من جوامع الكلم لا يخرج عنه شيء، وهو أصل عظيم من أصول الدين، وهو شبيه بقوله صلى الله عليه وسلم: “من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد”، فكل من أحدث شيئا ونسبه إلى الدين ولم يكن له أصل من الدين يرجع إليه فهو ضلالة. والدين بريء منه، وسواء في ذلك مسائل الاعتقادات أو الأعمال أو الأقوال الظاهرة والباطنة” . وليس لهؤلاء حجة على أن هناك بدعة حسنة، إلا قول عمر رضي اللّه عنه في صلاة التراويح:”نعمت البدعة هذه”. وقالوا أيضا: إنها أحدثت أشياء لم يستنكرها السلف مثل جمع القرآن في كتاب واحد. وكتابة الحديث وتدوينه. والجواب عن ذلك أن هذه الأمور لها أصل في الشرع فليست محدثة، وقول عمر “نعمت البدعة”، يريد البدعة اللغوية لا الشرعية.

فما كان له أصل في الشرع يرجع إليه، فإذا قيل إنه بدعة فهو بدعة لغة لا شرعا، لأن البدعة شرعا ما ليس له أصل في الشرع يرجع إليه، وجمع القراَن في كتاب واحد له أصل في الشرع، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأمر بكتابة القراَن، لكن كان مكتوبا متفرقا فجمعه الصحابة رضي اللّه عنهم في مصحف واحد حفظا له، والتراويح قد صلاها النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه ليالي وتخلف عنها في الأخير خشية أن تفرض عليهم، واستمر الصحابة رضي اللّه عنهم يصلونها أوزاعا متفرقين في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وبعد وفاته إلى أن جمعهم عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه على إمام واحد كما كانوا خلف النبي صلى الله عليه وسلم معه، وليس هذا بدعة في الدين، وكتابة الحديث أيضا لها أصل في الشرع فقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بكتابة بعض الأحاديث لبعض أصحابه لما طلب منه ذلك، وكان المحذور من كتابته بصفة عامة في عهده صلى الله عليه وسلم خشية أن يختلط بالقرآن ما ليس منه، فلما توفي صلى الله عليه وسلم انتفى هذا المحذور، لأن القرآن قد تكامل وضبط قبل وفاته صلى الله عليه وسلم، فدون المسلمون الحديث بعد ذلك حفظا له من الضياع.

خامسا: ظهور البدع في حياة المسلمين والأسباب التي أدت إليها

1- وقت ظهور البدع
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه اللّه: “واعلم أن عامة البدع المتعلقة بالعلوم والعبادات إنما وقع في الأمة في أواخر الخلفاء الراشدين كما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: “من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا؟ فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين” . وأول بدعة ظهرت بدعة القدر وبدعة الإرجاء، وبدعة التشيع والخوارج، ولما حدثت الفرقة بعد مقتل عثمان ظهرت بدعة الحرورية، ثم في أواخر عصر الصحابة حدثت القدرية في آخر عصر ابن عمر وابن عباس وجابر وأمثالهم من الصحابة، وحدثت المرجئة قريبا من ذلك. وأما الجهمية فإنها حدثت في أواخر عصر التابعين بعد موت عمر بن عبد العزيز، وقد روي أنه أنذر بهم، وكان ظهور جهم بخراسان في خلافة هشام بن عبد الملك.

هذه البدع ظهرت في القرن الثاني والصحابة موجودون وقد أنكروا على أهلها، ثم ظهرت بدعة الاعتزال وحدثت الفتن بين المسلمين وظهر اختلاف الآراء والميل إلى البدع والأهواء، وظهرت بدعة التصوف وبدعة البناء على القبور بعد القرون المفضلة، وهكذا كلما تأخر الوقت زادت البدع وتنوعت” .

2- مكان ظهور البدع
تختلف البلدان الإسلامية في ظهور البدع فيها، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: “فإن الأمصار الكبار التي سكنها أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وخرج منها العلم والإيمان خمسة: الحرمان، والعراقان، والشام . منها خرج القرآن والحديث والفقه والعبادة وما يتبع ذلك من أمور الإسلام، وخرج من هذه الأمصار بدع أصولية غير المدينة النبوية. فالكوفة خرج منها التشيع والإرجاء وانتشر بعد ذلك في غيرها، والبصرة خرج منها القدر والاعتزال والنسك الفاسد وانتشر بعد ذلك في غيرها، والشام كان بها النصب والقدر، وأما التجهم فإنما ظهر من ناحية خراسان وهو شر البدع. وكان ظهور البدع بحسب البعد عن الدار النبوية، فلما حدثت الفرقة بعد مقتل عثمان ظهرت بدعة الحرورية، وأما المدينة النبوية فكانت سليمة من ظهور هذه البدعٍ وإن كان بها من هو مضمر لذلك، فكان عندهم مهانا مذموما، إذ كان بها قوم من القدرية وغيرهم ولكن كانوا مقهورين ذليلين بخلاف التشيع والإرجاء في الكوفة، والاعتزال وبدع النُّساك بالبصرة، والنصب بالشام فإنه كان ظاهراَ، وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الدجال لا يدخلها، ولم يزل العلم والإيمان ظاهرا إلى زمن أصحاب مالك وهم من أهل القرن الرابع” . 

فأما العصور الثلاثة المفضلة فلم يكن فيها بالمدينة النبوية بدعة ظاهرة البتة، ولا خرج منها بدعة في أصول الدين البتة كما خرج من سائر الأمصار.

3- الأسباب التي أدت إلى ظهور البدع
مما لا شك فيه أن الاعتصام بالكتاب والسنة فيه منجاة من الوقوع في البدع والضلال. قال تعالى: “وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ” . وقد وضح ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه ابن مسعود رضي اللّه عنه قال: “خط لنا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم خطّا فقال: هذا سبيل اللّه ثم خط خطوطا عن يمينه وعن شماله ثم قال: وهذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه. ثم تلا: “وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ” . فمن أعرض عن الكتاب والسنة تنازعته الطرق المضلة والبدع المحدثة. فالأسباب التي أدت إلى ظهور البدع تتلخص في الأمور التالية:

الجهل بأحكام الدين: كلما امتد الزمن وبعد الناس عن آثار الرسالة قل العلم وفشى الجهل، كما أخبر بذلك النبي بقوله: “من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا” ، وقوله: “إن اللّه لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يُبْق عالما اتخذ الناس رءوسا جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضَلوا وأضلوا” . فلا يقاوم البدع إلا العلم والعلماء، فإذا فقد العلم والعلماء أتيحت الفرصة للبدع أن تظهر وتنتشر ولأهلها أن ينشطوا.

اتباع الهوى : من أعرض عن الكتاب والسنة اتبع هواه، كما قال تعالى: “فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ” . وقال تعالى: “أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ” . والبدع إنما هي نسيج الهوى المتبع.

التعصب للآراء والرجال: يحول بين المرء واتباع الدليل ومعرفة الحق التعصب للآراء والرجال، قال تعالى: “وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا” . وهذا هو الشأن في المتعصبين اليوم من بعض أتباع المذاهب الصوفية والقبوريين، إذا دعوا إلى اتباع الكتاب والسنة ونبذ ما هم عليه مما يخالفهما احتجوا بمذاهبهم ومشائخهم وآبائهم وأجدادهم .

التشبه بالكفار: هو من أشد ما يوقع في البدع، كما في حديث أبي واقد الليثي قال: “خرجنا مع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم إلى حنين ونحن حدثاء عهد بكفر، وللمشركين سدرة يعكفون عندها وينوطون بها أسلحتهم يقال لها ذات أنواط، فمررنا بسدرة فقلنا: يا رسول اللّه اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: اللّه أكبر، إنها السنن، قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى: “اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ” . لتركبن سنن من قبلكم” . ففي هذا الحديث أن التشبه بالكفار هو الذي حمل بني إسرائيل أن يطلبوا هذا الطلب القبيح، وهو أن يجعل لهم آلهة يعبدونها، وهو الذي حمل بعض أصحاب محمد أن يسألوه أن يجعل لهم شجرة يتبركون بها من دون اللّه، وهذا نفس الواقع اليوم، فإن غالب الناس من المسلمين قلدوا الكفار في عمل البدع والشركيات كأعياد الموالد، وإقامة الأيام والأسابيع لأعمال مخصصة، والاحتفال بالمناسبات الدينية والذكريات، وإقامة التماثيل والنصب التذكارية، وإقامة المآتم وبدع الجنائز، والبناء على القبور وغير ذلك.

سادسا: موقف الأمة الإسلامية من المبتدعة ومنهج أهل السنة والجماعة في الرد عليهم 
ما زال أهل السنة والجماعة يردون على المبتدعة، وينكرون عليهم بدعهم ويمنعونهم من مزاولتها، وإليك نماذج من ذلك: عن أم الدرداء قالت: “دخل علي أبو الدرداء مغضبا، فقلت له: مالك؟ فقال: واللّه ما أعرف فيهم شيئا من أمر محمد إلا أنهم يصلون جميعا” .

عن عمر بن يحيى قال: سمعت أبي يحدث عن أبيه قال: كنا نجلس على باب عبد اللّه بن مسعود قبل صلاة الغداة، فإذا خرج مشينا معه إلى المسجد، فجاءنا أبو موسى الأشعري، فقال: أخرج عليكم أبو عبد الرحمن بعد؟ قلنا: لا، فجلس معنا حتى خرج، فلما خرج قمنا إليه جميعا، فقال: يا أبا عبد الرحمن إني رأيت في المسجد آنفا أمرا أنكرته، ولم أر والحمد للّه إلا خيرا، قال: وما هو ؟ قال: إن عشت فستراه، قال: رأيت في المسجد قوما حلقَاَ جلوسا ينتظرون الصلاة، في كل حلقة رجل، وفي أيديهم حصى، فيقول: كبروا مائة، فيكبرون مائة، فيقول: هللوا مائة فيهللون مائة، فيقول: سبحوا مائة، فيسبحون مائة، قال فماذا قلت لهم؟ فقال: ما قلت شيئَاَ انتظار رأيك، أو انتظار أمرك، قال: أفلا أمرتهم أن يعدوا سيئاتهم، وضمنت لهم أن لا يضيع من حسناتهم شيء؟ ثم مضى ومضينا معه حتى أتى حلقة من تلك الحلق فوقف عليها فقال: ما هذا الذي أراكم تصنعون؟ فعدوا سيئاتكم، فأنا ضامن من أن لا يضيع من حسناتكم شيء، ويحكم يا أمة محمد ما أسرع هلكتكم، هؤلاء أصحابه متوافرون، وهذه ثيابه لم تبل، وآنيته لم تكسر، والذي نفسي بيده إنكم لعلى ملة هي أهدى من ملة محمد، أو مفتتحو باب ضلالة، قالوا: واللّه يا أبا عبد الرحمن ما أردنا إلا الخير، قال: وكم مريد للخير لن يصيبه، إن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم حدثنا أن قوما يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، وايم اللّه لا أدري لعل أكثرهم منكم، ثم تولى عنهم. فقال عمر بن سلمة: رأينا عامة أولئك يطاعنوننا يوم النهروان مع الخوارج .

وجاء رجل إلى الإمام مالك بن أنس رحمه اللّه فقال: من أين أحرم؟ فقال: من الميقات الذي وقت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وأحرم منه، فقال الرجل: فإن أحرمت من أبعد منه؟ فقال مالك: لا أرى ذلك، فقال: ما تكره من ذلك؟ قال: أكره عليك الفتنة، قال: وأي فتنة في ازدياد الخير؟! فقال: فإن اللّه تعالى يقول: “فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ “، وأي فتنة أعظم من أنك خصصت بفضل لم يختص به رسول اللّه صلى الله عليه وسلم.

ومنهج أهل السنة والجماعة في الرد على أهل البدع مبني على الكتاب والسنة. وهو المنهج المقنع حيث يوردون شبه المبتدعة وينقضونها. ويستدلون بالكتاب والسنة على وجوب التمسك بالسنن والنهي عن البدع والمحدثات. وقد ألفوا المؤلفات الكثيرة في ذلك، وردوا في كتب العقائد على الشيعة والخوارج والجهمية والمعتزلة والأشاعرة في مقالاتهم المبتدعة في أصول الإيمان والعقيدة، وألفوا كتباَ خاصة في ذلك، كما ألف الإمام أحمد كتاب “الرد على الجهمية”، وألف غيره من الأئمة في ذلك كعثمان بن سعيد الدارمي، وكما في كتب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم والشيخ محمد بن عبد الوهاب وغيرهم من الرد على تلك الفرق وعلى القبورية والصوفية، وأما الكتب الخاصة في الرد على أهل البدع فهي كثيرة.

سابعا: نماذج من البدع المعاصرة 

1- الاحتفال بالمولد النبوي:
وهو تشبه بالنصارى في عمل ما يسمى بالاحتفال بمولد المسيح، فيحتفل جهلة المسلمين أو العلماء المضلين في ربيع الأول من كل سنة بمناسبة مولد الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، فمنهم من يقيم هذا الاحتفال في المساجد، ومنهم من يقيمه في البيوت أو الأمكنة المعدة لذلك. ويحضر جموع كثيرة من دهماء الناس وعوامهم، يعملون ذلك تشبها بالنصارى في ابتداعهم الاحتفال بمولد المسيح عليه السلام، والغالب أن هذا الاحتفال علاوة على كونه بدعة وتشبها بالنصارى لا يخلو من وجود الشركيات والمنكرات، كإنشاد القصائد التي فيها الغلو في حق الرسول صلى الله عليه وسلم إلى درجة دعائه من دون اللّه والاستغاثة به، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الغلو في مدحه فقال: “لا تطروني  كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد فقولوا: عبد اللّه ورسوله” . وربما يعتقدون أن الرسول صلى الله عليه وسلم يحضر احتفالاتهم.

ومن المنكرات التي تصاحب هذه الاحتفالات الأناشيد الجماعية المنغمة وضرب الطبول. وغير ذلك من عمل الأذكار الصوفية المبتدعة، وقد يكون فيها اختلاط بين الرجال والنساء مما يسبب الفتنة ويجر إلى الوقوع في الفواحش، وحتى لو خلا هذا الاحتفال من هذه المحاذير واقتصر على الاجتماع وتناول الطعام وإظهار الفرح كما يقولون، فإنه بدعة محدثة “وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة”، وأيضا هو وسيلة إلى أن يتطور ويحصل فيه ما يحصل في الاحتفالات الأخرى من المنكرات. وقلنا: إنه بدعة لأنه لا أصل له في الكتاب والسنة وعمل السلف الصالح والقرون المفضلة، وإنما حدث متأخرا بعد القرن الرابع الهجري، أحدثه الفاطميون الشيعة.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: “وكذلك ما يُحدث بعض الناس، إما مضاهاة للنصارى في ميلاد عيسى عليه السلام، وإما محبة للنبي صلى الله عليه وسلم وتعظيما من اتخاذ مولد النبي صلى الله عليه وسلم عيداَ مع اختلاف الناس في مولده، فإن هذا لم يفعله السلف، ولو كان هذا خيرا محضا وراجعا لكان السلف رضي الله عنهم أحق به مَنا. فإنهم كانوا أشد محبة للنبي صلى الله عليه وسلم وتعظيماَ له منا. وهم على الخير أحرص، وإنما كان محبته وتعظيمه في متابعته وطاعته واتباع أمره وإحياء سنته باطناَ وظاهراَ ونشر ما بعث به والجهاد على ذلك بالقلب واليد واللسان، فإن هذه طريقة السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان” . وهو علاوة على كونه بدعة وتشبهاَ فإنه يجر في إقامة موالد أخرى كموالد الأولياء والمشائخ والزعماء. فيفتح أبواب شر كثيرة.

2- التبرك بالأماكن والآثار والأشخاص أحياء وأمواتا: 
من البدع المحدثة التبرك بالمخلوقين، وهو لون من ألوان الوثنية، وشبهة يصطاد بها المرتزقة أموال السذج من الناس، والتبرك: طلب البركة وهي ثبوت الخير في الشيء وزيادته، وطلب ثبوت الخير وزيادته إنما يكون ممن يملك ذلك ويقدر عليه وهو اللّه سبحانه، فهو الذي ينزل البركة ويثبتها، أما المخلوق فإنه لا يقدر على منح البركة وإيجادها ولا على إبقائها وتثبيتها، فالتبرك بالأماكن والآثار والأًشخاص أحياء وأمواتا لا يجوز، لأنه إما شرك إن اعتقد أن ذلك الشيء يمنح البركة، أو وسيلة إلى الشرك إن اعتقد أن زيادته وملامسته والتمسح به سبب لحصولها من اللّه، وأما ما كان الصحابة يفعلونه من التبرك بشعر النبي صلى الله عليه وسلم وريقه وما انفصل من جسمه كما تقدم، فذلك خاص به صلى الله عليه وسلم في حال حياته ووجوده بينهم بدليل أن الصحابة لم يكونوا يتبركون بحجرته وقبره بعد موته، ولا كانوا يقصدون الأماكن التي صلى فيها أو جلس فيها ليتبركوا بها، وكذلك مقامات الأولياء من باب أولى، ولم يكونوا يتبركون بالأشخاص الصالحين كأبي بكر وعمر وغيرهما من أفاضل الصحابة لا في الحياة ولا بعد الموت. ولم يكونوا يذهبون إلى غار حراء ليصلوا فيه أو يدعوا، ولم يكونوا يذهبون إلى الطور الذي كلم اللّه عليه موسى ليصلوا فيه ويدعوا، أو إلى غير هذه الأمكنة من الجبال التي يقال إن فيها مقامات الأنبياء أو غيرهم. ولا إلى مشهد مبني على أثر نبي من الأنبياء، وأيضاَ فإن المكان الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي فيه بالمدينة النبوية دائما لم يكن أحد من السلف يستلمه ولا يقبله، ولا الموضع الذي صلى فيه بمكة وغيرها، فإذا كان الموضع الذي كان يطؤه بقدمه الكريمة ويصلي عليه لم يشرع لأمته التمسح به ولا تقبيله فكيف بما يقال إن غيره صلى فيه أو نام عليه. فتقبيل الشيء من ذلك والتمسح به قد علم العلماء بالاضطرار من دين الإسلام أن هذا ليس من شريعته صلى الله عليه وسلم.

3- البدع في مجال العبادات والتقرب إلى الله: 
البدع التي أحدثت في مجال العبادات في هذا الزمان كثيرة، والأصل في العبادات التوقيف فلا يشرع شيء منها إلا بدليل. وما لم يدل عليه دليل فهو بدعة لقوله صلى الله عليه وسلم: “من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد”. والعبادات التي تمارس الآن ولا دليل عليها كثيرة جدا، منها:

الجهر بالنية بالصلاة بأن يقول: نويت أن أصلي للّه كذا وكذا، وهذه بدعة لأنه ليس من سنة النبي صلى الله عليه وسلم، ولأن اللّه تعالى يقول: “قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم” . والنية محلها القلب، فهي عمل قلبي لا عمل لساني.

ومنها الذكر الجماعي بعد الصلاة، لأن المشروع أن كل شخص يقول الذكر الوارد منفردا، ومنها طلب قراءة الفاتحة في المناسبات وبعد الدعاء وللأموات.

ومنها إقامة المآتم على الأموات وصناعة الأطعمة واستئجار المقرئين يزعمون أن ذلك من باب العزاء أو أن ذلك ينفع الميت، وكل ذلك بدع لا أصل لها وآصار وأغلال ما أنزل اللّه بها من سلطان.

ومنها الاحتفال بالمناسبات الدينية كمناسبة الإسراء والمعراج ومناسبة الهجرة النبوية. وهذا الاحتفال بتلك المناسبات لا أصل له في الشرع، ومن ذلك ما يفعل في شهر رجب كالعمرة الرجبية وما يفعل فيه من العبادات الخاصة به كالتطوع بالصلاة والصيام فيه خاصة، فإنه لا ميزة له على غيره من الشهور لا في العمرة والصيام والصلاة والذبح للنسك فيه ولا غير ذلك.

ومن ذلك الأذكار الصوفية بأنواعها. كلها بدع ومحدثات لأنها مخالفة للأذكار المشروعة في صيغها وهيئاتها وأوقاتها.

ومن ذلك تخصيص ليلة النصف من شعبان بقيام، ويوم النصف من شعبان بصيام، فإنه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك شيء خاص به.

