84575
سيد محمد

سيد محمد

كاتب

ملخص الحروب الصليبية

تاريخ الحروب الصليبية 1095-1291م (200 عام تقريبا)

هي 7 حملات صليبية متتالية على مدى ما يقارب 200 عام، باءت بالفشل لوقوف المسلمين جنبا إلى جنب كالجسد الواحد في مواجهتها.

أسباب الحرب الصليبية:
اسم الحرب الصليبية بالإنجليزية Crusade مأخوذة من الإسبانية Cruzada أي عليه علامة الصليب. وأسبابها كثيرة أدخلت البابوية إليها العامل الديني، فمن الأسباب السياسية انقسام المسلمين إلى دويلات بعض ضعف الخلافة العباسية، وكذلك ظهور الفطميين في مصر الذين سيطروا على فلسطين قبل أن يسيطر عليها السلاجقة الأتراك ويشكو منهم المسيحيون، كذلك ظهور عدة دويلات في شمال الشام.
كذلك كانت الإمبراطورية البيزنطية وعاصمتها القسطنطينية في أوج ضعفها، وكان الأخطر عليها هم السلاجقة الذين هزموا الإمبراطور رومانوس الرابع في 1071م في معركة مانزكرت الشهيرة التي كاد يقضى فيها على الجيش البيزنطي الذي صمد فترة طويلة في وجه الفرس ثم المسلمين والعناصر الأخرى من أوروبا الطامعة.
واستولى السلاجقة بعد انتصارهم هذا على أنطاكية 1085م ثم توغلوا في آسيا الصغرى حتى وصلوا إلى نيقية واتخذوها عاصمة لهم، وأصبحوايتطلعون إلى القسطنطينية. واضطر الإمبراطور الكسيوس الأول إلى عقد صلح مهين، وكتب إلى البابا أوربان الثاني يستنجد بأوروبا الكاثوليكية، مبديا له أنه من الحكمة محاربة السلاجقة في آسيا الصغرى بدل انتظار قدومهم إلى أوروبا.
قام البابا أوربان بالدعوة إلى الحملة، والتجول في أوروبا حاشدا لها، وبعد أشهر انعقد مؤتمر كليرمونت Clermont في نوفمبر 1095م، ورغم شدة البرودة في ذلك الوقت هرع الآلاف من أوروبا إليها، وخطب فيهم البابا الكلب قائلا: “إن جنسا لعينا أبعد ما يكون عن الله، قد طغى وبغى في تلك البلاد – فلسطين والقسطنطينية – بلاد المسيحيين، وخربها.. وهم يهدمون المذابح في الكنائس بعد أن يدنسوها برجسهم”.
وأضاف: “ذلك بأن هذه الأراض التي تسكنوها الآن، والتي تحيط بها من جميع جوانبها البحار وقمم الجبال، ضيقة لا تتسع لسكانها الكثيرين، تكاد تعجز عن أن تجود بما يكفيهم من الطعام، ومن أجل هذا يذبح بعضكم بعضا، ويلتهم بعضكم بعضا، وتتحاربون، ويهلك الكثيرون منكم في الحروب الأهلية. طهروا قلوبكم إذن من الحقد، واقضوا على ما بينكم من خصام، واتخذوا طريقكم إلى الضريح المقدس – ضريح المسيح، وانتزعوا هذه الأرض من ذلك الجنس الخبيث، وتملكوها أنتم. إن القدس أرض لا نظير لها في ثمارها هي فردوس المباهج. إنها المدينة القائمة في وسط العالم تستغيث بكم أن تهبوا لإنقاذها” (لاحظ كيف كانوا ينظرون إلى الشرق وثق في نفسك وفي أصولك، فالشرق هو الأصل لا اوروبا وأمريكا).
فتصايح الناس بعبارة “تلك إرادة الله”، ودعاهم البابا أوربان إلى أن يجعلوها شعارا للحرب الصليبية، وأمر الذاهبين إلى الحرب أن يضعوا علامة الصليب على جباههم أو صدورهم. وانتقل البابا إلى مدن أخرى حاشدا، وظل 9 أشهر يدعو ويخطب، وفي روما قام بإصلاحات مساويا بين الناس أمام الكنيسة، وهكذا توحدت أوروبا (على بغض المسلمين كما هو الحال اليوم).

الحملة الصليبية الأولى
1095-1099م

تجمعت الجموع الغفيرة للحرب منها ما وُعد بأنه في حال الموت ستغفر ذنوبه، ومنها ما أطلق من السجون أو أعفي من رق الأرض، أو سئم من الفقر، فانضم إلى الجموع الآلاف من المتشردين، وراجت الشائعات حول التنكيل بالمسيحيين في المشرق – وذلك من الكذب وضد مبادئ الإسلام -، فوُصف المسلمون بانهم يعبدون تمثال محمد صلى الله عليه وسلم، ورويت الروايات عن الغانيات العربيات وهن ينتظرن الرجال البواسل.
وتطوعت النساء والأبناء لخدمة أزواجهن، ودخلت العاهرات مجال التطوع لخدمة المحاربين، وكان موعد الرحيل 1096م، ولكن الفلاحين لم يستطيعوا الصبر فسار منهم 12 ألفا من فرنسا بقيادة بطرس الناسك وولتر المفلس (طبعا مفلس)، وخرج 5 آلاف من المانيا بقيادة القس جستشوك – عليه من الله ما يستحق -، وخرج من أرض الرين جماعة أخرى. فكانت هذه الجموع الغير نظامية تعتدي على اليهود وتتحول مع الوقت إلى وحوش كاسرة تستر تعطشها إلى الدماء بستار الصلاح والتقى (محبة النصارى وسلامهم المزعوم الذي تثبت طائراتهم نقيضه اليوم).
فكانوا كلما عرجوا على بلدة يسألهم أبناؤهم في لهفة هل هذه القدس، ولما فرغت أموالهم اضطروا إلى نهب ما في طريقهم من الحقول والمنازل ثم أضافوا إلى النهب والسلب الفجور، وقاومهم أهل بعض المدن وأغلقوا أبوابها في وجوههم. ولما بلغوا القسطنطينية بعد أن هلك منهم من هلك بسبب الجوع والمرض والحروب، رحب بهم امبراطورها لكنه لم يقدم لهم كفايتهم من الطعام فنهبوا أرباض المدينة والكنائس والمنازل. وأراد الإمبراطور التخلص منهم فوفر لهم السفن والمؤمن وأمرهم بإنتظار انضمام قواة أخرى مدربة إليهم فرفضوا، وركبوا البحر غازين نيقية، فالتقاهم السلاجقة بقوة منظمة وأبادوهم، وقتل ولتر المفلس، أما بطرس الناسك فكان قد ضاق ذرعا بتصرفاتهم وعاد إلى القسطنطينية قبل المعركة (ناسك بين الفجرة كالبابا اليوم بين ترامب وبوتين!).
وفي هذه الأثناء كان الزعماء والإقطاعيون قد جهزوا رجالهم في أوروبا ولم يكن من بينهم الملوك (ملوك فرنسا وانجلترا وألمانيا) فقد كانوا مطرودين من رحمة الكنيسة في تلك الآونة. وكان أغلب المنضمين إلى الحملة من فرنسا (الفرنجة).
وكان سادة الغرب أنصاف الهمج يحتقرون سادة الشرق البيزنطي المثقفين المخادعين، ويرون أنهم مارقون على الدين، مخنثون، مترفون، وكانوا يطمعون في كنوز القسطنطينية وقصورها، ولعل إمبراطورها سمع بهذه الأخبار فازعجته. لقد استنجد بأوربا لكنه لم يطلب أن تجتمع جيوشها كلها على أبواب مدينته. ولهذا عرض أن يمدهم بالمؤن ووسائل النقل والمعونة الحربية على أن يقسم النبلاء يمين الولاء له بوصفه سيدهم الإقطاعي، وأن تكون الأراضي التي يستولون عليها إقطاعيات لهم منه، ففعلوا.

وعبر الصليبيون وعددهم 30 ألفا بحر مرمرة في 1079م ولهم عدة قيادات، وكان من حسن حظهم أن المسلمين كانوا أشد انقساما منهم فقد انهكت الحروب قوة المسلمين في اسبانيا، ومزقت المنازعات وحدتهم في شمال افريقيا، وكان الفاطميون يحكمون بلاد الشام الجنوية، وأعداؤهم السلاجقة يحكمون الجزء الشمالي والقسم الأكبر من آسيا الصغرى، وتمردت أرمينية على السلاجقة وتحالفت مع الصليبيين.
وحاصر الصليبيون نيقية، واسنسلمت حاميتها السلجوقية سنة 1097م بعد أن وعدها الإمباطور الكسيوس بالمحافظة على حياتها، ثم زحف الصليبيون على الشرق وهزموا جيشا سلجوقيا في 1097م وسفكوا الكثير من الدماء ثم اخترقوا آسيا الصغرة دون ملاقاة عدو غير قلة الماء والطعام والحر الشديد الذي لم يتحملوه فمات الرجال والنساء والخيل والكلاب من العطش، ولما عبروا جبال طوروس انقسموا، فاتجه نانكرد وبلدوين إلى الرها حيث أسس بالحيلة أولى الإمارات اللاتينية في المشرق في 1098م، ثم عادوا إلى القوة الرئيسية وزحفوا على أنطاكية التي قاومت الحصار 8 أشهر مات فيها كثير من الصليبيين بسبب أمطار الشتاء والبرد القارص والجوع، لكنهم اكتشفوا أعوادا حلوة سموها Zucra وهي كلمة مشتقة من لفظ السكر العربي، فذاق الفرنجة طعم السكر لأول مرة وعرفوا أنه يصنع من عصير أحد النباتات (المتخلفين).

وجاءت الأنباء في مايو 1098م بأن جيشا اسلاميا كبيرا بقيادة كربوغا أمير الموصل يقترب من أنطاكية، لكنها سقطت في 3 يونيو 1098م، وخشي كثير من الصليبيين عجزهم عن مقاومة المسلمين ففروا في السفن، والنقوا بالإمبراطور البيزنطي القادم لدعم الصليبيين فأخبروه بانهم هزموا فاضطر إلى العودة لحماية آسيا الصغرى، ولم يغفرها له الصليبيون.
وأراد قسيس مرسيليا بعث الشجاعة في قلوب الصليبيين فادعى أنه عثر على الحربة التي ضربت في جنب المسيح (الكذاب)، ورفعوها أمامهم كعلم مقدس، وانتصروا. ثم اتهم القس بأنه ارتكب خدعة دينية فعرض أن يرضى بحكم الله ويختر نارا مشتعلة ليثبت باجتيازها صدق دعواه، وأجيب إلى طلبه فخرج من النار سالما في الظاهر لكنه مات في اليوم الثاني متأثرا بحروقه والحمد لله.
وحكم بوهمند أنطاكية باعتباره أميرا إقطاعيا خاضعا لألكسيوس ولكن الأمراء فيما بعد اتخذوا من رجوع الإمبراطور البيزنطي عنهم ذريعة لعدم الوفاء بعهودهم له.

ثم زحفوا على بيت المقدس، ومروا بطرابلس، وبيروت التي عرض أهلها أن يمروا خلالها بشرط عدم الأذية فوافقوا، ثم وصلوا إلى صيدا التي لم تستسلم فنهبوا حدائقها الخارجية، ثم تقدموا إلى صور، ولم يهاجموها، ثم إلى عكا.. ثم إلى مدينة الرمة التي فزع أهلها منهم وغادروها بعد ان خربوها، ثم وصلوا إلى القدس وكان الفاطميون قد أخرجوا السلاجقة منها، وقاومت الحامية الفاطمية الصغيرة (1000 رجل) الحصار مدة 40 يوما، ثم سقطت القدس وتم حسب شهادة المؤرخ القس ريموند الذي شاهد الحادثة قطع رؤوس عدد كبير من المسلمين، ورمي غيرهم بالسهام، وارغام آخرين على إلقاء أنفسهم من فوق الأبراج، وظل آخرون يعذبون عدة أيام ثم أحرقوا في النار، وكنت ترى في الشوارع اكوام الرؤوس والأيدي والأقدام.
وفي رواية أخرى أن النساء كن يقتلن طعنا بالسيوف والحراب، والأطفال الرضع يقذف بهم من فوق الأسوار أو تدق رؤوسهم بالعصي، وذبح السبعون ألفا من المسملين الذين بقوا في المدينة، أما اليهود فسيقوا إلى كنيس لهم وأشعلت فيهم النار وهم أحياء.

موقعة عسقلان (أغسطس 1099م):
وفي الشهر الثاني من سقوط بيت المقدس ترددت أنباء عن مقدم جيش فاطمي بقيادة الوزير الأفضل، فأرسل جودفري كشافة قبضوا على كشافة المصريين وعلم منهم أخبارهم، وبهذا نجح في مفاجأة القوات الفاطمية والإنتصار عليها، ونجا الوزير وأبحر إلى مصر، وبهذا تأكد للصليبيين ضعف المقاومة المصرية.
وفي أغسطس 1100م سقطت حيفا، ثم سقطت مدن أخرى متتالية. ولما قاومت قيسارية بلدوين (وكان جودفري مات) فتحوها بعد 15 يوما من الحصار فهرع أهلها إلى الجامع فذبحوهم فيه حتى سالت الدماء في صحن المسجد.
وأعد الوزير الأفضل جيشا كبيرا وأرسله إلى الصليبيين لكن بلدوين قسم جيشه إلى خمسة أقسام رغم قلته أمام المصرين، وباغتهم بهجوم عند شروق الشمس وهزمهم (الدويلة الفاطمية المبتدعة لا خير فيها).
ثم أعد افاطميون جيشا وأرسلوه إلى فلسطين، وخرج إليه بلدوين دون حذر، فظن المصريون جيشه مقدمة، ولما عرفوا حقيقته هاجموه بقوة فانهار ولم يفلت من المعركة إلا قلة دخلوا الرملة وعلى رأسهم بلدوين، وهاجمهم الفاطميون لكن بلدوين غادر المدينة هو وبعض النبلاء عند طلوع النهار. وبلغت الأنباء مدينة يافا مقر القايدة الصليبية فاعتقدوا أن الملك بلدوين قد مات فاستعدوا للهرب بحرا، ولكنه وصل إليهم وبدأ في إعادة تنظيم قواته. وفي هذه الأثناء وصل أسطول بحري إلى يافا وأمد الصليبيين، وتشجع بلدوين وخرج إلى الفاطميين واشتبك معهم ففروا.

وفي عام 1103 سقطت مدينة عكا التي كانت تخرج منها السفن الإسلامية هي وصور وعسقلان لمهاجمة السفن التجارية الصليبية، فأراد بلدوين وضع حد لذلك فحاصر عكا، ولكن البحرية المصرية خرجت من صور وصيدا في طريقها إلى عكا فاضطر إلى رفع الحصار عنها.
وفي مايو وصل إلى حيفا أسطول جنيوي (كانت الأساطيل تصل من أوروبا وتتحالف مع هؤلاء الصليبيين على قسمة من الغنائم وبهذا ساعدتهم في فتح عدة مدن بحرية، حيث كانت تحاصرها بحرا، وهم يحاصرونها برا) فتم فتح عكا، وعقد الصلح على التسليم وخروج أهلها منها ومن يرغب في الباقاء يكون من رعايا الملك مع بقاء مسجدهم، وبهذا أصبحت عكا الميناء الرئيسي للصليبيين على الساحل الشامي.

معركة الرملة الثالثة:
كانت المحاولة الفاطمية الثالثة والأخيرة لإسترداد القدس، هذه المرة طلبوا المساعدة من دمشق فاستجاب حاكمها طغتكين فأرسل 1300 فارس من الرماة. ودارت المعركة في 1105م، وانهزم الجيش الفاطمي بعد أن خسر الصليبيون الكثير من رجالهم.

ثم بدأت المناورات بين طغتكين وبلدوين، وفي غحدى المرات أسر جرفاس ومعظم رجاله، وطلب لإطلاق سراحهم تنازل الصليبيين عن طبرية وعكا وحيفا، لكنهم رفضوا، فأمر بقتل جرفاس، ثم انعقد صلح آخر بينه وبين بلدوين، ولعل الهدف منه الحفاظ على مسار التجارة الذي تضرر من الغارات.

وفي الشمال استولى ريموند على اللاذقية وسلمها إلى حليفه الإمبراطور البيزنطي مثبتا اخلاصه له، ليقف إلى جانبه في وجه خصمه بوهمند الذي اخذ منه أنطاكية. وحصل له على إمارة في طرابلس (وهي الإمارة الصليبية الرابعة) بعد أن هاجمها بجيش صغير وحصل على الجزية لحصانتها وقلة جيشه، واستولى على مدن قريبة وبذلك تشكلت معالم إمارته. ثم أقام قلعة أمام طرابلس الحصينة، ودام الحصار 6 سنوات مات خلالها ريموند متأثرا بجراحه في عام 1105م، وتولى بعده وليام جوردان ابن خالته الذي اختلف فيما بعد مع برتراند ابن ريموند الذي يرى أنه أحق باملاك أبيه من غيره.
واستنجد وليام بتنكرد خليفة بوهمند في انطاكية، كما تحالف برترند مع الإمبراطور البيزنطي، واستنجد أيضا ببلدوين ملك مملكة بيت المقدس الذي رآها فرصة ليؤكد سيادة مملكته على بقية الإمارات الصليبية.
وتمت تسوية الخلاف بين الأميرين وتقاسمها المنطقة، واشتد الحصار على طرابلس من القوات الصليبية المجتمعة من البر والبحر فسقطت في 1109م بشرط تأمين حياة أهلها وممتلكاتهم، والتزم الصليبيون بذلك، وحكمها جوردن الذي قتل بعد ذلك بقليل في ظروف غامضة، فوحد برتراند الإمارة تحت امرته.

وفي سنة 1110م سقطت بيروت بعد أن حاصرها بلدوين والأساطيل الصليبيةالبيازية والجنوية إضافة إلى مساعدة جرسلين أمير الرها. وكان المصريون قد نجحوا باسطول تشتيت الصليبيين ودخول بيروت مما قوى من عزيمة أهلها، ولكن بلدوين استنجد بإمارة أنطاكية فأرسلت إليه 40 سفينة مشحونة بالمقاتلة وانهزم المصريون وسقطت المدينة.
ثم تقدم بلدوين إلى صيدا، فسقطت على مراحل – بعد سنين في 1110م.

حملة مودود على الرها 1110م:
اجتمعت أعداد كبيرة من المسلمين لا قبل للفرنجة بهم، وبدأت بحصار الرها ودام الحصار شهرين عام 1110م، واستنجدت ببلدوين وكان محاصرا لبيروت ففضل استقاطها ثم توجده وبصحبته أمير طرابلس إلى الرها، واستقبلهم المسلمون معدين خطة تقوم على لقاء جيش دمشق، وفطن الصليبيون للخدعة واستشعروا الهلاك فلم يلاحقوا القوات الإسلامية، وعادوا إلى الرها وبدؤوا في تقوية حاميتها.

