215434
SIDI KHLIL

SIDI KHLIL

كاتب من موريتانيا

ملخص كتاب الأخلاق والسير لإبن حزم

كلمة
لقد انبعث في العالم الحديث منذ بداية القرن الماضي نوع جديد من العلوم لم يكن خافيا، ألا وهو العلم بالسلوك البشري ودراسة الحياة من أجل المساعدة على النجاح وفعل الصواب، وقد ساهمت تلك العلوم في التطور الذي نرى عليه الغرب اليوم رغم هشاشة الوازع الديني لدى أصحابها، والذي هو أساس كل حياة قويمة كما هو معروف، وذلك هو السبب الرئيسي للضعف الجوهري الكامن في حضارتهم الزائفة.
وقد كان من رواد تلك العلوم الكاتب ديل كارنيجي الذي اشتهر في أمريكا بمعاهده المتخصصة في تعليم الناس كيف ينجحون، وتأثر به الكثيرون هنالك وفي كثير من دول العالم، فكان يؤلف لطلابه المراجع في هذا المجال، ولعله قرأ لعالمنا الجليل (ابن حزم) الذي سبقه بقرون كثيرة إلى تعليم الناس ما ينفعهم حقا في سبيل الفوز بالدنيا والآخرة – وليس فقط الدنيا، وهذا الكتاب أكبر مثال على سبق المسلمين إلى كل العلوم التي يتباهى بها هؤلاء الجاحدون الذين يتهموننا بالإرهاب السخيف ونحن برآء منه كما يعلمون.
اخترت لكم من كتابه “الأخلاق والسير” هذه الفقرات التي أعتبرها الأساس. والكتاب رائع بمعنى الكلمة، عرض فيه عالمنا الجليل محمد بن حزم الأندلسي وجهة نظره في الحياة وفي الناس، وبث قرائه نصائحه الثمينة وخلاصة تجاربه التي تساعدهم في حياتهم القويمة.
                                                          

طرد الهم    
قال العالم الجليل ابن حزم: طرد الهم مذهب قد اتفقت الأمم كلها مذ خلق الله تعالى على أن لا يعتمدوا بسعيهم شيئاً سواه، وكل غرض غيره ففي الناس من يستحسنه، إذ في الناس من لا دين له، فلا يعمل للآخرة وفي الناس من أهل الشر من لا يريد الخير، ولا الأمن ولا الحق، وليس في العالم مذ كان إلى أن يتناهى أحد يستحسن الهم ولا يريد طرده عن نفسه.

فلما استقر في نفسي هذا الْعِلْم الرفيع وانكشف لي هذا السر العجيب وأنار الله تعالى لفكري هذا الكنز العظيم بحثت عن سبيل موصلة على الحقيقة إلى طرد الهم فلم أجدها إلا في التوجه إلى الله عز وجل بالعمل للآخرة. وإلا فإنما طلب المال طلابه ليطردوا به هم الفقر عن أنفسهم. وإنما طلب اللذات من طلبها ليطرد بها عن نفسه هم فوتها. وإنما طلب الْعِلْم من طلبه ليطرد به عن نفسه هم الجهل. وإنما أكل من أكل وشرب من شرب ونكح من نكح ولبس من لبس ولعب من لعب وركب من ركب ومشى من مشى وتودع من تودع ليطردوا عن أنفسهم أضداد هذه الأفعال وسائر الهموم.

ووجدت العمل للآخرة سالمًا من كل عيب، خالصًا من كل كدر، موصلاً إلى طرد الهم على الحقيقة، ووجدت العامل للآخرة إن امتحن بمكروه في تلك السبيل لم يهتم بل يُسر إذ رجاؤه في عاقبة ما يناله عون له على ما يطلب..

فاعلم أن طرد الهم ليس إليه إلا طريق واحد وهو: العمل لله تعالى فما عدا هذا ضلال وسخف.
وقد طال هم من غاظه الحق.

حياتك ليست إلا جزء من ثانية
إذا حققت مدة الدنيا لم تجدها إلا “الآن” الذي هو فصل الزمانين فقط. وأما ما مضى وما لم يأت فمعدومان كما لم يكن، فمن أضل ممن يبيع باقياً خالداً بمدة هي أقل من كرّ [1] الطرف؟!.
وقلما رأيت أمراً أمكن فضُيِّع إلا وفات فلم يمكن بعد.
والأمن والصحة والغنى لا يعرف حقها إلا من كان خارجاً عنها، وليس يعرف حقها من كان فيها.
إثنان عظمت راحتهما: أحدهما في غاية المدح، والآخر في غاية الذم، وهما مطرح الدنيا، ومطرح [2] الحياء.

ومن عجيب تدبير الله عز وجل للعالم أن كل شيء اشتدت الحاجة إليه كان ذلك أهون له، وتأمل ذلك في الماء فما فوقه. وكل شيء اشتد الغنى عنه كان ذلك أعز له، وتأمل ذلك في الياقوت الأحمر فما دونه.

والناس فيما يعانونه كالماشي في الفلاة كلما قطع أرضاً بدت له أرضون، وكلما قضى المرء سبباً حدثت له أسباب.

لا تبذل نفسك إلا
لا تبذل نفسك إلا فيما هو أعلى منها، وليس ذلك إلا في ذات الله عز وجل، في دعاء إلى حق، وفي حماية الحريم، وفي دفع هوانٍ لم يوجبه عليك خالقك تعالى، وفي نصر مظلوم.
وباذل نفسه في عرض دنيا كبائع الياقوت بالحصى. ولا مروءة لمن لا دين له. والعاقل لا يرى لنفسه ثمناً إلا الجنة.
وطالب الآخرة ليفوز في الآخرة متشبه بالملائكة، وطالب الشر متشبه بالشياطين، وطالب الصوت والغلبة متشبه بالسباع، وطالب اللذات متشبه بالبهائم، وطالب المال لعين المال لا لينفقه في الواجبات والنوافل المحمودة أسقط وأرذل من أن يكون له في شيء من الحيوان شبه، ولكنه يشبه الغدران التي في الكهوف في المواضع الوعرة لا ينتفع بها شيء من الحيوان.

فالعاقل لا يغتبط بصفة يفوقه فيها سبع أو بهيمة أو جماد، وإنما يغتبط بتقدمه في الفضيلة التي أبانه [3] الله تعالى بها عن السباع والبهائم والجمادات، وهي التمييز الذي يشارك فيه الملائكة.

فمن سر بشجاعته التي يضعها في غير موضعها – وهو أن تكون لله عز وجل-، فليعلم أن النمر أجرأ منه، وأن الأسد والذئب والفيل أشجع منه. ومن سر بقوة جسمه فليعلم أن البغل والثور والفيل أقوى منه جسماً. ومن سر بحمله الأثقال فليعلم أن الحمار أحمل منه. ومن سر بسرعة عدوه فليعلم أن الكلب والأرنب أسرع عدواً منه، ومن سر بحسن صوته فليعلم أن كثيراً من الطير أحسن صوتاً منه، وأن أصوات المزامير ألذ وأطرب من صوته، فأي فخر وأي سرور في ما تكون فيه هذه البهائم متقدمة عليه؟
 لكن من قوى تمييزه، واتسع علمه، وحسن عمله، فليغتبط بذلك فإنه لا يتقدمه في هذه الوجوه إلا الملائكة وخيار الناس.

وقول الله تعالى: “وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنْ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى”، جامع لكل فضيلة لأن نهي النفس عن الهوى هو ردعها عن الطبع الغضبي، وعن الطبع الشهواني، لأن كليهما واقع تحت موجب الهوى فلم يبق إلا استعمال النفس للنطق الموضوع فيها الذي به بانت عن البهائم والحشرات والسباع.
ومن جهل معرفة الفضائل فليعتمد على ما أمره الله والرسول صلى الله عليه وسلم فإنه يحتوي على جميع الفضائل.

ورب مخوف كان التحرز منه سبب وقوعه، ورب سر كانت المبالغة في طيه سبب انتشاره، ورب إعراض أبلغ في الاسترابة من إدامة النظر. وأصل ذلك كله الإفراط الخارج عن حد الاعتدال.

والفضيلة وسيطة بين الإفراط والتفريط، فكلا الطرفين مذموم، والفضيلة بينهما محمودة حاشا العقل فإنه لا إفراط فيه.

والخطأ في الحزم خير من الخطأ في التضييع.

ومن العجائب أن الفضائل مستحسنة ومستثقلة، والرذائل مستقبحة ومستخفة.

مخالطة الناس
محن الإِنْسَان في دهره كثيرة وأعظمها محنته بأهل نوعه من الإنس.

وداء الإِنْسَان بالناس أعظم من دائه بالسباع الكلبة والأفاعي الضارية لأن التحفظ من كل ما ذكرنا ممكن، ولا يمكن التحفظ من الإنس أصلاً.

والغالب على الناس النفاق، ومن الْعجب أنه لا يجوز مع ذلك عندهم إلا من نافقهم.
ومن جالس الناس لم يعدم هماً يؤلم نفسه، وإثما يُندم عليه في معاده، وغيظاً ينضج كبده، وذلاً ينكس همته، فما الظن بعد بمن خالطهم وداخلهم، والعزة والراحة والسرور والسلامة في الإنفراد عنهم، ولكن اجعلهم كالنار تدفأ بها ولا تخالطها.

لو لم يكن في مجالسة الناس إلا عيبان لكفيا: أحدهما الإسترسال عند الأنس، وبالأسرار المهلكة القاتلة التي لولا المجالسة لم يبح بها البائح. والثاني مواقعة الغلبة المهلكة في الآخرة، فلا سبيل إلى السلامة من هاتين البليتين إلا بالإنفراد عن المجالسة جملة.
لا يغتر العاقل بصداقة حادثة له أيام دولته فكل أحد صديقه يومئذ.
اجتهد في أن تستعين في أمورك بمن يريد منها لنفسه مثل ما تريد لنفسك، ولا تستعن فيها بمن حظه من غيرك كحظه منك.

لا تجب عن كلام نقل إليك عن قائل حتى توقن أنه قاله فإن من نقل إليك كذباً رجع من عندك بحق.
ومن أبواب العقل والراحة إطراح (ترك) المبالاة بكلام الناس، واستعمال المبالاة بكلام الخالق عز وجل. ومن قدّر أنه يسلم من طعن الناس وعيبهم فهو مجنون.