ومن ذلك البناء على القبور واتخاذها مساجد وزيارتها لأجل التبرك بها والتوسل بالموتى وغير ذلك من الأعراض الشركية. وزيارة النساء لها مع أن الرسول صلى الله عليه وسلم لعن زوارات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج.

إن البدع بريد الكفر. وهي زيادة دين لم يشرعه اللّه ولا رسوله، والبدعة شر من المعصية الكبيرة. والشيطان يفرح بها أكثر مما يفرح بالمعاصي الكبيرة، لأن العاصي يفعل المعصية وهو يعلم أنها معصية فيتوب منها، والمبتدع يفعل البدعة يعتقدها دينا يتقرب به إلى اللّه فلا يتوب منها، والبدع تقضي على السنن وتكره إلى أصحابها فعل السنن وأهل السنة، والبدعة تباعد عن اللّه وتوجب غضبه وعقابه وتسبب زيغ القلوب وفسادها.

4- ما يعامل به المبتدعة: 
تحرم زيارة المبتدع ومجالسته إلا على وجه النصيحة له والإنكار عليه. ويجب التحذير منهم ومن شرهم إذا لم يكن الأخذ على أيديهم ومنعهم من مزاولة البدع. ثم أنه يجب أن يعلم أن دول الكفر تشجع المبتدعة على نشر بدعهم وتساعدهم على ذلك بشتى الطرق لأن في ذلك القضاء على الإسلام وتشويه صورته.


5- العقيدة الصحيحة: 
قال الشيخ ابن باز : “وأصل دين الإسلام هي العقيدة الصحيحة، فلا تقبل الأعمال والأقوال إن تجردت من العقيدة الصحيحة، قال تعالى: “ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملُك ولتكونن من الخاسرين”. وقد دل كتاب الله المبين وسنة رسوله الأمين عليه من ربه أفضل الصلاة والتسليم على أن العقيدة الصحيحة تتلخص في: الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره، فهذه الأمور الستة هي أصول العقيدة الصحيحة التي نزل بها كتاب الله العزيز، وبعث الله بها رسوله محمدا عليه الصلاة والسلام، ويتفرع عن هذه الأصول كل ما يجب الإيمان به من أمور الغيب وجميع ما أخبر الله به ورسوله صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: “لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ”، فمن الإيمان بالله سبحانه: الإيمان بأنه الإله الحق المستحق للعبادة دون كل ما سواه لكونه خالق العباد والمحسن إليهم، والقادر على إثابة مطيعهم وعقاب عاصيهم، كما قال تعالى: “وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ”، وقد أرسل الله الرسل وأنزل الكتب لبيان هذا الحق والدعوة إليه، والتحذير مما يضاده، كما قال سبحانه: “وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ “، وإفراد الله سبحانه بجميع ما تعَبد العباد به من دعاء وخوف ورجاء وصلاة وصوم وذبح ونذر وغير ذلك من أنواع العبادة، على وجه الخضوع له والرغبة والرهبة مع كمال الحب له سبحانه والذل لعظمته، وغالب القرآن الكريم نزل في هذا الأصل العظيم، كقوله سبحانه: “فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ”، وقوله سبحانه: “وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ”، وقوله عز وجل: “فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ”. وفي الصحيحين عن معاذ رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا”.

ومن الإيمان بالله أيضا الإيمان بجميع ما أوجبه على عباده وفرضه عليهم من أركان الإسلام الخمسة الظاهرة وهي: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج بيت الله الحرام لمن استطاع إليه سبيلا، وغير ذلك من الفرائض التي جاء بها الشرع المطهر. فشهادة أن لا إله إلا الله تقتضي إخلاص العبادة لله وحده ونفيها عما سواه، وهذا هو معنى لا إله إلا الله، فإن معناها: لا معبود بحق إلا الله، فكل ما عبد من دون الله من بشر أو ملك أو جني أو غير ذلك فكله معبود بالباطل، والمعبود بالحق هو الله وحده، كما قال سبحانه: “ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ”.

ومن الإيمان بالله سبحانه: الإيمان بأنه خالق كل شيء وأنه مالك الدنيا والآخرة ورب العالمين جميعا لا خالق غيره، ولا رب سواه، وأنه أرسل الرسل وأنزل الكتب لإصلاح العباد ودعوتهم إلى ما فيه نجاتهم وصلاحهم في العاجل والآجل، وأنه سبحانه لا شريك له في جميع ذلك، قال تعالى: “اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ “.

ومن الإيمان بالله أيضا: الإيمان بأسمائه الحسنى وصفاته العلى الواردة في كتابه العزيز، والثابتة عن رسوله الأمين و التي يجب أن تُمَرَّ كما جاءت بلا كيف، مع الإيمان بما دلت عليه من المعاني العظيمة التي هي أوصاف لله عز وجل يجب وصفه بها على الوجه اللائق به من غير أن يشابه خلقه في شيء من صفاته، كما قال تعالى: “لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ”، وقال عز وجل: “فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ”، وقال الوليد بن مسلم رحمه الله : سئل مالك والأوزاعي والليث بن سعد وسفيان الثوري رحمهم الله عن الأخبار الواردة في الصفات، فقالوا جميعا: “أمروها كما جاءت بلا كيف”، ولما سئل الإمام مالك رحمه الله عن ذلك ، قال: “الاستواء معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة. ثم قال للسائل: ما أراك إلا رجل سوء. وأمر به فأخرج”. فيجب إثبات لله سبحانه ما أثبته لنفسه في كتابه الكريم أو أثبته له رسوله محمد صلى الله عليه وسلم في سنته، إثباتا بلا تمثيل، وتنزيهه سبحانه عن مشابهة خلقه تنزيها بريئا من التعطيل، قال تعالى: “وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا”.

وأما الإيمان بالملائكة فيتضمن: الإيمان بهم إجمالا وتفصيلا، فيؤمن المسلم بأن لله ملائكة خلقهم لطاعته، ووصفهم بأنهم: “عِبَادٌ مُكْرَمُونَ لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ”، وهم أصناف كثيرة منهم الموكلون بحمل العرش، ومنهم خزنة الجنة والنار، ومنهم الموكلون بحفظ أعمال العباد. ونؤمن على سبيل التفصيل بمن سمى الله ورسوله منهم كجبريل وميكائيل ومالك خازن النار وإسرافيل الموكل بالنفخ في الصور. وقد ثبت في الصحيح عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “خلقت الملائكة من نور وخلق الجان من مارج من نار وخلق آدم مما وصف لكم” . وهكذا الإيمان بالكتب يجب الإيمان إجمالا بأن الله سبحانه أنزل كتبا على أنبيائه ورسله لبيان حقه والدعوة إليه، كما قال تعالي: “لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ”. ونؤمن على سبيل التفصيل بما سمى الله منها كالتوراة، والإنجيل والزبور والقرآن. والقرآن هو أفضلها وخاتمها، وهو المهيمن والمصدق لها، وهو الذي يجب على جميع الأمة اتباعه وتحكيمه. قال سبحانه : “وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ”. وهكذا الرسل يجب الإيمان بهم إجمالا وتفصيلا فنؤمن أن الله سبحانه أرسل إلى عباده رسلا منهم مبشرين ومنذرين ودعاة إلى الحق، فمن أجابهم فاز بالسعادة، ومن خالفهم باء بالخيبة والندامة، وخاتمهم وأفضلهم هو نبينا محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، كما قال سبحانه: “وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ”. وقال تعالى: “مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ “.

ومن سمى الله منهم أو ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تسميته آمنا به على سبيل التفصيل والتعيين كنوح وهود وصالح وإبراهيم وغيرهم صلى الله وسلم عليهم وعلى آلهم وأتباعهم.

وأما الإيمان باليوم الآخر فيدخل فيه الإيمان بكل ما أخبر الله به ورسوله صلى الله عليه وسلم مما يكون بعد الموت كفتنة القبر وعذابه ونعيمه، وما يكون يوم القيامة من الأهوال والشدائد والصراط والميزان والحساب والجزاء ونشر الصحف بين الناس، فآخذ كتابه بيمينه وآخذ كتابه بشماله، أو من وراء ظهره، ويدخل في ذلك أيضا الإيمان بالحوض المورود لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، والإيمان بالجنة والنار، ورؤية المؤمنين لربهم سبحانه وتكليمه إياهم، وغير ذلك مما جاء في القرآن الكريم والسنة الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. فيجب الإيمان بذلك كله وتصديقه على الوجه الذي بينه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.

وأما الإيمان بالقدر فيتضمن: الإيمان بأمور أربعة:

أولها: أن الله سبحانه قد علم ما كان وما يكون، وعلم أحوال عباده، وعلم أرزاقهم وآجالهم وأعمالهم وغير ذلك من شئونهم لا يخفى عليه من ذلك شيء سبحانه وتعالى كما قال سبحانه: “إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ”.

الأمر الثاني: كتابته سبحانه لكل ما قدره وقضاه. قال تعالى: “أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ”.

الأمر الثالث: الإيمان بمشيئته النافذة فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن كما قال سبحانه: “إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ”.

الأمر الرابع: خلقه سبحانه لجميع الموجودات لا خالق غيره ولا رب سواه. كما قال سبحانه: “اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ”.

ويدخل في الإيمان بالله اعتقاد أن الإيمان قول وعمل يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وأنه لا يجوز تكفير أحد من المسلمين بشيء من المعاصي التي دون الشرك والكفر.

ومن الإيمان بالله الحب في الله والبغض في الله والموالاة في الله والمعاداة في الله، فيحب المؤمن المؤمنين ويواليهم، ويبغض الكفار ويعاديهم. وعلى رأس المؤمنين من هذه الأمة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: “خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم” . ويجب الإمساك عما شجر بين الصحابة، والإعتقاد أنهم في ذلك مجتهدون من أصاب فله أجران ومن أخطأ فله أجر. وتجب محبة أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم المؤمنين به، وموالاتهم وموالاة أزواج الرسول الله صلى الله عليه وسلم أمهات المؤمنين، والترضي عنهن جميعا، ويتبرءون من طريقة الروافض الذين يبغضون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ويسبونهم ويغلون في أهل البيت، ويرفعونهم فوق منزلتهم التي أنزلهم الله عز وجل، كما يتبرءون من طريقة النواصب الذين يؤذون أهل البيت بقول أو عمل. وجميع ما ذكرناه في هذه الكلمة الموجزة داخل في العقيدة الصحيحة التي بعث الله بها رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم ، وهي عقيدة الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة التي قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم: “لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله سبحانه”.

ولا تجب عبادة الأصنام والأوثان والملائكة والأولياء والجن والأشجار والأحجار وغيرها ، و سؤالها قضاء الحاجات وشفاء المرضى والنصر على الأعداء، ولا الذبح لها. ولما أنكر عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك وأمرهم بإخلاص العبادة لله وحده استغربوا ذلك وأنكروه وقالوا: “أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ “، فلم يزل صلى الله عليه وسلم يدعوهم إلي الله وينذرهم من الشرك ويشرح لهم حقيقة ما يدعو إليه حتى هدى الله منهم من هدى، ثم دخلوا بعد ذلك في دين الله أفواجا، فظهر دين الله على سائر الأديان بعد دعوة متواصلة وجهاد طويل من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم والتابعين لهم بإحسان، ثم تغيرت الأحوال وغلب الجهل على أكثر الخلق حتى عاد الأكثرون إلي دين الجاهلية بالغلو في الأنبياء والأولياء ودعائهم والاستغاثة بهم وغير ذلك من أنواع الشرك، ولم يزل هذا الشرك يفشو في الناس إلي عصرنا هذا بسبب غلبة الجهل وبعد العهد بعصر النبوة. 

وشبهة هؤلاء المتأخرين هي شبهة الأولين، وهي قولهم: “هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ” “مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى”. وقد أبطل الله هذه الشبهة وبين أن من عبد غيره كائنا من كان فقد أشرك به وكفر، كما قال تعالى: “وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ”. فرد الله عليهم سبحانه بقوله: “قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا”. 

ومن العقائد الكفرية المضادة للعقيدة الصحيحة، والمخالفة لما جاءت به الرسل عليهم الصلاة والسلام: ما يعتقده الملاحدة في هذا العصر من أتباع ماركس ولينين وغيرهما من دعاة الإلحاد والكفر، سواء سموا ذلك اشتراكية أو شيوعية أو بعثية أو غير ذلك من الأسماء، فإن من أصول هؤلاء الملاحدة أنه لا إله والحياة مادة، ومن أصولهم إنكار المعاد وإنكار الجنة والنار، والكفر بالأديان كلها.

ومن العقائد المضادة للحق ما يعتقده بعض المتصوفة من أن بعض من يسمونهم بالأولياء يشاركون الله في التدبير، ويتصرفون في شئون العالم، ويسمونهم بالأقطاب والأوتاد والأغواث، وغير ذلك من الأسماء التي اخترعوها لآلهتهم، وهذا من أقبح الشرك في الربوبية، وهو شر من شرك جاهلية العرب، لأن كفار العرب لم يشركوا في الربوبية وإنما أشركوا في العبادة، وكان شركهم في حال الرخاء، أما في حال الشدة فيخلصون لله العبادة، كما قال الله سبحانه: “فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ”. 

المسألة الرابعة: حياة القلوب

 لما كان القلب يوصف بالحياة وضدها، انقسم بحسب ذلك إلى هذه الأحوال الثلاثة:

الأول: القلب الصحيح: وهو القلب السليم الذي لا ينجو يوم القيامة إلا من أتى الله به، كما قال تعالى: “يومَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ إلا مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَليِمٍ” . قال بعض السلف: “ما من فعلة وإن صغرت إلا ينشر لها ديوانان: لم؟ وكيف؟ أي لم فعلت وكيف فعلت؟. فالأول: سؤال عن علة الفعل وباعثه وداعيه؛ هل هو حظ عاجل من حظوظ العامل، وغرض من أغراض الدنيا في محبة المدح من الناس أو خوف ذمهم، أو استجلاب محبوب عاجل، أو دفع مكروه عاجل؟ أم الباعث على الفعل القيام بحق العبودية، وطلب التودد والتقرب إلى الرب سبحانه وتعالى، وابتغاء الوسيلة إليه؟ والثاني: سؤال عن متابعة الرسول عليه الصلاة والسلام في ذلك التعبد، أي هل كان ذلك العمل مما شرعته لك على لسان رسولي، أم كان عملا لم أشرعه ولم أرضه؟ فالأول سؤال عن الإخلاص، والثاني عن سؤال عن المتابعة، فإن الله سبحانه لا يقبل عملا إلا بهما”. 

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : فالعبادة لله والاستعانة به، وكان النبي يقول عند الأضحية: “اللهم منك ولك”. فما لم يكن بالله لا يكون، فإنه لا حول ولا قوة إلا بالله، وما لم يكن لله فلا ينفع ولا يدوم. ولابد في عبادته من أصلين أحدهما إخلاص الدين له، والثاني موافقة أمره الذي بعث به رسله، ولهذا كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول في دعائه: “اللهم اجعل عملي كله صالحا واجعله لوجهك خالصا ولا تجعل لأحد فيه شيئا”. وقال الفضيل بن عياض في قوله تعالى: “ليبلوكم أيكم أحسن عملا”، قال “أخلصه وأصوبه”، قالوا: “يا أبا علي ما أخلصه وأصوبه”، قال: “إذا كان العمل خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل، وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل حتى يكون خالصا صوابا، والخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنة”.

الثاني: القلب الميت: وهو ضد الأول، لا حياة به، فهو لا يعرف ربه، ولا يعبده بأمره وما يحبه ويرضاه، بل هو واقف مع شهواته ولذاته؛ ولو كان فيها سخط ربه وغضبه.. فالهوى إمامه، والشهوة قائده، والجهل سائقه، والغفلة مركبه.

الثالث: قلب له حياة وبه علة: فله مادتان، تمده هذه مرة، وهذه أخرى، وهو لِما غلب عليه منهما.. وهو ممتحن بين داعيين: داع يدعوه إلى الله ورسوله والدار الآخرة، وداع يدعوه إلى العاجلة. وهو إنما يجيب أقربهما منه بابا، وأدناهما إليه جوارا.

قال تعالى: “وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكٍَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبي إِلا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ في أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللهُ مَا يُلْقِى الشّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ الله آيَاتِهِ وَالله عَلِيمٌ حَكِيمٌ ليجَعَلَ مَا يُلْقِى الشّيْطَانُ فتنةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبهِمْ مَرضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإن الظّالمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أنَّهُ الحقُّ مِنْ رَبكَ فَيُؤْمنُوا به فَتخْبِتَ لَهُ قُلوبُهُمْ وَإِنَّ اللهَ لهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إلَى صِرَاطٍ مُستَقِيمٍ” . فجعل الله سبحانه وتعالى القلوب في هذه الآيات ثلاثة: قلبين مفتونين، وقلبا ناجيا، فالمفتونان: القلب الذي فيه مرض، والقلب القاسي. والناجي: القلب المؤمن المخبت إلى ربه، وهو المطمئن إليه الخاضع له، المستسلم المنقاد.. قال حذيفة بن اليمان رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: “تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى القُلُوبِ كَعَرْضِ الْحَصِيرِ عُودًا عُودًا. فَأَي قَلْبٍ أُشرِبَهَا نُكِتَتْ فِيه نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، وَأَي قَلْبٍ أَنْكَرَهَا نُكِتَتْ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضاءُ، حَتَّى تَعُودَ الْقُلُوبُ عَلَى قَلْبَيْنِ: قَلْبٍ أَسْوَد مُرْبَادًا كالكُوزِ مُجَخِّيًا. لا يَعْرِفُ مَعْروفاً وَلا يُنْكِرُ مُنْكَراً، إِلا مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ، وَقَلْبٍ أَبْيَض لا تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتِ السَّماواتُ وَالأرْضُ”..

وقد قسم الصحابة رضي الله تعالى عنهم القلوب إلى أربعة، كما صح عن حذيفة بن اليمان: “الْقلُوبُ أَرْبَعَةٌ: قَلْبٌ أَجْرَدُ، فِيهِ سِرَاجٌ يُزْهِرُ، فَذَلِكَ قَلْبُ المُؤْمِنِ. وَقَلْبٌ أَغْلفُ، فَذلِكَ قَلْبُ الكَافِرِ. وَقَلْبٌ مَنْكُوسٌ، فَذلِكَ قَلْبُ المُنافِقِ، عَرَفَ ثمَّ أَنْكَرَ، وَأبْصَرَ ثُمَّ عَمِىَ. وَقَلْبُ تَمُدُّهُ مَادَّتَانِ: مَادَّةُ إِيمَانٍ وَمَادَّةُ نِفَاقٍ، وَهُوَ لما غَلَبَ عَلَيْهِ مِنْهُمَا”. فقوله “قلب أجرد” أي متجرد مما سوى الله ورسوله، فقد تجرد وسلم مما سوى الحق. و”فيه سراج يزهر” وهو مصباح الإيمان: فأشار بتجرده إلى سلامته من الشبهات.

ومرض القلب نوعان:

نوع لا يتألم به صاحبه في الحال، وهو النوع المتقدم، كمرض الجهل، ومرض الشبهات والشكوك، ومرض الشهوات. وهذا النوع هو أعظم النوعين ألما، ولكن لفساد القلب لا يحس بالألم. وعلاجه إلى الرسل وأتباعهم، فهم أطباء هذا المرض.

والنوع الثاني: مرض مؤلم له في الحال، كالهم والغم والحزن والغيظ، وهذا المرض قد يزول بأدوية طبيعية، كإزالة أسبابه، أو بالمداواة بما يضاد تلك الأسباب، ويدفع موجبها مع قيامها، وهذا كما أن القلب قد يتألم بما يتألم به البدن ويشقى بما يشقى به البدن فكذلك البدن يتألم كثيرا بما يتألم به القلب، ويشقيه ما يشقيه.

وأصل كل خير وسعادة للعبد: كمال حياته ونوره. فالحياة والنور مادة الخير كله، قال الله تعالى: “أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِى بِهِ في النّاسِ كَمن مَثَلُهُ في الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بخَارِجٍ مِنْهَا”.. فالقلب الصحيح الحي إذا عرضت عليه القبائح نفر منها بطبعه وأبغضها ولم يلتفت إليها، بخلاف القلب الميت، فإنه لا يفرق بين الحسن والقبيح، كما قال عبد الله بن مسعود رضى الله تعالى عنه: “هلك من لم يكن له قلب يعرف به المعروف وينكر به المنكر”.