الحملة الثانية على الرها 1111م
تضايق المسلمون من سيطرة الصليبيين على المدن الساحلية التي قطعت أوصال التجارة، وعلى سبيل المثال أرسل أهل الشام إلى السلطان السلجوقي في بغداد يطالبونه بوضع حد لتصرفات الصليبيين في بلاد الشام، فجاء منهم جمع إلى جامع السلطان في بغداد في يوم الجمعة وأنزلوا الخطيب عن المنبر وكسروه وصاحوا وبكوا لما لحق بالإسلام، وفعلوا نفس الشيء في الجمعة التالية.
وفي الوقت نفسه جاءت رسل الإمبراطور البيزنطي بالهدايا إلى بغداد تطلب من المسلمين إيقاف الفرنجة عند حدهم قبل استفحال أمرهم، وترك التراخي في أمرهم. فتشكل حلف من القوات الإسلامية بقيادة مودود وسار إلى الرها، وجرت أحداث تضمنت خيانة بعض الأمراء المسلمين، ثم جمع الصليبيون 16 ألفا، وانسحب بعض المسلمين من الجيش راجعا، وقد استبسل القائد مودود في الدفاع وتنظيم جيشه، لكنه لقي حتفه على يد أحد الباطنية في 1113م.

حملة برسق عام 1115م
أدرك السلطان محمد السلجوقي أنه لكي ينتصر على الصليبيين لابد من فرض سلطانه على كافة حكام المسلمين في بلاد الشام، وقد أيده الخليفة العباسي في ذلك (وهو صهره). وأرسل السلطان ابنه مسعود إلى الموصل وتولى قيادة جيشه القائد برسق.
سار برسق إلى حلب ليجعلها قاعدة له ثم تحول عنها إلى حمص ونهبها مما أغضب أهلها، واستنجد طغتكين وروجر ببلدوين الذي حضر، ولما علم برسق بكثرة الصليبيين تظاهر بالإنسحاب فاطمأن الصليبيون وانصرفوا إلى قوعدهم ولكن برسق عاد واتجه إلى كفر طاب واستولى عليها، ولم يكن روج أمير أنطاكية قد صرف قواته بعد فهاجم القوات الإسلامية التي انسحبت، وبهذا انتهت آخر محاولات السلطان السلجوقي محمد لإستعادة البلاد، ثم ما لبث أن توفي هو والخليفة المستظهر وبلدوين في العام نفسه 1118م.

وحكم مملكة بيت المقدس بلدوين الثاني من 1118-1131م
معركة ساحة الدم 1119م (أو مركة البلاط)
ومع انشغال السلاجقة بآسيا الصغرى وأمورا أخرى غير الشام، استنجد أهل حلب بأمير ماردين إيلغازي وكان أقوى امراء المسلمين، راغبا في القضاء على الصليبيين لذا وجدها فرصة فاستجاب، وتجاوب معه طغتكين حاكم دمشق وابن منقذ حاكم شيزر، فسار ايلغازي إلى قنسرين التي تقع جنوب حلب في انتظار بقية القوات افسلامية، وعلم روجر أمير أنطاكية بذلك فأرسل يطلب النجدة من بلدوين الثاني الذي أرسل بدوره إلى أمير طرابلس يطلب منه الإستعداد للقتال.
ولم ينتظر روجر القوات فبادر إلى الإستعداد للمسلمين، وسار في 5 آلاف تقريبا إلى تل عفرين انتظارا لقدوم بلدوين، وعلم بذلك المسلمون فأرسلوا عيونا لهم في ثياب التجار فعرفوا حال الصليبيين، فحاصروا الصليبيين بعد ذلك، واتخذ روجر قراره باختراق المسلمين، ووقت معركة البلاط نسبة إلى المنطقة التي قتل فيها الصليبيون، قدرهم ابن العديم ب15 ألفا، ولعل هذا هو سبب تسميتها عند الصليبيين بساحة الدم حيث لم يسلم إلا قليل وليس منهم روجر الذي رحل بضربة سيف أخيرة.

سقوط صور
وصل بلدوين إلى أنطاكية، واستعد للقاء المسلمين، ودارت وقعات بين الطرفين لم يكن النصر حاسما فيها لأي من الطرفين، ثم عاد بلدوين إلى القدس.
ثم طلب بلدوين مساعدة جمهورية البندقية وعرض امتيازات لتجار البندقية، وكان الصراع دائرا بين البندقية والبيزنطيين على المصالح في المنطقة، ولما وقع بلدوين في أسر بلك بن بهرام صاحب خرتبرت في ابريل 1123 أسرع أسطول البندقية إلى ساحل الشام بعد تأخر. ووص عكا في أكثر من 100 سفينة تحمل اعدادا كبيرة من الفرسان والمشاة بالإضافة إلى أدوات الحصار، وتم إغراق كافة الأسطول الفاطمي الذي أغرته سفن صغيرة بااتوغل في المصيدة.
وبدأت الأعمال العسكرية ضد صور في 1124م، وحوصرت حصارا شديدا، وبعد مدة من الأستبسال ومعونة الأمير طغتكين تقرر أن يخرج من يريد من أهلها ويتم تسليمها للصليبيين، ووقف طغتكين بجيشه إزاء الفرنج حتى خرج الناس، وبسقوط هذه المدينة لم يبق على الساحل إلا عسقلان التابعة للفاطميين.

تنظيم مملكة بيت المقدس الصليبية:
تولى الحكم فيها جودفري أف بوبون المعروف بالصلاح والتقوى عندهم، ولقب بقلب “حامي الضريح المقدس”. وتم تحريم المذهب الرثودكسي الشرقي، وفر البطرق اليوناني إلى قبرص.
وقد انتصر جودفري على جيش مصري قدم لتخليص المدينة في 1100م، لكنه مات بعد سنة واحدة، وخلفه أخوه بلدوين 1100-1118م، وهو أقل منه كفاءة وتلقب بالملك.
وفي عهد فولك Fulk 1131-1143 شملت المملكة الجزء الأكبر من فلسطين وسوريا، ولكن المسلمين ظلوا مسيطرين على حلب ودمشق وحمص، وقسمت اللملكة إلى 4 إمارات إقطاعية وهي انطاكية والرها وطرابلس ومملكة بين المقدس، ثم جزئت كل إمارة إلى إقطاعيات تكاد كل واحد منها تكون مستقلة عن الأخرى، وسادتها الصليبيون يتحاربون فيما بينهم.
وكان الأشراف هم الذين يختارون الملك، وتقيده سطلة البابا الدينية، ومما زاد في ضعفه تسلميه لعدة ثغور كيافا وصور وعكا وبيروت وعسقلان إلى البندقية وبيزا وجنوة نظير معوناتها الحربية والتموين بواسطة أساطيلها.
أما تظيم الملكية فكان إحدى النتائج المنطقية للحكم الإقطاعي من الوجهة القانونية، وادعى الأشراف ملكية الأرض جميعها، وانزلوا ملاكها السابقين – سواء كانوا مسيحيين أو مسلمين – منزلة أرقاء الأرض، وفرضوا عليهم واجبات إقطاعية أشد من الموجودة في أوروبا حتى أخذ سكان البلاد المسيحيون ينظرون بعين الحسرة إلى الحكم الإسلامي ويعدونه من العصور الذهبية التي مرت على البلاد.
وقد وجدت جماعات ينذر أصحابها أنفسهم لخدمة الصليبيين فيفتحون المستشفيات، ويتطوعون للحرب سواء كانوا من التجار أو الرهبان مثل فرسان القديس يوحنا أو الإسبارتية Hospitallers ، ومثل فرسان المعبد Templers الذين نذروا أنفسهم للرهبنة وخدمة القوات الصليبية فحصلوا من بلدوين الثاني على مبنى لهم بقرب موضع هيكل سليمان، وكانوا اعلم الناس بفن الحرب، ولا يغتسلون إلا نادرا، ويقصوا شعور رؤوسهم. وكتب لهم برنارد: “أن على المسيحي الذي يقتل غير المسيحي في الحرب المقدسة أن يثق بما سينال من ثواب، وعليه أن يكون أشد شوقا من هذا الثواب إذا قتل هو نفسه، وأن المسيحي ليبتهج بموت الكافر لأن المسيح يبتهج بهذا الموت”، ومن الواجب على الناس أن يقتلوا وهم مرتاحوا الضمير إذا كانوا يريدون النصر في الحروب.
وانتقل فرسان المستشفى (الإسبارتية) من تمريض الحجاج إلى الهجوم على الحصون وكان عددهم 1180، وكانوا لا يحتملون فرسان المعبد الذين كان عددهم 300، وكان للجميع رغم قلة عددهم دور كبير في الحرب الصليبية وذاعت شهرتهم الحربية. ورغم نذرهم أنفسهم للفقر فقد اغتنوا من الهبات والمساعدات من الأغنياء والفقراء على حد السواء، وعاشوا مترفين في قصور وضياع في الشام، وملكوا الأراضي في أوروبا !
وعاد كثير من الصليبيين إلى أوروبا بعد سقوط بيت المقدس، ولم تنفع كثرة المتوافدين الحجاج في تدعيم القوة الصليبية فيها، وكان البيزنطيون يترقبون الفرص لإسترجاع المدن التي يعتبرونها لهم كأنطاكية والرها وغيرها. وكان الخليفة عاجزا رغم الحكايات عن التنكيل بالمسلمين في بيت المقدس واقتحام الشعب المسجد مطالبا بإسترجاعها، ثم ظهر على مسرح الأحداث عماد الدين زنكي..

عماد الدين زنكي والصليبيون:
تولى حكم الموصول والجزيرة في 1127م، وكان يؤمن بضرورة توحيد القوى الإسلامية في الشام لمواجة الصليبيين، فاستولى على نصيبين ثم اتجه إلى حران التي كانت دائما محاصرة من طرف الصليبيين، ثم استولى في العام التالي على حلب التي كانت تتعرض لهجمات الصليبيين بين الحين والآخر، وفي نهاية عام 1137 كان عماد الدين يعمل على امتلاك حمص، وبذلك تمكن من إخضاع الشام لسلطته. وكان في صراع دائما مع حاكم دمشق “تاج الملوك بوري” من جهة، ومع الصليبيين من جهة أخرى.
وقد أحس الصليبيون بقوة عماد الدين، خصوصا بعد أن أرسلت إليه Alice أليس أرملة بوهمند الثاني أمير أنطاكية وابنة الملك بلدوين الثاني ملك بيت المقدس في عام 1130 رسالة تطلب من مساعدته في انفرادها بحكم أنطاكية على أن تخل في طاعته، لكن الرسالة لم تصله. الأمر الذي جعل بلدوين الثاني يسرع إلى المدينة ويدخلها ليجعلها تحت وصايته إلى أن مات في سنة 1131م، وانتقلت الوصاية من بعده بعد صراع إلى فولك الأنجوي ملك بيت المقدس الجديد.
ثم اتصلت الأميرة بالإمبراطور البيزنطي يوحنا الثاني كومنينوس John Comnenus 2 تعرض عليه زواج بنتها كونستانس من ابنه مانويل، ورحب بالفكرة لطمعه في أنطاكية التي كانت تابعة له بالإسم فقط (حسب العقد مع الصليبيين الآخرين)، ولكن الصليبيون سمعوا بذلك فزوجوا الفتاة من ريموند أف بواتيه، فغضب يوحنا، وبات الصدام بينه وبين ريموند وشيكا، فنزل بجيوشه مهددا أنطاكية عام 1137م، ولكن ريموند استرضاه وقدم له الولاء، واتفق الطرفان على التنكيل بالمسلمين والإستيلاء على بقية المدن الشامية على أن يقدم ريموند أنطاكية إلى يوحنا كمقابل، وعلم المسلمون بذلك في حلب فحفروا خنادقا وحصنوها، وظفر حاكمها العامل لعماد الدين بسرية صليبية فقتل وأسر، وقد أظهر يوحنا الود لعماد الدين وأخبر رسوله العائد بهدية منه إليه بأنه ذاهب لقتال الأرمن، ليطمئن إليه.
ولعل من أسباب تحالف البيزنطيين والصليبيين دعوات الأوروبيين بإبقاف المسلمين – عماد الدين – عند حدهم، خصوصا بعد محاصرة عماد الدين بقلعة بعرين 1137م حتى أكل أهلها الدواب. وتكتم الصليبيون على أنباء حشدهم لمفاجأة المسلمين، وفي أول ابريل 1138م غادر يوحنا قليقية إلى الشام، وحاصروا مدينة بزاعة 7 أيام حتى سلمت بالأمان ولكنهم غدروا بأهلها، وأسروا 6 آلاف أو يزيدمنهم، وعهد بهم يوحنا إلى أحد قواده ويسمى توماس، كما سلم المدينة إلى حليفه جوسلين كونت الرها. ثم اتجهوا في نفس الشهر إلى حلب لكنهم رفعوا الحصار عنها بعد يوم واحد بعد أن ظهر استعدادها للحصار.
ثم اتجهوا إلى مدينة الأثارب ومعهم أسرى بزاعة فانزعج أهلها وأحرقوا خزائنها، فاستولوا عليها بعد انسحاب الحامية الإسلامية فاقاموا عليها حامية بقيادة توماس، قم رحلوا إلى معرة النعمان، ولما علم الأمير سيف الدين سوار حاكم حلب برحيلهم حمل على اثارب وخلص معظم الأسرى منتهزا فرصة انتشار الحامية البيزنطية في المدينة. ولا شك أن عمله هذا قد رفع معنويات القوات الإسلامية، قال ابن القلانس: “سر أهل حلب بهذه النوبة سرورا عظيما”.
ثم اتجه يوحنا إلى شيزر فاستنجد ابن منقذ حاكمها بعماد الدين، وكانت مدينة حصينة قاومت المنجانيقات طيلة 10 أيام، أما عماد الدين فأخذ في المناورة فكانت عساكره تتخطف العساكر الصليبية التي تخرج لطلب المؤن أو للقيام باعمال النهب. وبعد اليأس من سقوط المدينة رفع المحاصرون عنها الحصار وأحرقوا آلاتهم وتركوا بعضها أخذه المسلمون إلى حلب.
ويمكن اعتبار هذه الحملة بيزنطية رغم التحالف الصليبي (مع ريموند) لأن الدور الأكبر كان على القوات البيزنطية. كما ساهمت النجدات الإسلامية في فشل الحملة أيضا، فقد بادر عماد الدين بطلب النجدة من الخليفة العباسي، ولكنه رفض في الأول ثم وافق على كره، ومن هذه العملية نستنتج أن قوات عماد الدين لم تكن كافية لمواجهة الصليبيين والبيزنطيين. بل أثر عليهم عماد الدين نفسيا فراسلهم قائلا إنهم قد تحصنوا بالجبال (المدينة حصينة طبيعيا) امام المدينة فلينزلوا إليه في الصحراء فإن ظفروا به اخذوها وغيرها، وإن ظفر بهم أراح المسلمين منهم، ولكن الإمبراطور خاف زظن أنه يستدرجم لتنضم إليه نجدات مختفية ويقضوا عليهم.
كما راسل كل طرف مخوفا له من الطرف الآخر، ولما بلغ الإمبراطور أن “قرا أرسلان” صاحب حصن كيفا عبر الفرات في جموع كثيرة، انسحب من شيزر وأحرق آلات الحصار.
ولا شك أن خبر استغلال مسعود سلطان سلاجقة الروم لإنشغال الإمبراطور البيزنطي بالصليبيين وعماد الدين، ومهاجمته لمدينة أدنة أزعجت الإمبراطور الذي ما كان يريد خسران المزيد من الممتلكات البيزنطية. كما أنه قبل أخيرا عرض صاحب شيزر تعويضه ماليا إذا انسحب بعد أن كان رفضه وبدا له بعدها أن الصليبيين الآخرين مقصرين في معاونته فقبله.
كما خاف جرسلين من أن يتقوى خصمه ريموند بعد الإنتصارات بالبيزنطيين ويؤثر ذلك على ممتلكاته فكان دوره في التحالف مريبا.
وتمكن المسلمون بعد ذلك من استرداد كل ما فتحه يوحنا الذي عاد إلى أنطاكية لمحاولة ضمها إلى أملاكه. لكنه فشل، وعاد إليها ثانية في 1142 وفشل، فانسحب إلى قليقية على أن يعود في العام التالي ولكنه مات وخلفه ابنه مانويل الأول.