ومن حقق النظر وراض نفسه على السكون إلى الحقائق وإن آلمته في أول صدمة كان اغتباطه بذم الناس إياه أشد وأكثر من اغتباطه بمدحهم إياه لأن مدحهم إياه إن كان بحق وبلغه أسرى ذلك فيه الْعُجْب فأفسد بذلك فضائله. وإن كان بباطل فبلغه فسره فقد صار مسروراً بالكذب، وهذا نقص شديد.
وأما ذم الناس إياه فإن كان بحق فبلغه فربما كان ذلك سبباً إلى تجنبه ما يعاب عليه، وهذا حظ عظيم لا يزهد فيه إلا ناقص. وإن كان بباطل وبلغه فصبر، اكتسب فضلاً زائداً بالحلم والصبر، وكان مع ذلك غانماً لأنه يأخذ حسنات من ذمه بالباطل فيحظى بها في دار الجزاء أحوج ما يكون إلى النجاة بأعمال لم يتعب فيها ولا تكلفها، وهذا حظ عظيم لا يزهد فيه إلا مجنون.
ومن أساء إلى أهله وجيرانه فهو أسقطهم. ومن كافأ من أساء إليه منهم فهو مثلهم. ومن لم يكافئهم بإساءتهم فهو سيدهم وخيرهم وأفضلهم.
وطوبى لمن علم من عيوب نفسه أكثر مما يعلم الناس منها.

ثق بالمتدين وإن كان على غير دينك، ولا تثق بالمستخف وإن أظهر أنه على دينك.

من استخف بحرمات الله تعالى فلا تأمنه على شيء مما تشفق عليه.

لم أر لإبليس أصيد ولا أقبح ولا أحمق من كلمتين ألقاهما على ألسنة دعاته:
إحداهما: اعتذار من أساء بأن فلاناً أساء قبله. والثانية: إستسهال الإِنْسَان أن يسيء اليوم لأنه قد أساء أمس، أو أن يسيء في وجه ما لأنه قد أساء في غيره. فقد صارت هاتان الكلمتان عذراً، مسهلتين للشر ومدخلتين له في حد ما يعرف ويحمل ولا ينكر.

استعمل سوء الظن حيث تقدر على توفيته حقه في التحفظ والتأهب، واستعمل حسن الظن حيث لا طاقة بك على التحفظ فتربح راحة النفس.
لا ترغب فيمن يزهد فيك فتحصل على الخيبة والخزي. ولا تزهد فيمن يرغب فيك فإنه باب من أبواب الظلم، وترك مقارضة الإحسان، وهذا قبيح.

من امتحن بأن يخالط الناس فلا يلق بوهمه كله إلى من صحب، ولا يبن منه إلا على أنه عدو مناصب، ولا يصبح كل غداة إلا وهو مترقب من غدر إخوانه، وسوء معاملتهم مثل ما يترقب من العدو المكاشف، فإن سلم من ذلك فلله الحمد، وإن كانت الأخرى أُلفي متأهباً ولم يمت هماً.

وأنا أعلمك أن بعض من خالصني المودة وأصفاني إياها غاية الصفاء في حال الشدة والرخاء، والسعة والضيق، والغضب والرضى، تغير علي أقبح تغير بعد اثني عشر عاماً متصلة في غاية الصفاء ولسبب لطيف جداً ما قدرت قط أنه يؤثر مثله في أحد من الناس، وما صلح لي بعدها، ولقد أهمني ذلك سنين كثيرة هماً شديداً.

ولكن لا تستعمل مع هذا سوء المعاملة فتلحق بذوي الشرارة من الناس.. ولكن ها هنا طريق وعرة المسلك شاقة المتكلف وهي أن تكتم سر كل من وثق بك، وأن لا تفشي إلى أحد من إخوانك ولا من غيرهم من سرك ما يمكنك طيه بوجه ما من الوجوه، وإن كان أخص الناس بك، وأن تفي لجميع من أئتمنك، ولا تأمن أحداً على شيء من أمرك تشفق عليه إلا لضرورة لا بد منها ..

وابذل فضل مالك وجاهك لمن سألك أو لم يسألك، ولكل من احتاج إليك وأمكنك نفعه وإن لم يعتمدك بالرغبة، ولا تشعر نفسك انتظار مقارضة على ذلك من غير ربك عز وجل، ولا تبن إلا على أن من أحسنت إليه أول مضر بك وساع عليك، فإن ذوي التراكيب الخبيثة يبغضون لشدة الحسد كل من أحسن إليهم إذا رأوه في أعلى من أحوالهم.

وعامل كل أحد في الأنس أحسن معاملة، وأضمر السلو عنه إن فات ببعض الآفات التي تأتي مع مرور الأيام والليالي، تعش مسالماً مستريحاً.
والناس في أخلاقهم على سبع مراتب:

طائفة تمدح في الوجه وتذم في المغيب، وهذه صفة أهل النفاق من العيابين، وهذا خلق فاش في الناس غالب عليهم. وطائفة تذم في المشهد والمغيب، وهذه صفة أهل السلاطة والوقاحة من العيابين. وطائفة تمدح في الوجه والمغيب، وهذه صفة أهل الملق والطمع. وطائفة تذم في المشهد وتمدح في المغيب، وهذه صفة أهل السخف والنواكة [4].

وأما أهل الفضل فيمسكون عن المدح والذم في المشاهدة، ويثنون بالخير في المغيب أو يمسكون عن الذم. وأما العيابون البرآء من النفاق والقحة فيمسكون في المشهد، ويذمون في المغيب. وأما أهل السلامة فيمسكون عن المدح وعن الذم في المشهد والمغيب. ومن كل من أهل هذه الصفات قد شاهدنا وبلونا.
ولا تصاهر إلى صديق، ولا تبايعه، فما رأينا هذين العملين إلا سبباً للقطيعة وإن ظن أهل الجهل أن فيهما تأكيداً للصلة، فليس كذلك لأن هذين العقدين داعيان كل واحد إلى طلب حظ نفسه. والمؤثرون على أنفسهم قليل جداً، فإذا اجتمع طلب كل أمريء حظ نفسه وقعت المنازعة ومع وقوعها فساد المروءة.
وأسلم المصاهرة مغبة مصاهرة الأهلين بعضهم بعضاً لأن القرابة تقتضي العدل وإن كرهوه لأنهم مضمرون إلى ما لا انفكاك لهم منه من الإجتماع في النسب الذي توجب الطبيعة لكل أحد الذب عنه والحماية له.
والصبر على الجفاء ينقسم ثلاثة أقسام:
صبر عمن يقدر عليك ولا تقدر عليه. وصبر عمن تقدر عليه ولا يقدر عليك. وصبر عمن لا تقدر عليه ولا يقدر عليك.

فالأول ذل ومهانة وليس من الفضائل، والرأي لمن خشي ما هو أشد مما يصبر عليه: المتاركة والمباعدة. والثاني فضل وبر وهو الحلم على الحقيقة وهو الذي يوصف به الفضلاء. والثالث ينقسم قسمين: إما أن يكون الجفاء ممن لم يقع منه إلا على سبيل الغلط، ويعلم قبح ما أتى به، ويندم عليه، فالصبر عليه فضل وفرض، وهو حلم على الحقيقة.

وأما من كان لا يدري مقدار نفسه، ويظن أن لها حقاً يستطيل به فلا يندم على ما سلف منه فالصبر عليه ذل للصابر وإفساد للمصبور عليه، لأنه يزيد استشراء، والمقارضة له سخف، والصواب إعلامه بأنه كان ممكناً أن ينتصر منه، وانه إنما ترك ذلك استرذالاً له فقط، وصيانة عن مراجعته، ولا يزاد على ذلك.

وأما جفاء السفلة فليس جزاؤه إلا النكال وحده.
وأول من يزهد في الغادر من غدر له الغادر، وأول من يمقت شاهد الزور من شهد له به، وأول من تهون الزانية في عينه الذي يزني بها.
ولا تنصح على شرط القبول، ولا تشفع على شرط الإجابة، ولا تهب على شرط الإثابة، لكن على سبيل إستعمال الفضل، وتأدية ما عليك من النصيحة والشفاعة، وبذل المعروف.

وحد الصداقة الذي يدور على طرفي محدوده هو أن يكون المرء يسوءه ما يسوء الآخر، ويسره ما يسره، فما سفل عن هذا فليس صديقاً..

وليس كل صديق ناصح لكن كل ناصح صديق فيما نصح فيه.

وحد النصيحة هو أن يسوء المرء ما ضر الآخر، ساء ذلك الآخر أو لم يسؤه، وأن يسره ما نفعه، سر ذلك الآخر أو ساءه، فهذا شرط في النصيحة زائد على شروط الصداقة.

وأقصى غايات الصداقة التي لا مزيد عليها: من شاركك بنفسه وبماله لغير علة توجب ذلك، وآثرك على من سواك. ولولا أني شاهدت مظفراً ومباركاً صاحبي بلنسية (valencia) لقدرت إن هذا الخلق معدوم في زماننا، ولكني ما رأيت قط رجلين استوفيا جميع أسباب الصداقة مع تأتي الأحوال الموجبة للفرقة غيرهما.

ولسنا نعني الشاكرية والأتباع أيام الحرمة، فأولئك لصوص الإخوان وخبث الأصدقاء، والذين يظن أنهم أولياء وليسوا كذلك، ودليل ذلك إنحرافهم عند إنحراف الدنيا.

ولا نعني أيضاً المتصادقين لبعض الأطماع، ولا المتنادمين على الخمر، والمجتمعين على المعاصي والقبائح، والمتآلفين على النيل من أعراض الناس، والأخذ في الفضول وما لا فائدة فيه، فليس هؤلاء أصدقاء، ودليل ذلك أن بعضهم ينال من بعض، وينحرف عنه عند فقد تلك الرذائل التي جمعتهم. وإنما نعني إخوان الصفاء لغير معنى إلا لله عز وجل، إما للتناصر على بعض الفضائل الجدية، وإما لنفس المحبة المجردة فقط.