وكذلك القلب المريض بالشهوة، فإنه لضعفه يميل إلى ما يعرض له من ذلك بحسب قوة المرض وضعفه. قال تعالى: “أَوَمَنْ كَانَ ميْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِى بِهِ في النَّاسِ كَمَنْ مَثَلهُ في الظُّلمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا”. أي أو من كان كافرا ميت القلب، مغموراً في ظلمة الجهل فهديناه لرشده، ووفقناه للإيمان، وجعلنا قلبه حيا بعد موته، مشرقا مستنيراً بعد ظلمته بمنزلة الميت الذي لا ينفع نفسه بنافعة، ولا يدفع عنها من مكروه..

وشبه سبحانه من لا يستجيب لرسوله بأصحاب القبور. وهذا من أحسن التشبيه، فإن أبدانهم قبور لقلوبهم. فقد ماتت قلوبهم وقبرت في أبدانهم. فقال الله تعالى: “إنَّ اللهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِى الْقُبُورِ”.

وَفِى الجهلِ قَبْلَ الموْتِ مَوْتٌ  لأَهْلِه … وَأَجْسَامُهُمْْ   قَبْلَ  القُبُورِ   قُبُورُ

وَأَرْوَاحُهُمْ فى وَحْشَةٍ مِنْ جُسُومِهم … وَلَيْسَ لَهُمْ حَتَّى النُّشُورِ نُشُورُ

وقال تعالى: “فَمَنْ يُرِدِ الله أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيقاً حَرَجاً كَأَنمَا يَصَّعَّد في السَّمَاءِ كَذلِكَ يَجْعَلُ اللهُ الرِّجْسَ عَلَى الّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ” . فأهل الهدى والإيمان لهم شرح الصدر واتساعه وانفساحه، وأهل الضلال لهم ضيق الصدر والحرج.

ولما كان في القلب قوتان: قوة العلم والتمييز، وقوة الإرادة والحب، كان كماله وصلاحه باستعمال هاتين القوتين فيما ينفعه، ويعود عليه بصلاحه وسعادته. فكماله باستعمال قوة العلم في إدراك الحق ومعرفته والتمييز بينه وبين الباطل. وباستعمال قوة الإرادة والمحبة في طلب الحق ومحبته وإيثاره على الباطل.. وقد أمرنا الله سبحانه وتعالى أن نسأله في صلاتنا أن يهدينا صراط الذين أنعم الله عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين، ولهذا كان النصارى أخص بالضلال لأنهم أمة جهل. واليهود أخص بالغضب لأنهم أمة عناد.

والله تعالى هو الذي يجب أن يكون المقصود المدعو المطلوب، الذي يراد وجهه ويبتغى قربه ويطلب رضاه، وهو المعين على حصول ذلك. وعبودية ما سواه والالتفات إليه والتعلق به هو المكروه الضار، والله هو المعين على دفعه. فهو سبحانه الجامع لهذه الأمور الأربعة دون ما سواه. فهو المعبود المحبوب المراد، وهو المعين لعبده على وصوله إليه وعبادته له. كما قال أعرف الخلق به صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: “أَعُوذ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ وَأَعُوذُ بِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ”.. ولهذا كان صلاح العبد وسعادته في تحقيق معنى قوله: “إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيّاكَ نَسْتَعِينُ”.. وقد جمع الله سبحانه بين هذين الأصلين في مواضع من كتابه كقوله: “فَاعْبُدْهُ وَتَوَكّلْ عَلَيْهِ” كما في الحديث الصحيح الذي رواه معاذ بن جبل رضي الله عنه عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال: “أتدرى ما حق الله على عباده؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: حقه على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا. أتدرى ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: حقهم عليه أن لا يعذبهم بالنار”. 

وقال تعالى: “يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لمِا في الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحمةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ قُلْ بِفضْلِ اللهِ وَبِرحمتِه فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيٌر مِمَّا يجمعُونَ” . قال أبو سعيد الخدرى “فضل الله: القرآن، ورحمته: أن جعلكم من أهله”..

وذكر ابن أبى الدنيا أن الحسن البصري كتب إلى عمر بن عبد العزيز: “أما بعد فإن الدنيا دار ظعن، ليست بدار إقامة، إنما أنزل إليها آدم عليه السلام عقوبة، فاحذرها يا أمير المؤمنين فإن الزاد منها تركها، والغنى فيها فقرها، لها في كل حين قتيل، تذل من أعزها وتفقر من جمعها. هي كالسم يأكله من لا يعرفه وهو حتفه فكن فيها كالمداوى جراحه يحتمى قليلا مخافة ما يكره طويلا، ويصبر على شدة الدواء مخافة طول البلاء، فاحذر هذه الدار الغرارة الخداعة الختَّالة التي قد تزينت بخدعها وفتنت بغرورها وختلت بآمالها وتشوفت لخطابها فأصبحت كالعروس المجلوة، فالعيون إليها ناظرة والقلوب عليها والهة والنفوس لها عاشقة، وهى لأزواجها كلهم قاتلة، فعاشق لها قد ظفر منها بحاجته فاغتر وطغى ونسى المعاد فشَغل بها لُبَّه حتى زّلت عنها قدمه، فعظمت عليه ندامته وكثرت حسرته واجتمعت عليه سكرات الموت وألمه، وحسرات الفوت. وعاشق لم ينل منها بغيته، فعاش بغُصته وذهب بكمده، ولم يدرك منها ما طلب ولم تسترح نفسه من التعب، فخرج بغير زاد وقدم على غير مهاد. فكن أسر ما تكون فيها أحذر ما تكون لها، فإن صاحب الدنيا كلما اطمأن منها إلى سرور أشخصته إلى مكروه، وُصِل الرخاء منها بالبلاء وجُعل البقاء فيها إلى فناء. سرورها مشوب بالحزن، أمانيها كاذبة وآمالها باطلة وصفوها كدر وعيشها نكد، فلو كان ربنا لم يخبر عنها خبرا ولم يضرب لها مثلا لكانت قد أيقظت النائم ونبهت الغافل، فكيف وقد جاء من الله فيها واعظ وعنها زاجر؟ فما لها عند الله قدر ولا وزن، ولا نظر إليها منذ خلقها. ولقد عرضت على نبينا صلى الله عليه وآله وسلم بمفاتيحها وخزائنها لا تنقصه عند الله جناح بعوضة، فأَبَى أن يقبلها، كره أن يحب ما أبغض خالقُه أو يرفع ما وضع مليكه. فزواها عن الصالحين اختيارا، وبسطها لأعدائه اغترارا، فيظن المغرور بها المقتدر عليها أنه أُكْرِم بها، ونسى ما صنع الله عز وجل برسوله صلى الله عليه وسلم حين شد الحجر على بطنه”.

وقال الحسن أيضا: “إن قوما أكرموا الدنيا فصلبتهم على الخُشب فأهينوها فأهنأ ما تكون إذا أهنتموها”.

والمخلوق ليس عنده للعبد نفع ولا ضر، ولا عطاء ولا منع، ولا هدى ولا ضلال، ولا نصر ولا خذلان، ولا خفض ولا رفع، ولا عز ولا ذل، بل الله وحده هو الذي يملك له ذلك كله، قال الله تعالى: “مَا يَفْتَحِ اللهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الَحْكِيمُ” . قال أحمد: وحدثنا هاشم بن القاسم حدثنا أبو سعيد المؤدب، حدثنا من سمع عطاء الخراساني قال: “لقيت وهب بن منبه، وهو يطوف بالبيت، فقلت له: حدثني حديثا أحفظه عنك في مقامي هذا وأوجز. قال نعم: “أَوْحَى اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى إِلى دَاوُدَ: يَا دَاوُدُ، أَمَا وَعِزَّتِي وَعَظَمَتِي لا يَعْتَصِمُ بِي عَبْدٌ مِنْ عَبِيدِي دُونَ خَلْقِي أَعْرِفُ ذلِكَ مِنْ نِيتهِ فَتَكِيدُهُ السَّمواتُ السَّبْعُ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَالأرَضُونَ السَّبْعُ وَمَنْ فِيهِنَّ إِلا جَعَلْتُ لَهُ مِنْ بَيْنِهنَّ مَخْرَجا، أَمَا وَعِزَّتِي وَعَظَمَتِي لا يَعْتَصِمُ عَبْدٌ مِنْ عِبَادِي بِمَخْلُوقٍ دُوني أَعْرِفُ ذلِكَ مِن نِيَّتِه إِلا قَطَعْتُ أسبابَ السَّماءِ مِنْ يدِه، وَأَسَخْتُ الأرْضَ مِنْ تَحْتِ قَدَمَيْهِ، ثُم لا أُبَالِي بِأَي وَادٍ هَلَكَ”. 

وتعلق العبد بما سوى الله تعالى مضرة عليه، إذا أخذ منه فوق القدر الزائد على حاجته، غير مستعين به على طاعته، فإذا نال من الطعام والشراب والنكاح واللباس فوق حاجته ضره ذلك، ولو أحب سوى الله ما أحب، فلا بد أن يسلبه ويفارقه، فإن أحبه لغير الله فلا بد أن تضره محبته ويعذب بمحبوبه، إما في الدنيا وإما في الآخرة، والغالب أنه يعذب به في الدارين.. قال تعالى: “فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إنَّما يُرِيدُ اللهُ ليُعَذِّبَهُمْ بِهَا في الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُم كَافِرُونَ”.. واعتماد العبد على المخلوق وتوكله عليه يوجب له الضرر من جهته هو ولا بد، عكس ما أمله منه، فلا بد أن يخذل من الجهة التي قدر أن ينصر منها، ويذم من حيث قدر أن يحمد، قال تعالى: “وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزا كَلا سيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدا”.. فالمخلوق لا يقصد منفعتك بالقصد الأول بل إنما يقصد انتفاعه بك. والرب تعالى إنما يريد نفعك لا انتفاعه به، وذلك منفعة محضة لك خالصة من المضرة، بخلاف إرادة المخلوق نفعك، فإنه قد يكون فيه مضرة عليك، ولو بتحمل منته. فتدبر هذا فإن ملاحظته تمنعك أن ترجو المخلوق أو تعامله دون الله عز وجل، أو تطلب منه نفعا، أو دفعا أو تعلق قلبك به، فإنه إنما يريد انتفاعه بك لا محض نفعك. وهذا حال الخلق كلهم بعضهم مع بعض. وهو حال الولد مع والده، والزوج مع زوجه، والمملوك مع سيده، والشريك مع شريكه. فالسعيد من عاملهم لله تعالى لا لهم، وأحسن إليهم لله تعالى، وخاف الله تعالى فيهم، ولم يخفهم مع الله تعالى، ورجا الله تعالى بالإحسان إليهم، ولم يرجهم مع الله، وأحبهم بِحُبِّ الله، ولم يحبهم مع الله تعالى، كما قال أولياء الله عز وجل: “إِنمَا نُطعمكُمْ لِوَجْهِ اللهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكورًا”.. فالعبد المخلوق لا يعلم مصلحتك حتى يعرفه الله تعالى إياها، ولا يقدر على تحصيلها لك حتى يقدره الله تعالى عليها، ولا يريد ذلك حتى يخلق الله فيه إرادة ومشيئة.. وغالب الخلق إنما يريدون قضاء حوائجهم منك، وإن أضر ذلك بدينك ودنياك، فهم إنما غرضهم قضاء حوائجهم ولو بمضرتك. والرب تبارك وتعالى إنما يريدك لك، ويريد الإحسان إليك لك لا لمنفعته، ويريد دفع الضرر عنك، وجماع هذا أن تعلم: “أَنَّ الَخلْقَ كُلّهُمْ لَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلا بِشَيءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ تَعَالَى لَكَ، ولَوِ اجْتَمَعُوا كُلُّهُمْ عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَىْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إلا بشَيءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ تَعَالَى عَلَيْكَ”. وقال تعالى: “قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلا مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا هُوَ مَولانَا وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ” . 

والقرآن متضمن لأدوية القلب، وعلاجه من جميع أمراضه، قال الله عز وجل: “يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظةٌ مِن ربكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فى الصُّدُورِ” . وقال تعالى: “وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمؤْمِنِينَ”. وقد تقدم أن جماع أمراض القلب هي أمراض الشبهات والشهوات. والقرآن شفاء للنوعين، ففيه من البينات والبراهين القطعية ما يبين الحق من الباطل.. وأما شفاؤه لمرض الشهوات فذلك بما فيه من الحكمة والموعظة الحسنة بالترغيب والترهيب، والتزهيد في الدنيا، والترغيب في الآخرة، والأمثال والقصص التي فيها أنواع العبر والاستبصار، فيرغب القلب السليم إذا أبصر ذلك فيما ينفعه في معاشه ومعاده ويرغب عما يضره، فيصير القلب محبا للرشد، مبغضا للغي. 

ومن ذلك، غض البصر عن المحارم، ويوجب ثلاث فوائد عظيمة الخطر جليلة القدر:

إحداها: حلاوة الإيمان ولذته، التي هي أحلى وأطيب وألذ مما صرف بصره عنه وتركه لله تعالى، فإن من ترك شيئا لله عوضه الله عز وجل خيرا منه، والنفس مولعة بحب النظر إلى الصور الجميلة، والعين رائد القلب. فيبعث رائده لنظر ما هناك، فإذا أخبره بحسن المنظور إليه وجماله، تحرك اشتياقا إليه، وكثيرا ما يتعب ويتعب رسوله ورائده كما قيل:

 وَكُنْتَ مَتَى أَرْسَلْتَ طَرْفَكَ رَائِدًا … لِقلبكَ يَوْماً  أتْعَبَتْكَ  المنَاظِرُ

رَأَيْتَ   الَّذِي  لا  كُلَّهُ   أَنْتَ  قَادِرٌِ … عَلَيْه وَلا عَنْ بَعْضِهِ أَنْتَ صَابرُ

فإذا كف الرائد عن الكشف والمطالعة استراح القلب من كلفة الطلب والإرادة. فمن أطلق لحظاته دامت حسراته. فإن النظر يولد المحبة. فتبدأ علاقة يتعلق بها القلب بالمنظور إليه. ثم تقوى فتصير صبابة ينصب إليه القلب بكليته. ثم تقوى فتصير غراما يلزم القلب كلزوم الغريم الذي لا يفارق غريمه. ثم يقوى فيصير عشقا وهو الحب المفرط. ثم يقوى فيصير شغفا وهو الحب الذي قد وصل إلى شَغاف القلب وداخله. ثم يقوى فيصير تتيماً، والتتيم التعبد، ومنه تيمه الحب إذا عَبَّده. وتيم الله عبد الله. فيصير القلب عبدا لمن لا يصلح أن يكون هو عبدا له..

ومن فوائد غض البصر: نور القلب وصحة الفراسة. قال أبو شجاع الكرماني: “من عمر ظاهره بإتباع السنة، وباطنه بدوام المراقبة، وكف نفسه عن الشهوات، وغض بصره عن المحارم، واعتاد أكل الحلال لم تخطئ له فراسة”. وقد ذكر الله سبحانه قصة قوم لوط وما ابتلوا به، ثم قال بعد ذلك: “إِنَّ في ذلِكَ لآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ” وهم المتفرسون الذين سلموا من النظر المحرم والفاحشة.

وقال تعالى عقيب أمره للمؤمنين بغض أبصارهم وحفظ فروجهم: “اللهُ نُورُ السَّمواتِ وَالأرْضِ”. وسر هذا الخبر أن الجزاء من جنس العمل، فمن غض بصره عما حرم الله عز وجل عليه عوضه الله تعالى من جنسه ما هو خير منه، فكما أمسك نور بصره عن المحرمات أطلق الله نور بصيرته وقلبه، فرأى به ما لم يره من أطلق بصره ولم يغضه عن محارم الله تعالى، وهذا أمر يحسه الإنسان من نفسه. فإن القلب كالمرآة، والهوى كالصدأ فيها، فإذا خلصت المرآة من الصدأ انطبعت فيها صورة الحقائق كما هى عليها، وإذا صدئت لم ينطبع فيها صورة المعلومات. فيكون علمه وكلامه من باب الخرص والظنون.

ومن فوائده: قوة القلب وثباته وشجاعته، فيعطيه الله تعالى بقوته سلطان النصرة كما أعطاه بنوره سلطان الحجة، فيجمع له بين السلطانين، ويهرب الشيطان منه، كما فى الأثر: “إنَّ الّذِى يُخَالِفُ هَوَاهُ يَفْرَقُ الشَّيْطَانُ مِنْ ظِلِّهِ”..

قال تعالى: “وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ”. وقال بعض السلف: “الناس يطلبون العز بأبواب الملوك ولا يجدونه إلا فى طاعة الله”، وقال الحسن: “وإن هَمْلَجَتْ بهم البراذين، وطقطقت بهم البغال إن ذل المعصية لفى قلوبهم، أبى الله عز وجل إلا أن يُذِلَّ من عصاه”. وذلك أن من أطاع الله تعالى فقد والاه، ولا يذل من والاه الله، كما فى دعاء القنوت: “إِنَّهُ لا يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ وَلا يَعِزُّ مَنْ عَادَيْتَ”.. وقال قتادة في قوله تعالى:”قَدْ أفْلَحَ مَنْ زَكّاهَا”. “قد أفلح من زكى نفسه بعمل صالح”. “وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا”. أي نقصها وأخفاها بترك عمل البر وركوب المعاصى. والفاجر أبدا خفي المكان، زَمِن المروءة، غامض الشخص، ناكس الرأس. فمرتكب الفواحش قد دس نفسه وقمعها. ومصطنع المعروف قد شهر نفسه ورفعها..

وقال تعالى: “أُولئِكَ الّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فى الدُّنْيَا خِزْىٌ وَلَهُمْ فى الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ”.. وقال تعالى: “الّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ المَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الجنَّةَ بِمَا كُنْتمْ تَعْمَلُونَ”.. فالجنة لا يدخلها خبيث، ولا من فيه شىء من الخبث. فمن تطهر فى الدنيا ولقي الله طاهراً من نجاساته دخلها بغير معوق، ومن لم يتطهر فى الدنيا فإن كانت نجاسته عينية، كالكافر، لم يدخلها بحال. وإن كانت نجاسته كسبية عارضة دخلها بعد ما يتطهر فى النار من تلك النجاسة ثم يخرج منها، حتى إن أهل الإيمان إذا جازوا الصراط حبسوا على قنطرة بين الجنة والنار، فيهَذَّبون وينقَّون من بقايا بقيت عليهم قصرت بهم عن الجنة ولم توجب لهم دخول النار، حتى إذا هذبوا ونقوا أذن لهم فى دخول الجنة. والله سبحانه بحكمته جعل الدخول عليه موقوفا على الطهارة، فلا يدخل المصلى عليه حتى يتطهر، وكذلك جعل الدخول إلى جنته موقوفا على الطيب والطهارة، فلا يدخلها إلا طيب طاهر. فهما طهارتان: طهارة البدن، وطهارة القلب. ولهذا شرع للمتوضئ أن يقول عقيب وضوئه: “أَشْهَدُ أَنْ لا إلهَ إِلا اللهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحّمدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ اللَّهُمَّ اجْعَلْنِى مِنَ التَّوَّابِينَ وَاجْعَلْنِى مِنَ المُتَطَهِّرِينَ”. فطهارة القلب بالتوبة، وطهارة البدن بالماء. فلما اجتمع له الطهران صلح للدخول على الله تعالى والوقوف بين يديه ومناجاته.. وقد وسم الله سبحانه الشرك والزنا واللواطة بالنجاسة والخبث فى كتابه دون سائر الذنوب وإن كانت مشتملة على ذلك، لكن الذى وقع فى القرآن قوله تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا المُشْرِكُونَ نَجَسٌ”. وقوله تعالى فى حق اللوطية: “وَلُوطاً آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الّتِى كانَتْ تَعْمَلُ الخبَائِثَ إِنّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِين”، وقالت اللوطية: “أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ”.