الحملة الصليبية الثانية
مات الملك فولك Fulk of Anjou صاحب مملكة بيت المقدس في 1143م، وخلفه ابنه بلدوين الذي كان في 13 من عمره، فتولت أمه مليسند Melisend الوصاية على المملكة.
أما إمارة الرها فقد حكمها جوسلين الثاني الذي أسلم نفسه لضهواته وأهمل أمر الدفاع عنها. وكان عماد الدين أتالك الموصل يراقب الأوضاu، فأراحه موت يوحنا الذي كان من أشد اعدائه قوة، كما أراحه صراع وريثه مانويل مع أمير أنطاكية الذي تمرد على السيادة البيزنطية، إضافة إلى هروب الأمير ثوروس من القسطنطينية وشروعه في إعادة إعادة إحياء الإمارة الأرمينية المعادية للبيزنطيين أمام تجاهل مانويل، فكانت بمثابة خط دفاعي امامي عن الممتلكات الإسلامية بالشام.
كل هذه العوامل جعلت عماد الدين يخطط لضرب الإمارات الصليبية بالشام، وبدأ بالرها لسببين الأول أنه كان في عداء ما الأراتقة فاتجهوا إلى أميرها جرسلين وسلموه حصن بابولا في مقابل مساعدتهم على عماد الدين فقبل واستعد لذلك، والثاني أن السلطان مسعود السلجوقي في بغداد كان في نزاع مع عماد الدين فطلب منه أن ياتي إلى بغداد ليكون في خدمته، ولم يكن يريد ذلك فاعتذر بانشغاله بالصليبيين، فقبل مسعود عذره وشرط عليه فتح الرها. وفي الحقيقة لم يكن في حاجة لمثل هذا الشرط فقد كان لها طالبا وليوهم الصليبيين بانه غافل عنهم شغل نفسه بحرب الأراتقة ولم يدخل معهم في صدام مباشر يتأثر منه، وإنما قصد بلادهم وهو يريد غيرهم. ولما رحل جلسرين إلى “تل باشر” حيث يروق له العيش والإلتهاء بشهواته، خالفه عماد الدين إلى الرها بعد أن عقد صلحا مع بني الأرتق، ولما رأى حصانتها وحسنها طلب من أهلها (من الأرمن والسربان والصليبيين) أن يسلموها مقابل الأمان فرفضوا، فنصب المنجنيقات وأمر بنقب الأسوار، وعمل ليل نهار على إسقاطها قبل وصول النجدات، وحاول جلسرين وبعض قواته دخول المدينة لكنه حال بينهم وبين ذلك، وانتهى الأمر بعد 28 يوما إلى سقوطها (في 25 ديسمبر 1144م).
وكان جلسرين قد راسل ريموند أمير أنطاكية وناشده أن يقدم بقواته لنجدته، فاعتذر له، ولكن ملسيند الوصية على مملكة بيت المقدس طلب من بعض قواتها التقدم لإنقاذ الرها ولكنها وصلت متأخرة بعد استعادة المسلمين للرها، ولقد كان فتحا عظيما سماه ابن الأثير “فتح الفتوح”، وأفاضت المصادر الصليبية واليهودية في الأعمال الوحشية التي أنزلها رجال زنكي بالمدينة، وتناسوا أنه لما دخلها أمر بغعادة ما أخذ من السبايا والأموال، وأعاد المدينة إلى ما كانت عليه، وكتب للنصارى أمانا، الحقيقة أنه خرب الكنائس الثلاثة للكاثوليك واستخدم حجارتها في إصلاح السور، أما باقي الكنائس المتعلقة بالطوائف الأخرى فقام بإصلاحها. كما طمأن الذين غادروا المدينة تحت وطأة الإضطهاد الديني الصليبي الكاثولوكي، بان بإمكانهم العودة إليها، إضافة إلى عفوه عن رجال القلعة الذين قاوموه بشراسة، وبذلك كسب محبة أهل المدينة واطمأنوا على مصائرهم.
كان استرداد الرها أول ضربة عملية ضد أول إمارة أقامها الصليبيون، وأبرز للمسلمين ضعف الصليبيين الذين بدأ الوهن يدب فيهم.
ثم حاصر البيرة وهي من أمنع الحصون حتى أشرف على فتحها لولا وصول الأنباء من الموصل بمقتل نائبه مما اضطره إلى رفع الحصار والعودة إليها، وبعد ذلك سلمها أهلها من الصليبيين إلى صاحب ماردين خشية عودته إليهم (والبيرة إحدى مدن إمارة الرها).
ونظر صاحب أنطاكية ريموند حوله فوجد نفسه قريبا إلى أملاك عماد الدين، وفكر في الخطر الذي بات يتهدده، ورأى أن الأمراء الصليبيين سيتخلون عنه نظير تخليه عن جلسرين، فاضطر إلى الإستعانة بالإمبراطورية البيزنطية التي تمرد عليها بالأمس، فقرر أن يذهب إلى عاصمتها ذليلا متوسلا يلتمس الحماية والمساعدة، فتوجه في 1145م إلى الإمبراطور مانويل، ولكن الأخير لم ينس موقفه من والده لذا طلب منه التوجه أول لزيارة قبر والده يوحنا في دير بانتوكراتور Pantokrator الموجود في العاصمة ويسأله العفو عن انتهاكه للعهود التي قطعها معه، وفعل ريموند ذلك، وعاد ليقسم للإمبراطور أنه سيكون تابعا ومواليا للإمبراطورية البيزنطية، فوعده الأخير بالقدوم فيما بعد إلى الشام لتقديم المساعدة. وكان الإمبراطور يستعد في تلك الأثناء لمحاربة سلاجقة قونية بعد تحالفه مع آل دنشموند كما كان مشغولا بزواجه بابنة ملك ألمانيا الذي تحالف معه ضد ملط صقلية، لذا لم يكن مستعدا للذهاب إلى الشام وترك دولته عرضة لأخطار الطامعين.
وفي الحقيقة كان الصليبيون يكرهون الإمبراطورية البيزنطية ولم يلجأوا إليها إلا في أوقات المحن والأزمات، كما ساعد الإمبراطور يوحنا الذي كان يعتبر الرها وأنطاكية من أملاك الإمبراطورية البيزنطية، جلسرين وعمل على احتوائه وجعله أكثر إخلاصا للإمبراطورية على حساب ريموند لذا سلمه مدينة بزعة لما سقطت، وطلب منه عندما كانوا في “تل باشر” أن يرسل ابنته كرهينة لضمان ولائه.
وقد طالب الصليبيون الإمبراطور البيزنطي بالتدخل فورا في الشام لمحاربة زنكي وإنقاذ الرها، ولعل في قصيدة الشاعر الرميني سانت نرسيس وفرة حسرة على سقوط الرها (حتى الشعراء كانوا متعصبين لدينهم، وهذا حقهم، لكن علينا ان نعرف أن أوروبا وأمريكا عندما تتحرك لضرب المسلمين فليس ذلك من أجل حقوق افنسان والديمقراطية كما يصورون بل من أجل الصليب، ولعل في زلة لسان جورج بوش الشهيرة أكبر دليل على ذلك).

وقد حاول جلسرين استعادة المدينة بكل استطاعته، واستغل مقتل عماد الدين زنكي وهو يحاصر قلعة جعبير، وراسل أرمن المدينة لكون أمه أرمنية ووعدهم يوما يأتيهم فيه، وفي 26 نوفمبر 1145 حاصر قلعة دلوك، ولما علم نور الدين زنكي الذي خلف والده في حلب بذلك هرع إلى المدينة ودخلها وقضى على هذه المحاولة وقتل بلدوين وانتقم من أهل المدينة لغدرهم به فاعمل السيف في السليبيين والمسيحيين المحليين والأرمن والسريان، وساق النساء والأطفال إلى حلب، وبذلك خلت المدينة من أهلها ولم فيها إلا القليل.
لقد وقع سقوط الرها على الصليبيين حتى في قعر أوروبا وقع الصاعقة لأنها كانت اول إمارة صليبية في المسرق الإسلامي، وعلامة على بداية الترنح الصليبي فيه. لذا هبت أوروبا لنجدة الصليبيين في المشرق.
وجه البابا يوجين الثالث خطابا إلى لويس السابع ملك فرنسا في دسمبر 1145م ذكر له فيه سقوط الرها ورغبته في إرسال حملة صليبة ثانية إلى الشرق، وكان اختياره للملك الفرنسي الشاب لويس (25 سنه) أنه كان نذر أن يقوم بحملة صليبية إلى الشرق تكفيرا عما اقترفه في حق مدينة فتري Vitry وهي المدينة الخشبية التي أضرم فيها النار بما فيها من الأحياء وعدتهم 13 ألف نسمة سنة 1141م، أثناء صراعه مع كونت شامباني.
لذا أعلن بعد تسلمه الخطاب عزمه على حمل الصليب والتوجه إلى الأراضي المقدسة (هذا المجرم التائب !)، ولكن هذه الرغبة قوبلت بالفتور في دوائر البلاط الفرنسي، لكن مساعدة الرهبان والبابا ادى إلى العمل على الخروج، بل نادى البعض بثلاث حولات إحداها إلى الأندلس، والثانية ضد الوثنيين، والثالثة إلى الأراضي المقدسة.
وا{سل لويس إلى روجر ملك صقلية ومانويل البيزنطي، فاستجاب روج مرحبا ووعد بان يخرج بنفسه أو يرسل ولده إلى الحرب، وأرسل إلى فرنسا من يشرف على ترتيبات نقل الصليبيين بالبحر، كما ندد بخذلان الإمبراطورية البيزنطية المتواصل للصليبيين من عهد الإمبراطور الكسيوس.
وكان النورمان يملكون أسطولا كبيرا يمكنه نقل الصليبيين من فرنسا ولكن روجر كان يهدف إلى المطالبة بأنطاكية بوصفه وريثا لبوهمند الأول، وبذلك أصبح قدومه إلى الشرق يثير مشكلة مع ريموند صاحبها. ولما كان ريموند خال الملكة اليانور Eleanor زوجة لويس فقد كانت مساعدته غير مرحب بها حتى لا تكون ذريعة له للتدخل في لإمارة أنطاكية حتى ولو كان انضمامه هو العامل الأول لإنجاح الحملة (أسطوله الكبير)، يضاف إلى ذلك أنه كان معاديا لكونراد ملك ألمانيا ومانويل البيزنطي وهما الذين أصبحا حليفين في هذه الفترة (بسبب زواج مانويل من ابنة كونراد).
ولعل لويس أراد بمراسلة روجر الضغط على مانويل حتى يحصل على أكبر قدر من التسهيلات خصوصا وأن المرور عبر الإمبارطورية البيزنطية هو الطريق البري الوحيد البديل للطريق البحري. وعرض مانويل تقديم المساعدات ما عدى جيشه متعللا بأنه في هدنة مع السلاجقة ويريد حماية مدنه. وأرسل إلى البابا يوجين يخبره أنه مستعد لإستقبال الصليبيين وتشريفهم له كما شرفوا جده الكسيوس من قبل (بسلب ونهب أرباض القسطنطينية والفجور فيها !)، على أن يكون الولاء للإمبراطورية البيزنطية. ولعل البابا أخفى العبارة التالية عن لويس.
تحركت الحملة برا نحو القسطنطينية بعد أن نبذت مشروع روج الذي غضب لذلك وهاجم في خريف 1147م قبل وصول الصليبيين الآخرين الإمبراطورية البيزنطية واستولى على جزيرة كورفو Corfu وبعض المدن الصناعية الأخرى ونقل عمالها إلى باليرمو Palermo في صقلية مما أثر على اٌتصاد البيزنطي، ولعل هذا أثر على مانويل الذي أنهى الحرب مع السلاجقة ليتفرغ للصليبيين ويحقق بعض أطماعه في المشرق، فانشغل بأمر الخطر النورماني الجديد، واحتار بين التركيز عليه أو على الحملة.

أما بالنسبة للحملة الصليبية فقد تقدم كونراد الألماني بقواته التي بلغت 70 ألفا من الفرسان إضافة إلى المشاة، ولم تسر قواته مع القوات الفرنسية في وقت واحد، وانزعج مانويل من هذه الأعداد الضخمة وشرع في تحصين العاصمة، وأرسل سفارة طالبت كونراد رغم كونه حليفا بأن يقسم يالعمل على مراعاة مصالح الإمبراطورية فأقسم بذلك فتأكد البيزنطيون من حسن نواياه ووعدوه بالمساعدة في العبور عبر أراضيهم.
ولكن المتاعب بدأت عندما عبر الجيش مدينة صوفيا، حيث بدأ نهب القرى، وعندما اشتكى المواطنون للملك أجابهم بانه ليس بوسعه أن يحكم هؤلاء الرعاعٍ، ويضاف إلى ذلك المذبحة اتي قاموا بها في أهالي مدينة Philippolis وإضرامهم النار في ضواحي المدينة التي أغلقت أسوارها في وجوههم، ولا يمكن وصف ذلك إلا بأنه عمل بربري ارتكبته تلك القوات الثملة في حق المواطنين، وأرسل مانويل قائده برسق التركي ومعه بعض القوات لإصطحاب القوات الألمانية لمنع الإحتكاك بينها وبين المواطنين، ونجح هذا القائد في مهمته. والواقع أن مانويل أراد الألمان ألا يمروا بالقسطنطينية بعد تلك الأحداث وراسل الإمبراطور كونراد بذلك لكن الأخير أصر على المرور عبرها. ولما وصلها في عام 1147م أكرمه مانويل دون أن يتقابلا، وتوترت اعلاقات مرة أخرى عدما قام رجاله باعمال عنف ضد المواطنين البيزنطيين في الوقت الذي لم يتخذ فيه كونراد أي إجراء، وعندما طالبه مانويل بالتخل غضب وهدد بالعودة في العام التالي لمهاجمة القسطنطينية، وتأزم الموقف بين الإثنين لكن تدخل زوجة مانويل نجح في التوفيق بين زوجها وزوج أختها.
ولما وصلت القوات الفرنسية حدث تصادم بينها وبين الألمانية فاضطر كونراد إلى عبور البوسفور لتسوية الأمر، وفي هذه المرحلة تحسنت علاقته بمانويل الذي طلب بقاء بعض القوات الألمانية في القسطنطينية نظير ما يقدمه من قوات داعمة للألمان لكن كونراد رفض، ولعل مانويل أراد بذلك عدم عزله تماما عن المساعدة الصليبية أو المشاركة معها في تحقيق بعض أهدافها المتوقع نجاحها لضخامة أعدادها. ولعل كونراد أخطأ في عدم قبول عرض مانويل لأن القوات البيزنطية متمرسة في القتال في الشام وتعرفه جيدا بعكس القوات الألمانية. والواقع أن كونراد وثق في جيشه وأسرع بالذهاب إلى الشام حتى قبل أن تصل إليه القوات الفرنسة طمعا في الإنفراد بالنصر.
لم يطلب كونراد من مانويل إلا بعض المرشدين ليصحبوه في الطريق، فقدمهم له مانويل ونصحه باخذ خط سير تسيطر الإمبارطورية البيزنطية على أراضيه، وبغعادة الصليبيين الزائدين على حاجة الحملى حتى لا يكونوا عبئا عليه، لكن كونراد لم يأخذ تلك النصائح المهمة بعين الإعتبار واصطحب كافة قواته واختار أقصر الطرق ليصل إلى الشام وهو الطريق اذي يستغرق 3 أسابيع وتقع عليه عاصمة السلاجقة قونية، وقسم جيشه إلى قسمسن قسم مسلح خرج فيه بنفسه وقسم آخر، وزوده بما يكفيه لمدة ثمانية أيام فقط، وكانت الرحلة شاقة ومرهقة لوعورة الطريق الجبلي في معظمه، بل ذكر المؤرخ البيزنطي نيكتاس أمر بخلط ما يباع من الدقيق بالجير، وذكر أنه غير متأكد من ذلك.
ثم هرب الدليل الذي كان على خلاف مع حاملي أعلام الملك، ولما سأل كونراد المرشدين عن الموعد الذي سيصلون فيه إلى قونية أجابوه بأن ذلك على مسيرة ثلاثة أيام ثم ما لبثوا أن هربوا في نفس الليلة، بعد ذلك أشار بعض الصليبيين بالرجوع لعدم المرشدين، وأصر آخرون على المضي قدما في ظل الصعاب التي اعترضت الجيش حتى أكلوا الدواب، ثم ما بلث أن انقض عليهم السلاجقة من كل جانب، ويضيف أحد المؤرخين (وليم الصوري الذي كان معاديا للبيزنطيين) أن ما حدث كله كان بسبب خيانة البيزنطيين.
ثم انقض عليهم السلاجقة بعد أن قطعوا الطريق عليهم، وبعد أن وقع في أيديهم المرشدون الذين عرفوا منهم الحالة السيئة للصليبيين، ويقال إن سبب هروب المرشدين هو أن الألمان لما وجدوا أنفسهم يموتون جوعا في بلاد يجهلونها اتهموا المرشدين الذين لم ينتظروا الموت المحتوم فهربوا.
وهكذا وقع الصليبيون غنيمة باردة في يد السلاجقة، واختل نظامهم بعد أن أمطروا بالسهام من كل جانب، وحينما رأى السلاجقة أنهم لا يحملون أقواسا انقضوا على المؤخرة والمقدمة والوسط، فسادت الفوضى جميع صفوف الصليبيين مما ساعد على إنزال خسائر فادحة في صفوفهم، بل كان المعركة مذبحة قتل فيها تسعة أعشار الجيش الألماني، وأصيب كونراد نفسه بجرحين أحدهما في رأسه مما ساعد على النزيد من افوضى والإضطراب في صفوف جيشه، فانسحب بأسرع وقت إلى نيقية وكان إنسحابا فوضويا استغله السلاجقة في إلحاق المزيد من الخسار بالجيش الألماني.
هذا ما كان من أمر القوات الرئيسية التي قادها كونراد بنفسه أما القسم الآخر فقد تعرض بدوره لهجمات السلاجقة وهلك عدد كبير منه، وتعرض للمجاعة لقلة الإمدادات، ووضل إلى أضاليا وهو في حال إعياء شديد.
ورغم عدم وجود تحالف بين السلاجقة ومسلمي الشام فإن السلاجقة يعلمون أن هذه القوات الصليبية أتت بسبب سقوط الرها التي تقع في ظهر ممتلكاتهم، ولو تركوها لدعمت الوجود الصليبي وقضت على القوة الإسلامية في الشام وطعنتهم من الخلف بعد ذلك خصوصا إذا اتحدت مع البيزنطيين عليهم (وهو ما سيقع لا محالة).