وبعض أنواع النصيحة يشكل [5] تمييزه من النميمة لأن من سمع إنساناً يذم آخر ظالماً له، أو يكيده ظالماً له فكتم ذلك عن المقول فيه المكيد، كان الكاتم لذلك ظالماً مذموماً. ثم إن أعلمه بذلك على وجهه كان ربما قد ولد على الذام والكائد ما لم يبلغه استحقاقه بعد من الأذى فيكون ظالماً له.

وليس من الحق أن يقتص من الظالم بأكثر من قدر ظلمه، فالتخلص من هذا الباب صعب إلا على ذوي العقول، والرأي للعاقل في مثل هذا أن يحفظ المقول فيه من القائل فقط دون أن يبلغه ما قال لئلا يقع في استرسال زائد فيهلك.

والنصيحة مرتان: فالأولى فرض وديانة، والثانية تنبيه وتذكير، وأما الثالثة فتوبيخ وتقريع، وليس وراء ذلك إلا التركل [6] واللطام، وربما أشد من ذلك من البغي والأذى، اللهم إلا في معاني الديانة فواجب على المرء ترداد النصح فيها رضي المنصوح أو سخط، تأذى الناصح بذلك أو لم يتأذ.

وإذا نصحت فانصح سراً لا جهراً، وبتعريض لا تصريح إلا أن لا يفهم المنصوح تعريضك فلا بد من التصريح. ولا تصرح على شرط القبول منك.

فإذا تعديت هذه الوجوه فأنت ظالم لا ناصح، وطالب طاعة وملك لا مؤدي حق أمانة وأخوة. وليس هذا حكم العقل، ولا حكم الصداقة لكن حكم الأمير مع رعيته، والسيد مع عبيده.

لا تكلف صديقك إلا مثل ما تبذل له من نفسك فإن طلبت أكثر فأنت ظالم.

ولا تكسب إلا على شرط الفقد.

ولا تتول إلا على شرط العزل، وإلا فأنت مضر بنفسك خبيث السيرة.
وإياك والتفاقر [7] فإنك لا تحصل من ذلك إلا على تكذيبك أو احتقار من يسمعك، ولا منفعة لك في ذلك أصلاً إلا كفر نعمة ربك تعالى أو شكواه إلى من لا يرحمك.

وإياك ووصف نفسك باليسار [8] فإنك لا تزيد على إطماع السامع فيما عندك، ولا تزد على شكر الله تعالى، وذكر فقرك إليه وغناك عمن دونه فإن هذا يكسبك الجلالة والراحة من الطمع فيما عندك.

ومن سبب للناس الطمع فيما عنده لم يحصل إلا على أن يبذله لهم، ولا غاية لهذا، أو يمنعهم فيلؤم [9]، ويعادونه، فإذا أردت أن تعطي أحداً شيئاً فليكن ذلك منك قبل أن يسألك فهو أكرم وأنزه وأوجب للحمد.
والحكيم لا تنفعه حكمته عند الخبيث الطبع بل يظنه خبيثاً مثله، وقد شاهدت أقواماً ذوي طبائع رديئة، وقد تصور في أنفسهم الخبيثة أن الناس كلهم على مثل طبائعهم، لا يصدقون أصلاً بأن أحداً سالم من رذائلهم بوجه من الوجوه، وهذا أسوء ما يكون من فساد الطبع، والبعد عن الفضل والخير. ومن كانت هذه صفته لا ترجى له معافاة أبداً.
والخيانة في الحرم أشد من الخيانة في الدماء. والخيانة في الأعراض أشد من الخيانة في الأموال، و بُرْهَان ذلك أنه لا يكاد يوجد من لا يخون في العرض وإن قل ذلك منه وكان من أهل الفضل، وأما الخيانة في الأموال وإن قلت أو كثرت فلا تكون إلا من رذل بعيد عن الفضل.
وينبغي للكريم أن يصون جسمه بماله، ويصون نفسه بجسمه، ويصون عرضه بنفسه، ويصون دينه بعرضه، ولا يصون بدينه شيئاً أصلاً.
وحد الحزم معرفة الصديق من العدو، وغاية الخرق والضعف جهل العدو من الصديق.
وليس الحلم تقريب الأعداء، ولكنه مسالمتهم مع التحفظ منهم.

لا تسلم عدوك لظلم ولا تظلمه، وساو في ذلك بينه وبين الصديق وتحفظ منه، وإياك وتقريبه وإعلاء قدره فإن هذا من فعل النوكى.

من ساوى بين عدوه وصديقه في التقريب والرفعة لم يزد على أن زهد الناس في مودته، وسهل عليهم عداوته، ولم يزد على استخفاف عدوه له، وتمكنه من مقاتله، وإفساد صديقه على نفسه وإلحاقه بجملة أعدائه.

وغاية الخير أن يسلم عدوك من ظلمك، ومن تركك إياه للظلم، وأما تقريبه فمن شيم النوكى الذين قد قرب منهم التلف.

وغاية الشر أن لا يسلم صديقك من ظلمك، وأما إبعاده فمن فعل من لا عقل له، ومن كتب عليه الشقاء.
والمصيبة في الصديق الناكث أعظم من المصيبة به.
وينبغي للعاقل أن لا يحكم بما يبدو له من استرحام الباكي المتظلم، وتشكيه وشدة تلويه وتقلبه، وبكائه. فقد وقفت من بعض من يفعل هذا على يقين أنه الظالم المعتدي المفرط.. ورأيت بعض المظلومين ساكن الكلام، معدوم التشكي، مظهراً لقلة المبالاة، فيسبق إلى نفس من لا يحقق النظر أنه ظالم وهذا مكان ينبغي التثبت فيه، ومغالبة ميل النفس جملة، وأن لا يميل المرء مع الصفة التي ذكرنا ولا عليها، ولكن يقصد الإنصاف بما يوجبه الحق على السواء.

والمتيقظ الطبع لا يضع الغفلة إلا في موضعها الذي يذم فيه البحث والتقصي والتغافل، فهماً للحقيقة، وإضراباً عن الطيش، واستعمالاً للحلم، وتسكيناً للمكروه، فلذلك حمدت حالة التغافل وذمت الغفلة.

وكذلك القول في إظهار الجزع وإبطانه، وفي إظهار الصبر وإبطانه، فإن إظهار الجزع عند حلول المصائب مذموم لأنه عجز مظهره عن ملك نفسه، فأظهر أمراً لا فائدة فيه بل هو مذموم في الشريعة، وقاطع عما يلزم من الأعمال، وعن التأهب لما يتوقع حلوله مما لعله أشنع من الأمر الواقع الذي عنه حدث الجزع. فلما كان إظهار الجزع مذموماً كان إظهار ضده محموداً، وهو إظهار الصبر، لأنه ملك للنفس وإطراح لما لا فائدة فيه، وإقبال على ما يعود وينتفع به في الحال وفي المستأنف.

ولو علم ذو الرأي الفاسد ما استضر به من فساد تدبيره في السالف لأنجح بتركه استعماله فيما يستأنف وبالله التوفيق.

وشكر المنعم فرض واجب، وإنما ذلك بالمقارضة له بمثل ما أحسن فأكثر، ثم بالإهتمام بأموره، وبالتأتي بحسن الدفاع عنه، ثم بالوفاء له حياً وميتاً، ولمن يتصل به من ساقة [10] وأهل كذلك؛ ثم بالتمادي على وده ونصيحته، ونشر محاسنه بالصدق، وطي مساويه ما دمت حياً، وتوريث ذلك عقبك وأهل ودك.

وليس من الشكر عونه على الآثام، وترك نصيحته فيما يوتغ به دينه ودنياه، بل من عاون من أحسن إليه على باطل فقد غشه، وكفر إحسانه، وظلمه، وجحد إنعامه.

وأيضاً فإن إحسان الله تعالى وإنعامه على كل حال أعظم وأقدم وأهنأ من نعمة كل منعم دونه عز وجل، فهو تعالى الذي شق لنا الأبصار الناظرة، وفتق فينا الآذان السامعة، ومنحنا الحواس الفاضلة، ورزقنا النطق والتمييز اللذين بهما استأهلنا أن يخاطبنا، وسخر لنا ما في السموات وما في الأرض من الكواكب والعناصر. ثم لم يفضل علينا من خلقه شيئاً غير الملائكة المقدسين الذين هم عمار السموات فقط، فأين تقع نعم المنعمين من هذه النعم!..

ومن اكتفى بقليله عن كثير ما عندك فقد ساواك في الغنى ولو أنك قارون، حتى إذا تصاون في الكسب عما تشره أنت إليه فقد حصل أغنى منك بكثير.

ومن ترفع عما تخضع إليه من أمور الدنيا فهو أعز منك بكثير.

العلم والجهل
لو لم يكن من فضل الْعِلْم إلا أن الجهال يهابونك ويجلونك، وأن العلماء يحبونك ويكرمونك، لكان ذلك سبباً إلى وجوب طلبه، فكيف بسائر فضائله في الدنيا والآخرة! ولو لم يكن من نقص الجهل إلا أن صاحبه يحسد العلماء، ويغبط نظراءه من الجهال، لكان ذلك سبباً إلى وجوب الفرار عنه، فكيف بسائر رذائله في الدنيا والآخرة!.

والباخل بالعلم ألأم من الباخل بالمال لأن الباخل بالمال أشفق من فناء ما بيده، والباخل بالعلم بخل بما لا يفنى على النفقة، ولا يفارقه مع البذل.

وأجل العلوم ما قربك من خالقك تعالى، وما أعانك على الوصول إلى رضاه.

ولا آفة على العلوم وأهلها أضر من الدخلاء فيها، وهم من غير أهلها فإنهم يجهلون ويظنون أنهم يعلمون، ويفسدون ويُقدرون أنهم يصلحون.

غاظني أهل الجهل مرتين من عمري: أحدهما: بكلامهم فيما لا يحسنونه أيام جهلي. والثاني: بسكوتهم عن الكلام بحضرتي، فهم أبداً ساكتون عما ينفعهم، ناطقون فيما يضرهم.

وسرني أهل الْعِلْم مرتين من عمري: أحدهما: بتعليمي أيام جهلي، والثاني: بمذاكرتي أيام علمي [11].

من فضل الْعِلْم والزهد في الدنيا أنهما لا يؤتيهما الله عز وجل إلا أهلهما ومستحقهما، ومن نقص علو أحوال الدنيا من المال والصوت [12] أنهما أكثر ما يقعان في غير أهلهما وفيمن لا يستحقهما.