وقد يمرض القلب ويشتد مرضه، ولا يعرف به صاحبه لإشتغاله وانصرافه عن معرفة صحته وأسبابها، بل قد يموت وصاحبه لا يشعر بموته، وعلامة ذلك أنه لا تؤلمه جراحات القبائح، ولا يوجعه جهله بالحق وعقائده الباطلة، فإن القلب إذا كان فيه حياة تألم بورود القبيح عليه، وتألم بجهله بالحق بحسب حياته. وقد يشعر بمرضه، ولكن يشتد عليه تحمل مرارة الدواء والصبر عليها، فهو يؤثر بقاء ألمه على مشقة الدواء، فإن دواءه فى مخالفة الهوى، وذلك أصعب شىء على النفس وليس لها أنفع منه. وتارة يوطن نفسه على الصبر، ثم ينفسخ عزمه، ولا يستمر معه لضعف علمه وبصيرته وصبره كمن دخل فى طريق مخوف مفض إلى غاية الأمن، وهو يعلم أنه إن صبر عليه انقضى الخوف وأعقبه الأمن، فهو محتاج إلى قوة صبر، وقوة يقين بما يصير إليه، ومتى ضعف صبره ويقينه رجع من الطريق، ولم يتحمل مشقتها، ولا سيما إن عدم الرفيق، واستوحش من الوحدة، وجعل يقول: أين ذهب الناس فلي بهم أسوة. وهذه حال أكثر الخلق، وهي التى أهلكتهم.

ومن علامات صحة القلب أن يرتحل عن الدنيا حتى ينزل بالآخرة، ويحل فيها حتى يبقى كأنه من أهلها وأبنائها، جاء إلى هذه الدار غريبا يأخذ منها حاجته ويعود إلى وطنه، كما قال النبىِّ عليه الصلاة والسلام لعبد الله بن عمر: “كُنْ فى الدُّنْيا كَأَنّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبيلٍ وَعُدَّ نَفْسَكَ مِنْ أَهْلِ القبُورِ”. وقال على بن أبى طالب رضى الله عنه “إن الدنيا قد ترحلت مدبرة وإن الآخرة قد ترحلت مقبلة ولكل منهما بنون فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا فإن اليوم عمل ولا حساب وغدا حساب ولا عمل”. ومن علامات صحة القلب أنه لا يزال يضرب على صاحبه حتى ينيب إلى الله ويخبت إليه، ويتعلق به تعلق المحب المضطر إلى محبوبه، قال أحد العارفين: “من قرت عينه بالله تعالى قرت به كل عين، ومن لم تقر عينه بالله تقطع قلبه على الدنيا حسرات”.

ومن علامات صحة القلب: أن لا يفتر عن ذكر ربه، ولا يسأم من خدمته، ولا يأنس بغيره، إلا بمن يدله عليه، ويذكره به، ويذاكره بهذا الأمر. ومن علامات صحته: أنه إذا فاته وِرده وجد لفواته ألما أعظم من تألم الحريص بفوات ماله وفقده. ومن علامات صحته: أن يكون همه واحدا، وأن يكون في الله. ومن علامات صحته: أنه إذا دخل في الصلاة ذهب عنه همه وغمه بالدنيا واشتد عليه خروجه منها، ووجد فيها راحته ونعيمه وقرة عينه وسرور قلبه. ومن علامات صحته: أن يكون أشح بوقته أن يذهب ضائعا من أشد الناس شحا بماله.

إن سائر أمراض القلب إنما تنشأ من جانب النفس، فالمواد الفاسدة كلها إليها تنصب، ثم تنبعث منها إلى الأعضاء. وأول ما تنال القلب. وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول فى خطبة الحاجة:”الحمدُ لله نَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَهدِيهِ، وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا”.. فالنفس إذا سكنت إلى الله، واطمأنت بذكره، وأنابت إليه، واشتاقت إلى لقائه، وأنست بقربه، فهى مطمئنة، وهى التى يقال لها عند الوفاة “يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ المُطْمِئنَّةُ ارْجِعِى إلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةَ”. وحقيقة الطمأنينة: السكون والاستقرار، فهي التى قد سكنت إلى ربها وطاعته وأمره وذكره، ولم تسكن إلى سواه. وإذا كانت بضد ذلك فهى أمارة بالسوء تأمر صاحبها بما تهواه من شهوات الغي واتباع الباطل، فهى مأوى كل سوء، وإن أطاعها قادته إلى كل قبيح وكل مكروه. وقد أخبر سبحانه أنها أمارة بالسوء، ولم يقل “آمرة” لكثرة ذلك منها، وأنه عادتها ودأبها إلا إذا رحمها الله وجعلها زاكية تأمر صاحبها بالخير، فذلك من رحمة الله، لا منها. فإنها بذاتها أمارة بالسوء؛ لأنها خلقت فى الأصل جاهلة ظالمة، إلا من رحمه الله، والعدل والعلم طارئ عليها بإلهام ربها وفاطرها على ذلك..

وسبب الظلم: إما جهل، وإما حاجة. وهي فى الأصل جاهلة والحاجة لازمة لها، فلذلك كان أمرها بالسوء لازما لها إن لم تدركها رحمة الله وفضله. وأما اللوامة فاختلف فى اشتقاق هذه اللفظة، هل هي من التلوم، وهو التلون والتردد، أو هي من اللوم؟ وعبارات السلف تدور على هذين المعنيين. قال سعيد بن جبير: “قلت لابن عباس: ما اللوامة؟ قال: هى النفس اللئوم”. وقال مجاهد: “هي التى تُنَدِّم على ما فات وتلوم عليه”. وقال قتادة: “هي الفاجرة”. وقال عطاء عن ابن عباس: “كل نفس تلوم نفسها يوم القيامة، تلوم المحسن نفسه أن لا يكون ازداد إحسانا، وتلوم المسيئ نفسه أن لا يكون رجع عن إساءته”. وقال الحسن: “إن المؤمن والله ما تراه إلا يلوم نفسه على كل حالاته؛ يستقصرها فى كل ما يفعل فيندم ويلوم نفسه، وإن الفاجر ليمضى قدما لا يعاتب نفسه”. وأما من جعلها من التلوم فلكثرة ترددها وتلومها، وأنها لا تستقر على حال واحدة.. والمقصود: ذكر علاج مرض القلب باستيلاء النفس الأمارة عليه. وله علاجان: محاسبتها، ومخالفتها، وهلاك القلب من إهمال محاسبتها، ومن موافقتها واتباع هواها، وفي الحديث الذى رواه أحمد وغيره من حديث شداد بن أوس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “الكَيسُ من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله”. دان نفسه: أي حاسبها.

وذكر الإمام أحمد عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: “حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا، فإنه أهون عليكم فى الحساب غدا أن تحاسبوا أنفسكم اليوم، وَتَزَيَّنوا للعرض الأكبر يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية”. وقال ميمون بن مهران: “لا يكون العبد تقيا حتى يكون لنفسه أشد محاسبة من الشريك لشريكه”. ولهذا قيل: النفس كالشريك الخوَّان، إن لم تحاسبه ذهب بمالك”. وكان الأحنف بن قيس يجيء إلى المصباح فيضع أصبعه فيه ثم يقول: حس يا حنيف ما حملك على ما صنعت يوم كذا؟ ما حملك على ما صنعت يوم كذا؟ ويبكى. قال مالك بن دينار: “رحم الله عبدا قال لنفسه: ألست صاحبة كذا؟ ألست صاحبة كذا؟ ثم زمها ثم خطمها ثم ألزمها كتاب الله عز وجل فكان لها قائدا”..

ومحاسبة النفس نوعان: نوع قبل العمل ونوع بعده. فأما النوع الأول: فهو أن يقف عند أول همه وإرادته، ولا يبادر بالعمل حتى يتبين له رجحانه على تركه. قال الحسن رحمه الله: “رحم الله عبدا وقف عند همه فإن كان لله مضى وإن كان لغيره تأخر”.

والنوع الثانى: محاسبة النفس بعد العمل، وهو ثلاثة أنواع:

أحدها: محاسبتها على طاعة قصرت فيها من حق الله تعالى فلم توقعها على الوجه الذى ينبغي. وحق الله تعالى فى الطاعة ستة أمور: الإخلاص فى العمل، والنصيحة لله فيه، ومتابعة الرسول فيه، وشهود مشهد الإحسان فيه، وشهود منة الله عليه فيه، وشهود تقصيره فيه بعد ذلك كله. فيحاسب نفسه: هل وَفَّى هذه المقامات حقها؟ وهل أتى بها في هذه الطاعة؟.

الثاني: أن يحاسب نفسه على كل عمل كان تركه خيرا له من فعله.

الثالث: أن يحاسب نفسه على أمر مباح، أو معتاد: لم فعله؟ وهل أراد به الله والدار الآخرة فيكون رابحا، أو أراد به الدنيا وعاجلها فيخسر ذلك الربح ويفوته الظفر به.

قال ابن أبى الدنيا: حدثني رجل من قريش، ذكر أنه من ولد طلحة بن عبيد الله قال: “كان توبة بن الصمة بالرقة، وكان محاسبا لنفسه، فحسب يوما فإذا هو ابن ستين سنة، فحسب أيامها فإذا هي أحد وعشرون ألف يوم وخمسمائة يوم، فصرخ وقال: يا ويلتي ألقى ربي بأحد وعشرين ألف ذنب؟ كيف وفي كل يوم آلاف من الذنوب؟ ثم خر مغشيا عليه فإذا هو ميت، فسمعوا قائلا يقول: “يا لك ركضة إلى الفردوس الأعلى”.

وجماع ذلك: أن يحاسب نفسه أولا على الفرائض، فإن تذكر فيها نقصا تداركه، إما بقضاء أو إصلاح. ثم يحاسبها على المناهي، فإن عرف أنه ارتكب منها شيئا تداركه بالتوبة والاستغفار والحسنات الماحية. ثم يحاسب نفسه على الغفلة، فإن كان قد غفل عما خلق له تداركه بالذكر والإقبال على الله تعالى. ثم يحاسبها بما تكلم به أو مشت إليه رجلاه أو بطشت يداه أو سمعته أذناه: ماذا أرادت بهذا؟ ولم فعلته؟ وعلى أي وجه فعلته؟ ويعلم أنه لابد أن ينشر لكل حركة وكلمة منه ديوانان: ديوان لم فعلته وكيف فعلته؟. فالأول سؤال عن الإخلاص، والثانى سؤال عن المتابعة. وقال تعالى: “فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمعِينَ عَمَّا كَانُوا يعْمَلُونَ”. وقال تعالى: “فَلَنَسْئَلَنَّ الّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ المُرْسَلِينَ فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبينَ”. وقال تعالى: “لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَن صِدْقِهمْ”. فإذا سئل الصادقون وحوسبوا على صدقهم فما الظن بالكاذبين؟

قال قتادة: “كلمتان يسأل عنهما الأولون والآخرون: ماذا كنتم تعبدون؟ وماذا أجبتم المرسلين؟”. فيسأل عن المعبود وعن العبادة. وقال تعالى: “ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ”. قال محمد بن جرير: يقول الله تعالى: ثم ليسألنكم الله عز وجل عن النعيم الذي كنتم فيه فى الدنيا: ماذا عملتم فيه؟ من أين دخلتم إليه؟ وفيم أصبتموه؟ وماذا عملتم به؟

وفى محاسبة النفس عدة مصالح منها: الاطلاع على عيوبها، ومن لم يطلع على عيب نفسه لم يمكنه إزالته، فإذا اطلع على عيبها مقتها في ذات الله تعالى. وقد روى الإمام أحمد عن أبى الدرداء رضي الله عنه قال: “لا يفقه الرجل كل الفقه حتى يمقت الناس في جنب الله ثم يرجع إلى نفسه فيكون لها أشد مقتا”.

قال بكر بن عبد الله المزني: “لما نظرت إلى أهل عرفات ظننت أنهم قد غفر لهم لولا أني كنت فيهم”. وقال محمد بن واسع: “لو كان للذنوب ريح ما قدر أحد يجلس إلى”.

ومقت النفس في ذات الله من صفات الصديقين، ويدنو العبد به من الله سبحانه في لحظة واحدة أضعاف أضعاف ما يدنو به بالعمل. قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن الحسن بن أنس: حدثنا منذر عن وهب: “أن رجلا سائحا عبد الله عز وجل سبعين سنة ثم خرج يوما فقلل عمله وشكا إلى الله تعالى منه واعترف بذنبه، فأتاه آت من الله عز وجل فقال: إن مجلسك هذا أحب إلي من عملك فيما مضى من عمرك”.

قال أحمد: “وحدثنا عبد الصمد، أبو هلال، عن قتادة قال: قال عيسى ابن مريم عليه السلام: “سلونى فإنى لين القلب صغير عند نفسى”. ومن فوائد محاسبة النفس أنه يعرف بذلك حق الله تعالى عليه. ومن لم يعرف حق الله تعالى عليه فإن عبادته لا تكاد تجدي عليه، وهي قليلة المنفعة جدا.. فمن نظر في هذا الحق الذي لربه عليه علم علم اليقين أنه غير مؤد له كما ينبغي، وأنه لا يسعه إلا العفو والمغفرة، وأنه إن أحيل على عمله هلك.. وإذا تأملت حال أكثر الناس وجدتهم بضد ذلك، ينظرون في حقهم على الله، ولا ينظرون في حق الله عليهم، ومن هاهنا انقطعوا عن الله، وحجبت قلوبهم عن معرفته ومحبته والشوق إلى لقائه والتنعم بذكره، وهذا غاية جهل الإنسان بربه وبنفسه.  فمحاسبة النفس هو نظر العبد في حق الله عليه أولا، ثم نظره هل قام به كما ينبغي ثانيا.

وقال الإمام أحمد: “حدثنا سيار حدثنا جعفر حدثنا الجريرى قال: “بلغنى أن رجلاً من بني إسرائيل كانت له إلى الله عز وجل حاجة فتعبد واجتهد ثم طلب إلي الله تعالى حاجته فلم ير نجاحا فبات ليلته مزريا على نفسه وقال: يا نفس مالك لا تقضى حاجتك؟ فبات محزونا قد أزرى على نفسه وألزم الملامة نفسه، فقال: أما والله ما من قِبَل ربى أتيت ولكن من قِبَل نفسى أتِيت، فبات ليلته مزرياً وألزم نفسه الملامة فقضيت حاجته”. 

إن من تأمل القرآن والسنة وجد اعتناءهما بذكر الشيطان وكيده ومحاربته أكثر من ذكر النفس، فإن النفس المذمومة ذكرت فى قوله: “إِن النَّفْسَ لأمَّارَةٌ بِالسُّوءِ”. واللوامة فى قوله: “وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللوَّامَةِ”. وذكرت النفس المذمومة فى قوله: “وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى”. وأما الشيطان فذكر فى عدة مواضع، وأفردت له سورة تامة. فتحذير الرب تعالى لعباده منه جاء أكثر من تحذيره من النفس، وهذا هو الذي لا ينبغي غيره، فإن شر النفس وفسادها ينشأ من وسوسته، فهي مركبه وموضع شره، ومحل طاعته. قال تعالى: “فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشّيْطَانِ الرَّجِيمِ إِنّهُ لَيْسَ لَهُ سَلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ إِنَّما سُلطَانُهُ عَلَى الّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالّذِينَ هُمْ بِه مُشْرِكُونَ”. فأمر سبحانه بالاستعاذة به من الشيطان عند قراءة القرآن. وفى ذلك وجوه:

منها: أن القرآن شفاء لما في الصدور يذهب لما يلقيه الشيطان فيها من الوساوس والشهوات والإرادات الفاسدة، فأمر أن يطرد مادة الداء ويخلي منه القلب ليصادف الدواء محلاً خاليا فيتمكن منه ويؤثر فيه.

ومنها: أن القرآن مادة الهدى والعلم والخير فى القلب، والشيطان مفسد لكل ذلك فأمر بطرده. والفرق بين هذا الوجه والوجه الذى قبله أن الاستعاذة في الوجه الأول لأجل حصول فائدة القرآن، وفى الوجه الثاني لأجل بقائها وحفظها وثباتها.

ومنها: أن الملائكة تدنو من قارئ القرآن وتستمع لقراءته كما في حديث أُسيد ابنُ حضَير لما كان يقرأ ورأى مثل الظلة فيها مثل المصابيح، فقال النبىّ عليه الصلاة والسلام: “تِلْكَ المَلائِكُة”. والشيطان ضد الملك وعدوه. فأمر القارئ أن يطلب من الله تعالى مباعدة عدوه عنه حتى يحضره خاصته وملائكته، فهذه وليمة لا يجتمع فيها الملائكة والشياطين.

ومنها: أن الشيطان يجلب على القارئ بخيله ورجله حتى يشغله عن المقصود بالقرآن، وهو تدبره وتفهمه ومعرفة ما أراد به المتكلم به سبحانه.

ومنها: أن القارئ مُناجٍ لله تعالى كلامه، والله تعالى أشد أذناً للقارئ الحسن الصوت بالقرآن من صاحب القينة إلى قينته. والشيطان إنما قراءته الشعر والغناء، فأمر القارئ أن يطرده بالاستعاذة عند مناجاته تعالى واستماع الرب قراءته.

ومنها: أن الله سبحانه أخبر أنه ما أرسل من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان فى أمنيته، فإذا كان هذا فعله مع الرسل عليهم الصلاة والسلام فكيف بغيرهم؟ ولهذا يغلط القارئ تارة ويخلط عليه القراءة ويشوشها عليه فيخبط عليه لسانه أو يشوش عليه ذهنه وقلبه، فإذا حضر عند القراءة لم يعدم منه القارئ هذا أو هذا، وربما جمعهما له، فكان من أهم الأمور: الاستعاذة بالله تعالى منه عند القراءة.

ومنها: أن الشيطان أحرص ما يكون على الإنسان عندما يهم بالخير أو يدخل فيه فهو يشتد عليه حينئذ ليقطعه عنه، وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: “إِنّ شَيْطَاناً تَفَلّتَ عَلَىَّ البَارِحَةَ، فأَرَادَ أَنْ يَقْطَعَ عَلَىَّ صَلاتِي”. وكلما كان الفعل أنفع للعبد وأحب إلى الله تعالى كان اعتراض الشيطان له أكثر، وقال منصور عن مجاهد رحمه الله: “ما من رفقة تخرج إلى مكة إلا جهز معهم إبليس مثل عدتهم”رواه ابن أبي حاتم فى تفسيره.

ومنها: أن الاستعاذة قبل القراءة عنوان وإعلام بأن المأتى به بعدها القرآن، ولهذا لم تشرع الاستعاذة بين يدى كلام غيره، بل الاستعاذة مقدمة وتنبيه للسامع أن الذي يأتي بعدها هو التلاوة، فإذا سمع السامع الاستعاذة استعد لاستماع كلام الله تعالى.

وقد أمر تعالى أن يحترز من شر شياطين الإنس بدفع إساءتهم إليه بالتي هى أحسن، وأن يدفع شر شياطين الجن بالاستعاذة منهم. قال تعالى: “خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ”. فأمره بدفع شر الجاهلين بالإعراض عنهم، ثم أمره بدفع شر الشيطان بالاستعاذة منه فقال: “وَإمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ”. فالقرآن أرشد إلى دفع هذين العدوين بأسهل الطرق بالاستعاذة والإعراض عن الجاهلين ودفع إساءتهم بالإحسان. وأخبر عن عظم حظ من لَقَّاه ذلك فإنه ينال بذلك كف شر عدوه وانقلابه صديقا، ومحبة الناس له وثناءهم عليه، وقهر هواه، وسلامة قلبه من الغل والحقد، وطمأنينة الناس – حتى عدوه – إليه “وَلا تَسْتَوِى الحسَنَةُ وَلا السيَّئِّةُ ادْفَعْ بِالتِى هِىَ أَحْسَنُ فَإذَا الّذِى بَيْنَكَ وَبَيْنَه عَدَاوَةٌ كَأنَّهُ وَلِى حَمِيمٌ”. هذا غير ما يناله من كرامة الله وحسن ثوابه ورضاه عنه، وهذا غاية الحظ عاجلاً وآجلاً، ولما كان ذلك لا ينال إلا بالصبر قال: “وما يُلَقَّاها إلا الذين صبروا” فإن النَّزِق الطائش لا يصبر على المقابلة. ولما كان الغضب مركب الشيطان، فتتعاون النفس الغضبية والشيطان على النفس المطمئنة التى تأمر بدفع الإساءة بالإحسان، أمر أن يعاونها بالاستعاذة منه، فتُمِدّ الاستعاذة النفس المطمئنة فتقوى على مقاومة جيش النفس الغضبية، ويأتي مدد الصبر الذى يكون النصر معه، وجاء مدد الإيمان والتوكل، فأبطل سلطان الشيطان:”إنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ”.