أما القوات الفرنسية بقيادة الملك لويس السابع فقد تأخرت في الخروج عن الألمانية بشهر، واصطحب لويس زوجته أليانور، وكانت قواته أكثر تنظيما من الألمان، ورغم ذلك وقعت احتكاكات مع المواطنين البيزينطيين، وعلى عكس الملك الألماني لم يقبل لويس شرط مانويل، وأقسم بارواناته نيابة عنه بعد جدل طويل على التصرف كأصدقاء للإمبراطورية البيزنطية أما أن يعيدوا لها الممتلكات التي انتزعتها منها الدولة البيزنطية فهذا أصر لويس على مناقشته بعد لقاء مانويل شخصيا. وهكذا تأزمت العلاقة بين الملكين، واتخذ لويس نفس طريق كونراد، ووصل إلى القسطنطينية في اكتوبر 1147م بعد أن التحقت به بعض القوات الألمانية التي لم تكن عبرت بعد البسفور مما أدى إلى مناوشات بين الطرفين.
واطمئن لويس لمانويل بعد حسن ضيافته له، وقد حاول الأخير أن يجعل القوات الفرنسية تغادر المدينة بسرعة إلا أن لويس رفض ذلك وأراد البقاء في انتظار القوات الصليبية القادمة من إيطاليا. وثارت شائعة بان الألمان انتصروا على السلاجقة وقتلوا منهم 14 ألفا، ويتهم بعض المؤرخين مانويل بإثارتها مما أثار حمية الفرنسيين ونادوا بالعبور إلى آسيا الصغرى لينالوا بعض تلك الأمجاد.
غادر الفرنسيون وحدث ما كان يخشاه مانويل فقد تم السطو والنهب رغم عدم رضا لويس الذي قرر إعادة المسروقات ولم يستطع إلا إعادة القليل منها والباقي قال إن الخزانة الفرنسية ستتحمله، وغضب مانويل وأمر بإلغاء الأسواق التي توفر المؤن للفرنسيين مما اضطرهم إلى النهب، وطالب لويس مانويل بفتح الأسواق فاشترك حضوره بنفسه هو باروناته والقسم بيمين الطاعة له مقابل إعادة إقامة الأسواق وإمداد الفرنسيين بالمرشدين، وأن يكون من حق الفرنسيين نهب المنطقة التي لا تفتح لهم تلك السواق بشرط ألا يحتلوها، ولم يتعرض لشرط إعادة الممتلكات البيزنطية التي استولى عليها السلاجقة.
استجاب لويس وباروناته لشروط مانويل، وفي نوفمبر 1147 وصلت أخبار الكارثة التي حلب بالألمان إلى لويس فاسرع إلى مواساة كونراد، وقرر الإثنان سلوك الطريق الساحلي الذي أشار به مانويل أولا على كونراد. والملاحظ أن الخلافات دبت بين القوتين حيث تعرضت الألمانية لسخرية الفرنسيين، واضطر كونراد بسبب اعتلال صحته إلى العودة إلى القسطنطينية، وانتظره لويس كثيرا لكنه واصل السير لما طالت غيبته.
ونصح مانويل لويس بعدم الإشتباك مع السلاجقة مما يدل على أنه لم يكن متحالفا معهم حيث أعلمه بوجودة قوة قريبة منه، فامر لويس قواته بالسير متقاربة وعلى الساحل حتى وصلوا إلى غربي أنطاكية في يناير 1148م، وهنا قام السلاجقة بمناوشتهم ولكنهم ردوهم، واستمر لويس بجيشه حتى وصلوا إلى مدينة لادوكيا فوجدوا أهلها قد هجروها ولم يتركوا فيها شيئا، فكان عليهم المواصلة حتى أضاليا رغم الإفتقار إلى الأقوات ووعروة الطريق إضافة إلى رؤيتهم لجثث القوات الألمانية متناثرة على جنبات الطريق، وهاجمهم السلاجقة عند مرتفع يبلغ 3800 قدما وأمطروهم بالسهام مما أدى إلى تهاوي الخيول بمن عليها جارفة غيرهم من الفرسان إلى سفوح الجبال، ثم هاجم السلاجقة المؤخرة وأنزلوا بهم المزيد من الخسائر، وتعرض لويس للموت أو الأسر لولا حلول الظلام، ولم ينم الفرنسيون في تلك الليلة، وفي الصباح واصلوا في أجواء الشتاء من الأمطار والثلوج التي تغطي قمم الجبال، وذبحوا الخيول العاجزة عن السير لأكلها، وتركوا بعض أمتعتهم وحرقوا بعضا آخر، وتعرضوا أيضا لغارات يومية من الصليبيين لكنها لم تكن في قوة الأولىحتى بلغوا أضاليا، هنالك حصول على المؤمنة ولكن باثمان مرتفعة حتى اضطروا إلى بيع الدواب للحصول على أثمانها.
ثم قرر لويس ركوب البحر على البر وساعده حاكم أضاليا فقدم له سفينة لنقله وحاشيته دون مقابل أما الباقين فبالكراء، فأبحر لويس بعد 5 أسابيع من بقائه في المدينة تاركا خلفه بعض قواته لإنعدام العدد الكافي من السفن لنقلهم، فوصل ميناء السويدية، وتبعه فوج من قواته الباية في أضاليا، وبقي آخرون تعرضوا مع البيزنطيين لغارت سلجوقية متواصلة أنزلت بهم إضافة إلى الجوع واالأمراض نتيجة انتشار الجثث المتعفنة، خسائر فادحة خصوصا وأن أسوار المدينة كانت قصيرة، وتنفي هذه الحادثة مزاعم المؤرخين الذين قالوا إن مانويل تحالف مع السلاجقة لضرب الصليبيين.
وفكر الباقون في أضاليا في السير برا بدل الإنتظار المميت وهنالك قطعهم السلاجقة إربا ولم يصل منهم إلى أنطاكية إلا النصف تقريبا. وقد قدرهم المؤرخون بثمانية آلاف.
كان وصول لويس لميناء السويدية بعد 3.3 سنة من سقوط الرها، وقد استقبله ريموند بالأفراح والإحتفالات ورأى أن تقوم الحملة بمهاجمة حلب وتقضي على نور الدين، وراى جلسرين أن الرها هي الهدف الأساسي للحملة، وهكذا حاول كل أمير استغلال الحملة لصالحه، ورأى لويس انشقاقهم وكره البقاء في أنطاكية لما أشيع عن علاقة مشينة بين زوجته وخالها ريموند، فأعلن أن عليه التوجه أولا إلى بيت المقدس قبل القيام بأي عمل عسكري، وكان كونراد قد وصل إليها في سفينة أعدها له مانويل أوصلته إلى عكا ومنها إلى القدس، وفيها اجتمع لويس بكونراد والملك بلدوين واجتمعوا بالشخصيات الصليبية لدراسة الأمر، ولم يحضر ريموند ولا جلسرين ولا ريموند الثاني أمير طرابلس، وهم أمراء الإمارات الصليبية المهددة بخطر نور الدين الإجتماع، بدافع الغضب من لويس، وتمخض الإجتماع عن مهاجمة دمشق أولا، ولا شك أن هذا القرار كان أحمقا فرغم أنها غنيمة دسمة لهم إذ تقطع تواصل المسلمين وفيما بينهم إلا انها كانت الدويلة المسلمة الوحيدة التي تحتفظ بأواصر الصداقة مع الصليبيين. ويبدو أنها فكرة بارونات بيت المقدس الذين طمعوا في خصوبة أراضيها ومدنها، ولم تكن حلب ذات أهمية عندهم.
تحركت الجيوش نحو دمشق فحاول جيشها صدهم غير أنه اضطر إلى الإرتداد إلى ما وراء الأسوار والكر والفر معهم، وفزع السكان فزعا شديدا لكن الإمدادات وصلت في اليوم الموالي مما ساعد المسلمين على رد الصليبيين عن الأسوار بل ومهاجمتهم على مدى اليومين والتوغل في البساتين للكر والفر معهم مما جعلهم يغيرون موضع تمركزهم، ثم لنسحبوا إلى السهل حيث قلة الماء والعرضة لخطر الكارين الفارين مما جعلهم يعتقدون أن بارونات بيت المقدس نصحوهم بذلك للنيل منهم مقابل رشوة من الأعداء.
وفي تلك الأثناء أخذت قوات “معين الدين أنر” (صحاب دمشق) تتزايد حيث تدفق عليه التركمان، وتحول المسلمون إلى الهجوم وحاصروا الصليبيين الذين أيقنوا بالهلاك، ودب بينهم الشقاق والخلاف. وتقول الرواية ان “أنر” خدعهم فرشا بارونات بيت المقدس ليجذبوا الجيش إلى حيث يمكنه ضربه في مقتل، وأن المال الذي قدم لهم كان مزيفا، وكان بدهائه يراوغ قبل وصول نور الدين الذي يعلم أنه إذا دخل دمشق فمن الصعب إخراجه منها.
وصلت استغاثة “أنر” إلى الزنكيين وهما سيف الدين غازي أتابك الموضل، ونور الدين محمود أتابك حلب، فزحفا مباشرة على دمشق، لكنهما فضلا البقاء خارجها حتى يتفاوضا مع أنر الذي قد يدفعه دخلوهما إليها إلى تسليمها للصليبيين.
وماطل أنر الأخوين زنكي لخوفه من عدم خروجهم من دمشق حتى يرى ما يكون من أمر الفرنج بعد أن أرسل لهم بان ملك الشرق قد حضر فليرحلوا وإلا سلم له المدينة وحينها سيندمون ولن يبقى لهم مقال في الشام. كما قدم لأمراء بيت المقدس حصن بانياس نظير الجلاء عن دمشق، وكان الجيش الصليبي في وضع حرج، وادرك الصليبيون أن حملتهم لم تتخذ وجهتها الصحيحة وأن حلب كانت أولى بجهودهم، وتفاجئ القادمون من الغرب (لويس وكونراد) من تلك المناورات والألاعيب التي يقوم بها الشرقيون وأنر، وعدوها من الخيانات إلا أنهما لم يجدا بدا من الإنسحاب، وبعد خمسة أيام من الوصول إلى دمشق انسحب الصليبيون منها، ولم يتركهم المسلمون يرحلون بسلام فقد أمطروا جناحيهم بالسهام، وكان الوقت صيفا والحرارة قاسية، حتى ملأت جثثهم الطريق وأفسدت رائة المنطقة لشهور.
وبهذا عادت هذه الحملة الكبيرة إلى فلسطين، وكان كل ما حققته هو فقد عدد كبير من رجالها، وتعرضت للهوان بعد إرغام هذا الجيش الكبير على التخلي عن أحلامه بعد أربعة أيام فقط من المواجهة، وبذلك تبددت أسطورة فرسان الغرب الذين لا يقهرون والتي نمت في الحملة الصليبية الأولى.

بغدها أبحر ركونراد مع رجاله من عكا في سبتمبر 1148م، ليلتقي بمانويل حيث قضا معه عيد الميلاد، وفي هذه الزيارة اكتمل الوفاق بين الإمبارطورين، وتزوج أخو كنراد وهو هنري بثيودورا ابنة أخ مانويل للتقريب بين الدولتين، في حين راى المواطنون البيزنكيون في ذلك الزواج أنهم قدموا أميرتهم الجميلة المحبوبة قربانا لحيوان من الغرب. وعاد كونراد إلى ألمانيا في 1149م بعد أن تحالف مع مانويل ضد روجر.
وفي الوقت نفسه تقارب الفرنسيون مع روجر الثاني ملك صقلية الذي اقترح عليه فيما بعد توجيه حملة يكون هدفها الأساسي الإنتقام من بيزنطة، فوافق ثم رحل مع جيشه إلى فرنسا وصاروا يخبرون كل من يلقاهم في الطريق بخيانة البيزنطيين لهم وضرورة إنزال العقوبة بهم، والظاهر أن لويس أراد التهيئة مسبقا للحملة التي اتفق مع روجر على إرسالها لتاديب البيزنطيين، لكن البابا لم يوافقه الرأي فيما بعد، وساهم رفض كونراد الإشتراك في هذه الحملة في فشلها، وتأجل المشروع إلى خمسين سنة أخرى.

أدت الحملة الثانية إلى انشقاق الغرب الأوربي، وانشغال مانويل به وبأعدائه المحاذين له، فزادت قوة المسلمين وأصبح اسمهم مرعبا للصليبيين، وبرز نور الدين ليعمل على توحيد الجبهة الإسلامية والقضاء على الصليبيين. فاستولى على حمص سنة 1149م بعد تنازل اخوه له عنها. وبدأ في مضايقة إمارة أنطاكية فحاصر قلعة أنب، فخرج إليه مانويل في قوة لصده ولم ينتظر اجتماع كل فرسانه بل تسرع في الخروج وليس معه سوى 400 فارس والف من المشاة، في حين بلغت قوة نور الدين 6 آلاف من الفرسان غير الأتباع من السواد. فأحاط بيرموند ورجالهف يونيو 1149م وأبادوهم، وقتل ريموند أمير أنطاكية ورينو صاحب كيسوم وعلي بن وفا زعيم الباطنية. وفرح المسلمون بمقتل ريموند حيث يقول ابن القلانسي: “وجد اللعين البلنس مقدمهم صريعا بين حماته وأبطاله فعرف وقطعت رأسه وحمل إلى نور الدين فوصل حامله بأحسن صلة، وكان هذا اللعين من أبطال الإفرنج المشهورين بالفروسية وشدة البأس وقوة الحيل وعظم الخلقة مع اشتهار الهيبة”. ويضيف وليم الصوري أن ريموند أرسل رأسه وذراعه في صندوق إلى الخيلفة العباسي في بغداد. وأقام المسلمون الأفراح في كل مكان ابتهاجا بمقتله.
ثم توغل نور الدين في إمارة أنطاكية حتى بلغ المدينة فحاصرها، عرض عليه أهلها كل ما يملكون من أموال ومتاع نظير ترك مدينتهم لكنه رفض، وترك عليها فرقة من جيشه تحاصرها. وانصرف عنها لأ،ه أدرك أن حصارها سيأخذ وقتا وأن القوات الصليبية الأخرى ستهاجمه ولذاك آثر أن يهاجمها، واستولى على كل ممتلكات إمارة أنطاكية شرقي نهر العاص ثم استدعى قواته المحاصرة لأنطاكية التي غدت تحت حكم أرملة ريموند كونستانس التي حكمتها باسم ولدها الطفل بوهمند الثالث، وكانت في الثانية والعشرين فلم يكن بإستطاعتها القيام بمهام الحكم والدفاع فساعدها بطريك الإمارة.
وكان جلسرين محبا للترف فبدل أن يحاول استرجاع ممتكات الصليبيين أخذ في السطو على الأديرة المتطرفة ثم حاول استغلال مقتل ريموند فدخل إلى مرعش ولكن توجه سلطان السلاجقة مسعود إليها جعله ينسحب منها، ثم وقع أسيرا في يد السلاجقة فسلموه إلى نور الدين الذي سجنه في حلب حيث ظل بها تسع سنوات معتقلا حتى مات سنة 1159م.
ثم تقدم مانويل بعرض إلى بيترس زوجة جلسرين أن يشتري منها ما تبقى من حطام الإمارة، فاستشارت بلدوين الذي وافق بعد أن أقنعته رسل الإمبراطور بأن استيلاء البيزنطين على تلك البلاد بالشراء خير من ضياعها على يد المسلمين، وتم عقد الثفقة في 115م، وانسحب الصليبيون من تلك المدن بعد تسليمها إلى البيزنطيين.
ثم اكتششف مانويل أن صفقته خاسرة لأن تلك المدن بعيدة من مملكته وواقعة في وسط المسلمين إضافة إلى تعرضه للتهديد النورماني في صقلية لذا عجز عن بذل أي مجهود للمحافظة عليها.
وبعد عام من تلك الصفقة تحالف أمراء المسلمين واقتسموها فيما بينهم (مسعود ونور الدين وتمرتاش الأرتقي)، وبذلك تبخرت إمارة الرها. فكانت خاتمة ملائمة للحملة اصليبية الثانية بعد ضربها في آسيا الصغرى وفشلها أمام دمشق رغم أنها أكبر حملة في العصور الوسطى، وكانت بقيادة أعظم ملكين في غرب أوروبا. والتي لم تؤد إلا إلى الشقاق بين الغرب والبيزنطيين، وبين أمراء الصليبيين أنفسهم، وزادت من تقارب المسلمين من بعضهم البعض. وكان فشل هذه الحملة هو البداية الحقيقية لإنهيار البناء الصليبي في الشام.

الوحدة بين مصر والشام:
كانت أطماع الصليببين في مصر تزداد كلما ازدادت الصراعات الداخلية فيها، وكانوا يتتبعون أخبار تلك الصراعات لمهاجمتها. وفي 1144م هدد بلدون الثالث بغزو مصر، ولم يرجع عن تهديده إلا بعد أن وعده الوزير طلائه بن رزيك باسم الخليفة الفاطمي العاضد بجزية سنوية قدرها 160 ألف دينار، ومات بلدوين في عام 1162م وتولى بعده أخوه عموري الأول Amalric 1 دون أن تدفع القاهرة شيئا من هذه الجزية، ومع بداية حكمه ازدادات أحوال مصر سوء بمقتل ابن رزيك وابنه، فوجدها عموري فرصة للتدخل في شؤون مصر بحجة الجزية فاتجه إلى مصر في 1163م وحاصر الفرما ولكن ضرغام تصدى له وأجبره على الإنسحاب إلى بلاده.
وقد ساعد التباعد بين الفاطميين الشيعة والخلافة السنية في العراق (يؤيدها أمراء الشام السنة)، على عدم توحد القوتين في وجه الصليبيين الدخلاء، وقد شهدت الفترة ما بين 1164-1169م صراعا قويا على امتلاك مصر، فمن جهة تمكن نور الدين من بسط نفوذه على معظم أجزاء الشام وبلاد الجزيرة والموصل، أما عموري فكان شابا طموحا يسعى لتقوية مركزه في المملكة الصليبية بضم مصر إليه.
لجأ شاور الوزير إلى نور الدين بعد هزيمته أمام خصمه ضرغام من أجل أن ينصره عليه عارضا عليه أن يكون نائبه على مصر، ويقدم إليه سنويا ثلث إيراد مصر، فوافق نور الدين بعد تردد وأرسل مع شاور أسد الدين شركويه وابن أخيه صلاح الدين يوسف بن أيوب في مايو 1164م، وأرسل ضرغام يستنجد بعموري الصليبي الذي توجه إلى مصر بنفسه طامعا فيها.
وصلت قوات أسد الدين شركويه إلى مصر قبل قوات عموري وتمكنت من هزيمة ضرغام وقتله، وتولى شاور أمر الوزارة ولكنه نقض عهده وظهرت علامات غدره لأسد الدين فأشار عليه صلاح الدين بالتقهقر إلى بلبيس، واستنجد شاور بالصليبيين على شيركوه فجد عموري في سيره حتى وصل المكان المعروف بمدينة فاقوس الحالية وانضمت إليه قوات شاور وحاصروا أسد الدين، وأتفق الطرفان على عودة كل منهما إلى بلده، وكمن الصليبيون لأسد الدين للقضاء عليه ولكنه أفلت من هذا الكمين، ثم بعد فترة توجه أيد الدين بامر من نور الدين إلى مصر، واستنجد شاور مجددا بالصليبيين، ووصل أسد الدين أولا واتظر 45 يوما بالجيزة، أما عموري فوصل إلى القاهرة واتفق مع شاور على جزية تقدمها الدولة الفاطمية للصليبيين على ألا يرحلوا من مصر لحمايتها وإجلاء قوات أسد الدين عنها، فرحبوا بذلك.
والتقى الطرفان في الموقعة المعروفة باسم البابين، وانتصر أسد الدين على اللئام وامتلك مصر، واتفق أسد الدين مع عموري على أن يعودا إلى بلديهما، وأظهر الأخير أنه يريد الودة خوفا على مملكته من نور الدين الذي هاجم املاك الصليبيين بالشام كعادته، ولكنه لم يعد بل اتفق مع شاور على أن يكون للصليبيين حامية بالقاهرة وتكون أبوابها بيد فرسانهم لتحول دون دخول عساكر نور الدين إضافة إلى دفع جزية 100 ألف دينار لهم.
وأرسل عموري إلى الإمبراطورية البيزنطية سفارة على رأسها المؤرخ وليم الصوري طالبا المساعدة في حملة ليبية مشتركة للإستيلاء على مصر واقتسامها، واتفقا على ذلك، لكن الحامية الصليبية الموجدة في مصر استدعت عموري للإستيلاء على مصر وهونت عليه أمرها، ولكنه لم يقدم خوفا من مقاومة الشعب المصري رغم إدراكه لضعف حكامها، وهذا شرف لشعب مصر.
وخرج عموري ناقضا عهوده للفاطميين التعساء، وهو يظهر أن قاصدا حمص لكيلا يلفت إليه أنظار نور الدين، ولكنه اتخذ طريقه إلى مصر، واستاء شاور من ذلك وأحرق مدينة الفسطاط حتى لا يستولون عليها. وفي تلك الأثاء خرجت الكتب من مصر إلى نور الدين ميتغيثين به، ورفع شاور الجزية إلى 400 ألف دينار فوافق عموري ولكن الأول ماطله، واتجه شركويه إلى مصر ومعه صلاح الدين وفاجئ قوات عموري الذي انسحب عائدا بعد تحالف القوات المصرية مع شركويه، وتم قتل شاور وتولى أسد الدين أمر الوزارة الفاطمية وهو في نفس يدين بالولاء لسيده نور الدين (لاحظت أن مؤلف الكتاب على طريقة الإخوان والمتصوفة الذين لا عدو عندهم حتى الشيطان، يحاول إضفاء شيء من الإحترام على الدولة الفاطمية التي يفضحها ما ذكر وحده).
واستنجد عموري مجددا بالبيزنطيين وبأوربا مبرزا خطر مصر والشام المتحدتين على بيت المقدس، ووصلت سفن البيزنطيين عكا اما فرسنا وصقلية فلم تستجيبا للدعوة بسبب مشاكلهما.
وسار عموري بجيشه برا يعاونه الأسطول البيزنطي بحرا في عام 1169م، وتوفي أسد قبل وصول الحملة وتولى الوزارة بعده صلاح الدين في مارس 1169م فاستعد لملاقاة الصليبيين، واتصل بنور الدين الذي كثف غاراته على ممتلكات اصليبيين بالشام، وفشلت الحملة في افستيلاء على دمياط.
ثم توفي نور الدين وهو عازم على الذهاب إلى مصر في مايو 1174م بالذبحة الصدرية (الخوانيق). وكان زاهدا عابدا لا يأخذ إلا حظه من الغنائم، وقد اشتكت إليه زوجه الضيق فأعطاها ثلاث دكاكين في حمص كان دخلها السنوي 20 دينار، وقال ليس لي إلا هذا، وجميع ما بيدي أنا فيه خازن للمسلمي لا أخونهم فيه، ولا أخوض نار جهنم لأجلك. وكان عادلا حيث لم يترك في البلاد مكسا ولا عشرا بل أطلقها جميعها، وكان ينصف المظلوم ولو كان يهوديا. ونى أسوار مدن الشام كلها والمصالح الأخرى، وكان يكرم العلماء وأهل الدين. وكان شجاعا له قوسان يحارب بهما، قال له أحد القضاة ألا يخاطر بنفسه لأن في ذلك حفظ الإسلام، أو قتل كل المسلمين، فقال من أنا حتى يحفط الله بي الإسلام، الحافظ هو الله..
وقد أنشأ نور الدين محاكم عدل لأمرائه الذين أقرهم على إماراته مما كبح جماحهم وأرضى الشعب.