ومن طلب الفضائل لم يساير إلا أهلها، ولم يرافق في تلك الطريق إلا أكرم صديق من أهل المواساة والبر والصدق وكرم العشيرة والصبر والوفاء والأمانة والحلم وصفاء الضمائر وصحة المودة. ومن طلب الجاه والمال واللذات لم يساير إلا أمثال الكلاب الكلبة والثعالب الخلبة، ولم يرافق في تلك الطريق إلا كل عدو المعتقد خبيث الطبيعة.

وقد رأيت من غمار العامة [13] من يجري من الإعتدال وحميد الأَخْلاَق إلى ما لا يتقدمه فيه حكيم عالم رائض لنفسه، ولكنه قليل جداً.

ورأيت ممن طالع العلوم وعرف عهود الأنبياء عليهم السلام ووصايا الحكماء، وهو لا يتقدمه في خبث السيرة وفساد العلانية والسريرة شرار الخلق، وهذا كثير جداً، فعلمت أنها مواهب وحرمان من الله تعالى.
إذا حضرت مَجْلِس علم فلا يكن حُضُوْرك إلا حُضُوْر مستزيد علم وأجر، لا حُضُوْر مستغن بما عندك، طالباً عثرة تشيعها أو غريبة تشنعها، فهذه أفعال الأرذال الذين لا يفلحون في الْعِلْم أبداً.

والتزم أحد ثلاثة أوجه لا رابع لها وهي: إما أن تسكت سكوت الجهال فتحصل على أجر النية في المشاهدة، وعلى الثناء عليك بقلة الفضول، وعلى كرم المجالسة ومودة من تجالس.

فإن لم تفعل ذلك فاسأل سؤال المتعلم فتحصل على هذه الأربع محاسن، وعلى خامسة وهي استزادة العلم.

وصفة سؤال المتعلم أن تسأل عما لا تدري، لا عما تدري، فإن السؤال عما تدريه سخف وقلة عقل وشغل لكلامك وقطع لزمانك بما لا فائدة فيه لا لك ولا لغيرك، وربما أدى إلى اكتساب العداوات، وهو بعد عين الفضول.

فيجب عليك أن لا تكون فضولياً فإنها صفة سوء فإن أجابك الذي سألت بما فيه كفاية لك فاقطع الكلام، وإن لم يجبك بما فيه كفاية أو أجابك بما لم تفهم، فقل له لم أفهم واستزده، فإن لم يزدك بياناً وسكت أو أعاد عليك الكلام الأول ولا مزيد، فأمسك عنه. وإلا حصلت على الشر والعداوة ولم تحصل على ما تريد من الزيادة.

والوجه الثالث: أن تراجع مراجعة العالم، وصفة ذلك: أن تعارض جوابه بما ينقضه نقضاً بيناً، فإن لم يكن ذلك عندك، ولم يكن عندك إلا تكرار قولك أو المعارضة بما لا يراه خصمك معارضة، فأمسك فإنك لا تحصل بتكرار ذلك على أجر ولا على تعليم ولا على تعلم، بل على الغيظ لك ولخصمك، والعداوة التي ربما أدت إلى المضرات.

وإياك وسؤال المعنت، ومراجعة المكابر الذي يطلب الغلبة بغير علم، فهما خلقا سوء، دليلان على قلة الدين وكثرة الفضول وضعف العقل وقوة السخف، وحسبنا الله ونعم الوكيل.

وإذا ورد عليك خطاب بلسان أو هجمت على كلام في كتاب فإياك أن تقابله مقابلة المغاضبة الباعثة على المغالبة قبل أن تتبين بطلانه بِبُرْهَانٍ قاطع.

وأيضاً فلا تقبل عليه إقبال المصدق به المستحسن إياه قبل علمك بصحته ببُرْهَان قاطع، فتظلم في كلا الوجهين نفسك، وتبعد عن إدراك الحقيقة. ولكن أقبل عليه إقبال سالم القلب عن النزاع عنه والنزوع إليه، إقبال من يريد حظ نفسه في فهم ما سمع ورأى فتزيد به علماً، وقبوله إن كان حسناً أو رده إن كان خطأ، فمضمون لك إن فعلت ذلك الأجر الجزيل والحمد الكثير والفضل العميم.
ومن بديع ما يقع في الحسد قول الحاسد إذا سمع إنساناً يغرب في علم ما: هذا شيء بارد لم يتقدم إليه ولا قاله قبله أحد، فإن سمع من يبين ما قد قاله غيره قال: هذا بارد وقد قيل قبله.

العمل
لا تحقر شيئاً من عمل غد أن تحققه بأن تعجله اليوم وإن قل، فإن من قليل الأعمال يجتمع كثيرها، وربما أعجز أمرها عند ذلك فيبطل الكل.

لا تحقر شيئاً مما ترجو به تثقيل ميزانك يوم البعث أن تعجله الآن وإن قل، فإنه يحط عنك كثيراً لو اجتمع لقذف بك في النار.

الشجاعة
حد الشجاعة بذل النفس للموت عن الدين والحريم وعن الجار المضطهد وعن المستجير المظلوم وعن الهضيمة ظلماً في المال والعرض، وفي سائر سبل الحق سواء قل من يعارض أو كثر. والتقصير عما ذكرنا جبن وخور، وبذلها في عرض الدنيا تهور وحمق، وأحمق من ذلك من بذلها في المنع عن الحقوق الواجبات قبلك أو قبل غيرك، وأحمق من هؤلاء كلهم قوم شاهدتهم لا يدرون فيما يبذلون أنفسهم، فتارة يقاتلون زيداً عن عمرو، وتارة يقاتلون عمراً عن زيد، ولعل ذلك يكون في يوم واحد فيتعرضون للمهالك بلا معنى، فينقلبون إلى النار أو يفرون إلى العار، وقد أنذر بهؤلاء رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: “يَأْتِيَ عَلَى النَّاسِ يَوْمٌ لَا يَدْرِي الْقَاتِلُ فِيمَ قَتَلَ وَلَا الْمَقْتُولُ فِيمَ قُتِلَ”.

الجود
حد الجود وغايته أن يبذل الفضل كله في وجوه البر، وأفضل ذلك في الجار المحتاج وذي الرحم الفقير وذي النعمة الذاهبة والأحضر فاقة.

ومنع الفضل من هذه الوجوه داخل في البخل، وعلى قدر التقصير والتوسع في ذلك يكون المدح والذم، وما وضع في غير هذه الوجوه فهو تبذير، وهو مذموم.

بذل الواجبات فرض، وبذل ما فضل عن القوت جود، والإيثار على النفس من القوت بما لا تهلك على عدمه فضل، ومنع الواجبات حرام، ومنع ما فضل عن القوت بخل وشح، والمنع من الإيثار ببعض القوت عذر، ومنع النفس أو الأهل القوت أو بعضه نتن ورذالة ومعصية.

والسخاء بما ظلمت فيه أو أخذته بغير حقه ظلم مكرر، والذم جزاء ذلك لا الحمد لأنك إنما تبذل مال غيرك على الحقيقة لا مالك.

وإعطاء الناس حقوقهم مما عندك ليس جوداً ولكنه حق.

المسامحة
مسامحة أهل الإستئثار والإستغنام والتغافل ليس مروءة ولا فضيلة بل هو مهانة وضعف وتغرية لهم على التمادي على ذلك الخلق المذموم، وتغبيط لهم به، وعون لهم على ذلك الفعل السوء، وإنما تكون المسامحة مروءة لأهل الإنصاف المبادرين إلى الإنصاف والإيثار، فهؤلاء فرض على أهل الفضل أن يعاملوهم بمثل ذلك لاسيما إن كانت حاجتهم أمس وضرورتهم أشد.

العفة
حد العفة أن تغض بصرك وجميع جوارحك عن الأجسام التي لا تحل لك، فما عدا هذا فهو عهر، وما نقص حتى يمسك عما أحل الله تعالى فهو ضعف وعجز.

العدل
حد العدل أن تعطي من نفسك الواجب وتأخذه. وحد الجور أن تأخذه ولا تعطيه.

ترويض النفس
إهمال ساعة يفسد رياضة سنة. واعلم أن رياضة الأنفس أصعب من رياضة الأُسْدِ لأن الأُسْد إذا سُجِنت في البيوت التي تتخذ لها الملوك أمن شرها، والنفس وإن سجنت لم يؤمن شرها.

كانت فيّ عيوب فلم أزل بالرياضة وإطلاعي على ما قالت الأنبياء صلوات الله عليهم، والأفاضل من الحكماء المتأخرين والمتقدمين في الأَخْلاَق وفي آداب النفس، أعاني مداواتها حتى أعان الله عز وجل على أكثر ذلك بتوفيقه ومنه.

ومنها دعابة غالبة، فالذي قدرت عليه فيها إمساكي عما يغضب الممازح، وسامحت نفسي فيها إذ رأيت تركها من الانغلاق ومضاهياً للكبر.

ومنها عجب شديد، فناظر عقلي نفسي بما يعرفه من عيوبها حتى ذهب كله ولم يبق له والحمد لله أثر بل كلفت نفسي احتقار قدرها جملة واستعمال التواضع.

ومنها حركات كانت تولدها غرارة الصبا وضعف الإغضاء، فقصرت نفسي على تركها فذهبت.

ومنها محبة في بعد الصيت والغلبة، فالذي وقفت عليه من معاناة هذا الداء الإمساك فيه عما لا يحل في الديانة.

ومنها إفراط في الأنفة بغضت إلي إنكاح الحرم جملة بكل وجه، وصعبت ذلك في طبيعتي، وكأني توقفت عن مغالبة هذا الإفراط الذي أعرف قبحه لعوارض اعترضت علي والله المستعان.

ومنها عيبان قد سترهما الله تعالى وأعان على مقاومتهما وأعان بلطفه عليهما فذهب أحدهما البتة ولله الحمد، وكأن السعادة كانت موكلة بي فإذا لاح منه طالع قصدت طمسه، وطاولني الثاني منهما فكان إذا ثارت منه مدوده نبضت عروقه فيكاد يظهر، ثم يسر الله تعالى قدعه بضروب من لطفه تعالى حتى أخلد.