المسألة الخامسة: الإيمان بالقضاء والقدر

أولا: تقدير المقادير قبل خلق السموات والأرض
عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: “سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة وعرشه على الماء”، رواه مسلم.. وعن عبد الله بن عباس قال: “كنت خلف النبي صلى الله عليه وسلم يوما فقال لي: يا غلام إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده تجاهك إذا سألت فسل الله وإذا استعنت فاستعن بالله واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك وإن اجتمعوا على أن يضروك لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك رفعت الأقلام وجفت الصحف”، رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح. وعن أبي هريرة قال: “قلت يا رسول الله إني رجل شاب وأنا أخاف على نفسي العنت ولا أجد ما أتزوج به النساء فسكت عني ثم قلت مثل ذلك فسكت عني ثم قلت مثل ذلك فسكت عني ثم قلت مثل ذلك فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يا أبا هريرة جف القلم بما أنت لاق فاختص على ذلك أو ذر”، رواه البخاري في صحيحه. وقال أبو داود الطيالسي ثنا عبد المؤمن هو ابن عبد الله قال: “كنا عند الحسن فأتاه يزيد بن أبي مريم السلولي يتوكأ على عصا فقال يا أبا سعيد أخبرني عن قول الله عز وجل: “مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا” فقال الحسن: نعم والله إن الله ليقضي القضية في السماء ثم يضرب لها أجلا أنه كائن في يوم كذا وكذا، في ساعة كذا وكذا، في الخاصة والعامة، حتى إن الرجل ليأخذ العصا ما يأخذها إلا بقضاء وقدر، قال: يا أبا سعيد والله لقد أخذتها وإني عنها لغني ثم لا صبر لي عنها، قال الحسن: أولا ترى”. وقال أبو داود حدثنا عباس بن الوليد بن مزيد قال أخبرني أبي قال سمعت الأوزاعي قال حدثني ربيعة بن يزيد ويحيى بن أبي عمرو الشيباني قال حدثني عبد الله بن فيروز الديلمي قال: “دخلت على عبد الله بن عمرو ابن العاص وهو في حائط له بالطائف يقال له الوهط فقلت خصال بلغتني عنك تحدث بها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: “من شرب الخمر لم تقبل توبته أربعين صباحا وأن الشقي من شقي في بطن أمه”. وقال: “سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “أن الله خلق خلقه في ظلمة ثم ألقى عليهم من نوره فمن أصابه من ذلك النور يومئذ اهتدى ومن أخطأه ضل” فلذلك أقول: جف القلم على علم الله”.

ثانيا: تقدير الرب تعالى شقاوة العباد وسعادتهم وأرزاقهم وآجالهم قبل خلقهم (وهو تقدير ثان بعد الأول)
عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: كنا في جنازة في بقيع الغرقد فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقعد وقعدنا حوله ومعه مخصرة فنكس فجعل ينكث بمخصرته ثم قال: “ما منكم من أحد ما من نفس منفوسة إلا وقد كتب الله مكانها من الجنة والنار وإلا قد كتبت شقية أو سعيدة. قال: فقال رجل يا رسول الله أفلا نمكث على كتابنا وندع العمل؟ فقال من كان من أهل السعادة فسيصير إلى عمل أهل السعادة ومن كان من أهل الشقاوة فسيصير إلى عمل أهل الشقاوة، ثم قرأ: “فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى”، وفي لفظ “اعملوا فكل ميسر أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة”، ثم قرأ: “فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى”.

وعن عمران بن حصين قال: “قيل يا رسول الله أعُلِمَ أهل الجنة من أهل النار؟ فقال: نعم. قيل ففيم يعمل العاملون؟ قال كل ميسر لما خلق له” (متفق عليه).

ذكر احتجاج آدم وموسى وحكم النبي صلى الله عليه وسلم لآدم صلوات الله وسلامه عليهم: 

عن أبي هريرة قال: “قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: احتج آدم وموسى فقال موسى يا آدم أنت أبونا خيبتنا وأخرجتنا من الجنة، فقال له آدم أنت موسى اصطفاك الله بكلامه وخط لك التوراة بيده أتلومني على أمر قدره الله علي قبل أن يخلقني بأربعين سنة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: فحج آدم موسى فحج آدم موسى فحج آدم موسى”. وفي رواية: “كتب لك التوراة بيده”.

ثالثا: ذكر التقدير الثالث والجنين في بطن أمه وهو تقدير شقاوته وسعادته ورزقه وأجله وعمله وسائر ما يلقاه
عن عبد الله بن مسعود قال حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق: “إن أحدكم ليجمع خلقا في بطن أمه أربعين يوما ثم يكون في ذلك علقة مثل ذلك ثم يكون في ذلك مضغة مثل ذلك ثم يرسل الله إليه الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات يكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد، فوالذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها” (متفق عليه).

وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “الشقي من شقي في بطن أمه والسعيد من سعد في بطن أمه” رواه أبو داود في القدر. 

رابعا: ذكر التقدير الرابع ليلة القدر
قال تعالى: “حم وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ أَمْراً مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ”. وهذه هي ليلة القدر قطعا لقوله تعالى: “إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ”.. قال سفيان عن ابن أبي نجيح عن مجاهد: “ليلة القدر ليلة الحكم”. وقال ابن علية ثنا ربيعة بن كلثوم قال: “قال رجل للحسن، وأنا أسمع: أرأيت ليلة القدر في كل رمضان هي، قال نعم والله الذي لا إله إلا هو إنها لفي كل رمضان، وإنها لليلة القدر يفرق فيها كل أمر حكيم، فيها يقضي الله كل أجل وعمل ورزق إلى مثلها”. وقال أبو عبد الرحمن السلمي: “يقدر أمر السنة كلها في ليلة القدر”. وهذا هو الصحيح أن القدر مصدر قدر الشيء يقدره قدرا فهي ليلة الحكم والتقدير. 

خامسا: التقدير الخامس اليومي
قال الله تعالى: “يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ”. قال مجاهد والكلبي وعبيد ابن عمير وأبو ميسرة وعطاء ومقاتل: من شأنه أنه يحيي ويميت ويرزق ويمنع وينصر ويعز ويذل ويفك عانيا ويشفي مريضا ويجيب داعيا ويعطي سائلا ويتوب على قوم ويكشف كربا ويغفر ذنبا ويضع أقواما ويرفع آخرين”.

سادسا: سبق المقادير بالشقاوة والسعادة لا يقضي ترك الأعمال بل يقضي الاجتهاد والحرص
يسبق إلى أفهام كثير من الناس أن القضاء والقدر إذا كان قد سبق فلا فائدة في الأعمال، وإن ما قضاه الرب سبحانه وقدره لا بد من وقوعه فتوسط العمل لا فائدة فيه، وقد سبق إيراد هذا السؤال من الصحابة على النبي صلى الله عليه وسلم فأجابهم بما فيه الشفاء والهدى. ففي الصحيحين عن علي بن أبي طالب قال: “كنا في جنازة في بقيع الغرقد فأتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه مخصرة فنكس فجعل ينكث بمخصرته ثم قال: “ما منكم من أحد ما من نفس منفوسة إلا كتب مكانها من الجنة والنار وإلا قد كتبت شقية أو سعيدة، فقال رجل يا رسول الله أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل فمن كان منا من أهل السعادة فسيصير إلى عمل السعادة ومن كان من أهل الشقاوة فسيصير إلى عمل أهل الشقاوة؟ فقال اعملوا فكل ميسر أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة، ثم قرأ: “فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى”.

وهذا مما يدل على جلالة فقه الصحابة ودقة أفهامهم وصحة علومهم فإن النبي صلى الله عليه وسلم أخبرهم بالقدر السابق وجريانه على الخليقة بالأسباب، فإن العبد ينال ما قدر له بالسبب الذي أقدر عليه ومكن منه وهيئ له، فإذا أتى بالسبب أوصله إلى القدر الذي سبق له في أم الكتاب، وكلما زاد اجتهادا في تحصيل السبب كان حصول المقدور أدنى إليه، وهذا كما إذا قدر له أن يكون من أعلم أهل زمانه فإنه لا ينال ذلك إلا بالاجتهاد والحرص على التعلم وأسبابه. وإذا قدر له أن يرزق الولد لم ينل ذلك إلا بالنكاح أو التسري والوطء. وفي الحديث: “أحرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز، وإن العاجز من لم يتسع للأمرين”.

سابعا: في قوله تعالى: “إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ”
في صحيح الحاكم من حديث الحسين بن واقد عن يزيد النحوي عن عكرمة عن ابن عباس قال: “لما نزلت: “إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ”. قال المشركون فالملائكة وعيسى وعزيرا يُعبدون من دون الله، قال فنزلت: “إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ”. وهذا إسناد صحيح.

وقال علي بن المديني ثنا يحيى بن آدم ثنا أبو بكر بن عياش عن عاصم قال أخبرني أبو رزين عن أبي يحيى عن ابن عباس أنه قال: “آية لا يَسأل الناس عنها لا أدري أعرفوها فلم يسألوا عنها أو جهلوها فلا يسألون عنها، فقيل له وما هي فقال: لما نزلت: “إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ”. شق ذلك على قريش أو على أهل مكة وقالوا يشتم آلهتنا، فجاء ابن الزبعري فقال: مالكم؟ قالوا: يشتم آلهتنا. قال: وما قال؟ قالوا: قال “إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ”. قال: ادعوه لي فلما دعي النبي صلى الله عليه وسلم، قال: يا محمد هذا شيء لآلهتنا خاصة أم لكل من عبد من دون الله. فقال: لا بل لكل من عبد من دون الله، قال فقال ابن الزبعري: خصمت ورب هذه البنية، يعني الكعبة، ألست تزعم أن الملائكة عباد صالحون وأن عيسى عبد صالح وأن عزيرا عبد صالح، وهذه بنو مليح تعبد الملائكة، وهذه النصارى تعبد عيسى، وهذه اليهود تعبد عزيرا، قال: فضج أهل مكة، فأنزل الله عز وجل: “إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا”. وهذا الإيراد الذي أورده ابن الزبعري لا يرد على الآية فإنه سبحانه قال إنكم وما تعبدون من دون الله ولم يقل ومن تعبدون، وما لما لا يعقل فلا يدخل فيها الملائكة والمسيح وعزير وإنما ذلك للأحجار ونحوها التي لا تعقل، وأيضا فإن السورة مكية والخطاب فيها لعباد الأصنام فإنه قال “إنكم وما تعبدون”، فلفظة “إنكم” ولفظة “ما” تبطل سؤاله وهو رجل فصيح من العرب لا يخفى عليه ذلك، ولكن إيراده إنما كان من جهة القياس والعموم المعنوي الذي يعم الحكم فيه بعموم علته، أي إن كان كونه معبودا يوجب أن يكون حصب جهنم فهذا المعنى بعينه موجود في الملائكة وعزير والمسيح فأجيب بالفارق وذلك من وجوه، أحدها: أن الملائكة والمسيح وعزيرا ممن سبقت لهم من الله الحسنى فهم سعداء لم يفعلوا ما يستوجبون به النار فلا يعذبون بعبادة غيرهم، فالتسوية بينهم وبين الأصنام أقبح من التسوية بين البيع والربا والميتة والذكي.

وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم ثنا أبو سعيد بن يحي بن سعيد ثنا أبو عامر العقدي ثنا عروة بن ثابت الأنصاري ثنا الزهري عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف: “أن عبد الرحمن بن عوف مرض مرضا شديدا أغمي عليه فأفاق فقال: أغمي علي؟ قالوا: نعم. قال: إنه أتاني رجلان غليظان فأخذا بيدي فقالا: انطلق نحاكمك إلى العزيز الأمين، فانطلقا بي فتلقاهما رجل وقال: أين تريدان به؟ قالا: نحاكمه إلى العزيز الأمين، فقال: دعاه فإن هذا ممن سبقت له السعادة وهو في بطن أمه”.

وقال عبد الله بن محمد البغوي ثنا داود بن رشيد ثنا ابن علية حدثني محمد بن محمد القرشي عن عامر بن سعد قال: “أقبل سعد من أرض له فإذا الناس عكوف على رجل، فاطلع فإذا هو يسب طلحة والزبير وعليا، فنهاه، فكأنما زاده إغراء، فقال: ويلك تريد أن تسب أقواما هم خير منك، لتنتهين أو لأدعون عليك، فقال: كأنما يخوفني نبي من الأنبياء، فانطلق فدخل دارا فتوضأ ودخل المسجد ثم قال: اللهم إن كان هذا قد سب أقواما قد سبقت لهم منك حسنى أسخطك سبه إياهم فأرني اليوم آية تكون للمؤمنين آية، وقال: تخرج بختية  من دار بني فلان لا يردها شيء حتى تنتهي إليه ويتفرق الناس، وتجعله بين قوائمها وتطأه حتى طفى، قال: فأنا رأيت سعدا يتبعه الناس يقولون استجاب الله لك يا أبا إسحاق استجاب الله لك يا أبا إسحاق” (البُخْت : الإبل الخراسانية).

ثامنا: في قوله تعالى: “إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ”
قال سفيان عن زياد بن إسماعيل المخزومي ثنا محمد بن عباد بن جعفر ثنا أبو هريرة قال: “جاء مشركو قريش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يخاصمون في القدر فنزلت هذه الآية: “إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ” رواه مسلم. قال عوف: من كذب بالقدر فقد كذب بالإسلام إن الله تبارك وتعالى قدر أقدارا وخلق الخلق بقدر وقسم الآجال بقدر وقسم الأرزاق بقدر وقسم البلاء بقدر وقسم العافية بقدر وأمر ونهى.

وقال الإمام أحمد: “القدر قدرة الله” واستحسن ابن عقيل هذا الكلام جدا، وقال هذا يدل على دقة علم أحمد وتبحره في معرفة أصول الدين. وهو كما قال أبو الوفاء: “فإن إنكار القدر إنكار لقدرة الرب على خلق أعمال العباد وكتابها وتقديرها”.

تاسعا: مراتب القضاء والقدر التي من لم يؤمن بها لم يؤمن بالقضاء والقدر
وهي أربع مراتب: المرتبة الأولى: علم الرب سبحانه بالأشياء قبل كونها. المرتبة الثانية: كتابته لها قبل كونها. المرتبة الثالثة: مشيئته لها. المرتبة الرابعة: خلقه لها.

1- المرتبة الأولى: علم الرب سبحانه بالأشياء قبل كونها، أو العلم السابق: اتفق عليه الرسل من أولهم إلى خاتمهم، واتفق عليه جميع الصحابة ومن تبعهم من الأمة، وخالفهم مجوس الأمة، وكتابته السابقة تدل على علمه بها قبل كونها. وقد قال تعالى: “وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ”. قال مجاهد: علم من إبليس المعصية وخلقه لها. وقال قتادة: كان في علمه أنه سيكون من تلك الخليقة أنبياء ورسل وقوم صالحون وساكنو الجنة.

2- المرتبة الثانية: مرتبة الكتابة: قال تعالى: “وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ إِنَّ فِي هَذَا لَبَلاغاً لِقَوْمٍ عَابِدِينَ”. فالزبور هنا جميع الكتب المنزلة من السماء لا تختص بزبور داود، والذكر أم الكتاب الذي عند الله، والأرض الدنيا، وعباده الصالحون أمة محمد صلى الله تعالى عليه وسلم. هذا أصح الأقوال في هذه الآية، وهي علَم من أعلام نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه أخبر بذلك بمكة وأهل الأرض كلهم كفار أعداء له ولأصحابه.

وقال تعالى: “إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ”. فجمع بين الكتابين الكتاب السابق لأعمالهم قبل وجودهم والكتاب المقارن لأعمالهم، فأخبر أنه يحييهم بعد ما أماتهم للبعث ويجازيهم بأعمالهم. وقال ابن عباس في رواية عطاء: “آثارهم ما أثروا من خير أو شر”. فهو سبحانه يكتب ما عملوه وما تولد من أعمالهم.

قال مسروق: “ما خطا رجل خطوة إلا كتبت له حسنة أو سيئة”. والمقصود أن قوله: “وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ”، وهو اللوح المحفوظ وهو أم الكتاب وهو الذكر الذي كتب فيه كل شيء.

وقال تعالى: “وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ”. وقد اختلف في الكتاب ههنا هل هو القرآن أو اللوح المحفوظ على قولين، فقالت طائفة المراد به القرآن كما قال ابن مسعود وقد لعن الواصلة والمستوصلة: “ما لي لا ألعن من لعنه الله في كتابه؟ فقالت امرأة لقد قرأت القرآن فما وجدته؟ فقال إن كنت قرأتيه فقد وجدته، قال تعالى: “وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا”، ولعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الواصلة والمستوصلة”. 

والقرآن كتبه الله في اللوح المحفوظ قبل خلق السماوات والأرض كما قال تعالى: “بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ”. وأجمع الصحابة والتابعون وجميع أهل السنة والحديث أن كل كائن إلى يوم القيامة فهو مكتوب في أم الكتاب، وقد دل القرآن على أن الرب تعالى كتب في أم الكتاب ما يفعله وما يقوله، فكتب في اللوح أفعاله وكلامه، فتبت يدا أبي لهب في اللوح المحفوظ قبل وجود أبي لهب. وفي الصحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “كتب على ابن آدم نصيبه من الزنا مدرك ذلك لا محالة، فالعينان زناهما النظر والأذنان زناهما الاستماع واللسان زناه الكلام واليد زناها البطش والرجل زناها الخطا والقلب يهوى ويتمنى ويصدق الفرج ذلك كله ويكذبه”. وفي الصحيحين من حديث أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لما قضى الله الخلق كتب في كتابه، فهو عنده فوق العرش: أن رحمتي غلبت غضبي”.

3- المرتبة الثالثة: مرتبة المشيئة: فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، هذا عموم التوحيد الذي لا يقوم إلا به، قال تعالى: “وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً”، وقال: “كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ”، وقال خطيب الأنبياء شعيب: “وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا”.

فلا خلق ولا رزق ولا عطاء ولا منع ولا قبض ولا بسط ولا موت ولا حياة ولا إضلال ولا هدى ولا سعادة ولا شقاوة إلا بعد إذنه، وكل ذلك بمشيئته وتكوينه إذ لا مالك غيره ولا مدبر سواه ولا رب غيره. قال تعالى: “وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَار”.

وفي حديث ابن مسعود الذي في المسند وغيره في قصة رجوعهم من الحديبية ونومهم عن صلاة الصبح فقال النبي صلى الله عليه وسلم: “إن الله لو شاء لم تناموا عنها ولكن أراد أن تكون لمن بعدكم، فهكذا لمن نام ونسي”.

وروى سعيد عن منصور عن عبد الله بن يسار عن حذيفة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “لا تقولوا ما شاء الله وشاء فلان ولكن قولوا ما شاء الله ثم شاء فلان”.

وفي صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم: “قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفها كيف يشاء”، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “يا مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك”.

وفي صحيح مسلم عنه يرفعه: “المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير، إحرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كذا وكذا، ولكن قل قدر الله وما شاء فعل فإن لو تفتح عمل الشيطان”.

وقال صلى الله عليه وسلم: “ألا مشمر للجنة، فقالت الصحابة نحن المشمرون لها يا رسول الله، فقال قولوا إن شاء الله”.

وقال تعالى: “وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ” قال الحسن: “إذا نسيت أن تقول إن شاء الله”.

والنصوص النبوية في إثبات إرادة الله أكثر من أن تحصر كقوله “من يرد الله به خيرا يفقه في الدين”. “إذا أراد الله بأهل بيت خيرا أدخل عليهم باب الرفق”.

4- المرتبة الرابعة: مرتبة خلق الله سبحانه الأعمال وتكوينه وإيجاده لها: فحزب الله ورسوله وأنصار سنته يثبتون القدر السابق وأن العباد يعملون على ما قدره الله وقضاه وفرغ منه، وأنه لا يشاؤن إلا أن يشاء الله ولا يفعلون إلا من بعد مشيئته، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن. فلا يتحرك ذرة فما فوقها إلا بمشيئته وعلمه وقدرته، فهم المؤمنون بلا حول ولا قوة إلا بالله.