ولما توفي نور الدين قام بالملك من بعده ابنه الملك الصالح إسماعيل، وكان عمره 11 سنة، فحلف له الأمراء والمقدمون، وأقام بدمشق وأطاعه الناس بالشام وصلاح الدين بمصر، وتولى تربيته برضا والدته، الأمير شمس الدين بن محمد المعروف بابن المقدم وصار مدبر دولته، فقال له كمال الدين بن الشهروزي وغيره إن صلاح الدين من مماليك نور الدين والمصلحة مشاورته وعدم إخراجه حتى لا يخرج عن الطاعة ويجعل ذلك حجة عليهم وهو قوى منهم لأنه قد انفرد بملك مصر..
وولم يمض وقت طويل حتى وردت كتب صلاح الدين يعزي الملك إسماعيل ويهنئه بالملك، ومعها دنانير عليها اسمه، وإعلام بأن الخطبة في مصر له كما كانت لأبيه.
ولكن بعض الأمراء انفرد ببعض ولايات الشام وادعى بعضهم أنه هو الوصي على الملك الطفل مما أضعف المسلمين وأعطى الفرصة للصليبيين لمحاصرة بانياس فحاصرها الملك عموري.
فخرج إليهم ابن المقدم وهددهم بالإستنجاد بصلاح الدين – الذي كان بمنعه من القدوم إلى الشام الخوف من الإلتقاء بنور الدين (لا أعرف مدى مصداقية هذا الزعم !) – وصاحب الموصل سيف الدين عم الطفل الملك إسماعيل المنشق عنه، والذي استولى على بعض ممتلكاته. وأنه – أي ابن المقدم – سيقصدهم بكل تلك الجيوش ويبيدهم، فرضخوا له ورفعوا الحصار بعد أن صالحوهو على شيء من المال يأخذونه وأسرى لهم أخذوهم.
وكان الملك عموري مريضا فاتخذ طريقه إلى بيت المقدس وهو محمول في محفة ومات بعد وصوله إليها وهو في 38 من عمره، توفي في عام 1174م، وفي هذا العام كان نجم صلاح الدين قد بدأ يختفي، ولكن وفاة نور الدين وهذا الصليبي قلبت الأوضاع رأسا على عقب ومهدت الطريق لصلاح الدين.
وكانت هنالك مؤامرة على مصر من طرف بعض المصرين المتآمرين والملك عموري الذي مات والملك وليام الثاني ملك صقلية الذي أرسل 600 سفينة تحمل الصقليين بوابهم ومؤنهم، وصلت إلى الإسكندرية في 1174م وهو لا يعلم بموت عموري، وبعد ثلاثة أيام من القتال عاد الصليبييون أدراجهم بعد أيقنوا عبثية ذلك القتال بالنسبة لهم وترجوا خفهم الجانيق وآلات الحرب.
وعزم لاح الدين على المسير إلى بلاد الشام، فوصل بجيشه إلى دمشق في نوفمبر 1174م فتلقاه أهلها بالترحاب، فدخل إلى دار أبيه واجتمع الناس إليه فاعطاهم الكثير من المال، وولى أخاه طغتكين المدينة ليحكمها باسم الملك الصالح اسماعيل الذي كان هرب مع أمه إلى حلب وأضحى في رعاية واليها كمشكين.
ولم يكن بوسع الصليبيين التدخل في هذه المرحلة، فبعد وفاة عموري تولى بعده بلدوين الرابع المعروف بالأبرص، وكان في 13 من عمره، فآلت الولاية عليه بعد سنشالا إلى ريموند الثالث كونت طرابلس، وكان عليه الحد من نمو قوة صلاح الدين التي تمهد للإتحاد بين مصر والشام، وحانت الفرصة عندما خرج صلاح الدين من دمشق ودخل حلب رغم امتناع قلعتها عليه، فراسل حاكمهها كمشكين الصليبيين والباطنية طالبا النجدة، فاستجاب سنان مقدم الباطنية لما نال من أموال في سبيل قتله لصلاح الدين، ولكن مؤامرة الباطنية انكشفت فتم القبض على مجموعة منهم عند خيمة صلاح الدين وتقرر قتلهم.
ووصل ريموند إلى حمص في أول فبراير 1175م فهاجمها، مما اضطر صلاح الدين إلى ترك حلب والتوجه إليها ولكن الصليبيين غادروها عندما علموا بقدومه، وسقطت حمص في يده في ابريل من العام نفسه، وبذلك نجح ريموند في إنقاذ حلب، أما صلاح الدين فبسط نفوذه على الشام حتى “حماه”.
واغضبت انتصارات صلاح الدين آل زنكي خاصة سيف الدين أمير الموصل الذي أرسل أخاه عز الدين في جيش كبير لمناصرة كمشكين في حلب، ولم تنجح المساعي الودية بين الطرفين فاشتبكا وانتصر صلاح الدين، ووقعت هدنة تسلم فيها بعض البلاد الواقعة إلى الشمال من حماه.
وفي هذه المرحلة تخلى صلاح الدين عن التبعية للملك الصالح اسماعيل، واتخذ لقب ملك مصر والشام وصك النقود باسمه، والملاحظ أنه لم يتخذ لقب السلطان رغم أن المؤرخين المعاصرين له اطلقوه عليه.
وأرسل إلى الخليفة العباسي المستصيء يعلمه بتبعيته له ويطلب تقليدا بتلك البلاد، ووصلت رسل الخليفة بالخلع فلبسها صلاح الدين وألبس أخاه العادل وآخرين خلعا جاءت لهم.

عاد صلاح الدين إلى مصر وهو يتاهب لغزو الصليبيين، ثم خرج منها بقوته متجها إلى عسقلان، فحاصرها ببعض قواته ثم اتجه بالآخر إلى القدس، وكان بلدوين قد اتجه إلى عسقلان، فطلب منها النجدة من قوات الداوية في غزة لتلحق به في عسقلان، ثم خرج من عسقلان بقوته وسار بحذاء الساحل، والتقى مع صلاح الدين عند تل الجزر Montgisard جنوب الرملة، وانكسر المسلمون كسرة عظيمة وتبدد الجيش ولم يكن لهم حصن يأوون إليه فطلبوا جهة الديار المصرية، ولم يسيطر صلاح الدين على الموقف حتى عبر صحراء سيناء.
وكانت القوات الصليبية عاجزة عن ملاحقة القوات المنهزمة لقلة عددها فاكتفت بالتحصينات.
وبعد أن استراحت قوة صلاح الدين في مصر لفترة، غادرها إلى الشام، فكانت عودته إليه بعد عدة أشهر، فقضى بقيى عام 1178 في دمشق. وفي عام 1179م حدثت مناوشات مع الصليبيين أوقعت في صفوفهم خسائر فادحة في عدة مناطق، ووقع في الأسر بعض أمرائهم ومقدميهم الكبار. ففدت كونتيسة طرابلس ابنها ب50 ألف دينار، وطلب صلاح الدين 150 ألفا فدية لبلدوين أف لين وهو حاكم جليل، فتم إطلاق سراحه مقابل إطلاق سراح ألف أسير مسلم ووعده بقضاء المتبقي من النقود. أما مقدم الداوية “أودو” فقد شرع صلاح الدين في إطلاق سراحه مقابل أحد كبار الأسرى المسلمين، ولكن أودو المغرور رفض لعدم قبوله ان يساويه أحد في القيمة، فظل في الأسر حتى هلك في العام التالي.
وهاجم صلاح الدين الصليبيين على عدة جبهات مما اضطر بلدوين إلى طلب هدنة، فوافق صلاح الدين على هدنة مع مملكة بيت المقدس مدتها عامين لعدة أسباب يراها في صالحه، كما عقد هدنة مع ريموند كونت طرابلس، وحاول بلدوين إقامة جبهة صليبية في مواجهة المسلمين، كما حاول صلاح الدين توحيد جبهة المسلمين
وخرقت مملكة بيت المقدس الهدنة لأن أرناط Reynald of Chatillon سيد إقطاع إقليم ما وراء الأردن لم يلتزم بها، فكان من شروطها حرية انتقال التجار من الجانبين، فهاجم أرناط قوافل المسلمين طمعا فيها في صيف 1181م، فاشتكى صلاح الدين إلى بلدوين الذي لم يكن بوسعه عمل شيء لرفض أرناط إرجاع القافلة، فغادر صلاح الدين مصر في مايو 1182م متجها إلى دمشق، وعلم في الطريق أن ابن أخيه فروخشاه هاجم إقليم الجليل وظغر ب 20 ألف رأس من الغنم وألف أسير إضافة إلى قلعة حبيس.
واستراح صلاح الدين في دمشق بعض الوقت ثم خرج منها لتدور بينه وبين الصليبيين معركة عند قلعة كوكب الهوى التابعة للأسبارتية، لم تنته بنصر حاسم لأي طرف.
ثم توجه إلى بيروت ليهاجمها هو والأسطول المصري في نفس اللحظة، فجمع بلدوين جيشه واندفع نحو الجليل وطلب من السفن الصليبين الراسية في عكا وصور إنقاذ بيروت، ولما لم يتمك صلاح الدين من مهمته قبل وصول الصليبيين، إضافة إلى وفاة الملك الصالح إسماعيل، عاد إلى دمشقثم ما لبثث ان سيطر على الرها وسروج ونصيبين وديار بكر وحلب، واتسعت مملكته التي امتدت من نهر دجلة شرقا حتى مصر غربا وعاصمتها دمشق، وقد أيده الخليفة العباسي في توجهه، وسعى سلاجقة الروم في آسيا الصغرى إلى كسب صداقته، ولم يعد للإمبراطورية البيزنطية القوة التي كان يخشاها المسلمون في الشام. وتمهدت الطريق أمام صلاح الدين لضرب الصليبيين الذين أصبح وجودهم الثقيل وصمة عار في جبين الحكام المسلمين.

توجه أرناط بسفنه إلى إيلة الواقعة على رأس خليج العقبة فسقطت في يديه بعد أن ظلت في يد المسلمين منذ عام 1170م، واندفعت السفن الصليبية في البحر الأحمر وهاجمت عيذاب واستولت على السلع التجارية الموجودة بالميناء. وهاجمت بعض الممتلكات الإسلامية في مناطق أخرى، وبعض الحجاج، وارتاع العالم الإسلامي لإنتهاك الصليبيين للأراضي المقدسة الإسلامية، ووصل الخبر إلى مصر وعليها الملك الادل أخو صلاح الدين، فجهز السفن وأمر حسام الدين لؤلؤ بالإتجاه إلى الأيلة، فأحرق السفن الصليبية التي كانت عندها وأسر من فيها، ثم سار إلى عيذاب وتصدى للسفن الصليبية وأطلق من بها من تجار ورد إليهم ممتلكاتهم، وتتبع الصليبيين الراسين على الساحل وأسرهم، فتم إرسال أسيرين منهم إلى منى ليذبحوا في موسم الحج عقوبة لهم على انتهاك حرمة الأراضي المقدسة، وعاد إلى القاهرة ببقية الأسرى وهم حوالي 170 فأمر صلاح الدين بضرب رقابهم جميعا، ونذر صلاح الدين ان يقتل أرناط إذا ظفر به، وكانت المرة الأولى محاولته الإغارة غلى مكة والمدينة (هذه)، والثانية إغارته على القوافل الإسلامية.

بعد ذلك هاجم صلاح الدين بيسان في سبتمبر 1183م بعد أن عبر نهر الأردن، فاحرقها وخربها وفر سكانها إلى طبرية وتخصنوا بها، ولما علم جاي guy of Lusignan بذلك – وكان وصيا على بلدوين لمرضه -، استدعى قواته لكن المسلمين نصبوا لها الكمائن وأوقعوا لها الخسائر، ثم بعد التجمع اتجه الصليبيون إلى زرعين حيث هزمهم المسلمون، ثم غادروها إلى أغوار جالوت شمال شرقي بيسان وأصبحوا في مواجهة صلاح الدين، ولكنهم دافعوا عن أنفسهم، وحاول صلاح الدين إغرائهم للخروج من مواقعهم ولكنه فشل، فعاد إلى ما وراء الأردن، وكان لسلك جاي في عدم مهاجمة المسلمين أسوأ الأثر في نفوس الصليبيين الذين اتهموه بالجبن وتم عزله من الوصاية على بلدوين وآلت إلى خمسة أفراد على رأسهم بوهمند الثالث أمير أنطاكية.

ثم هاجم صلاح الدين قلعة الكرك الت يحكمها أرناط الذي كان من أعظم ملوكهم وأشدهم عداوة للمسلمين وأضرهم بهم، وقد أمر صلاح الدين بعد علمه بإقامة عرس في جانب من جوانب المدينة بعدم ضرب ذلك الجانب.
ثم أرسل بلدوين قواته بقيادة ريمونت كونت طرابلس إلى الكرك، ولم يشأ صلاح الدين الإشتباك مع الصليبيين في هذه المرحلة فعاد عنها، وتكرر الحصار مرة أخرى في عام 1184م وانسحب أيضا عندما علم باقتراب جيش مملكة بيت المقدس استعدادا لجولة أخرى.

أقول: تلاحظ من هذا أن الحرب كر وفر، وأن سبب ضعف المسلمين هو تشتتهم وتفرقهم، وأن مناورات صلاح الدين للصليبيين كان لها أعظم الأثر في انحصار شرهم في الشام، كما تلاحظ أن الصليبيين يقاتلون بروح عقدية مثل المسلمين، إذ يعتقدون أنهم يجاهدون في سبيل دينهم، كما تلاحظ أن صلاح الدين كان همه مثل سلفه شغل الصليبيين بأنفسهم وجهادهم بعكس أمراء السوء كالدويلة الفاطمية الشيعية التي انهزمت 3 مرات أمام الصليبيين، وفي الأخيرا استنجد أتباعها بهم على المسلمين، وكذلك بعض أمراء السوء الذين يصل بهم حب الدنيا إلى الإستنجاد بالصليبين على إخوتهم المسلمين.

وفي العام التالي مات بلدوين الرابع وتوج بعده الخامس وتولى أمر الوصاية على المملكة ريموند كونت طرابلس الذي دعا البارونات لمناقشة الوضع، فرأوا ضرورة الإستنجاد بحملة صليبية كبيرة لإنقاذ الممتلكات الصليبية، ولما كان هذا الرجاء غير متوافر اقترحوا عقد هدنة مع صلاح الدين تدوم 4 سنوات، ووافق صلاح الدين لتنظيم أموره بدوره.

ومات بلدوين الخامس في 1186م ولم يبلغ التاسعة، وظفرت سبيلا وزوجها جاي بتاج المملكة بعد صراع كادت تنشب عنه حربا داخلية، وحافظ جاي على الهدنة ولكن أرناط لم يفعل لغدره، فغدر بقافلة عظيمة وحملها بمن فيها إلى الكرك، فارسل إليه صلاح الدين يلومه ويأمره برد ما أخذ، فرفض، وكذلك فشل الملك جاي في إقناعه برد القافلة والأسرى.
وكان نقض الهدنة في غير صالح الصليبيين، فبلادهم وأمراؤهم منقسمون، وبادر الأمراء إلى عقد هدن مع صلاح الدين، وقد وعد ريموند أمير طرابلس بجعله ملكا على البلاد، لذا بادر صلاح الدين إلى تقويته وأطلق من في الأسر من أتباعه.
وفي ابريل 1187 التقت بعض القوات الإسلامية عند عيون كريسون بقوات صليبية من الداوية والإسبارتية كانت في طريقها لعبور التل الواقع وراء مدينة الناصرة، ورأى الداوية الإشتباك مع المسلمين ورأى الآخرون غير ذلك، وانتهى الأمر بمهاجمة المسلمين وكانت مذبحة في صفوف الصليبيين، حيث لقي كل فرسان الداوية مصرعهم ما عدى ثلاثة وأسر العديد، وكان من هول هذه الكارثة أن ريموند أعلن نقض الهدنة مع صلاح الدين.