ومنها حقد مفرط قدرت بعون الله تعالى على طيه وستره وغلبته على إظهار جميع نتائجه، وأما قطعه البتة فلم أقدر عليه، وأعجزني معه أن أصادق من عاداني عداوة صحيحة أبداً.

وأما سوء الظن فيعده قوم عيباً على الإطلاق، وليس كذلك إلا إذا أدى صاحبه إلى ما لا يحل، وأما الذي يعيبني به جهال أعدائي من أني لا أبالي فيما أعتقده حقاً عن مخالفة من خالفته ولو أنهم جميع من على ظهر الأرض، وأني لا أبالي موافقة أهل بلادي في كثير من زيهم الذي قد تعودوه لغير معنى، فهذه الخصلة عندي من أكبر فضائلي التي لا مثيل لها، ولعمري لو لم تكن في، وأعوذ بالله، لكانت من أعظم متمنياتي وطلباتي عند خالقي عز وجل، وأنا أوصي بذلك كل من يبلغه كلامي فلن ينفعه إتباعه الناس في الباطل والفضول إذا أسخط ربه تعالى وغبن عقله أو آلم نفسه وجسده وتكلف مئونة لا فائدة فيها.

ووجدت أفضل نعم الله تعالى على المرء أن يطبعه على العدل وحبه، وعلى الحق وإيثاره، فما استعنت على قمع هذه الطوالع الفاسدة وعلى كل خير في الدين والدنيا إلا بما في قوتي من ذلك ولا حول ولا قوة إلا بالله تعالى.

وأما من طبع على الجور واستسهاله، وعلى الظلم واستخفافه فلييأس من أن يصلح نفسه أو يقوم طباعه أبداً وليعلم أنه لا يفلح في دين ولا في خلق محمود.

وأما الزهو والحسد والكذب والخيانة فلم أعرفها بطبعي قط، وكأنني لا حمد لي في تركها لمنافرة جبلتي إياها والحمد لله رب العالمين.

المدح والعتاب
أبلغ في ذمك من مدحك بما ليس فيك لأنه نبه على نقصك، وأبلغ في مدحك من ذمك بما ليس فيك لأنه نبه على فضلك.

لو علم الناقص نقصه لكان كاملاً.

لا يخلو مخلوق من عيب فالسعيد من قلت عيوبه ودقت.

استبقاك من عاتبك، وزهد فيك من استهان بسيئاتك.
إياك والإمتداح فإن كل من يسمعك لا يصدقك وإن كنت صادقاً بل يجعل ما سمع منك من ذلك في أول معايبك.

وإياك ومدح أحد في وجهه فإنه فعل أهل الملق وضعة النفوس.

وإياك وذم أحد لا بحضرته ولا في مغيبه، فلك في إصلاح نفسك شغل.

المحبة
المحبة كلها جنس واحد، ورسمها أنها الرغبة في المحبوب وكراهة منافرته.. وإنما قدر الناس أنها تختلف من أجل إختلاف الأغراض فيها، وإنما اختلفت الأغراض من أجل اختلاف الأطماع وتزايدها وضعفها.. فتكون المحبة لله عز وجل وفيه ، وللإتفاق على بعض المطالب، وللأب والابن والقرابة والصديق، وللسلطان، ولذات الفراش، وللمحسن وللمأمول، وللمعشوق، فهذا كله جنس واحد اختلفت أنواعه كما وصفت لك على قدر الطمع فيما ينال من المحبوب، فلذلك اختلفت وجوه المحبة.

وقد رأينا من مات أسفاً على ولده كما يموت العاشق أسفاً على معشوقه. وبلغنا عمن شهق من خوف الله تعالى ومحبته فمات. ونجد المرء يغار على سلطانه وعلى صديقه كما يغار على ذات فراشه، وكما يغار العاشق على معشوقه.
فأدنى أطماع المحبة ممن تحب الحظوة منه والرفعة لديه والزلفة عنده إذا لم تطمع في أكثر. وهذه غاية أطماع المحبين لله عز وجل. ثم يزيد الطمع في المجالسة ثم في المحادثة والموازرة، وهذه أطماع المرء في سلطانه وصديقه وذوي رحمه.
وأقصى أطماع المحب ممن يحب المخالطة بالأعضاء إذا رجا ذلك، ولذلك تجد المحب المفرط المحبة في ذات فراشه يرغب في جماعها على هيئات شتى، وفي أماكن مختلفة ليستكثر من الاتصال. ويدخل في هذا الباب الملامسة بالجسد والتقبيل وقد يقع بعض هذا الطمع في الأب في ولده فيتعدى إلى التقبيل والتعنيق.

ونجد المستحل لنكاح القرائب لا يقنع منهن بما يقنع المحرم لذلك، ولا تقف محبته حيث تقف محبة من لا يطمع في ذلك، فتجد من يستحل نكاح ابنته وابنة أخيه كالمجوس واليهود، لا يقف من محبتهما حيث تقف محبة المسلم بل نجدهما يتعشقان الإبنة وابنة الأخ كتعشق المسلم فيمن يطمع في مخالطته بالجماع. ولا نجد مسلماً يبلغ ذلك فيهما ولو أنهما أجمل من الشمس وكان هو أعهر الناس وأغزلهم، فإن وجد ذلك في الندرة فلا تجده إلا من فاسد الدين قد زال عنه ذلك الرادع فانفسح له الأمل وانفتح له باب الطمع.

ولا يؤمن من المسلم أن تفرط محبته لإبنة عمه حتى تصير عشقاً، وحتى تتجاوز محبته لها محبته لإبنته وابنة أخيه وإن كانتا أجمل منها لأنه يطمع من الوصول إلى ابنة عمه حيث لا يطمع من الوصول إلى ابنته وابنة أخيه. وتجد النصراني قد أمن ذلك من نفسه في ابنة عمه أيضاً لأنه لا يطمع منها في ذلك ولا يأمن ذلك من نفسه في أخته من الرضاعة لأنه طامع بها في شريعته.

والرغبة طمع مستوفى متزايد مستعمل، ولولا الطمع ما ذل أحد لأحد.

ومن امتحن بقرب من يكره فهو كمن امتحن ببعد من يحب، ولا فرق.

إقنع بمن عندك يقنع بك من عندك.

السعيد في المحبة هو من ابتلي بمن يقدر أن يلقي عليه قفله ولا تلحقه في مواصلته تبعة من الله عز وجل ولا ملامة من الناس، وصلاح ذاك أن يتوافقا في المحبة، وتحريره أن يكونا خاليين من الملل فإنه خلق سوء مبغض، وتمامه نوم الأيام عنهما مدة انتفاع بعضهما ببعض، وأنَّى بذلك إلا في الجنة. وأما ضمانه بيقين فليس إلا فيها، فهي دار القرار، وإلا فلو حصل ذلك كله في الدنيا لم تؤمن الفجائع، وقطع العمر دون استيفاء اللذة.

إذا ارتفعت الغيرة فأيقن بارتفاع المحبة. الغيرة خلق فاضل متركب من النجدة والعدل لأن من عدل كره أن يتعدى إلى حرمة غيره، وأن يتعدى غيره إلى حرمته، ومن كانت النجدة طبعاً له حدثت فيه عزة، ومن العزة تحدث الأنفة من الإهتضام.

ودرج المحبة خمسة: أولها الاستحسان وهو أن يتمثل الناظر صورة المنظور إليه حسنة أو يستحسن أخلاقه، وهذا يدخل في باب التصادق. ثم الإعجاب به وهو رغبة الناظر في المنظور إليه وفي قربه. ثم الألفة وهي الوحشة إليه إذا غاب. ثم الكلف وهو غلبة شغل البال به، وهذا النوع يسمى في باب الغزل بالعشق. ثم الشغف وهو امتناع النوم والأكل والشرب إلا اليسير من ذلك وربما أدى ذلك إلى المرض أو إلى التوسوس أو إلى الموت وليس وراء هذا منزلة في تناهي المحبة أصلاً.

وكنا نظن أن العشق في ذوات الحركة والحدة من النساء أكثر فوجدنا الأمر بخلاف ذلك، وهو في الساكنة الحركات أكثر ما لم يكن ذلك السكون بلهاً.

 العقل والحمق 
إحرص على أن توصف بسلامة الجانب وتحفظ من أن توصف بالدهاء فيكثر المتحفظون منك حتى ربما أضر ذلك بك وربما قتلك.

لا تفكر فيمن يؤذيك فإنك إن كنت مقبلاً فهو هالك وسعدك يكفيك، وإن كنت مدبراً فكل أحد يؤذيك.
وحد الحمق استعمال المعاصي والرذائل، وأما التعدي وقذف الحجارة والتخليط في القول فإنما هو جنون ومرار هائج.
وأما الحمق فهو ضد العقل وهما ما بينا آنفاً، ولا واسطة بين العقل والحمق إلا السخف. وحد السخف هو العمل والقول بما لا يحتاج إليه في دين ولا دنيا ولا حميد خلق مما ليس معصية، ولا طاعة ولا عوناً عليهما، ولا فضيلة ولا رذيلة مؤذية، ولكنه من هذر القول وفضول العمل. فعلى قدر الاستكثار من هذين الأمرين أو التقليل منهما يستحق المرء اسم السخف. وقد يسخف المرء في قصة ويعقل في أخرى ويحمق في ثالثة.

وضد الجنون تمييز الأشياء، ووجود القوة على التصرف في المعارف والصناعات..

وأما إحكام أمر الدنيا والتودد إلى الناس بما وافقهم وصلحت عليه حال المتودد من باطل أو غيره أو عيب أو ما عداه، والتحيل في إنماء المال وبعد الصوت وتثبيت الجاه بكل ما أمكن من معصية ورذيلة فليس عقلاً، ولقد كان الذين صدقهم الله في أنهم لا يعقلون وأخبرنا بأنهم لا يعقلون سائسين لدنياهم مثمرين لأموالهم مدارين لملوكهم حافظين لرياستهم. لكن هذا الخلق يسمى الدهاء وضده العقل والسلامة.

وما إذا كان السعي فيما ذكرنا بما فيه تصاون وأنفة فهو يسمى الحزم وضده المنافي له التضييع.