ويؤمنون بأن من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأنه هو الذي يجعل المسلم مسلما والكافر كافرا والمصلي مصليا والمتحرك متحركا.

ويثبتون مع ذلك قدرة العبد وإرادته واختياره وفعله حقيقة لا مجازا، وهم متفقون على أن الفعل غير المفعول. والذي قام بالرب عز وجل علمه وقدرته ومشيئته وتكوينه، والذي قام بهم هو فعلهم وكسبهم وحركاتهم وسكناتهم، فهم المسلمون المصلون القائمون القاعدون حقيقة، وهو سبحانه هو المقدر لهم على ذلك القادر عليه الذي شاءه منهم وخلقه لهم، ومشيئتهم وفعلهم بعد مشيئته فما يشاؤن إلا أن يشاء الله وما يفعلون إلا أن يشاء الله.

ثم قوله: “اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ” يتضمن طلب الهداية ممن هو قادر عليها، وهي بيده إن شاء أعطاها عبده وإن شاء منعه إياها، والهداية معرفة الحق والعمل به فمن لم يجعله الله تعالى عالما بالحق عاملا به لم يكن له سبيل إلى الاهتداء.

ومن الدليل على خلق أعمال العباد قوله تعالى: “وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلالاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَاناً وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ” فأخبر أنه هو الذي جعل السرابيل وهي الدروع والثياب المصنوعة. ونظيره قوله تعالى: “وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ”. وقد أخبر سبحانه أنه هو الذي جعل أئمة الخير يدعون إلى الهدى وأئمة الشر يدعون إلى النار. قال تعالى عن آل فرعون: “وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ”. وقال عن أئمة الهدى: “وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا”. ومن ذلك إخباره سبحانه بأنه هو الذي يلهم العبد فجوره وتقواه، والإلهام الإلقاء في القلب لا مجرد البيان والتعليم. في حديث عمران بن حصين: “أن رجلا من مزينة أو جهينة أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أرأيت ما يعمل الناس فيه ويكدحون أشيء قضى عليهم ومضى عليهم من قدر سابق أو فيما يستقبلون مما أتاهم به نبيهم؟ قال: بل شيء قضى عليهم ومضى. قال: ففيم العمل؟ قال: من خلقه الله لإحدى المنزلتين استعمله بعمل أهلها وتصديق ذلك في كتاب الله: “وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا”.

ومن ذلك قوله تعالى: “وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ”. وذات الصدور كلمة لما يشتمل عليه الصدر من الاعتقادات والإرادات والحب والبغض. قال تعالى: “أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَق” أي كيف يخفى عليه ما في الصدور وهو الذي خلقه..

ومن ذلك قوله تعالى: “فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ”، وهذا الإغراء والإلقاء محض فعله سبحانه، والتعادي والتباغض أثره، وهو محض فعلهم..

ومن ذلك قوله تعالى: “فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ”، وهم إنما خرجوا باختيارهم، وقد أخبر أنه هو الذي أخرجهم، فالإخراج فعله حقيقة والخروج فعلهم حقيقة ولولا إخراجه لما خرجوا.

في الهدى والضلال ومراتبهما والمقدور منهما للخلق وغير المقدور لهم: أفضل ما يقدر الله لعبده وأجل ما يقسمه له الهدى وأعظم ما يبتليه به ويقدره عليه الضلال وكل نعمة دون نعمة الهدى وكل مصيبة دون مصيبة الضلال، ولا بد قبل الخوض في تقرير ذلك من ذكر مراتب الهدى والضلال في القرآن.

مراتب الهدى أربعة:

الأولى: الهدى العام، وهو هداية كل نفس إلى مصالح معاشها وما يقيمها وهذا أعم مراتبه. قال سبحانه: “سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى”. فذكر سبحانه أربعة أمور عامة: الخلق والتسوية والتقدير والهداية، وجعل التسوية من تمام الخلق والهداية من تمام التقدير. فالخلق والتسوية شامل للإنسان وغيره. قال تعالى: “وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا” وقال: “فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَات”. فالتسوية شاملة لجميع مخلوقاته: “مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ”. وما يوجد من التفاوت وعدم التسوية فهو راجع إلى عدم إعطاء التسوية للمخلوق فإن التسوية أمر وجودي تتعلق بالتأثير والإبداع فما عدم منها فلعدم إرادة الخالق للتسوية. وقوله: “مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ” فالتفاوت حاصل بسبب عدم مشيئة التسوية كما أن الجهل والصمم والعمى والخرس والبكم يكفي فيها عدم مشيئة خلقها وإيجادها.

وأما التقدير والهداية: فقال مقاتل: “قدر خلق الذكر والأنثى فهدى الذكر للأنثى كيف يأتيها”، وهذا الحمام من أعجب الحيوان هداية حتى قال الشافعي: “أعقل الطير الحمام” وبرد الحمام هي التي تحمل الرسائل والكتب. وقيل لأحدهم: “من علمك اللجاج في الحاجة والصبر عليها وإن استعصت حتى تظفر بها، قال: من علم الخنفساء إذا صعدت في الحائط تسقط ثم تصعد ثم تسقط مرارا عديدة حتى تستمر صاعدة”.

الثانية: الهدى بمعنى البيان والدلالة والتعليم والدعوة إلى مصالح العبد في معاده، وهذا خاص بالمكلفين، وهذه المرتبة أخص من المرتبة الأولى وأعم من الثالثة.  فهي هداية الإرشاد والبيان للمكلفين: وهذه الهداية لا تستلزم حصول التوفيق واتّباع الحق وإن كانت شرطا فيه. قال تعالى: “وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى”، وقال: “وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ”. فهداهم هدى البيان والدلالة فلم يهتدوا فأضلهم عقوبة لهم على ترك الاهتداء أولا بعد أن عرفوا الهدى فأعرضوا عنه فأعماهم عنه بعد أن أراهموه، وهذا شأنه سبحانه في كل من أنعم عليه بنعمة فكفرها فإنه يسلبه إياها بعد أن كانت نصيبه وحظه كما قال تعالى: “ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ”.

وهذه الهداية هي التي أثبتها لرسوله حيث قال: “وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ”. ونفى عنه ملك الهداية الموجبة وهي هداية التوفيق والإلهام بقوله: “إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْت”. ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: “بعثت داعيا ومبلغا وليس إليّ من الهداية شيء، وبعث إبليس مزينا ومغويا وليس إليه من الضلالة شيء”. وهي حجة الله على خلقه التي لا يعذب أحدا إلا بعد إقامتها عليه قال تعالى: “وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً”.

الثالثة: الهداية المستلزمة للاهتداء، وهي هداية التوفيق ومشيئة الله لعبده الهداية وخلقه دواعي الهدى وإرادته والقدرة عليه للعبد، وهذه الهداية التي لا يقدر عليها إلا الله عز وجل. فهي هداية التوفيق والإلهام وخلق المشيئة المستلزمة للفعل: وهذه المرتبة أخص من التي قبلها. قال تعالى: “إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلّ”. وهذا صريح في أن هذا الهدى ليس له صلى الله عليه وسلم ولو حرص عليه ولا إلى أحد غير الله وأن الله سبحانه إذا أضل عبدا لم يكن لأحد سبيل إلى هدايته كما قال تعالى: “مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هَادِيَ لَهُ” وقال تعالى: “مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ”. وقال أهل الجنة: “الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّه”. ولم يريدوا أن بعض الهدى منه وبعضه منهم بل الهدى كله منه، ولولا هدايته لهم لما اهتدوا.

وأمر سبحانه عباده كلهم أن يسألوه هدايتهم الصراط المستقيم كل يوم وليلة في الصلوات الخمس، وذلك يتضمن الهداية إلى الصراط والهداية فيه.

كما أن الضلال نوعان: ضلال عن الصراط فلا يهتدي إليه، وضلال فيه. فالأول ضلال عن معرفته والثاني ضلال عن تفاصيله أو بعضها. ولا يتم المقصود إلا بالهداية إلى الطريق والهداية فيها، فإن العبد قد يهتدي إلى طريق قصده وتنزيله عن غيرها ولا يهتدي إلى تفاصيل سيره فيها وأوقات السير من غيره وزاد المسير وآفات الطريق ولهذا قال ابن عباس في قوله تعالى: “لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً” قال: “سبيلا وسنة”.

الرابعة: الهداية يوم المعاد إلى طريق الجنة والنار أي الهداية إلى الجنة والنار يوم القيامة: قال تعالى: “احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ”. وقال تعالى: “وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ”. فهذه هداية بعد قتلهم فقيل المعنى سيهديهم إلى طريق الجنة ويصلح حالهم في الآخرة بإرضاء خصومهم وقبول أعمالهم.

عاشرا: الطبع والختم والقفل والغل والسد والغشاوة والحائل بين الكافر وبين الإيمان وأن ذلك مجعول للرب تعالى
قال تعالى: “إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ”. وقال: “كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ”.

وهنا عدة أمور عاقب بها الكفار بمنعهم عن الإيمان وهي: الختم والطبع والأكنة والغطاء والغلاف والحجاب والوقر والغشاوة والران والغل والسد والقفل والصمم والبكم والعمى والصد والصرف والشد على القلب والضلال والإغفال والمرض وتقليب الأفئدة والحول بين المرء وقلبه وإزاغة القلوب والخذلان والإركاس والتثبيط والتزيين وعدم إرادة هداهم وتطهيرهم وإماتة قلوبهم بعد خلق الحياة فيها فتبقى على الموت الأصلي وإمساك النور عنها فتبقى في الظلمة الأصلية وجعل القلب قاسيا لا ينطبع فيه مثال الهدى وصورته وجعل الصدر ضيقا حرجا لا يقبل الإيمان..

أما المرض فقال تعالى: “فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً”، ومرض القلب خروج عن صحته واعتداله، فإن صحته أن يكون عارفا بالحق محبا له مؤثرا له على غيره، فمرضه إما بالشك فيه وإما بإيثار غيره عليه، فمرض المنافقين مرض شك وريب، ومرض العصاة مرض غي وشهوة، وقد سمى الله سبحانه كلا منهما مرضا، والمرض يدور على أربعة أشياء: فساد وضعف ونقصان وظلمة.

وأما الخذلان فقال تعالى: “إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ”. وأصل الخذلان الترك والتخلية. والخذلان أن يخلي الله تعالى بين العبد وبين نفسه ويكله إليها، والتوفيق ضده أن لا يدعه ونفسه ولا يكله إليها. فمن خلى بينه وبين نفسه هلك كل الهلاك، ولهذا كان من دعائه صلى الله عليه وسلم: “يا حي يا قيوم يا بديع السماوات والأرض يا ذا الجلال والإكرام لا إله إلا أنت برحمتك أستغيث أصلح لي شأني كله ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين ولا إلى أحد من خلقك”.

وأما إماتة قلوبهم فقال تعالى: “إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى”. وقال: “أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا” وقال: “لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيّاً” وقال: “وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ”، فوصف الكافر بأنه ميت وأنه بمنزلة أصحاب القبور، وذلك أن القلب الحي هو الذي يعرف الحق ويقبله ويحبه ويؤثره على غيره، فإذا مات القلب لم يبق فيه إحساس ولا تمييز بين الحق والباطل ولا إرادة للحق وكراهة للباطل.

وكذلك وصف سبحانه كتابه ووحيه بأنه روح لحصول حياة القلب به فيكون القلب حيا ويزداد حياة بروح الوحي. وقال: “وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا”، وأما جعله القلب قاسيا فقال تعالى: “فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ”. والقسوة الشدة والصلابة في كل شيء، والقلوب ثلاثة: قلب قاس وهو اليابس الصلب الذي لا يقبل صورة الحق ولا تنطبع فيه. وضده القلب اللين المتماسك وهو السليم من المرض الذي يقبل صورة الحق بلينه ويحفظه بتماسكه. بخلاف المريض الذي لا يحفظ ما ينطبع فيه لميعانه ورخاوته كالمائع الذي إذا طبعت فيه الشيء قبل صورته بما فيه من اللين ولكن رخاوته تمنعه من حفظها. فخير القلوب القلب الصلب الصافي اللين فهو يرى الحق بصفائه ويقبله بلينه ويحفظه بصلابته. وفي المسند وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم: “القلوب آنية الله في أرضه فأحبها إليه أصلبها وأرقها وأصفاها”.

وأما تضييق الصدر وجعله حرجا لا يقبل الإيمان فقال تعالى: “فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ”. والحرج هو الشديد الضيق، وقرأ عمر بن الخطاب الآية فقال: “ايتوني رجلا من كنانة واجعلوه راعيا، فأتوه به فقال عمر: يا فتى ما الحرجة فيكم؟ فقال: الشجرة تحدق بها الأشجار الكثيرة فلا تصل إليها راعية ولا وحشية، فقال عمر كذلك قلب الكافر لا يصل إليه شيء من الخير”.

قال ابن عباس: “يجعل صدره ضيقا حرجا إذا سمع ذكر الله اشمأز قلبه وإن ذكر شيء من عبادة الأصنام ارتاح إلى ذلك”. وفي الترمذي وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم: “إذا دخل النور قلبه انفسح وانشرح قالوا فما علامة ذلك يا رسول الله قال: الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور والاستعداد للموت قبل نزوله”. فشرح الصدر من أعظم أسباب الهدى وتضييقه من أسباب الضلال.

ومما ينبغي أن يعلم أنه لا يمتنع مع الطبع والختم والقفل حصول الإيمان بأن يفك الذي ختم على القلب وطبع عليه وضرب عليه القفل ذلك ويهديه بعد ضلاله ويعلمه بعد جهله ويرشده بعد غيه ويفتح قفل قلبه بمفاتيح توفيقه التي هي بيده، حتى لو كتب على جبينه الشقاوة والكفر لم يمتنع أن يمحوها ويكتب عليه السعادة والإيمان. وقرأ قارئ عند عمر بن الخطاب: “أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا” وعنده شاب فقال: اللهم عليها أقفالها ومفاتيحها بيدك لا يفتحها سواك فعرفها له عمر وزادته عنده خيرا. وكان عمر يقول في دعائه: “اللهم إن كنت كتبتني شقيا فامحني واكتبني سعيدا فإنك تمحو ما تشاء وتثبت”.

أحد عشر: مسائل

أولا: تفرد الرب تعالى بخلق أعمال العباد كما هو منفرد بخلق ذواتهم وصفاتهم (وذكر لنعمه على عبده): ففي صحيح البخاري عن حذيفة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: “إن الله يصنع كل صانع وصنعته”، قال البخاري: “وتلا بعضهم عند ذلك: “وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ”.

وروى مسلم في صحيحه عن طاووس قال سمعت عبد الله بن عمر يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “كل شيء بقدر حتى العجز والكيس”. فالرب تبارك اسمه وتعالى جده ولا إله غيره هو المنعم على الحقيقة بصنوف النعم التي لا يحصيها أهل سماواته وأرضه، فإيجادهم نعمة منه، وجعلهم أحياء ناطقين نعمة منه وإعطائهم الأسماع والأبصار والعقول نعمة منه، وإدرار الأرزاق عليهم على اختلاف أنواعها وأصنافها نعمة منه، وتعريفهم نفسه بأسمائه وصفاته وأفعاله نعمة منه، وإجراء ذكره على ألسنتهم ومحبته ومعرفته على قلوبهم نعمة منه، وحفظهم بعد إيجادهم نعمة منه، وقيامه بمصالحهم دقيقها وجليلها نعمة منه، وهدايتهم إلى أسباب مصالحهم ومعايشهم نعمة منه، وذكر نعمه على سبيل التفصيل لا سبيل إليه ولا قدرة للبشر عليه.

قال أنس بن مالك ينشر للعبد يوم القيامة ثلاثة دواوين، ديوان فيه نعمه ، وديوان فيه ذنوبه، وديوان فيه العمل الصالح، فيأمر الله تعالى أصغر نعمة من نعمه فتقوم فتستوعب عمله كله ثم تقول أي رب وعزتك وجلالك ما استوفيت ثمني، وقد بقيت الذنوب والنعم، فإذا أراد الله بعبد خيرا قال لإبن آدم ضعفت حسناتك وتجاوزت عن سيئاتك ووهبت لك نعمي فيما بيني وبينك”.

و صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: “لن ينجو أحد منكم بعمله”، وفي لفظ “لن يدخل احد منكم الجنة بعمله، قالوا ولا أنت يا رسول الله؟ قال ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل”. فقد أخبر صلى الله عليه وسلم: “أنه لا ينجي أحدا عمله من الأولين ولا من الآخرين إلا أن يرحمه ربه سبحانه”، فتكون رحمته خير له من عمله لأن رحمته تنجيه وعمله لا ينجيه. وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة”.

ثانيا: الكسب والجبر ومعناهما لغة واصطلاحا وإطلاقهما نفيا وإثباتا: أما الكسب فأصله في اللغة الجمع قاله الجوهري وهو طلب الرزق، والكسب قد وقع في القرآن على ثلاثة أوجه أحدها عقد القلب وعزمه كقوله تعالى: “لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ” أي بما عزمتم عليه وقصدتموه، والوجه الثاني من الكسب: كسب المال من التجارة قال تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ”، والوجه الثالث من الكسب: السعي والعمل كقوله تعالى: “لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ”. 

وأما الجبر فيرجع في اللغة إلى ثلاثة أصول أحدها: أن يغنى الرجل من فقر أو يجبر عظمه من كسر وهذا من الإصلاح. الثاني: الإكراه والقهر. الثالث: من العز والامتناع ومنه نخلة جبارة. قال الجوهري: “والجبار من النخل ما طال وفات اليد”. وقال الأخفش في قوله تعالى: “إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ” قال: “أراد الطول والقوة والعظم”، قال ابن عباس في قوله تعالى: “الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ” هو العظيم. وقال محمد بن كعب: “إنما سمي الجبار لأنه جبر الخلق على ما أراد والخلق أدق شأنا من أن يعصوا ربهم طرفة عين إلا بمشيئته. وأما المخلوق فاتصافه بالجبار ذم له ونقص كما قال تعالى: “كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ” وقال تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: “وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّار” أي مسلط تقهرهم وتكرههم على الإيمان. وفي الترمذي وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم: “يحشر الجبارون والمتكبرون يوم القيامة أمثال الذر يطأهم الناس”. والفرق بين هذا الجبر وجبر المخلوق لغيره من وجوه، أحدها أن المخلوق لا قدرة له على جعل الغير مريدا للفعل محبا له، والرب تعالى قادر على جعل عبده كذلك. الثاني: أن المخلوق قد يجبر غيره إجبارا يكون به ظالما معتديا عليه، والرب أعدل من ذلك فإنه لا يظلم أحدا من خلقه. الثالث: أن المخلوق يكون في جبره لغيره سفيها أو عائبا أو جاهلا، والرب تعالى إذا جبر عبده على أمر من الأمور كان له في ذلك من الحكمة والعدل والإحسان والرحمة ما هو محمود عليه بجميع وجوه الحمد. الرابع: أن المخلوق يجبر غيره لحاجته إلى ما جبره عليه ولانتفاعه بذلك وهذا لأنه فقير بالذات، وأما الرب تعالى فهو الغني بذاته الذي كل ما سواه محتاج إليه. الخامس: أن المخلوق يجبر غيره لنقصه فيجبره ليحصل له الكمال بما أجبره عليه والرب له الكمال المطلق من جميع الوجوه .

ثالثا: تنزيه القضاء الإلهي عن الشر: قال الله تعالى: “قل اللهم قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ”. وفي صحيح مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يثني على ربه بذلك في دعاء الاستفتاح في قوله: “لبيك وسعديك والخير في يديك والشر ليس إليك أنا بك وإليك تباركت وتعاليت”. وهو سبحانه خالق الخير والشر ، فالشر في بعض مخلوقاته لا في خلقه وفعله، وخلقه وفعله وقضاؤه وقدره خير كله، ولهذا تنزه سبحانه عن الظلم الذي حقيقته وضع الشيء في غير موضعه، فلا يضع الأشياء إلا في مواضعها اللائقة بها وذلك خير كله، والشر وضع الشيء في غير محله، فإذا وضع في محله لم يكن شرا فعلم أن الشر ليس إليه، وأسماؤه الحسنى تشهد بذلك. القتل مثلا هو استعمال الآلة القطاعة في تفريق اتصال البدن، فقوة الإنسان على استعمال الآلة خير، وكون الآلة قابلة للتأثير خير، وكون المحل قابلا لذلك خير، وإنما الشر نسبي إضافي، وهو وضع هذا التأثير في غير موضعه، والعدول به عن المحل المؤدي إلى غيره، وهذا بالنسبة إلى الفاعل، وأما بالنسبة إلى المفعول فهو شر إضافي أيضا، وهو ما حصل له من التألم وفاته من الحياة، وقد يكون ذلك خيرا له من جهة أخرى وخير لغيره. وكذلك الوطء فإن قوة الفاعل وقبول المحل كمال، ولكن الشر في العدول به عن المحل الذي يليق به إلى محل لا يحسن ولا يليق، وهكذا حركة اللسان، وحركات الجوارح كلها جارية على هذا المجرى. فظهر أن دخول الشر في الأمور الوجودية إنما هو بالنسبة والإضافة لا أنها من حيث وجودها وذواتها شر. وكذلك السجود ليس شرا من حيث ذاته ووجوده، فإذا أضيف إلى غير الله كان شرا بهذه النسبة والإضافة.