سقوط طبرية:
بعد اجتماع جيوش صلاح الدين اتجه بهم إلى طبرية حيث هاجمها قسم من جيشه فسقطت في ساعة من نهار، واحتمت الكونتيسة إيشيفا Eshiva بالقلعو وأرسلت إلى زوجها ريموند تخبره بالواقعة، وكان في عكا مع جيش ملك بيت المقدس، وكان يرى التزام جانب الدفاع في هذه المرحلة نظرا لإرتفاع درجة الحرارة وحتى تصل الإمدادات إلى أنطاكية رغم أن ذلك ليس في صالح زوجته، ولكن أرناط ومقدم الداوية جيرارد اتهما ريموند بالجبن، وأنه باع نفسه إلى المسلمين استنادا إلى هدنته مع صلاح الدين، ولذا وافقهم الملك على التحرك لإنقاذ طبرية، يقول ابن شداد “ولما بلغ العدو ما جرى على طبرية لم يأخذهم الصبر دون إجابة الحمية فرحلوا من وقتهم وساعتهم وقصدوا طبرية للدفاع عنها”.
تقد الجيش الصليبي من عكا إلى صفورية وعسكر بها في يوليو 1187م، وأعاد ريموند مقترحه مبينا أنه يفضل سقوط مدينة واحدة على سقوط المملكة بأكملها حتى أقنع الحاضرين، ولكن جيرارد مقدم الداوية ذهب إلى الملك في خيمته وأقنعه بضرورة مهاجمة المسلمين، فأصدر الأخير أوامره بالتوجه إلى الحرب.

وتقدم المسلمون إلى حطين:
حطين قرية صغيرة يبد عندها الإنحدار نحو بحيرة طبرية، وتتوفر فيها المياه والأعشاب. ورحل الجيس الصليبي من صفورية في أجواء الحر وصعوبة الطريق حتى وصلوا إلى الجيش الإسلامي الذي بادر بمهاجمتهم في عدة أماكن بوابل من السهام ولم يردوا الهجوم حتى وصلوا إلى قرية اللوبيا وكأنهم يساقون إلى الموت، وفي ذلك الموقع توقفوا، وكانت هنالك هضبة تشرف على حطين، وأمامها تل صخري تعلوه لمعتان هي قرون حطين باتفاع 30 مترا، وتنحدر الأرض خلفه بشدة نحو بحيرة طبرية.
اختلف الصليبيون حول التوقف أو المسير، ولكن الملك رأى التوقف بعدما رأى من إرهاق في جيشه، فاستعد الجانبان للمعركة القادمة، ولم يجد الصليبيون في البئر الذي حولهم ماء فحاولوا البحث عنه، ولقي كثير منهم الموت على يد المسلمين، ولزيادة متاعبهم أشعل المسملون النار في الأعشاب المحيطة بموقعهم، وحرك صلاح الدين قواته تحت جنح الظلام مطوقا الصليبيين (يا لها من ليلة ليست كليالي السهر على المواقع والبرامج المخلة).
ومع بزوغ الفجر كان صلاح الدين يسيطر على الموقف تماما، ومع طلوع نهار السبت 04 يوليو 1187م بادرت القوات الإسلامية بالهجوم على الصليبيين الذين أهمهم البحث عن الماء، حتى حاول بعضهم النزول من التل للحصول عليه من بحيرة طبرية، ولكن المسلمين تبعوهم فسقطوا ما بين قتيل وجريح وأسير. وبدأت القوات الصليبية تنهار، وطلب الملك من ريمون إحداث ثغرة في الجيش الإسلامي، فأفسح له تقي الدين المجال للهرب ثم أعاد جمع قواته حتى لا يتمكن ن العودة فاتخذ طريقه إلى طرابلس.
وكان يوما عصيبا على الكفار، أدركوا أنه لا سبيل إلا الحرب فحملوا على المسلمين الذين أحاطوا بهم، فانسحبوا إلى ناحية حطين وأرادوا نصب خيامهم فلم يتمكنوا إلا من نصب خيمة الملك على التل، وكان صلاح الدين براقب هذه الأحداث وإلى جواره ابنه الصغير الأفضل الذي روى هذه الأحداث فيما بعد للمؤرخ ابن الأثير، حيث قال إنها أول حرب شاهدها، وقال إن الصليبيين لما بنوا خيمة ملكهم حملوا بشراسة على المسلمين حتى ردوهم إلى صلاح الدين، فعلته كآبة وتقدم وهو يصيح “كذب الشيطان”، فعادوا على الفرنج الذين رجعوا وصعدوا التل، فصاح الأفضل من فرح هزمناهم، ثم عادوا ونزلوا على المسلمين ثانية حتى ارجعوهم إلى صلاح الدين، ولكن المسلمين عادوا فردوهم إلى التل فصاح الأفضل “هزمناهم”، فالتفت إليه صلاح الدين وقال “اسكت، ما نهزمهم حتى تسقط الخيمة”، وإذا بالخيمة قد سقطت، فنزل صلاح الدين عن فرسه وسجد شكرا لله، وبكى من فرحه (هذه رواية الأفضل عند ابن الأثير، بتصرف).
نزل الصليبيون بعدما أصابهم من جهد وعطش عن دوابهم فصعد إليهم المسلمون وألقوا خيمة الملك وأسروهم عن بكرة أبيهم، وفيهم الملك جاي وأخوه عموري وأرناط وعدد كبير من النبلاء وجماعة من الداوية والإسبارتية، وبعد انتهاء المعركة كان من يرى الأسرى لا يظن أن هنالك قتلى، ومن يرى القتلى لا يظن أن هنالك أسرى ! وكانت أكبر كارثة حلت بالصليبيين منذ قدومهم إلى الأراضي المقدسة حتى اعتبرها بعض المؤرخين بداية النهاية للحروب الصليبية.

ودخل صلاح الدين خيمته واستقبل فيها الملك جاي وشقيقه وأرناط وكبار الأسرى، فأجلس الملك إلى جواره وعامل الأسرى معاملة طيبة، ولاحظ أن الملك قد أهلكه العطش فسقاه ماء مثلوجا، وبعد الإنتهاء من الشرب قدم الملك الكأس إلى أرناط، فقال له صلاح الدين عبر الترجمان “أنت الذي تسيقه وليس أنا”، لما عرف عنه من عداوة للمسلمين، لأن الأسير إذا شرب من ماء آسره فهو آمن. ثم ذكر أرناط بغدراته وقام إليه بنفسه وضرب عنقه، وقال إنه كان نذر مرتين قتله بنفسه، وفي رواية أنه قال له “ها أنذا أستنصر لمحمد عليه الصلاة والسلام” وعرض عليه الإسلام فلم يفعل فسل خنجره وضربه به، وأكمل الخاضرون عليه، ورموه عند باب الخيمة. وظن الملك جاي بعد مشاهدته لذلك أن هذا مصيره، ولكن صلاح الدين طيب خاطره وقال له : “لم تجر عادة الملوك أن يقتلوا الملوك، وأما هذا فإنه تجاوز حده فجرى عليه ما جرى”.
وأما البقية من كبار الأسرى فقد احتفظ بهم، وبيع بقية الأسرى بأسعار زهيدة للفقراء.

سقوط مدن فلسطين:
تحطم في حطين أضخم جيوش الصليبيين، واستولى المسلمون على صليب الصلبوت، وأصبح صلاح الدين زعيما وقائدا للعالم الإسلامي بلا منازع، ولم يبق إلا استكمال السيطرة على أراضي المسلمين، فبدأ المسلمون بقلعة طبرية التي تحطمت معنويات حاميتها بعد موقعة حطين، فسلمت الكونتيسة إيشفيا القلعة، وعاملها صلاح الدين معاملة طيبة وسمح لها وحاشيتها بالتوجه إلى طرابلس، ثم توجه إلى عكا وكان يحكمها جوسلين أف كورتناي، فأرسل إلى صلاح الدين يعرض تسليم المدينة بالأمان فوافق صلاح الدين وتسلمها، واطلق سراح 4000 أسير مسلم كانوا بها.
وأرسل صلاح الدين قواته للسيرة على ما بجوار عكا، فسيطرت على قيسارية وحيفا وصفورية ومعليا إلخ. ثم حاصرت نابلس فنزل من بها من الصليبيين بالأمان (وهنا قد تتساءل أيها القارئ لماذا هذه الرحمة بملوك الكفار وأسيادهم، هم الذين يغدرون في كل مرة ؟ والجواب ما تقرأه، فعدل صلاح الدين وعطفه على الضعاف حتى من أعدائه جعل الكثير من أمراء الصليبيين وحامياتهم تسلم مدنها دون إتعاب المسلمين أو إزهاق روح مسلم واحد، وهذه من بركات العدل الذي لن ندم عليه كمسلمين أبدا رغم أن تساهلنا مع أعدائنا، ومع أهل البدعة فينا كان في كثير من المرات سببا في تغولهم علينا إلا أننا لن نندم لأن العدل واجبنا، ثم إن الدنيا كلها بلاء ولن تصفو أبدا لأحد من الناس، لا من المسلمين لا من الكفار، الدنيا كلها عبارة عن كر وفر – بما في ذلك الحياة الشخصية لأفرادها – تشبه إلى حد كثير هذه المعارك، وكل المعارك التي تلتها وستليها).
ويلاحظ أن بعض سكان هذه المدن كان من الكفار فمنهم من هرب بامواله، ومنهم من بقي في ظل الأمان، أما المدن التي كان جل سكانها من المسلمين كنابلس فقد ترك لهم صلاح الدين أموالهم وأملاكهم.
ثم سار إلى المدن الساحلية، وحاول فتح صور الحصينة التي بها حامية صليبية ضخمة، ولكنه فشل في ذلك في تلك المرحلة، وفضل عدم إرهاق قواته فتركها وتوجه إلى صيدا فغادرها حاكمها رينالد Reynald وتركها فارغة من المدافعين، فتسلمها صلاح الدين، ثم سقطت جبيل بعد حصار شديد وأطلق من بها من أسرى المسلمين.
ثم توجه صلاح الدين إلى بيروت الحصينة التي اعتلى أهلها أسوارها للدفاع عنها فدار القتال عدة أيان سقطت المدينة بعده. ولم يبق للصليبين بعد ذلك إلا أنطاكية وطرابلس وصور وعسقلان وغزة ومدينة القدس.
واتجه صلاح الدين إلى عسقلان ومعه من الأسرى الملك جاي ومقدم الداوية جيرارد، وأخبر الملك أنه سيطلق سراحه بعد استلام عسقلان، فطلب الملك من الحامية التسليم، ولكنها رفضت، فدار القتال أياما ثم سقطت، وتقرر السماح للصليبيين بمغادرة المدينة ومعهم أمتعتهم فقط، وتولى صلاح الدين حراستهم إلى الإسكندرية حتى رحلوا إلى أوروبا من حيث جاءوا.
وكانت غزو تحت سيطرة الداوية فاضطرت حاميتها إلى طاعة سيدها جيرارد الأسير، فاستلمها صلاح الدين وأطلق سراحه.

الإتجاه إلى بيت المقدس:
أرسل صلاح الدين الأسطول المصري بقيادة الشجاع حسام الدين لؤلؤ لمراقبة الإمدادات خشية وصولها إلى بيت المقدس، ففعل. ثم توجه من عسقلان إلى القدس، وكان قبل مغادرته إليها قد وصل إليه وفد منها للمفاوضة في شروط تسليمها، ولكن الوفد رفض تلك الشروط، فأقسم صلاح الدين أن يدخلها بحد السيف.
وخلال ذلك أرسل باليان أف ابلين يطلب من صلاح الدين السماح له بدخول القدس لإصطحاب زوجته وأطفاله منها إلى صور، فسمح له بشرط ألا يدخلها حاملا سلاحا وألا يبيت فيها، ولما وصل باليان إليها وجد هرقل بطريق المدينة وبعد الداوية يستعدون للدفاع عنها، وقد أصر هؤلاء على بقائه معهم باعتباره قائدا عسكريا موثوقا، فأصابته الحيرة وكتب إلى صلاح الدين يخبره بأنه سوف يحنث باليمين التي أقسمها، ولم يكتف صلاح الدين بالعفو عنه بل أرسل إليه رجالا لحماية زوجته وأطفاله واصطحابهم من القدس إلى صور ومعهم حاشيتهم وأمتعتهم، السبب أن مرتبة باليان عند الصليبيين كانت تقارب مرتبة الملك، وقد بكى صلاح الدين حينما شاهد هؤلاء الأطفال يغادرون المدينة في طريقهم إلى المنفى.
وبذل باليان ما في وسعه للدفاع عن المدينة، واستعان بمن بلغ السادسة عشر، إضافة إلى الكثير ممن هربوا من المدن الأخرى وكانوا يرون الموت أهون عليهم من تسليمها.
وصل صلاح الدين إلى القدس في 20 سبتمبر 1187م، فرأى على الأسوار ما هاله، وسمع ضجيجا كثيرا من داخل الدينة يدل على كثرة من بداخلها.
وبعد خمسة أيام من الطواف حول المدين اختار جهة الشمال للهجوم عليها، ونصب المجانيق، وهذا الموقع هو نفسه الذي دخل منه جودفري المدينة في عام 1099م.
وكان خيالة الصليبيين يخرجون في كل يوم يقاتلون ويبارزون، وسقط الكثير من القتلى من الجانبين، واستشهد الأمير عز الدين عيسى بن مالك وهو من أكابر الأمراء، كان يصطلي القتال بنفسه في كل يوم، فما راى المسلمون مصرعه حملوا حملة رجل واحد على الصليبيين وأزالوهم عن مواقعهم وأدخلوهم المدينة، ووصلوا إلى خندقها والتصقوا بالسور ونقبوه تحت غطاء من ضربات المجانيق والنبال.
وأراد الصليبيون القيام بهجوم كبير مهما كلفهم ذلك، فلم بوافق البطريق وباليان على ذلك خوفا من استرقاق النساء والأطفال، ولما أيقنوا أنهم مشرفون على الهلاك طلبوا الأمان وأرسلوا وفدا بذلك، ولكن صلاح الدين امتنع في البداية وقال لا أفعل بكم إلا كما فعلتهم بأهل المدينة حين ملكتموها من القتل والسبي، وجزاء السيئة بمثلها، ولما عادوا خائبين أرسل باليان يطلب الأمان لنفسه ليحضر إلى صلاح الدين، فوافق على ذلك، ولكنه رفض بعد حضوره أن يعطف عليهم ويرحمهم بعد استرحامه لهم. فلما يئس باليان منه، قال: اعلم أيها السلطان ان أهل المدينة كثرة، وهم لم يسلموا إلا رغبة في الحياة وطمعا في الأمان الذي أعطيتموه لغيرهم، فإن لم تؤمنا لنقتلن أبنائنا ونسائنا، ونحرق كل الممتلكات، ونهدم الصخرة والمسجد الأقصى، ونقتل الأسرى المسلمين – وعددهم 5000 -، ونقتل الدواب ثم نخرج إليكم قتال من يريد أن يحمي دمه ونفسه، وحينئذ ر يُقتل الرجل حتى يقتل أمثاله، ونموت أعزاء أو نظفر كراما.

أدرك صلاح الدين أن المدينة باتت في يده، وكان يرغب في أن يكون سخيا كعادته، وأن لا يلحق بها إلا أقل الأضرار، فاستشار أصحابه فأجمعوا على إعطائهم الأمان، واستقر الرأي على أن يفدي الرجل نفسه بعشرة دنانير، يستوي في ذلك الغني والفقير، والطفل دينارين، والمرأة خمسة، فمن أدى ذلك إلى أربعين يوما فقد نجا، ومن لم يفعل صار مملوكا.
وذكر باليان أن بالقدس 20 ألفا من الفقراء، وأنه سيدفع عنهم 100 ألف، ولما كان لا يملكها فقد دفع 30 ألفا وأطلق له 7 آلاف منهم، وسلمت المدينة يوم الجمعة الثاني من أكتوبر 118م، وهو يوم الإحتفال بأسرى والمعراج.
وقد شهد المؤرخون الغربيون بان المسلمين اشتهروا بالإستقامة والإنسانية وفعلوه عكس ما فعله الصليبيون عندما دخلوا المدينة عام 1099م، والذين خاضوا في دماء المسلمين، فلم تتعرض عند دخول صلاح الدين إلى المدينة أي دار للنهب، ولم يحل مكروه باي إنسان، وطوفت الشرطة بالشوارع منعا لوقوع أي اعتداء على الفرنج.
وكان بالمدينة 60 ألف رجل بين فارس وراجل سوى النساء والأطفال، ولكن الغنائم استولى عليها بعض الأمراء ولم يؤدوها إلى الخزانة وإلا لأمتلأت، واندهش المسلمون عندما راوا البطرق هرقل يدفع 10 دنانير عن نفسه ويغادر المدينة بحمل من الذهب، وخلفه العربات تحمل الأمتعة الغالية، وسيق الذين عجزوا عن الدفع إلى الأسر فخرجوا من باب المدينة في صف إلى جانب صف الذين فدوا أنفسهم، وطلب العادل من صلاح الدين إطلاق ألف أسير منهم مكافأة له، فوافق. واستغل البطريق هذه الفرصة فطلب منه بعض الأسرى ليعتقهم، فوافق أيضا، وكذلك فعل باليان الذي حصل على 500 أسير، كما اعلن صلاح الدين أنه سيطلق سراح كل شيخ وأمرة عجوز، وأقبلت إليه النساء فوعد بإطلاق سراح أزواجهن، وبذل المال أيضا للأرامل واليتامى كل حسب حالته.
وشهد المؤرخون الغربيون أن رحمة صلاح الدين فاقت كل وصف، وأنه كان على عكس الغزاة في الحملة الصليبية الأولى.
وكان على رأس قبة الصخرة صليب كبير مذهب وضعه الصليبيون، فلما دخل المسلمون المدينة تسلقوها واقتلعوه، فلما سقط صاح الناس كلهم صوتا واحدا من جاخل المدينة وخارجها، المسلمون يعبرون عن فرحهم، وغيرهم عن فجيعته.
وأمر صلاح الدين بتطهير الصخرة من الأقذار والأنجاس ورشت بماء الورد، وصلى المسلمون في قبة الصخرة، وأمر بإحضار منبر نور الدين الذي كان قد عمله على مدى سنين ليضعه في المسجد، فحمل ونصب يها، وكان بين عمله وحمله ما يزيد على عشرين سنة.

وطلبت ستيفاني من صلاح الدين إطلاق سراح ابنها، فوافق بشرط أن تسلمه حصن الكرك والشوبك، فوافقت، وتم الإفراج عنه، ولكن حامية الكرك والشوبك رفضتا أوامرها بالتسليم، فأعادت ابنها إلى صلاح الدين ليظل في الأسر، فأطلق لها ابنها بعد عدة أشهر.
ثم حاصر المسلمون قلعة الكرك مدة طويلة حتى نفد الزاد من الفرنج وأكلوا دوابهم، ثم راسلوا العادل يطلبون الأمان لأنفسهم مقابل التسليم فوافق. ثم تسلم الشوبك، وأمن المسملون أخطار الصليبيين في هذه النواحي.