وأما الوقار ووضع الكلام موضعه والتوسط في تدبير المعيشة ومسايرة الناس بالمسالمة فهذه الأَخْلاَق تسمى الرزانة وهي ضد السخف.
والوفاء مركب من العدل والجود والنجدة لأن الوفي رأى من الجور أن لا يقارض من وثق به أو من أحسن إليه فعدل في ذلك، ورأى أن يسمح بعاجل يقتضيه له عدم الوفاء من الحظ فجاد في ذلك، ورأى أن يتجلد لما يتوقع من عاقبة الوفاء فشجع في ذلك.
وصدق من قال: إن العاقل معذب في الدنيا، وأنه فيها مستريح. فأما تعبه ففيما يرى من انتشار الباطل وغلبة دولته وبما يحال بينه وبينه من إظهار الحق وأما راحته فمن كل ما يهتم به سائر الناس من فضول الدنيا.

 إغضاب الناس 
إياك وموافقة الجليس السيء ومساعدة أهل زمانك فيما يضرك في أخراك أو في دنياك وإن قل فإنك لا تستفيد بذلك إلا الندامة حيث لا ينفعك الندم ولن يحمدك من ساعدته بل يشمت بك.

وإياك ومخالفة الجليس ومعارضة أهل زمانك فيما لا يضرك في دنياك ولا في أخراك، وإن قل، فإنك تستفيد بذلك الأذى والمنافرة والعداوة، وربما أدى ذلك إلى المطالبة والضرر العظيم دون منفعة أصلاً.

إن لم يكن بد من إغضاب الناس أو إغضاب الله عز وجل، ولم يكن لك مندوحة عن منافرة الخلق أو منافرة الحق، فاغضب الناس ونافرهم، ولا تغضب ربك ولا تنافر الحق.

 الوعظ 
الإتساء بالنبي صلى الله عليه وسلم في وعظ أهل الجهل والمعاصي والرذائل واجب، فمن وعظ بالجفاء والاكفهرار فقد أخطأ وتعدى طريقته صلى الله عليه وسلم وصار في أكثر الأمر، مغرياً للموعوظ بالتمادي على أمره لجاجاً وحرداً ومغايظة للواعظ الجافي فيكون في وعظه مسيئاً لا محسناً.

ومن وعظ ببشر وتبسم ولين كأنه مشير برأي ومخبر عن غير الموعوظ بما يستفتح من الموعوظ، فذلك أبلغ وأنجع في الموعظة. فإن لم يتقبل فلينتقل إلى الموعظة بالتحشيم وفي الخلاء فإن لم يقبل ففي حضرة من يستحي منه الموعوظ فهذا أدب الله في أمره بالقول واللين.

وكان صلى الله عليه وسلم لا يواجه بالموعظة لكن كان يقول: “ما بال أقوام يفعلون كذا”. وقد أثنى عليه الصلاة والسلام على الرفق، وأمر بالتيسير ونهى عن التنفير، وكان يتخول [14] بالموعظة خوف الملل. وقال تعالى: “وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ”. وأما الغلطة والشدة فإنما تجب في حد من حدود الله تعالى، فلا لين في ذلك للقادر على إقامة الحد خاصة.

ومما ينجع في الوعظ أيضاً الثناء بحضرة المسيء على من فعل خلاف فعله، فهذا داعية إلى عمل الخير.

 التدبر في الخلق 
تأملت كل ما دون السماء وطالت فيه فكرتي، فوجدت كل شيء فيه من حي وغير حي، من طبعه إن قوي أن يخلع عن غيره من الأنواع كيفياته ويلبسه صفاته، فترى الفاضل يود لو كان الناس فضلاء، وترى الناقص يود لو كان الناس نقصاء، وترى كل من ذكر شيئاً يحض عليه، يقول: وأنا أفعل أمراً كذا. وكل ذي مذهب يود لو كان الناس موافقين له، وترى ذلك في العناصر إذا قوي بعضها على بعض أحاله إلى نوعيته. وترى ذلك في تركيب الشجر، وفي تغذي النبات والشجر بالماء ورطوبة الأرض وإحالتهما ذلك إلى نوعيتهما فسبحان مخترع ذلك ومدبره لا إله إلا هو.

من عجيب قدرة الله تعالى كثرة الخلق ثم لا ترى أحداً يشبه آخر شبهاً لا يكون بينهما فيه فرق. وقد سألت من طال عمره وبلغ الثمانين عاماً: هل رأى الصور في ما خلا مشبهة لهذه شبهاً واحداً فقال لي: لا بل لكل صورة فرقها.

ومن عجائب الدنيا قوم غلبت عليهم آمال فاسدة لا يحصلون منها إلا على إتعاب النفس عاجلاً ثم الهم والإثم آجلاً كمن يتمنى غلاء الأقوات التي في غلائها هلاك الناس.. فلو تمنى الخير والرخاء لتعجل الأجر والراحة والفضيلة ولم يتعب نفسه طرفة عين فما فوقها فأعجبوا لفساد هذه الأَخْلاَق بلا منفعة.

 أصول الفضائل، وكلام الناس والكذب 
أصول الفضائل كلها أربعة عنها تتركب كل فضيلة وهي: العدل والفهم والنجدة والجود. وأصول الرذائل كلها أربعة عنها تتركب كل رذيلة، وهي أضداد الذي ذكرنا، وهي: الجور والجهل والجبن والشح.

ويتولد من الحرص رذائل عظيمة منها: الذل والسرقة والغصب والزنا والقتل والعشق والهم بالفقر. والمسألة لما بأيدي الناس تتولد فيما بين الحرص والطمع..

ولا شيء أقبح من الكذب، وما ظنك بعيب يكون الكفر نوعاً من أنواعه فكل كفر كذب، فالكذب جنس والكفر نوع تحته.

والكذب متولد من الجور والجبن والجهل لأن الجبن يولد مهانة النفس، والكذاب مهين النفس بعيد عن عزتها المحمودة.

رأيت الناس في كلامهم الذي هو فصل بينهم وبين الحمير والكلاب والحشرات، ينقسمون أقساماً ثلاثة: أحدها: من لا يبالي فيما أنفق كلامه فيتكلم بكل ما سبق إلى لسانه غير محقق نصر حق ولا إنكار باطل، وهذا هو الأغلب في الناس. والثاني: أن يتكلم ناصراً لما وقع في نفسه أنه حق، ودافعاً لما توهم أنه باطل غير محقق لطلب الحقيقة لكن لجاجاً فيما التزم، وهذا كثير، وهو دون الأول. والثالث: واضع الكلام في موضعه، وهذا أعز من الكبريت الأحمر.

 العجب والكبر 
من امتحن بالعجب فليفكر في عيوبه فإن أعجب بفضائله فليفتش ما فيه من الأَخْلاَق الدنيئة فإن خفيت عليه عيوبه جملة حتى يظن أنه لا عيب فيه فليعلم أن مصيبته إلى الأبد، وأنه لأتم الناس نقصاً وأعظمهم عيوباً وأضعفهم تمييزاً، وأول ذلك أنه ضعيف العقل جاهل، ولا عيب أشد من هذين لأن العاقل هو من ميز عيوب نفسه فغالبها، وسعى في قمعها، والأحمق هو الذي يجهل عيوب نفسه إما لقلة علمه وتمييزه وضعف فكرته، وإما لأنه يقدّر أن عيوبه خصال، وهذا أشد عيب في الأرض.

وفي الناس كثير يفخرون بالزنا واللياطة والسرقة والظلم، فيعجب بتأتي هذه النحوس له، وبقوته على هذه المخازي.

واعلم يقيناً أنه لا يسلم إنسي من نقص حاشا الأنبياء صلوات الله عليهم، فمن خفيت عليه عيوب نفسه فقد سقط وصار من السخف والضعة والرذالة والخسة وضعف التمييز والعقل وقلة الفهم بحيث لا يتخلف عنه مختلف من الأرذال وبحيث ليس تحته منزلة من الدناءة، فليتدارك نفسه بالبحث عن عيوبه والاشتغال بذلك عن الإعجاب بها وعن عيوب غيره التي لا تضره في الدنيا ولا في الآخرة.

وما أدري لسماع عيوب الناس خصلة إلا الاتعاظ بما يسمع المرء منها فيجتنبها ويسعى في إزالة ما فيه منها بحول الله تعالى وقوته.

وأما النطق بعيوب الناس فعيب كبير لا يسوغ أصلاً، والواجب اجتنابه إلا في نصيحة من يتوقع عليه الأذى بمداخلة المعيب أو على سبيل تبكيت المعجب فقط في وجهه لا خلف ظهره ثم يقول للمعجب ارجع إلى نفسك فإذا ميزت عيوبها فقد داويت عجبك.

ولا تمثل بين نفسك وبين من هو أكثر عيوباً منها فتستسهل الرذائل وتكون مقلداً لأهل الشر، وقد ذم تقليد أهل الخير فكيف تقليد أهل الشر! لكن مثل بين نفسك وبين من هو أفضل منك فحينئذ يتلف عجبك وتفيق من هذا الداء القبيح الذي يولد عليك الإستخفاف بالناس وفيهم بلا شك من هو خير منك. فإذا استخففت بهم بغير حق استخفوا بك بحق لأن الله تعالى يقول: “وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا”، فتولد على نفسك أن تكون أهلاً للاستخفاف بك بل على الحقيقة مع مقت الله عز وجل وطمس ما فيك من فضيلة..

واعلم أن كثيراً من أهل الحرص على الْعِلْم يجدون في القراءة والإكباب على الدروس والطلب ثم لا يرزقون منه حظاً. فليعلم ذو الْعِلْم أنه لو كان بالإكباب وحده لكان غيره فوقه، فصح أنه موهبة من الله تعالى فأي مكان للعجب ها هنا! ما هذا إلا موضع تواضع وشكر لله تعالى، واستزادة من نعمه، واستعاذة من سلبها..

وإن أعجبت بشجاعتك فتفكر فيمن هو أشجع منك. ثم انظر في تلك النجدة التي منحك الله تعالى فيم صرفتها؟ فإن كنت صرفتها في معصية فأنت أحمق لأنك بذلت نفسك فيما ليس ثمناً لها، وإن كنت صرفتها في طاعة فقد أفسدتها بعجبك. ثم تفكر في زوالها عنك بالشيخوخة، وأنك إن عشت فستصير من عدد العيال وكالصبي ضعفاً.