فإن قيل فإبليس شر محض والكفر والشرك كذلك وقد دخلوا في الوجود فأي خير في إبليس وفي وجود الكفر، قيل في خلق إبليس من الحكم والمصالح والخيرات التي ترتبت على وجوده ما لا يعلمه إلا الله، فالله سبحانه لم يخلقه عبثا ولا قصد بخلقه إضرار عباده وهلاكهم، فكم لله في خلقه من حكمة باهرة وحجة قاهرة وآية ظاهرة ونعمة سابغة، وهو وإن كان للأديان والإيمان كالسموم للأبدان، ففي إيجاد السموم من المصالح والحكم ما هو خير من تفويتها، وأما الذي لا خير فيه ولا شر فلا يدخل أيضا في الوجود فإنه عبث، فتعالى الله عنه، وإذا امتنع وجود هذا القسم في الوجود فدخول ما الشر في إيجاده أغلب من الخير أولى بالامتناع.

رابعا: ذكر الفطرة الأولى ومعناها واختلاف الناس في المراد بها وأنها لا تنافي القضاء والقدر بالشقاوة والضلال: قال تعالى: “فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ”. وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه كما تنتج البهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء حتى تكونوا أنتم تجدعونها”. ثم قرأ أبو هريرة: “فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ”.

وقد ثبت في صحيح مسلم عن عياض بن حماد عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن ربه تبارك وتعالى أنه قال: “خلقت عبادي حنفاء كلهم فاجتالتهم الشياطين وحرمت عليهم ما أحللت لهم وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا”. وهذا صريح في أنه خلقهم على الحنيفية وأن الشياطين اجتالتهم بعد ذلك.

وكذلك في حديث الأسود بن سريع الذي رواه احمد وغيره قال: بعث النبي صلى الله عليه وسلم سرية فأفضى بهم القتل إلى الذرية فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: “ما حملكم على قتل الذرية قالوا يا رسول الله أليسوا أولاد المشركين؟ قال أوليس خياركم أولاد المشركين؟ ثم قام النبي صلى الله عليه وسلم خطيبا فقال ألا إن كل مولود يولد على الفطرة حتى يعرب عنه لسانه” فخطبته لهم بهذا الحديث عقيب نهيه لهم عن قتل أولاد المشركين، وقوله لهم أو ليس خياركم أولاد المشركين نص أنه أراد أنهم ولدوا غير كفار ثم الكفر طرأ بعد ذلك.

خامسا: بعض الأقوال في القضاء والقدر: قال العلامة عبد الرحمن السعدي رحمه الله تعالى: “مراتب ذلك – أي القدر- أربع لا يتم الإيمان بالقدر إلا بتكميلها : الإيمان بأنه بكل شيء عليم ، وأن علمه محيط بالحوادث دقيقها وجليلها ، وأنه كتب ذلك باللوح المحفوظ ، وأن جميعها واقعة بمشيئته وقدرته ما يشاء كان  وما لم يشأ لم يكن ، وأنه مع ذلك مكَّن العباد من أفعالهم فيفعلونها اختيارا منهم بمشيئتهم وقدرتهم كما قال الله تعالى : “أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ” وقال : “لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ” .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله تعالى – مبينا مذهب أهل السنة في أفعال العباد : “والعباد فاعلون حقيقة، والله خالق أفعالهم، والعبد هو المؤمن والكافر والبر والفاجر والمصلي والصائم، وللعباد قدرة على أعمالهم، ولهم إرادة، والله خالق قدرتهم وإرادتهم، كما قال تعالى : “لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ” .

وقال ابن قدامة –رحمه الله تعالى-  : “ولا نجعل قضاء الله وقدره حجة لنا في ترك أوامره واجتناب نواهيه بل يجب أن نؤمن بأن لله علينا الحجة بإنزال الكتب وبعثة الرسل. قال الله تعالى: ” لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ” . ونعلم أن الله سبحانه ما أمر ونهى إلا المستطيع للفعل والترك. وأنه لم يجبر أحدا على معصية ولا اضطره إلى ترك طاعة، قال تعالى : “لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا “. وقال تعالى:  “فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ”. وقال تعالى : “الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ ” فدل على أن للعبد فعلا وكسبا يُجزى على حسنه بالثواب وعلى سيئه بالعقاب، وهو واقع بقضاء الله وقدره .

وسئل الشيخ ابن عثيمين – رحمه الله تعالى : هل الإنسان مسير أو مخير؟ فأجاب: على السائل أن يسأل نفسه هل أجبره أحد على أن يسأل هذا السؤال، وهل هو يختار نوع السيارة التي يقتنيها‏؟‏ إلى أمثال ذلك من الأسئلة، وسيتبين له الجواب هل هو مسير أو مخير. ‏ثم يسأل نفسه هل يصيبه الحادث باختياره‏؟‏ هل يصيبه المرض باختياره‏؟‏ هل يموت باختياره‏؟‏ إلى أمثال ذلك من الأسئلة وسيتبين له الجواب هل هو مسير أو مخير. والجواب‏:‏ أن الأمور التي يفعلها الإنسان العاقل يفعلها باختياره بلا ريب، واسمع إلى قول الله تعالى: ” فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآباً ” وإلى قوله تعالى : ” مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ” وإلى قوله تعالى: ‏”وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً” وإلى قوله تعالى : ” فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ” حيث خيّر الفادي فيما يفدي به‏.‏ ولكن العبد إذا أراد شيئاً وفعله علمنا أن الله تعالى قد أراده لقوله تعالى‏:‏ ‏” لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ” فلكمال ربوبيته لا يقع شيء في السموات والأرض إلا بمشيئته تعالى، وأما الأمور التي تقع على العبد أو منه بغير اختياره كالمرض والموت والحوادث فهي بمحض القدر وليس للعبد اختيار فيها ولا إرادة ‏.

الفصل الثاني: الشيطان

ادعوك إلى اسقاط محتوى هذا الجزء على ما يجري للمسلمين في عالم التحضر والزيف الذي نعيش فيه اليوم، وستجد أن ذلك كله يدور حول الحرب المستعرة بين أتباع الشيطان وأتباع الحق (المسلمين). 

إن أتباع الشيطان وجنوده (الغرب بقيادة أمريكا وأوروبا) لا يهدأ لهم بال في حربهم المستمرة على المسلمين، وحتى بعد تدميرهم لبعض دولهم كالعراق وسوريا (وغيرها مما دمروه بنشر طرقهم وأفكارهم وسيطروا عليه)، ورغم عمالة أغلب حكام الدول الباقية لهم، إلا أن الشيطان وجنده لا يزالون يصرون على إلحاق الأذية الكاملة باهل الإيمان، لا يشفع لهم عندهم عمالة حكامهم أو تشتت مثقفيهم ونخبتهم بين الديمقراطية وطريق الإسلام المخالف لها.

ستلاحظ أن خصائص الشياطين وأولياؤهم تنطبق تماما على الغربيين وأوليائهم، وتأمل في بذلهم لأموالهم في سبيل قضاياهم الشيطانية الغير عادلة في حين تعجز دولنا عن اختيار 50 عالما مع 50 مترجم (100 شخص)، وصرف رواتب لهم ليتفرغوا للجهاد في سبيل الله بطحن قساوسة القوم وفلاسفتهم فكريا بحجج الإسلام ليعلم القاصي والداني أن ديننا دين حجة وبرهان لا دين قتل وتخلف كما يشيعون في الناس.   

لقد أمر الله تعالى بالدعوة إليه وتبيان الدين، ولكن عمالة حكامنا، وجهل أبنائنا المتشوهين فكريا بحضارة القوم، جعلنا نغفل عن عدونا اللدود وحزبه (الشيطان)، فكانت النتيجة ما نحن فيه من هوان، وحتى مع ذلك لا يريد العدو تركنا في حالنا.   

لاحظ كيف أن هذه العداوة بين أهل الحق وأهل الباطل قديمة ومستمرة إلى يوم القيامة، فاهل الباطل يستخدمون كل الطرق لمحاربة أهل الحق، وأهل الحق يتقون بالله عليهم ويتقونه فيهم، ليسوا كداعشهم التي تقتل كل من هب ودب غير مبالية بمسلم أو كافر، وهم قلة يكاد عددهم اليوم يكون معدوما. 

المسألة الأولى: لفظة الشيطان ونظائرها

اختلف أهل اللغة في الأصل الذي يرجع إليه اشتقاق هذه الكلمة على قولين :

الأول : أنها ترجع في اشتقاقها إلى الجذر ( شَطَنَ )، الشَطَن الحبل الطويل الشديد الفتل يستقى به، وشطَنت الدار إذا بعدت.

الثاني : أنها ترجع إلى الجذر ( شَيَطَ )، شاط الشيء شيْطاً وشياطة وشيطوطة، احترق، واشتاط غضبا التهب في غضبه ، والشيطان كل عاتٍ متمرد من الإنس والجن والدواب، والعرب تسمي الحية شيطاناً، وتشيطن الرجل فهو شيطان وشاطن، وعليه يكون التعريف الأدق للشيطان هو : كل عاتٍ متمرد على أوامر الله من الجن والإنس . 

نظائر لفظة الشيطان : ابليس: أبلس الرجل قُطِع به، وأبلس سكت، وأبلس من رحمة الله يئس وندم ومنه سُمِّي إبليس لأنه أبلس من رحمـة الله.

الطاغوت: نقول: طغوت وطغيت طغياناً وطغواناً، والمعنى: جاوز القدر وارتفع وغلا في الكفر، والطاغوت: الكهنة والشياطين، والطاغوت كل رأس في الضلال، والطاغوت يكون من الأصنام ويكون من الجن والإنس، و الطاغوت: هو كل ذي طغيان على الله فعُبِد من دونه (برِضاه).

المسألة الثانية: الشيطان يكون من الإنس والجن

الإنس والجن هما الجنسين المكلفين (الثقلين)، قال تعالى:”وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْأِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ”، قال قتادة :”من الجن شياطين ومن الإنس شياطين، يوحي بعضهم إلى بعض. وقال: بلغني أن أبا ذر كان يوماً يصلي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: تعوذ يا أبا ذر من شياطين الإنس والجن. فقال: أوَ إنَّ من الإنس شياطين؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم” .

أصناف الشياطين: 

المارد: هو العاتي، والمريد: الخبيث المتمرد الشرير، قال الرازي: “أما المريد فهو المبالغ في العصيان الكامل في البعد من الطاعة”، وهذه المعاني بمجملها تصدق على مجموعة من الشياطين اتصفت بالعتو وتجاوز الحد في المعصية، وقد استحق رأس الشياطين إبليس عليـه لعنة الله هذه الصفة، قال تعالى: “إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثاً وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَاناً مَرِيداً”.

الطاغوت: عرّف الإمام الطبري الطاغوت تعريفاً جامعاً حيث يقول: “والصواب من القول عندي في الطاغوت: أنه كل ذي طغيان على الله فعُبِد من دونه، إما بقهر منه لمن عبـده، وإما بطاعـة ممن عبـده له، إنساناً كان ذلك المعبود أو شيطاناً أو وثناً أو صنماً أو كائناً ما كان من شيء”. 

والطواغيت كثيرة لا حصر لها على هذه الأرض، ولكنها تتصنف في أنواع متعـددة، وقـد ذكـر ابن القيم رؤوس هـذه الطواغيت فجعلها خمسة حيث قال: “والطواغيت كثيرة، ورؤوسهم خمسة: إبليس لعنه الله، ومن عُبد وهو راضِ، ومن دعى الناس إلى عبادة نفسه، ومن ادّعى شيئاً من علم الغيب، ومن حكم بغير ما أنزل الله”.

القرين: أخرج إبليس لعنه الله من حزبه طائفة يُسمَّون: القرناء، مهمتهم إغواء البشر، يلازم القرين صاحبه حتى الممات، ويحشر معه يوم القيامة، قال تعالى: “وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ”.

المسألة الثالثة: صفات الشياطين

إن شيطان الجن مخلوق من نار، وهذه الخلقة مندرجة في عموم خلق الجن، كما إن شياطين الإنس مخلوقون من طين كعموم جنسهم من الإنس، يقول تعالى: “وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ * وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ”. قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: “المراد بالصلصال ها هنا التراب اليابس.

و”مِنْ نَارِ السَّمُومِ” أي: هي السموم التي تقتل. وقد ورد في الصحيح عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “خلقت الملائكة من نور، وخُلق الجانّ من مارج من نار وخُلق آدم مما وُصف لكم”.

طبيعة شياطين الجن لا تُرى للإنس: قال تعالى: “إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ”، قال الألوسي في تفسير الآية إن العدو إذا أتى من حيث لا يُرى كان أشد وأخوف”. وقد مكنت هذه الطبيعة شياطين الجن من رؤية ما لا يراه الإنس، ومثال ذلك رؤية إبليس للملائكة يوم بدر، حيث حكى عنه رب العزة قوله تعالى: “إِنِّي أَرَى مَا لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَاب”.

قبح الصورة: ومما جُبِل عليه الشيطان خاصة دون سائر الجن، قبح صورته، “فالشيطان قبيح الصورة، وهذا مستقر في الأذهان، وقد شبه الله ثمار شجرة الزقوم التي تنبت في أصل الجحيم برؤوس الشياطين، لما علم من قبح صورهم وأشكالهم “إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ * طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِ”. وثبـت في السـنة أن الشيطان له قرنان، فعن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: “إذا طلع حاجب الشمس فدعوا الصلاة حتى تبرز وإذا غاب حاجب الشمس فدعوا الصلاة حتى تغيب ولا تَحَيَّنوا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها فإنها تطلع بين قرني شيطان”.

الاستكبار والكفر: صفتان متلازمتان تقود أولاهما إلى ثانيتهما، ولقد كان الاستكبار هو الدافع إلى كفر أبي الشياطين إبليس عليه لعنة الله، يقول تعالى: “وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ”. “فقوله تعالى: “واستكبر” الاستكبار: الاستعظام فكأنه كره السجود في حقه، واستعظمه في حق آدم. 

وعن هذا الكِبر عبر عليه السلام بقوله: “لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من الكِبر”، وفي رواية: “فقال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسناً ونعله حسناً. قال: إن الله جميل يحب الجمال، الكِبر بطر الحق وغمط الناس”، ومعنى بطر الحق تسفيهه وإبطاله. وغمط الناس: الاحتقار لهم والازدراء بهم. وقد صرح اللعين بهذا المعنى فقال تعالى على لسانه: “أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَـهُ مِنْ طِيـنٍ”، فكفّره الله بذلك. 

وقد ذكر الإمام ابن قيم الجوزية ارتباط الكفر بالاستكبار في معرض حديثه عن أقسام الكفر حيث جعل كفر الكِبر واحداً منها يقول: “أما الكفر الأكبر فهو خمسة أنواع: كفر تكذيب، كفر استكبار وإباء، كفر إعراض، كفر شك، وكفر نفاق.. وأما كفر الإباء والاستكبار: فهو كفر إبليس فإنه لم يجحد أمر الله ولا قابله بالإنكار وإنما تلقاه بالإباء والاستكبار ومن هذا كفر من عرف صدق الرسول صلى الله عليه وسلم وأنه جاء بالحق من عند الله ولم ينصع له إباءاً واستكباراً، وهـو الغالب على كفـر أعـداء الرسل كفرعون وقومه. وقول الأمم لرسلهم: “إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشـَرٌ مِثْلُنَا”، وهو كفر اليهود “فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِه”.

اللعن والرجم: صفتان اكتسبهما أبو الشياطين إبليس لما عصى ربه استكباراً وكفراً بعدم السجود لآدم، وكلاهما تعني الطرد والرمي والإبعاد. أما اللعين: “فأصل اللعن: الإبعاد، وهو في العرف إبعاد مقترن بسخط وغضب”. وأما الرجم والرجيم: “فأصل الرجم: الرمي، والرجيم: المرجوم. قال تعالى: “فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ”، قال تعالى: “كَلا إِنَّ الإِنْسَانَ لَيَطْغَى” أي لَيتجاوز الحد في المعصية واتباع هوى النفس ويستكبر عن ربه عز وجل. وهذا في حق شياطين الإنس الذين تفوقوا على شياطين الجن في هذه الصفة بالذات دون غيرها. قال تعالى: “فَأَمَّا مَنْ طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى”، “أي عتا عن أمر ربه فعصاه ولم يطعه بأداء فرائضه واجتناب نواهيه”.

الضعف أمام الحق: يطمئن الله عباده المتمسكين بالحق بأن الشيطان ضعيف أمام الحق لا يستطيعه ولا يقدر على أتباعه المتمسكين به مهما أوتي من كيد ومكر وخداع. يقول الحق سبحانه وتعالى: “إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً”، وكيده: ما كاد به المؤمنين من تحزيبه أولياءه من الكفار بالله على رسوله وأوليائه أهل الإيمان. وقال تعالى: “وَقُـلْ جَـاءَ الْحـَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً”.

خذلان أتباعه: الصورة الأولى في الدنيا: مثل خذل المشركين في معركة بدر الكبـرى بعـد أن أوقعهم فيما يريد من الوقوف أمام الحق وأتباعه، يقول تعالى: “وَإِذْ زَيَّنَ لَهـُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهـُمْ وَقَالَ لا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَـارٌ لَكـُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لا تـَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ”.

قال ابن القيم رحمه الله: “تكلم الناس فى قول عدو الله: “إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ”، فقال قتادة وابن إسحاق: “صدق عدو الله فى قوله “إِنِّي أَرَى مَا لا تَرَوْن” وكذب فى قوله “إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ”، والله ما به مخافة الله، ولكن علم أنه لا قوة له ولا منعة فأوردهم وأسلمهم. وكذلك عادة عدو الله بمن أطاعه”.

وقالت طائفة: “إنما خاف بطش الله تعالى به فى الدنيا، كما يخاف الكافر والفاجر أن يقتل أو يؤخذ بجرمه، لا أنه خاف عقابه فى الآخرة”، وهذا أصح، وهذا الخوف لا يستلزم إيمانا ولا نجاة”.

قال الكلبى: “خاف أن يأخذه جبريل فيعرفهم حاله فلا يطيعونه”. وقال عطاء: “إنى أخاف الله أن يهلكنى فيمن يُهلك، وهذا خوف هلاك الدنيا فلا ينفعه”. وقال الزجاج وابن الأنبارى: “ظن أن الوقت الذى أنظر إليه قد حضر”. زاد ابن الأنبارى قال: “أخاف أن يكون الوقت المعلوم الذى يزول معه إنظارى قد حضر فيقع بي العذاب، فإنه لما عاين الملائكة خاف أن يكون وقت الإنظار قد انقضى، فقال ما قال إشفاقا على نفسه”.

الصورة الثانية يوم القيامة: إذ يتبرأ الشيطان تبرءاً تاماً من كل أتباعه ويخذلهم. يقول تعالى واصفاً هذا المشهد: “وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ”. كما قال الله تعالى: “يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُوراً”. وقد جلّى الحق سبحانه هذه الحقيقة في قوله تعالى: “وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولاً”. والخذل: الترك من الإعانة، والبرء من فعله. قـال تعالـى: “كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَـالَ لِلإِنْسـَانِ اكْفـُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ”.