مدينة صور:
يقول الرحالة ابن جبير الذي زارها قبل وقوع هذه الأحداث بثلاث سنوات في عام 1184م أن هذه المدينة يضرب بها المثل في الحصانة حيث أن لها بابين أحدهما في البر والآخر في البحر الذي يحيط بها من كل الجهات ما عدى جهة واحد.
لجأ إلى هذه المدينة كثير من الصليبيين لحصانتها، ورغم كثرة الصليبيين بها لم تكن لهم قيادة تجمعهم، ومعظم من فيها كانوا من غير أهل الحرب، وكان بها رينالد صاحب صيدا، وقد عزم على التسليم، ولكن وصلتها سفينة على متنها مونراد بن مركيز مونتفرات، بعد 10 أيام من معركة حطين ولم يكن يدري بما حل بالصليبيين، وقد رحب أهلها به واعتبروه المنقذ، فرفض فكرة التسليم اعتمادا على حصانة المدينة وعلى المساعدات التي قد تأتي من الغرب.
ولما وصل صلاح الدين إليها، وعلم بالأمر أحضر الماركيز مونتفرات من دمشق، واستعرضه أمام أسوار المدينة مهددا بغعدامه إذا لم يتم تسليمها، ولكن كونراد لم يهتم بالتهديد ورفض التسليم، ولم يعدم صلاح الدين المركيز تكرما، ورحل عنها.
وبعد ذلك عاد إلى صور وعسكر حولها، ثم اتخذ طريقه لمهاجمة عكا.

الحملة الصليبية الثالثة:

ثم عاد إليها بعد سقوط بيت المقدس بكل ما ما معه من أدوات الحصار، ولم يتمكن أيضا من إسقاطها، فرفع الحصار عنها ثانية.
وكانت سبيلا زوجة الملك جاي قد كتبت إلى صلاح الدين مرارا ترجوه إطلاق سراح زوجها، وأخيرا وبعد عام وافق على إطلاق سراح الملك بعد أن أقسم على مغادرة الشام عائدا إلى بلاده، وألا يحارب المسلمين مرة أخرى، فذهب إلى طرابلس ليلحق بزوجته، ويروى أن أحد رجال الدين حله من يمينه التي اتخذها تحت الضغط ولأنها بذلت لغير مسيحي، ويروى أيضا أنه رحل إلى طرابلس ومنها إلى صور عازما على تولي القيادة، ولكن كونراد لم يسمح له بدخولها فعاد إلى طرابلس.

أسرعت الرسل بالأخبار إلى غرب أوروبا، ولما علم البابا أوربان الثالث Urban 3 بها لم يتحمل الصدمة وكان مريضا فهلك في أكتوبر 1187م. وتولى بعده البابا جريجوري الثامن، فأرسل إلى حكام الغرب الأوروبي يدعوهم إلى مساعدة الممالك الصليبية وإلى فرض هدنة في أوروبا لمدة سبع سنوات لأن هنري – والد ريتشارد – الإنجليزي كان داخلا في حرب طاحنة مع ملك فرنسا، ووعد جميع الصليبيين بغفران الذنوب.
وكان الصليبيون في المشرق قد أرسلوا صورة لمسلم على فرس وهو واقف على قبر زعموا أنه المسيح لإثارة الحماس، وكان يحملها رجال ينادون بالويل فهيجوا الناس (يدلك هذا على ضعف مستوى الشعوب الغربية، حتى اليوم نلاحظ فيهم هذا الغباء، فحكوماتهم تتلاعب بهم بالأكاذيب وهم أغبى من أن ينتبهوا لغير فروجهم وبطونهم).
وهلك البابا بعد شهرين فتولى بعده البابا كليمنت الثالث، فأرسل بدوره يحرض على المسلمين حتى خرجت الحملة الثالثة، وحظيت بقيادات لم تتوفر لغيرها فقد خرج الإمبراطور الألماني فريدريك باربوسا الذي شارك في الحملة الثانية وكان عمره 70 سنة، والملك الفرنسي فيليب أوغسطس، وملك إنجلترا ريتشارد قلب الأسد.
خرج فريدريك في 50 ألف فارس، و100 ألف من المشاة، في 20 من يونيه 1189م برا، وسمحت له الإمبراطورية البيزنطية التي كان يحكمها إسحاق أنجليوس بالمرور وفقا لشروط وضعتها. ودخل الجيش بلاد سلاجقة الروم، وكان هدفه قصد العاصمة قونية وهي في منطقة جبلية وعرة، وقد عانى الألمان من ضربات السلاجقة التي لاحقت أطراف جيشهم، وأثر عليهم الجوع والعطش، وانسحب السلطان السلجوقي قلج أرسلان من العاصمة بعد هزيمة جيشه الذي خرج إليهم بقيادة قطب الدين ملكشاه ابنه، وغادرها الألمان في طريقهم إلى الشام.
وفي رواية أن فريدرك طلب من السلطان أن ييسر لهم الأقوات ليعبروا، وانه وافق، ثم اشتكى الصليبيون من الهجمات عليهم وطلبوا رهائن فقدم إليهم بعض الأمراء، وكان السلطان يكاتب صلاح الدين ويقول له إنه سيمنعهم من العبور، ثم لما غادروا اعتذر له، وقال إن اولاده حكموا وحجروا عليه.
وتقد الجيش حتى وصل إلى مقربة من نهر سالف في إقليم أرمينية حيث مات غرقا، وكان موته ضربة قاصمة للعالم الغربي وللحملة الصليبية الثالثة.
وتولى ابنه فريدريك دوق سوابيا القيادة، وأعاد جزء من الجيش إلى أوروبا، واتخذ طريقه إلى أنطاكية بجثمان والده بعد أن حفظه في الخل على أمل دفنه في بيت المقدس، وقد عاني الألمان في الطريق، ومات الكثير منهم، ووصلوا أنطاكية في يونيو 1190م، وكان جثمان الأب قد تحلل، فتم دفنه فيها بعدما تم نزع بعض عظامه على أمل دفنها في بيت المقدس.

وقبل وصول القوات الفرنسية والإنجليزية توافدت بعض الإمدادات من أوروربا على الساحل الشامي، وهاجم صلاح الدين قوات الملك جاي التي كانت معسكرة خارج عكا، ولكنه باء بالفشل في المرات الأولى ثم انتصر عليهم، ووصل أعداد كبيرة من الصليبيين على ظهر السفن وحاصرت عكا من البحر، كما شددت قوات جاي الحصار عليها برا.
انزعج صلاح الدين من هذه الإمدادات وبدأ في جمع قواته، وراسل الخليفة الموحدي يعقوب المنصور يستنصره، لكن بلا فائدة فقد كان الموحدون مشغولون بمسيحيي إسبانيا والبرتغال (أقول: بل كانوا مشغولين ببدعهم).
وظل الصرع حول عكا وعليها حتى نوفمبر 1190م (أكثر من عام)، وحرم صلاح الدين من الإتصال بقواته التي في داخل المدينة لحيلولة الصليبيين بينه وبينها، وكانت الحرب تدور أيضا بين الأساطيل البحرية.
وازداد الضيق على الصليبيين المعسكرين خارج عكا حتى قال ابن شداد إنه كان يموت منهم في كل يوم بين 100-200، ومن بين الذين ماتوا فريدريك دوق سوابيا ابن الملك الألماني الهالك.

اندلعت الحرب مجددا بين فرنسا وانجلترا فأخرت الحملة، ثم انتصرت فرنسا، ووافق هنري – والد ريتشارد – على عقد صلح مهين مات قبل التوقيع عليه بيومين، واعتلى ابنه ريتشارد العرش وتحسنت العلاقات مع فرنسا، واتفق الطرفان على المسلمين
خرج الجيش الفرنسي بعد عقده للهدنة مع الإنجليز وهم يحملون صليبا أحمرا، في حين أختار ريتشار صليبا أبيضا، وفرض ضريبة قدرها 10 بالمائة من الضرائب، عرفت باسم عشور صلاح الدين.

وكان ملك صقلية وليام الثاني متزوجا باخت ريتشارد، فمات في 1189م واعتلى العرش بعده الكونت تانكراد وهو ابن عم غير شرعي له، فعاملها معاملة سيئة، لذا استولى ريتشارد على بعض الأراضي في صقلية منهما مدينة مسينا، ونهب، وميسنا استضافت القوات الفرنسية والإنجليزية في ذلك الشتاء، لكن تانكراد عرض المال مقابل التسوية فقبل ريتشارد.
ثم ابحر الأسطول الفرنسي من ميسنا في 1190م حتى وصل صور، حيث استقبله كونراد مونتفرات بفرح، وصحبه إلى عكا، حيث تم تشديد الحصار عليها، وتأجلت محاولة الإقتحام حتى يصل الأسطول الإنجليزي. وتأخر ريتشارد في مسينا ست أشهر، وتعرضت سفنه في الطريق للمتاعب منها سفينة الأميرة جوانا وخطيبة ريتشارد برنجاريا التي دفعتها الرباح إلى جزيرة كريت التي حكمها إسحاق دوكاس مستقلا بها، فوصلت مدينة ليماسول، وعاملها إسحاق معاملة سيئة، وأقسم ريتشارد على الإنتقام وحاصر ليماسول، واضطر إسحاق إلى التفاوض كن الأمر انتهى بسيطرة ريتشارد على جزيرة قبرص بمساعدة قوات جاي التي جاءت لإستقباله، واستولى ثروات الإمبراطور إسحاق.

بعد وصول الجيش الإنجليزي عكا في يونيه في 25 سفينة، وكانت عكا قد ضعفت جدا، وهدمت المجانيق من سور المدينة قدر قامة رجل، وكان اللصوص يدخلون خيام المعسكر الإسلامي ويسرقونها.
وروى ابن شداد قصة عيسى العوام الذي ما رؤي من أدى الأمانة في حياته وبعد مماته قبله، وذلك أنه كان يغوص ويدخل إلى عكا وهو يشد على وسطه النفقات والكتب، ويغوص أيضا ليخرج من وراء سفن الصليبيين، وعندما يدخل عكا يطير طيرا فيعرف الناس أنه جاءهم، فأرسل الله عليه ما أهلكه فاستبطأه الناس لما لم يروا الطير ثم قذف البحر بجثته إليهم، وأخذوا النفقات والكتب المشدودة عليه.
وعجز الفرنسيون وحدهم عن اختراق عكا نتيجة مرض ريتشارد الذي أقعده عن مشاركتهم في الهجوم حتى يصح ويكون له فضل في النصر، وضايق الصليبيون سكانها حيث ملؤوا خندقها بجثث دوابهم وموتاهم وذوي الجراح الميؤوس منها، فكان أهلها ينزلون إلى الخنادق يقطعون الموتى والدواب لتسهيل نقلهم، وقسم آخر يرمون هذه القطع في البحر ، وقسم يحرس المدينة حتى أخذ التعب يحل بالجميع، فكان الإبتلاء عظيم.
وكان صلاح الدين يداوم على مهاجمة الصليبيين المحاصرين للمدينة بنفسه وخواصه ليل نهار ليشغلهم عن مهاجمة المدينة.
وجرت معارك كثيرة بين المسلمين والصليبيين، ودارت معركة بين سفينة إسلامية عليها 650 من الأبطال حاولت صنع منفذ إلى المدينة فتكاثرت عليها سفن الصليبيين، وأوقعت بهم الخسائر الفادحة، ولما أدرك مقدمها عدم جدوى المقاومة أقسم الا يحصل الصليبيون على ما فيها، فضربها المسلمون حتى غرقت، وحزن صلاح الدين والأهالي عليها، وكان مما سلاهم إحراقهم لدبابة صليبية مكونة من عدة طبقات اقتربت من السور مقدار 5 أذرع، فأخافت المسلمين كثيرا، ولكنهم فرحوا وكبروا بعد إحراقها، وكانت الحادثة في نفس يوم سقوط السفينة.
ثم لما كان عدد الصليبيين كثير تناوبوا على القتال، جماعة تستريح وجماعة تقاتل حتى أنهكوا أهل المدينة، ورأى صلاح الدين ذلك فهجم عليهم وهو يحث الناس على الجهاد ودموعه تتساقط من عينيه وينادي “يا للإسلام”، وكان كلما رأى ما حل بالمدينة وأهلها عاد إلى القتال بإصرار أكثر حتى وصلته رسالة من الأهالي يخبرونه بأن العجز قد بلغ منهم إلى غاية ما بعدها إلا التسليم، وأنهم سيسلمون المدينة في مقابل الأمان لأنفسهم.
وكان هذا أسوا خبر وقع على المسلمين لأن عكا كان تحوي جميع سلاح مدن الشام وبداخلها كبار الأمراء وشجعان الإسلام.
فزع صلاح الدين لهذا الخبر، وجمع جيشه وهاجم الصليبيين لكسر خطوطهم، فدار قتال شرس سقط فيه الكثيرون حتى فصل الليل بين الطرفين.
ويروى أن أحد الأمراء المسلمين خرج لطلب الأمان فرفض الصليبيون، فخاف الأهالي وهرب بعضهم ليلا عن طريق البحر، وحاول صلاح الدين الهجوم بجيشه كله ولكن قواده لمو يوافقوه على ذلك خوفا من المخاطرة بجيش الإسلام كله.
ثم اشتط الصليبيون في الشروط حتى فضل الأهالي الموت على التسليم، وأرسلوا إلى صلاح الدين بذلك، فحاول كشف الغمة عنهم، ولكن الصليبيين كانوا كثر ومنظمين.
ثم صالح الأهالي الصليبين على تسليم المدين وما فيها، وتقديم مبالغ مالية مقابل الأمان، وأبلغ احد العوامين صلاح الدين بذلك، فانكره إنكارا شديدا، ودخل الصليبيون المدينة وتنازعوا على أحيائها حيث طلب ليوبولد دوق النمسا باعتباره قائدا للجيش الألماني أن تكون له نفس المكانة الملكية لريتشارد ويحصل على أحد الأحياء، ورفض الإنجليز وألقوا علمه الذي كان رفعه في ذلك المكان في الخندق فاعتبرها إهانة سيترتب عليها أسر ريتشارد عند عودته من الشام.