وإن كنت مالك الأرض كلها فتفكر فيما قال ابن السماك للرشيد وقد دعا بحضرته بقدح فيه ماء ليشربه فقال له: يا أمير المؤمنين لو مُنعت هذه الشربة بكم كنت ترضى أن تبتاعها؟ فقال له الرشيد: بملكي كله. قال: يا أمير المؤمنين فلو منعت خروجها منك بكم كنت ترضى أن تفتدي من ذلك؟ قال: بملكي كله. قال: يا أمير المؤمنين أتغتبط بملك لا يساوي بولة ولا شربة ماء! وصدق ابن السماك رحمه الله..

وإن أعجبت بمالك فهذه أسوأ مراتب الْعُجْب فانظر في كل ساقط خسيس فهو أغنى منك فلا تغبط بحالة يفوقك فيها من ذكرت..

وإن أعجبت بحسنك ففكر فيما يولد عليك مما نستحي نحن من إثباته، وتستحي أنت منه إذا ذهب عنك بدخولك في السن، وفيما ذكرنا كفاية.

وإن أعجبت بمدح إخوانك لك ففكر في ذم أعدائك إياك، فحينئذ ينجلي عنك الْعُجْب . فإن لم يكن لك عدو فلا خير فيك، ولا منزلة أسقط من منزلة من لا عدو له، فليست إلا منزلة من ليس لله تعالى عنده نعمة يحسد عليها، عافانا الله.

فإن استحقرت عيوبك ففكر فيها لو ظهرت إلى الناس وتمثل إطلاعهم عليها فحينئذ تخجل وتعرف قدر نقصك إن كانت لك مُسكة من تمييز..

وارحم من مُنع ما مُنِحتَ ولا تتعرض لزوال ما بك من النعم بالتعاصي على واهبها تعالى، وبأن تجعل لنفسك فيما وهبك خصلة أو حقاً فتقدر أنك استغنيت عن عصمته فتهلك عاجلاً وآجلاً.

وإن أعجبت بنسبك فهذه أسوأ من كل ما ذكرنا لأن هذا الذي أعجبت به لا فائدة له أصلاً في دنيا ولا آخرة. وانظر هل يدفع عنك جوعة أو يستر لك عورة أو ينفعك في آخرتك..

ثم لعل الآباء الذين تفخر بهم كانوا فساقاً وشربة خمور ولاطة ومتعبثين ونوكى، أطلقت الأيام أيديهم بالظلم والجور فأنتجوا ظلماً وآثاراً قبيحة..

فإن أعجبت بولادة الفضلاء إياك فما أخلى يدك من فضلهم إن لم تكن أنت فاضلاً، وما أقل غناهم عنك في الدنيا والآخرة إن لم تكن محسناً!. والناس كلهم أولاد آدم الذي خلقه الله بيده وأسكنه جنته وأسجد له ملائكته. ولكن ما أقل نفعه لهم وفيهم كل معيب وكل فاسق وكل كافر. وقد كان ابن نوح وأبو إبراهيم وأبو لهب عم النبي صلى الله عليه وسلم أقرب الناس من أفضل خلق الله تعالى وممن الشرف كله في إتباعهم فما انتفعوا بذلك.

وإن أعجبت بقوة جسمك فتفكر في أن البغل والحمار والثور أقوى منك وأحمل للأثقال.

وإن أعجبت بخفتك فاعلم أن الكلب والأرنب يفوقانك في هذا الباب فمن الْعُجْب العجيب إعجاب ناطق بخصلة يفوقه فيها غير ناطق.

واعلم أن التعسف وسوء الملكة لمن خولك الله تعالى أمره من رقيق أو رعية يدلان على خساسة النفس ودناءة الهمة وضعف العقل لأن العاقل الرفيع النفس العالي الهمة إنما يغلب أكفاءه في القوة ونظراءه في المنعة. وأما الاستطالة على من لا يمكنه المعارضة فسقوط في الطبع، ورذالة في النفس والخلق، وعجز ومهانة، ومن فعل ذلك فهو بمنزلة من يتبجح بقتل جرذ أو بقتل برغوث أو بفرك قملة، وحسبك بهذا ضعة وخساسة.

وقد يكون الْعُجْب لغير معنى ولغير فضيلة في المعجب، وهذا من عجيب ما يقع في هذا الباب، وهو شيء يسميه عامتنا “التمترك”، وكثيراً ما نراه في النساء وفيمن عقله قريب من عقولهن من الرجال. وهو عجب من ليس فيه خصلة أصلاً، لا علم ولا شجاعة ولا علو حال ولا نسب رفيع ولا مال يطغيه، وهو يعلم مع ذلك أنه صفر من ذلك كله لأن هذه الأمور لا يغلط فيها من يقذف بالحجارة وإنما يغلط فيها من له أدنى حظ منها فربما يتوهم -إن كان ضعيف العقل- أنه قد بلغ الغاية القصوى منها كمن له حظ من علم فهو يظن أنه عالم كامل، أو له شيء من فروسية فهو يقدر أنه يهزم علياً ويأسر الزبير ويقتل خالداً رَضِيَ اللهُ عَنْهُم.

ولقد تسببت إلى سؤال بعضهم في رفق ولين عن سبب علو نفسه واحتقاره الناس فما وجدت عنده مزيداً على أن قال لي: أنا حر لست عبد أحد. فقلت له: أكثر من تراه يشاركك في هذه الفضيلة فهم أحرار مثلك إلا قوماً من العبيد هم أطول منك يداً وأمرهم نافذ عليك وعلى كثير من الأحرار. فلم أجد عنده زيادة. فرجعت إلى تفتيش أحوالهم ومراعاتها ففكرت في ذلك سنين لأعلم السبب الباعث لهم على هذا الْعُجْب الذي لا سبب له، فلم أزل أختبر ما تنطوي عليه نفوسهم بما يبدو من أحوالهم ومن مراميهم في كلامهم، فاستقر أمرهم على أنهم يقدرون أن عندهم فضل عقل وتميز رأي أصيل لو أمكنتهم الأيام من تصريفه لوجدوا فيه متسعاً ولأداروا الممالك الرفيعة ولبان فضلهم على سائر الناس ولو ملكوا مالاً لأحسنوا تصريفه. فمن ها هنا تسرب التيه إليهم، وسرى الْعُجْب فيهم.

وهذا مكان فيه للكلام شعب عجيب ومعارضة معترضة، وهو أنه ليس شيء من الفضائل كلما كان المرء منه أعرى قوي ظنه في أنه قد استولى عليه واستمر يقينه في أنه قد كمل فيه إلا العقل والتمييز. حتى إنك تجد المجنون المطبق والسكران الطافح يسخران بالصحيح؛ والجاهل

الناقص يهزأ بالحكماء وأفاضل العلماء؛ والصبيان الصغار يتهكمون بالكهول؛ والسفهاء العيارون يستخفون بالعقلاء المتصاونين؛ وضعفة النساء يستنقصن عقول أكابر الرجال وآراءهم.

وبالجملة فكلما نقص العقل توهم صاحبه أنه أوفر الناس عقلاً، وأكمل تمييزاً.

ولا يعرض هذا في سائر الفضائل فإن العاري منها جملة يدري أنه عارٍ منها وإنما يدخل الغلط على من له أدنى حظ منها وإن قل، فإنه يتوهم حينئذ إن كان ضعيف التمييز أنه عالي الدرجة فيه.

وقد يكون الْعُجْب كميناً في المرء حتى إذا حصل على أدنى مال أو جاه ظهر ذلك عليه، وعجز عقله عن قمعه وستره.

ومن ظريف ما رأيت في بعض أهل الضعف أن منهم من يغلبه ما يضمر من محبة ولده الصغير وامرأته حتى يصفها بالعقل في المحافل، وحتى إنه يقول: هي أعقل مني، وأنا أتبرك بوصيتها.

وأما مدحه إياها بالجمال والحسن والعافية فكثير في أهل الضعف جداً حتى كأنه لو كان خاطبها ما زاد على ما يقول في ترغيب السامع في وصفها، ولا يكون هذا إلا في ضعيف العقل عارٍ من الْعُجْب بنفسه.

 المعاتبة والإعتذار 
حالان يحسن فيهما ما يقبح في غيرهما، وهما المعاتبة والإعتذار فإنه يحسن فيهما تعديد الأيادي وذكر الإحسان وذلك غاية القبح في ما عدا هاتين الحالتين.

 تساوى الأضداد 
وقد نجد نتائج الأضداد تتساوى، فنجد المرء يبكي من الفرح ومن الحزن، ونجد فرط المودة يلتقي مع فرط البغضة في تتبع العثرات، وقد يكون ذلك سبباً للقطيعة عند عدم الصبر والإنصاف.

 كل من غلبت عليه طبيعة فهو مصروع 
كل من غلبت عليه طبيعة ما فإنه وإن بلغ الغاية من الحزم والحذر مصروع إذا كويد من قبلها.

 كثرة الريب تعلم صاحبها الكذب 
كثرة الريب تعلم صاحبها الكذب لكثرة ضرورته إلى الإعتذار بالكذب فيضرى عليه ويستسهله.

 أعدل الشهود على الصدوق والكذاب 
أعدل الشهود على المطبوع على الصدق وجهه لظهور الإسترابة عليه إن وقع في كذبة أو هم بها. وأعدل الشهود على الكذاب لسانه لإضطرابه ونقض بعض كلامه بعضاً.

 أشد الأشياء على الناس 
أشد الأشياء على الناس الخوف والهم والمرض والفقر، وأشدها كلها إيلاماً للنفس الهم للفقد من المحبوب، وتوقع المكروه، ثم المرض ثم الخوف ثم الفقر. ودليل ذلك أن الفقر يستعجل ليطرد به الخوف، فيبذل المرء ماله كله ليأمن، والخوف والفقر يستعجلان ليطرد بهما ألم المرض، فيغرر الإِنْسَان في طلب الصحة، ويبذل ماله فيها إذا أشفق من الموت، ويود عند تيقنه به لو بذل ماله كله ويسلم ويفيق.

والخوف يستسهل ليطرد به الهم فيغرر المرء بنفسه ليطرد عنها الهم.