المسألة الرابعة: عداوة الشيطان وأولياؤه

العداوة بين الإنسان والشيطان: تلك هي سنة الله إلى أن يرث الأرض ومن عليها، الصراع بين الحق والباطل، قال تعالى: “قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ”. “فالمانع له من السجود، والداعي له إلى خلافه أمر ربه في ذلك: أنه أشدّ منه أيداً، وأقوى منه قوة، وأفضل منه فضلاً، لفضل الجنس الذي منه خُلق وهو النار، على الذي خُلق منه آدم وهو الطين، فجهِل عدو الله وجه الحق، وأخطأ سبيل الصواب، إذ كان معلوماً أنّ من جوهر النار: الخفة والطيش والاضطراب والارتفاع علواً، والذي في جوهرها من ذلك هو حمل الخبيث بعد الشقاء الذي سبق له من الله في الكتاب السابق، على الاستكبار عن السجود لآدم والاستخفاف بأمر ربه، فأورثه العطب والهلاك”.

يقول تعالى حكاية عن هذا اللعين: “قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلاً * قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُوراً”. واستمرت هذه العداوة بين جنود إبليس، والمؤمنين وتستمر إلى يوم الوقت المعلوم، ويستمر معها استكبار الشياطين وتعاليهم على الحق، وعلى أوامر الله، ولأجل هذه الاستمرارية في العداوة فقد نبه القرآن الكريم عليها في كثير من آياته، وحذر أتباع الحق من أصحابها تحذيراً متكرراً شديداً، يقول تعالى: “يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالاً طَيِّباً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ”، “وقوله: (إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ): تنفير عنه وتحذير منه”. وهذا يعقوب عليه السلام، يحذر ابنه يوسف من تلك العداوة فيقول الله حكاية عنه: “قَالَ يَا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ”، “فاحذر الشيطان أن يغري أخوتك بك بالحسد منك إن أنت قصصت عليهم رؤياك”.

ولما كانت تلك العداوة بمنزلة من الشدة والظهور بحيث لا ينفع معها قول الله: “وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى”، فتلك عداوة لا ولن تتحول أبداً إلى ولاية مع المؤمنين، فالأمر أكبر من ذلك، فهي لعنة الله وغضبه منذ الأزل على من تكبر وكفر وطغى، وهي الرهان القائم إلى يوم الدين بين الشيطان والمؤمنين، ولأجل ذلك كله وصى رب العزة بأن تعامِل هذا العدو معاملة الند، فتتخذه عدواً كما اتخذك هو من البداية عـدواً، ولكنها عداوة في الحق وبغض في الله، لا فحش فيها ولا استكبار، لا ظلم فيهـا ولا طغيان، يقول تعالى: “إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ”. قال ابن عاشور: “وتلك عداوة مودعة في جبلته كعداوة الكلب للهر”. 

قال ابن القيم رحمه الله: في قوله تعالى إخبارا عن عدوه إبليس لما سأله عن امتناعه عن السجود لآدم واحتجاجه بأنه خير منه، وإخراجه من الجنة، أنه سأله أن يُنْظِره، فأنظره. ثم قال عدو الله: “فَبِما أغْوَيْتَنِي لأقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ المُسْتَقِيمَ ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أيْمَانهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أكْثَرهُمْ شَاكِرِينَ”.

قال جمهور المفسرين والنحاة: حذف “على” فانتصب بالفعل. والتقدير: لأقعدن لهم على صراطك. والظاهر أن الفعل مضمر، فإن القاعد على الشيء ملازم له، فكأنه قال: لألزمنه، ولأرصدنه، ولأعوجنه، ونحو ذلك. قال ابن عباس في “صراطك”: “دينك الواضح”، وقال ابن مسعود: “هو كتاب الله”، وقال جابر: “هو الإسلام”، وقال مجاهد: “هو الحق”. والجميع عبارات عن معنى واحد، وهو الطريق الموصل إلى الله تعالى.. وما من طريق خير إلا والشيطان قاعد عليه يقطعه على السالك. 

وقوله: “ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أيْديهِمْ”. قال ابن عباس في رواية عطية عنه: “مِن قِبَل الدنيا”، وفى رواية علي عنه: “أشككهم في آخرتهم”. قال ابن عباس في “وعن أيمانهم”: “أشبه عليهم أمر دينهم”، وقال أبو صالح: “الحق أشككهم فيه”، وعن ابن عباس أيضاً: “من قبل حسناتهم”. وقال الحسن: “وعن شمائلهم السيئات يأمرهم بها ويحثهم عليها ويرغبهم فيها ويزينها في أعينهم”. قال الواحدي: “وقول من قال: الأيمان كناية عن الحسنات، والشمائل كناية عن السيئات، حسن؛ لأن العرب تقول: اجعلني في يمينك، ولا تجعلني في شمالك، تريد: اجعلني من المقدمين عندك، ولا تجعلني من المؤخرين”. وقال الزمخشري: ثم لآتينهم من الجهات الأربع التي يأتي منها العدو في الغالب. وصح عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: “ولم يقل من فوقهم لأنه علم أن الله من فوقهم”. قال الشعبي: “فالله عز وجل أنزل الرحمة عليهم من فوقهم”.

الشيطان ألد أعداء الأنبياء: كلما اقترب العبد من ربه، ابتعد عن الشيطان، وبالتالي زادت العداوة بينهما، والأنبياء هم أقرب الناس مكانة من الله حيث العصمة، والمعجزة، والتأييد، والنصرة. وقد بين الله تعالى أنه ما من نبي على مر الزمان بعثه الله إلا وكان له من الشياطين زمرة تناصبه العداء، شياطين من الجن، وشياطين من الإنس. يعملون سوياً على محاربة الحق، يقول تعالى: “وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْأِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ”. قال الطبري: “وقد احتدم الصراع بين الشياطين والأنبياء، وبلغ أشده على مر عصور الأنبياء، ولقد بلغ من الشدة أن استطاعت شياطين الجن – وهي تأخذ دورها الخطير إلى جانب شياطين الإنس – أن تلبِّس على الأنبياء بعض الوحي لفترة عارضة، ولكن الله الذي تكفل بحفظ وحيه يزيل هذا الالتباس، ويدحر الشيطان، ويبين الحقيقة للمؤمنين، أما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون الباطل، ويستهويهم ما قال الشيطان، ولقد بين الحق سبحانه وتعالى هذا الأمر في قوله: “وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلا إِذَا تَمَنَّـى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ”. وقد ألقى الشيطان في قراءة النبي – صلى الله عليه وسلم – كلمات ليست من وحي الله لما كان الرسول – صلى الله عليه وسلم – يتلو مطلع سورة النجم على المشركين في مكة، فلما وصل إلى قوله تعالى: “أَفَرَأَيْتُمُ اللاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى”، فقال الشيطان بعدها: “وتلك الغرانيق العلا وإن شفاعتهن لترتجى”. فسمع المشركون هذا المدح لآلهتهم ففرحوا وانصرفوا. رد الرازي على قصة الغرانيق فقال: “أما أهل التحقيق فقد قالوا إن هذه الرواية باطلة موضوعة واحتجوا عليها بالقرآن والسنة والمعقول”.

قلت: ولما كانت مهمة الشياطين إبعاد الناس عن طريق الله كانت مهمة الأنبياء إعادتهم إلى تلك الطريق، وكما أن الشيطان منظر إلى يوم القامة وله خصائص يستطيع بواسطتها التسلط على الإنسان فلا ينجيه من شره إلا اعتصامه بالله، كذلك الأنبياء لديهم عصمة وتأييد من الله سبحانه ومقدرة على الصمود في وجه الشيطان، ورغم ذلك فقد حاول التعرض لهم مرارا، وأغرى اليهود حتى قتلوا انبيائهم، وألقى في قراءة الأنبياء، وتعرض لنبينا فأخذه ثم تذكر دعوة أخيه سليمان فتركه. وسليمان عليه السلام سخر له الله تعالى ما لن يسخر لأحد من بعده،  وهو دليل على قدرة الله تعالى في أن يسخر الشياطين للإسي إن شاء. والشيطان عموما ضعيف أمام أولياء الله لا يقدر عليهم رغم محاولاته التي لا تنقطع إلا بموت الإنسان.

أولياء الشيطان: الولاية: النصرة، يقال هم على ولاية، أي مجتمعون في النصرة، ووالى فلان فلاناً إذا أحبه. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: “والولاية ضد العداوة، وأصـل الولاية المحبة والقرب، وأصل العداوة البغض والبعد”. وأولياء الله هم المؤمنون المتقون كما قال تعالى: “أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ”، وفي الحديث الصحيح الذي رواه البخاري وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “يقول الله: من عادى لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة – أو فقد آذنته بالحرب –، وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها”.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: “فلا يكون ولياً لله إلا من آمن به وبما جاء به، واتبعه باطناً وظاهراً، ومن ادعى محبة الله وولايته وهو لم يتبعه فليس من أولياء الله، بل من خالفه كان من أعداء الله وأولياء الشيطان. قال تعالى: “قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ”.

أسباب موالاة الشياطين: قال تعالى: “وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْأِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا”. قال الحسن: “وما كان استمتاع بعضهم ببعض إلا أن الجن أمرت وعملت الإنس”.

كثرة أتباع الشيطان في الدنيا والآخرة: قال تعالـى : “وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ”. وقال: “وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ”، وفي قوله تعالى: “لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً”. “مفروضاً”: معيَّناً مقدَّراً معلوماً، قال مقاتل: من كل ألف تسعمائة وتسع وتسعون إلى النار، وواحد إلى الجنة”. قال الرازي: “النقل والعقل يدلان على أن حزب الشيطان أكثر عدداً من حزب الله. أما النقل فقوله تعالى في صفة البشر “فاتبعوه إلا قليلاً منهم”، وقال حاكياً عن الشيطان “لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلا قَلِيلاً”. وحكي عنه أيضاً أنه قال “لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلا عِبـَادَكَ مِنْهـُمُ الْمُخْلَصِينَ”، ولا شك أن المخلَصين قليلون. وأما العقل: فهو أن الفساق والكفار أكثر عدداً من المؤمنين المخلصين ولا شك أن الفساق والكفـار كلهـم حزب إبليس”.

لقد ذهب بعض العلماء في قديم وحديث إلى أن ما وقع من إبليس كان مجرد ظن إذ هو غير قادر أبداً على استشراف الغيب ومعرفة ما سوف يحصل في قابل الأيام، وإنما دليلهم في ذلك قول الحق سبحانه في الآية السابقة “وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ”، ويقول صاحب “روح البيان” فيما اختصره له الصابوني: “وإنما قال ذلك ظناً لا علماً لقوله تعالى “وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ” لما رأى فيهـم مبـدأ الشـر وهـو الشهوة والغضب والحسد والبغضاء”. قال تعالى: “وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ”.

صفات أولياء الشيطان: يقول تعالى: “اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ”. يقول الزحيلي: “وأما الكافرون بالله ورسوله فإن لاح لهم نور الحق والإيمان بادر الشيطان وما يلقيه من وساوس إلى إطفاء هذا النور وإبقاء الكفار في ظلمات الشك والضلال والكفر والعصيان أو النفاق والتردد”.

وقد ذكر القرآن الكريم من هؤلاء الأتباع للشيطان ثلاثة أصناف هم: اليهود والمنافقون والكهنة والسحرة والمشعوذون، ولا يعني ذلك أن غيرهم ليس من أتباع الشياطين.

قال تعالى: “وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلـْكِ سـُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوت”. يقول الطبري: “يعني بقوله: “واتبعوا ما تتلو الشياطين” الفريق من أحبار اليهود وعلمائهم الذين وصفهم الله جل ثناؤه بأنهم نبذوا كتابه الذي أنزله على موسى وراء ظهورهم تجاهلاً منهم وكفراً بما هم به عالمون، كأنهم لا يعلمون، وآثروا السحر الذي تلته الشياطين”. ويتبع اليهودَ في هذه الولاية للشيطان النصارى، على أن كثيراً منهم ضالون يتبعون الشيطان ولا يصلون إلى حد المكر والتحول من التبعية إلى العتو والتمرد والإغواء، وهذا ما تقرره سورة الفاتحة التي وصفت اليهود بالمغضوب عليهم لشدة مكرهم وكثرة شياطينهم، والنصارى بالضالين لغفلتهم وتيههم.

أما المنافقون، ففي كل زمان تظهر فئة تبيع نفسها للشيطان، ولكن على خوف أو مكر لأهل الإيمان فتسر الولاء للشيطان في القلوب، وتظهر الإيمان على الألسنة، يقول تعالى: “وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ”.

وأما الكهنة والسحرة والمنجمون: فهم طائفة مفسدة بايعت الشيطان، واتحدت معه في الأهداف، فأخذوا يضلون الناس بما علمهم أسيادهم من الشياطين، قال تعالى: “هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ * يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ”. “أخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن سعيد بن وهب قال: كنت عند عبد الله بن الزبير فقيل له: إن المختار يزعم أنه يوحى إليه فقال ابن الزبير: صدق ثم تلى: “هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ”. يقول قتادة: “الأفاك: الكذاب. وهم الكهنـة، تسترق الجن السمع ثم يأتـون بـه إلى أوليائهم من الإنس”. وهذه الطائفة تصل إلى حد الافتراء على الله والكذب عليه وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم.

يقول ابن كثير: “هل أنبئكم” أي: أخبركم “على من تنزل الشياطين * تنزل على كل أفاك أثيم” أي: كذوب في قوله، وهو الأفاك الأثيم، أي الفاجر في أفعاله، فهذا هو الذي تتنزل عليه الشياطين كالكهـان وما جرى مجراهم من الكذبة الفسقة، فإن الشياطين أيضاً كذبة فسقة”.

ويدخل في هؤلاء، ما نراه اليوم من أهل التنجيم والتخمين والحدس الباطل، الذين يمتهنون قراءة ما يسمونه بأبراج الإنسان ويتنبئون من خلالها بما سيحدث له، ويضللون الناس ويكذبون عليهم. وللأسف فقد امتلأت صحف المسلمين ومجلاتهم وإذاعاتهم ووسائل إعلامهم بمثل هذا الكذب والتنجيم. 

الجدال بالباطل: جندت الشياطين على مر الزمان من أوليائهم مَن وقفوا أمام أهل الحق وواجهوهم بالطعن في حقائق دين الله، وتتبع دقائقه ومحاولة إظهار هذا الدين العظيم على غير الصورة التي ارتضاها الله للبشر، يقول تعالى: “وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ”. أي من يخاصم في الله، فيزعم أن الله غير قادر على إحياء من قد بلي وصار تراباً، بغير علم يعلمه بل بجهل منه بما يقول. و”يتبع” في قيله ذلك وجداله في الله بغير علم “كل شيطان مريد”. وهذا من وحي الشيطان إليهم وتسويله لهم، يقول تعالى: “وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ”. وقد حذر المولى في سياق الآية السابقة من طاعة مثل هؤلاء المجادلين بالباطل: “وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ”، فهذا نكير كبير على من أطاع أهل الجدل بالباطل.

الاغترار بالباطل: فلا يرون غيره صواباً، ويلج الشيطان اللعين إلى نفس أتباعه من مدخل حب الذات والظهور، فيوحي إليهم بأنهم على حق، وأنهم الأفضل والأقوى وما عليهم إلا أن يبدؤوا الحرب على المؤمنين بكل قوة وكِبر وغرور، قال تعالى: “إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الغَرُورُ”، هو “الشيطان” في قول مجاهد وغيره، وهو الذي يغر الخلق ويمنيهم الدنيا ويلهيهم عن الآخرة”.

الخوف من الشيطان: قال تعالى: “فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ * إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ”. أي ان الشيطان، أي جنسه، ليس له قوة ولا تسلط على المصدقين بلقاء الله، ويفوضون أمورهم إليه. “إنما سلطانه” أي إنما تسلطه بالغواية والإضلال على الذين أطاعوه واتخذوه ولياً ناصراً لهم من دون الله، والذين أشركوا في عبادة الله”. والشيطان في الحقيقة ليس له سلطان تام على أحد، فما كان منه إلا أن دعا إلى سبيله فأقبل عليه من أقبل وفر منه مَن فر، وقد أعلن إبليس هذه الحقيقة يوم القيامة حيث يقول: “وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ”.

المسألة الرابعة: خطوات الشيطان

ذهـب كثير من علماء السلف من الصحابة والتابعين وغيرهم إلى أن خطوات الشيطان هـي آثـاره، فالله يحذر بني البشر من اتباع تلك الآثار: (لا تتبعوا خطوات الشيطان) أي لا تعملوا بأعماله وتقتدوا بأفعاله فتصيبوا الإثم كما أصاب هو الخطايا.

إن خطوات الشيطان تشتمل على كل ما من شأنه أن يوقع الإنسان في الشر بدءاً بدواعي ذلك الشر في نفس الإنسان ومروراً بما يحيل هذه الدواعي والمُستحِثّات إلى شر واقع في الخارج بعد أن كان كامناً في الذهن، ثم تتابع الشرور واحداً بعد الآخر كلٌ يُسْلِمُ إلى أخيه، ثم انتهاءً بأكبر الشر وغاية الغايات التي يسعى الشيطان إلى تحقيقها ألا وهي موت الإنسان على غير دين الله وخلوده في النار.

أولا: التركيز على نقاط  ضعف الإنسان
فهو يعلم أنها ستكون سندا له في سعيه إلى أن يكب معه في النار. يقول ابن القيم رحمه الله: “الزنى يجمع خلال الشر كلها من قلة الدين وذهاب الورع وفساد المروءة وقلة الغيرة، فلا تجد زانيا معه ورع ولا وفاء بعهد ولا صدق في حديث ولا محافظة على صديق ولا غيرة تامة على أهله، فالغدر والكذب والخيانة وقلة الحياء وعدم المراقبة وعدم الأنفة للحرم وذهاب الغيرة من القلب من شعبه وموجباته. ومن موجباته غضب الرب بإفساد حرمه وعياله، ومنها سواد الوجه وظلمته وما يعلوه من الكآبة والمقت الذي يبدو عليه للناظرين. ومنها ظلمة القلب وطمس نوره، ومنها الفقر اللازم.. وحقيق بكل عاقل أن لا يسلك سبيلا حتى يعلم سلامتها وآفاتها وما توصل إليه تلك الطريق من سلامة أو عطب. قال تعالى: “ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلا”، فإذا كانت هذه سبيل الزنى فكيف بسبيل اللواط التي تعدل الفعلة منه في الإثم والعقوبة أضعافها وأضعاف أضعافها من الزنى.. فالصحابة اتفقوا على قتل اللوطي وإنما اختلفوا في كيفية قتله، فظن بعض الناس أنهم متنازعون في قتله، ولا نزاع بينهم فيه إلا في إلحاقه بالزاني أو قتله مطلقا. والصحيح أن عقوبته أغلظ من عقوبة الزاني لإجماع الصحابة على ذلك ولغلظ حرمته وانتشار فساده ولأن الله سبحانه وتعالى لم يعاقب أمة ما عاقب اللوطية”. 

ثانيا: التدرج في الغواية
ينتهج الشيطان منهج التدرج البطيء، لا بل شديد البطء، يقول تعالى واصفاً تواجد الشيطان مع الإنسان في كل طريق لا يسأم من إغوائه، وذلك على لسان إبليس: “ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ”. وعن الحسن بن صالح يقول: “إن الشيطان ليفتح للعبد تسعة وتسعين باباً من الخير يريد به باباً من الشر”. 

 ومن المشاهد في حياة الإنسان أن الانحراف عن السنن الحميدة درجات: فمنه الزلة العارضة، والنزوة الطارئة، والخطأ غير المتكرر، والذنب غير المقرون بالاستهتار أو الإصرار، ثم  كبريات الخطايا والآثام مما يشكل مخالفة خطيرة لأوامر الله ونواهيه وضرراً جسيماً بنظام المجتمع وسلامته”.

ثالثا: وسائل الشيطان
الوسوسة: الوسواس حديث النفس، يقول تعالى: “فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى”. والوسوسـة صفـة ملازمة للشيطـان لا تفارقه في كل حالاته لذا فقد سمي بها (الوسـواس الخناس) كما وصفه الحق سبحانه في سورة الناس، يقول ابن عباس في هذه الآية: “الشيطان جاثم على قلب ابن آدم فإذا سهى وغفل وسوس، وإذا ذكر الله خنس”.

 

يتبع

  • شارك الموضوع
Share on facebook
Facebook
Share on google
Google+
Share on twitter
Twitter
Share on linkedin
LinkedIn
Share on pinterest
Pinterest
error: Content is protected !!