وأشد الأمراض كلها ألماً وجع ملازم في عضو ما بعينه.

وأما النفوس الكريمة فالذل عندها أشد من كل ما ذكرنا، وهو أسهل المخوفات عند ذوي النفوس اللئيمة.

 الرغبة في الذكر 
تطلع النفس إلى ما يُستر عنها من كلام مسموع أو شيء يدني إلى المدح وبقاء الذكر، أمران لا يكاد يسلم منهما أحد إلا ساقط الهمة جداً أو من راض نفسه الرياضة التامة وقمع قوة نفسه الغضبية قمعاً كاملاً..
ثم ليزد احتجاجاً على هواه فليقل بلسان عقله لنفسه: يا نفس أرأيت إن لم تعلمي أن ههنا شيئاً أخفي عليك أكنت تطلعين إلى معرفة ذلك أم لا؟ فلا بد من لا. فليقل لنفسه: فكوني الآن كما كنت تكونين لو لم تعلمي بأن ههنا شيئاً ستر عنك، فتربحي الراحة وطرد الهم وألم القلق وقبح صفة الشره، وتلك غنائم كثيرة وأرباح جليلة وأغراض فاضلة سنية يرغب العاقل فيها، ولا يزهد فيها إلا تام النقص.

وأما من علق وهمه وفكره بأن يبعد اسمه في البلاد، ويبقى ذكره على الدهر، فليفكر في نفسه وليقل لها: يا نفس أرأيت لو ذُكرت بأفضل الذكر في جميع أقطار المعمور أبد الأبد إلى انقضاء الدهر ثم لم يبلغني ذلك ولا عرفت به أكان لي في ذلك سرور أو غبطة أم لا؟ فلا بد من لا، ولا سبيل له إلى غيرها البتة، فإذا صح ذلك وتيقن فليعلم يقينا إذا مات، لا سبيل له إلى عِلم أنه يُذكر أو أنه لا يذكر، وكذلك إن كان حياً إذا لم يبلغه.

ثم ليتفكر أيضاً في معنيين عظيمين: أحدهما كثرة من خلا من الفضلاء من الأنبياء والرسل صلى الله عليهم وسلم أو الذين لم يبق لهم على أديم الأرض عند أحد من الناس اسم ولا رسم ولا ذكر ولا خبر ولا أثر بوجه من الوجوه.

ثم من الفضلاء الصالحين من أصحاب الأنبياء السالفين والزهاد ومن الفلاسفة والعلماء والأخيار وملوك الأمم الدائرة وبناة المدن الخالية وأتباع الملوك الذين أيضاً قد انقطعت أخبارهم ولم يبق لهم عند أحد عِلم، ولا لأحد بهم معرفة أصلاً البتة.

فهل ضر من كان فاضلاً منهم ذلك أو نقص من فضائلهم أو طمس من محاسنهم أو حط درجتهم عند بارئهم عز وجل؟ قال الله تعالى: “وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ”، وقال تعالى: “وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا”، وقال تعالى: “وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ”.

فهل الإِنْسَان وإن ذكر برهة من الدهر إلا كمن خلا قبل من الأمم الغابرة الذين ذكروا ثم نسوا جملة؟

ثم ليتفكر الإِنْسَان في من ذكر بخير أو بشر هل يزيده ذلك عند الله عز وجل درجة أو يكسبه فضيلة لم يكن حازها بفعله أيام حياته؟ فإذا كان هذا كما قلنا، فالرغبة في الذكر رغبة غرور، ولا معنى له، ولا فائدة فيه أصلاً.

لكن إنما ينبغي أن يرغب الإِنْسَان العاقل في الإستكثار من الفضائل وأعمال البر التي يستحق من هي فيه الذكر الجميل، والثناء الحسن والمدح، وحميد الصفة، فهي التي تقربه من بارئه تعالى وتجعله مذكوراً عنده عز وجل الذكر الذي ينفعه، ويحصل على بقاء فائدته، ولا يبيد أبد الأبد، وبالله تعالى التوفيق.

 تعلم الخير والعمل به 
فُرض على الناس تعلم الخير والعمل به، فمن جمع الأمرين فقد استوفى الفضيلتين معاً، ومن علمه ولم يعمل به فقد أحسن في التعليم وأساء في ترك العمل به، فخلط عملاً صالحاً وآخر سيئاً، وهو خير من آخر لم يعلمه ولم يعمل به، وهذا الذي لا خير فيه أمثل حالاً وأقل ذماً من آخر ينهى عن تعلم الخير، ويصد عنه.

ولو لم ينه عن الشر إلا من ليس فيه منه شيء، ولا أمر بالخير إلا من استوعبه، لما نهى أحد عن شر ولا أمر بخير بعد النبي صلى الله عليه وسلم، وحسبك بمن أدى رأيه إلى هذا فساداً وسوء طبع وذم حال، وبالله تعالى التوفيق.

قال أَبُوْ مُحَمَّدٍ رضي الله عنه: فاعترض ها هنا إنسان، فقال: كان الحسن رضي الله عنه إذا نهى عن شيء لا يأتيه أصلاً، وإذا أمر بشيء كان شديد الأخذ به، وهكذا تكون الحكمة، وقد قيل: أقبح شيء في العالم أن يأمر بشيء لا يأخذ به في نفسه، أو ينهى عن شيء يستعمله.

قال أَبُوْ مُحَمَّدٍ: كذب قائل هذا، وأقبح منه من لم يأمر بخير ولا نهى عن شر، وهو مع ذلك يعمل الشر ولا يعمل الخير.

قال أَبُوْ مُحَمَّدٍ: وقد قال أبو الأسود الدؤلي:

لا تنه عن خلق وتأتي مثله … عار عليك إذا فعلت عظيم

وابدأ بنفسك فانهها عن غيها … فإذا انتهت عنه فأنت حكيم

فهناك يقبل إن وعظت ويقتدى … بالعلم منك وينفع التعليم

قال أَبُوْ مُحَمَّدٍ: إن أبا الأسود إنما قصد بالإنكار المجيء بما نهي عنه المرء، وإنه يتضاعف قبحه منه مع نهيه عنه، فقد أحسن كما قال الله تعالى: “أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ”.

وقد صح عن الحسن أنه سمع إنساناً يقول: لا يجب أن ينهى عن الشر إلا من لا يفعله. فقال الحسن: ود إبليس لو ظفر منا بهذه حتى لا ينهى أحد عن منكر، ولا يأمر بمعروف.

وقال أَبُوْ مُحَمَّدٍ : صدق الحسن وهو قولنا آنفاً.

جعلنا الله ممن يوفق لفعل الخير والعمل به وممن يبصر رشد نفسه فما أحد إلا له عيوب إذا نظرها شغلته عن غيره، وتوفانا على سنة محمد صلى الله عليه وسلم آمين رب العالمين.

 الفهرست والمعاني 

كلمة الملخص
طرد الهم 
حياتك ليست إلا جزءا من ثانية
لا تبذل نفسك إلا 
العلم والجهل
العفة 
العدل 
ترويض النفس
المدح والعتاب
المحبة
العقل والحمق
الوعظ 
أصول الفضائل، وكلام الناس والكذب 
العجب والكبر 
كل من غلبت عليه طبيعة فهو مصروع
كثرة الريب تعلم صاحبها الكذب 
أعدل الشهود على الصدوق والكذاب 
أشد الأشياء على الناس 
الرغبة في الذكر
تعلم الخير والعمل به 

*****

[1] كر: رجوع..
(ملاحظة كنت أظن – الكلام لصاحب الملخص- في شبابي أنني سبقت الأولين والآخرين إلى فكرة أن “الحياة هي اللحظة التي نحن فيها لأن ما قبلها ماض معدوم، وما بعدها مستقبل غير موجود ولا مضمون.. نعوذ بالله من الجهل والعجلة)..
[2] تارك
[3] ميزه
[4] الحمق والغباء
[5] يصعب
[6] الضرب بالرجل
[7] اظهار الفقر
[8] الغنى
[9] يصبح لئيما
[10] عوام
[11] قَالَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بنُ طَرْخَان التركِي:قَالَ لِي الإِمَامُ أَبُوْ مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللهِ بن مُحَمَّد-يَعْنِي:وَالِد أَبِي بَكْرٍ بنِ العَرَبِي-: أَخْبَرَنِي أَبُوْ مُحَمَّدٍ بنُ حَزْمٍ أَن سَبَبَ تَعَلُّمه الفِقْه أَنَّهُ شَهِدَ جِنَازَة، فَدَخَلَ المَسْجَدَ، فَجَلَسَ، وَلَمْ يَركع، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: قُمْ فَصلِّ تحيَّة المَسْجَد. وَكَانَ قَدْ بلغَ سِتّاً وَعِشْرِيْنَ سَنَةً.
قَالَ:فَقُمْتُ وَركعتُ، فَلَمَّا رَجَعنَا مِنَ الصَّلاَةِ عَلَى الجِنَازَة، دَخَلْتُ المَسْجَد، فَبَادرتُ بِالرُّكُوْع، فَقِيْلَ لِي:اجلس اجلس، لَيْسَ ذَا وَقتَ صَلاَة – وَكَانَ بَعْد العَصْر-، قَالَ:فَانْصَرَفت وَقَدْ حَزِنْتُ، وَقُلْتُ لِلأسْتَاذ الَّذِي رَبَّانِي: دُلنِي عَلَى دَار الفَقِيْه أَبِي عَبْدِ اللهِ بنِ دحُّوْنَ. قَالَ: فَقصدتُه، وَأَعْلَمتُه بِمَا جرَى، فَدلَّنِي عَلَى(مُوَطَّأ مَالِكٍ)، فَبدَأَتُ بِهِ عَلَيْهِ، وَتتَابعت قِرَاءتِي عَلَيْهِ وَعَلَى غَيْرِهِ نَحْواً مِنْ ثَلاَثَة أَعْوَام، وَبدَأتُ بِالمنَاظرَة.
[12] الشهرة
[13] مغمور: مجهول غير معروف
[14] يعني مرة مرة

  • شارك الموضوع
Share on facebook
Facebook
Share on google
Google+
Share on twitter
Twitter
Share on linkedin
LinkedIn
Share on pinterest
Pinterest
error: Content is protected !!