وعاد الملك الفرنسي إلى بلاده نتيجة للمرض بعد أن ترك الجزء الأكبر من جيشه، وبعد أن فشل ريتشارد في استبقائه، ولكنه وعده بعدم مهاجمة الممتلكات الإنجليزية الواقعة في الأراضي الفرنسية.
تولى ريتشارد قيادة الصليبيين وبدأ في مفاوضة صلاح الدين مقابل صليب الصلبوت وتبادل الأسرى، وقد حاول الصليبيون – كالعادة – الغدر بصلاح الدين فرفض تسليم المال إليهم بعد أن سلم صليب الصلبوت إلا بعد تسليم السرى المسلمين، ولكن ريتشارد عزم على مهاجمة عسقلان فخرج بمن معه من الأسرى ختى أتى الآبار تحت تل العياضة فأحضر الأسرى في الحبال وحمل عليهم بجيشه حملة واحدة وقتلوهم ضربا بالسيوف.
ثم سار الصليبيون قرب الساحل تحت حماية السفن الصليبية بعد أن انقسموا إلى ثلاثة أجزاء، وصلاح الدين رافقهم ويناوشهم حتى اقتربوا من مدينة قيسارية وأصبح الصدام وشيكا بينهم وبين المسلمين.
وعندها طلب ريتشارد المفاوضة قائلا إنهم ما جاؤوا إلا لنصرة فرنج الساحل، وأن الحرب طالت وقتل فيها الكثير من الأبطال، وأنهم مستعدون للعودة إلى أوروبا إذا تمت اعادة الممتلكات الصليبية التي استرجعها صلاح الدين، ففاوضهم العادل على أساس التطويل حتى يصل التركمان إلى صلاح الدين، فتعثرت المفاوضات واستعد الصليبيون للتقدم نحو أرسوف. وتمكن المسلمون في البداية من مضايقة الصليبيين مضايقة عظيمة ثم التحمت معها، ثم حدث كر وفر حتى انفصلت القوتين وسقط الكثير من القتلى والجرحى، ورغم أن معركة أرسوف لم تكن حاسمة فقد اعتبرت انتصارا معنويا للصليبيين بعد الخسائر الكبيرة التي حلت بهم في حطين.
ثم في اليوم التالي سار الصليبيون بمحاذاة الساحل، وتوقفوا أحيانا لما أصابهم من جراح وتعب، وصلاح الدين يرافقهم ويرميهم بالنشاب حتى وصلوا مدينة يافا، ونزل صلاح الدين بجنوده في الرملة خوفا على القدس، وكانت في الطريق إليها.
وقرر المسلمون أن يراقب الملك العادل الصليبيين في يافا التي توقفوا بها لأيام حتى يعرف تحركاتهم ويرسلها للمسلمين، وأن يسير صلاح الدين إلى عسقلان ليخربها ولا يتمكن الصليبيون من الإستعانة بعمارها في التقوي على القدس، وحتى يتسنى لصلاح الدين تجميع قوته للدفاع عن القدس بدل تشتيتها بينها وبين عسقلان.
ودخل صلاح الدين عسقلان واستنفر الناس لتخريب المدينة، ووقع فيها الضجيج والبكاء فقد كانت بلدة ناضرة محكمة الأسوار عظيمة البناء، فشرع أهلها في بيع ما لا يمكن حمله بأرخص الأسعار، وصلاح الدين يستعجلهم حتى لا يصل الصليبيزن إليها وهي عامرة.
وفي هذه الأثناء وصلت مراسيل العادل بان الصليبيين طلبوا المفاوضة، وهذا مستغرب فهم لم يحققوا بعد إلا سقوط عكا، ولم يشتبكوا اشتباكا كبيرا بعدها، ولكن الظروف كالخلافات بين الصليبيين المحليين، وخوف ريتشارد على أراضيه في انجلترفرنسا بعد عودة الملك الفرنسي إلى أوروبا، وهو خلاف بين الطرفين تعود جذوره إلى 1066م منذ فتح وليام الفاتح إنجلترا. حاول الصليبيون تحقيق بعض المكاسب الحربية تمهيدا لفرض شروطهم في المفاوضات، وحاول كل من ريتشارد وكونراد أن يفاوض المسلمين على حدة.
ظلت القوات الصليبية في يافا حتى بداية شتاء عام 1191م، اما صلاح الدين فنزل بمعظم جيشه في الرملة في الثالث من رمضان الموافق 25 سبتمبر 1191م، ورتب عسكره، ثم خرب مدينة اللد، وخرب قلعة الرملة أيضا. وفي هذه الأثناء قبض المسلمون على بعض النصارى يحملون كتبا من والي القدس إلى صلاح الدين يخبره بحاجة المدينة إلى العدة والرجال، أرادوا حملها إلى النصارى، فضربت رقاب من كانت معهم الكتب. ثم تفقد صلاح الدين أحوال بيت المقدس، ونزل في مكان قريب من مدينة اللد.
وفي شتاء عام 1191م-1192م خرج ريتشارد للصيد في نواحي يافا فوقع في كمين للمسلمين، وكاد يسقط أسيرا في أيديهم، ولكن أحد الفرسان وهو william of preaux أعلن أنه الملك، فأسر هو وجماعة أخرى من الفرسان. وذكر ابن شداد أن أحد المسلمين أراد طعن ريتشارد فحال بينه وبين ذلك أحد الإفرنج، فقتل الأخير وجرح ريتشارد.
ورحل ريتشارد قاصدا بيت المقدس فعسكر حول مدينة الرملة التي وجدها خربة، وبدأت الغارات الإسلامية تنهال على مراكزه الأمامية، وكاد يقع أسيرا للمرة الثانية في يد المسلمين.
ثم رحل إلى بيت النوبة وعرقلت الأمطار تحركات الجيش الصليبي وأهلكت الكثير من المؤمن والدواب، وحمل المسلمون عليهم وجرى قتال عظيم كانت الدائرة فيه على الصليبيين وأسر منهم جماعة سيرها المسلمون إلى القدس.
وتشجع المسلمون بوصول العساكر المصرية التي عسكرت على التلال خارج المدينة، وأرسل الصليبيون يطلبون النجدة من صور وطرابلس وتشجعوا على مواصلة المسير إلى القدس، ووضع صلاح الدين الخطط للدفاع عن المدينة فأفسد المياه حولها، وأرسل يطلب المؤمن والأجناد من بقية بلاد المسلمين. وهنا أختلف الصليبيون فالتقدم إلى القدس بالنسبة لهم يوقعهم بين جيش الشام والجيش المصري القادم، كما أن عدد الصليبيين المحليين قليل فحتى إذا سقطت القدس لن يستطيعوا الإحتفاظ بها بعد عودة الحملة إلى أوروبا، وحكم النصارى 300 من أعيانهم، حكموا بدورهم 12، حكموا بدورهم 3 منهم، واستقر الرأي على الرحيل، فعاد الصليبيون إلى عسقلان، وانهمكوا في تحصيلها على مدى 4 أشهر، ودب الخلاف بينهم، ورفض كونراد دعوة ريتشارد المشاركة في تحصين المدينة، كما دب الصرع بين البيازن والجنويين وصل إلى حد الصدام السلح، فرحل ريتشارد إلى عكا لعقد الصلح، وشاهد من الخلافات والشقاق ما زاد من عزمه على عقد هدنة مع صلاح الدين، وزاد من قناعته بذلك وصول الأنباء من انجلترا بأن يوحنا شقيق الملك يعمل على اغتصاب السلطة، فجمع ريتشارد الصليبيين لتولية ملك على بيت المقدس، فاختاروا كونراد الذي قدم إلى عسقلان لما علم بذلك، ولكنه لقي مصرعه بعد ثمانية أيام على يد أحد جماعة الحشيشة. وانتهة الأمر بتولية هنري كنونت شامباني، واسمه عند العرب الكند هري، ويتمتع بصلة قربى لكل من ريتشارد وفيلب أوغسطس، ولما لم يتم اختيار جاي لوزيجنان أرسله ريتشارد إلى جزيرة قبرص لأن الداوية لم يكونوا راغبين بالإحتفاظ بها، فأنشأ بها عام 1192م أسرة حاكمة.
والتحق هنري بريتشارد وأسقطوا بعض الحصون التي قاومتهم كحصن الداروم آخر حصن إسلامي على الساحل الشامي، والذي حاصروه لعدة أيام، ودافع رجال الحامية عنه ببسالة، ثم لما أدركوا عدم جدوائية ذلك قتلوا الدواب وأضرموا النار في الذخائر، واشتد القتال حتى سقط الحصن عنوة. وشجع هذا السقوط الصليبين على السير مرة أخرى إلى بيت المقدس، وصلوا إلى تلك الصافية في مايو 1192م، ومنا اتجهت قواتهم إلى النطرون.
واستولى الصليبيون على قافلة مصرية فيها 3000 جمل، بعد أن دار ريتشارد حولها في زي عربي، وراودتهم فكرة التخلي عن القدس ومهاجمة مصر.
ثم رحل ريتشارد إلى يافا، وبعد خروجه منها وصل ليها صلاح الدين وضربها بالمنجنيق، وسقطت المدينة ما عدى قلعتها. ولما علم ريتشارد الذي كان في عكا بذلك أعرض عن التوجه إلى بيروت التي كان يقصدها، واتجه بأسطوله إلى يافا (أكثر من 50 سفينة منها 15 شانية فيها شانية الملك)، ولم يكن يعلم بما حدث في المدينة فتردد في الهبوط إلى البر، ولما رأى من بالقلعة الأسطول الإنجليزي قفز أحد رجال الدين من القلعة غلى الأرض وكانت رملا فلم يصب بسوء فسبح في الماء حتى وصل إلى الملك وأخبره بما حدث، فنزل الجميع إلى البر، ثم حملوا على المسلمين الذين تراجعوا تجاه صلاح الدين الذين كان خارج المدينة، وبعد هذه المرحلة جرت المفاوضات لتقرير الهدنة والصلح ولكنها تعثرت، وعلم صلاح الدين أن القوات الصليبية التي جائت إلى يافا خرجت منها إلى قيسارية، وأن ريتشارد نزل خارج يافا بعدد قليل من القوات، فسار تتقدمه الأدلة إلى أن وصل في 25 من أغسطس 1192م إلى خيام الصليبيين، وكانت قليلة العدد قدرها البعض بعشرة خيام، فحمل عليها، وكانت الحامية قد استعدت بعد أن أبلغها أحد الفرسان الذين كانوا في الخارج يمشاهدته للجيش الإسلامي، فوضع الصليبيون حاجز منيعا في وسطه الرماح والنبالة، ففشل المسلمون في اختراقه، وتقول الرواية إن صلاح الدين رحل غاضبا من فشل جنوده في منادته بالإقدام واختراق تلك الشرذمة حيث لم يستجب له إلا ولد الملك الظاهر، فمنعه من ذلك.
وسقط ريتشارد في خيمته مريضا بالحمى، وفي نفس الوقت بادرت القوات الفرنسية في الرحيل، فلم يجد بدا من المفاوضة. والحقيقة أن هذه الفكرة قديمة، وقد بدأها ريتشارد منذ قدومه إلى الشام، وقد قال ابن شداد: “وكان غرض الصليبين بتكرار الرسائل تعرّف قوة النفس وضعفها عند المسلمين، وكان غرض المسلمين بقبول الرسائل تعرف ما عند الصليبيين من ذلك”.
وكان كونراد (المركيس في المصادر العربية) أخبث الصليبيين وأشدهم بأسا وأعظمهم في الحرب مراسا، وأثبتهم في التدبير، وكان في بداية الحملة الثالثة قد راسل صلاح الدين يعرض عليه إعطائه صيدا وبيروت في مقابل اعلانه الحرب على الحملة الثالثة ومهاجمته لعكا، وعلم ريتشارد بذلك فسار للم الشمل، وادرك صلاح الدين مدى الشقاق بين الصليبين المحليين والقادمين، كل هذه العوامل وغيرها مهدت للتفاوض، وكان منرأي صلاح الدين منذ البداية أن يطيل القتال حتى يخرج الصليبيون من الساحل الشامي لأنه لا يثق فيهم.
وأرسل ريتشارد إلى صلاح الدين يطلب لقاء الملك العادل بإعتباره المفوض بامر الصلح (والذي كان يفاوض الصليبيين)، فوافق على إرساله، فخرج إليهم في 20 من مارس 1192م ، وأمره أن يماطلهم – لعدم الثقة فيهم بعد تجربة مفاوضاتهم السابقة – حتى تصل العساكر الإسلامية من الأطراف إليه في القدس، وكان عرض الصلح الذي خرج به الملك العادل هو أن يضم الصليبيون بيروت إليهم بشرط أن تظل خرابا، ويسلم لهم صليب الصلبوت، وأن يعين قسيسا لكنيسة القيامة، ويدخل الصليبيون القدس للزيارة بشرط عدم حمل السلاح، وكان سبب كل ذلك ما عاناه المسلمون من تعب في مواظبة الغزاة وكثرة الديون والبعد عن الأوطان.
وزادت رغبة ريتشارد في الصلح بعد وصول مبعوث من كبير الوزراء في انجلترا يعلمه بمحاولة الأمير يوحنا شقيقه السيطرة على انجلترا، ويطالبه بالعودة إلى البلاد. إضافة إلى بدء تذمر القوات الفرنسية من قلة الميرة والإحتجاج على ريتشارد بسبب ذلك، لإضافة إلى اغتيال كونراد بعد شهر من ذلك كما ذكرنا.
فبدأت مرحلة المفاوضات الأخيرة التي استمرت خمسة شهور، وموجزها أن العساكر اجتمعت بصلاح الدين قادمة من شتى الأرجاء، فتقدم بها من القدس إلى الرملة ناشرة الأعلام والبيارق، وجمع أرباب الرأي وقال إن الملك الإنجليزي مرضا مرضا شديدا، والقوات الفرنسية عازمة على الإبحار إلى أوروبا بعد أن قلت الأموال، والرأي أن نسير إلى يافا، وإذا لم نتمكن منها عدنا إلى عسقلان وبالإمكان الإستيرء عليها قبل وصول النجدات الصليبية، وخلال هذه المرحلة كانت رسل ريتشارد لا تنقطع عن طلب الفاكهة والثلج، ويذكر ابن شداد أن الله أوقع على الملك الإنجليزي في مرضه شهوة الكمثري والخوخ، وكان صلاح الدين يمده بذلك، ويقصد بذلك كشف الأخبار بتواتر الرسل، وقد علم ان في يافا 300 فقط، وأن القوات الفرنسية عازمة على عبور البحر، وأنهم رفضوا العناية بسور المدينة، وإنما اهتموا بسور القلعة، كا أن ريتشارد طلب الحاجب أبا بكر العادلي، وكان له معه انبساط عظيم.
وعاد الحاجب أبا بكر إلى صلاح الدين وأخبره بشكر الملك ريتشارد له على إرسال الفاكهو والثلج، وذكر ابن شداد أنه أخبر صلاح الدين بأن ريتشارد انفرد به، وقال له “قل لأخي – يعني الملك العادل- يبصر كيف يتوصل إلى صلاح الدين في معنى الصلح، ويستوهب منه عسقلان وأمضي، ويبقى هو هنا في هذه الشرذمة اليسيرة – يقصد الصليبيين المحليين – يأخذ البلاد منهم، فليس لي غرض إلا إقامة جاهي بين الفرنج، وإن لم يتنازل صلاح الدين عن عسقلان، فليدفع صلاح الدين للملك ريتشارد عوضا عن عمارة سورها”.
وعندما علم صلاح الدين بذلك، سير الرسل إلى أخيه العادل يخبره بان يصالح الفرنج إذا تنازلوا عن عسقلان لأن العساكر قد ضجرت من مواصلة القتال. وفي 28 من أكتوبر 1192م، وصلت الرسل بتنازل ريتشارد عن شرط عسقلان، وطلب العوض عنها، وبذلك أزيلت العقبة الأساسية، والسبب إصرار ريتشارد على الصلح للعودة إلى بلاده، ويبدو من كلام الحاجب انه لم يكن يرد إلا علو شأنه بين الصليبيين وملوك أوروبا والبابوية. وفي 22 من سبتمبر 1192 تمت معادة الصلح المعروفة باسم صلح الرملة، والتي تقضي أن تكون الهدنة لمدة 3 سنوات، وتكون يافا وقيسارية أرسوف وحيفا وعكا، كل مدينة إضافة إلى عملها إلا عكا أخرج منها الناصرة وصفورية، أما اللد والرملة فمناصفتهما بين المسلمين والصليبيين، وبذلك يكون الصليبيون قد احنفظوا بالبلاد الساحلية من صور حتى يافا، كما تم الإتفاق على تخريب عسقلان، وأن يكون للصليبيين حرية الذهاب إلى بيت المقدس للحج، وللمسلمين أيضا الحق في دخول البلاد التي تحت يد الصليبيين.
وقد أنهى هذا الصلح أعمال الحملة الصليبية الثالثة، ورحل ريتشارد إلى بلاده، ولكنه وقع في الأسر قرب مدينة فينا، وسلم إلى ليوبولد دزق النمسا، ثم سلم إلى الإمبراطور هنري السادس، ولم يلق سراحه إلا في شهر مارس 1194م.
ومما لا شك فيه أن صلح الرملة قد قوبل بارتياح لدى الجانبين المسلم والصليبي بعد أن مل الطرفان القتال الذي طال أمده.

أحوال الشرق والغرب حتى قدوم الحملة الخامسة:
لقد كانت أحوال الشام ومصر بعد وفاة صلاح الدين (في 4 مارس 1193م) حتى استيلاء أخيه العادل على مصر، فترة معقدة تخللتها المؤامرات والضغائن والأهواء.
فبعد وفاة صلاح الدين قسمت مملكته بين أولاده وإخوته وهم ابنه الأكبر الأفضل وابنه الملك الظافر الذي كان في خدمة أخيه الأفضل، والملك المجاهد أسد الين شيركوه، والملك الأمجد الذي كان في خدمة الأفضل، وابنه الملك العزيز، وانبه الملك الظاهر غازي، وأخوه الملك العزيز سيف الإسلام، أما أخوه العادل فلم يظفر م التركة إلا بالكرك والشوبك وقلاع وحصون أخرى، وتوزعت بقي البلاد على جماعة من أمراء الدولة الأيوبية.
والذي يهمنا هو أن الملك العادل قد تمكن في هذه المرحلة من بسط نفوذه على معظم أملاك أخيه صلاح الدين، وتولى حكم المملكة الأيوبية. فقد رأى أن ما حصل عليه ضئيل في مقابل ما قام به باعتباره رفيق صلاح الدين في الكفاح ضد الصليبيين، ولاحت له الفرصة عندما دب الخلاف بين الأفضل وأخيه العزيز، إذ استهل الأفضل فترة حكمه بإبعاد أكابر أمراء أبيه والإنهماك في اللهو والشراب تاركا الأمر لوزيره ضياء الدين بن الأثير – أخو المؤرخ عز الدين بن الأثير -، فأساء التصرف في أمور الرعية، وزين للأفضل التنازل لأخيه عن القدس لأنها تحتاج إلى كلفة عظيمة، فوافق، وسر العزيز بذلك، إلا أن ولاة القدس خافوا من محاسبة العزيز، فكتبوا إلى الأفضل ببقاء القدس بأيدهم دون الحاجة إلى أموال منه، فوافق، وكتب إلى أخيه بذلك فتكدر باطنه.
وزين الأمراء الصلاحية للعزيز الإستيلاء على دمشق خاصة بعد تسليم متولي مدينة جبيل المدينة للصليبيين مقابل المال، وتعذر على الأفضل استردادها، وكتب الأفضل إلى أخيه عندما علم بقصده يسترضيه، ولكن وزيره ضياء الدين حرضه عليه، فخرج لقتاله، واستنجد بآل البيت الأيوبي، وبعمه العادل لثقته به، ولكن العزيز لم يمهله بل هاجمه واضطره إلى دخول دمشق، وتوسط العادل بين الأخوين على أن يحتفظ الأفضل بدمشق، وياخذ العزيز القدس، ويأخذ الظاهر جبلة واللاذقية، وزوج العزيز بإحدى بناته، وبذلك أثبت أنه الرج العاقل الذي يحافظ على مصالح البيت الأيوبي والمسلمين.
لكن أمراء الصلاحية المتحكمين زينوا للعزيز أخذ دمشق، فخرج في العام التالي إلى الشام، واستنجد الأفضل بعمه العادل وأخيه الظاهر، وتم الإتفاق على أن يملك الأفضل مصر، والعادل دمشق، ولما علم العزيز بذلك عاد مسرعا إلى مصر، واستولى الأفضل والعادل على بيت المقدس ثم اتخذا طريقهما إلى مصر ليتسلمها الأفضل، وكان العادل يشك في نوايا الأفضل وأنه بعد استلامه لمصر لن سلمه دمشق لذا راسل العزيز سرا وهما في الطريق يتعهد له بعدم انتزاع مصر منه، ولما وصلها منع قوات الأفضل من التقدم للحرب وأرسل للصلح، فتم على أن يكون للأفضل القدس وبلاد فلسطين والأردن، وان يقيم العادل بمصر لأن الفرقة الأسدية كانت تكره العزيز وتنحاز إليه، وبذلك يضمن مساعدتهم في خطته عند إرادة التحكم في الدولة.

وكانت الهدنة مع الصليبيين تنتهي في ديسمبر 1195م، وكانوا يراقبون تلك الصراعات ويعملون على تقوية أنفسهم إضافة إلى أنها أغرت هنري السادس إمبراطور ألمانيا، وهو من اشد المتحمسين للحرب الصليبية، بالعمل على استعادة بيت المقدس، فاعد حملة بقيادة كونراد رئيس أساقفة مينز Mainz، وأدولف كونت هولشتين Holestein، وقد وصلت طلائع هذه الحملة إلى عكا في أغسطس 1197م، وبذلك تعكر صفو السلام النسبي الذي كان سائدا، وتقدمت الحملة من عكا إلى الجليل دون إذن هنري أف شامبانيا الذي كان يرى اتباع سياسة التفرقة بين آل البيت الأيوبي بدلا من سياسة الحرب، واعترض العادل القوات المغيرة وتمكن من ردها إلى عكا، كما تمكن من الإستيلاء على يافا في سبتمبر 1197م، وانتلآت أيدي المسملين بالكثير من السبي والغنائم.
وما هنري أف شامبانيا في عكا في العاشر من سبتمبر 1197م، وتعذر على الصليبيين استعادة يافا، وأنقذ الموقف زواج أرملته من عموري الثاني ملك قبرص، وبذلك توحدت المملكتين.
اما نشاط الحملة الألمانية فقد اقتصر على بعض الإشتباكات وسقوط بيروت في يد الصليبيين، ثم توقف نشاطها بسبب وفاة الإمباراطور هنري، وقرر زعماؤها العودة إلى أوروبا في نفس الوقت الذي تدفقت فيه العساكر من مصر إلى الشام مما زاد من ذعر الحملة ومسارعتها في الرحيل.
وبعد رحيها وقعن الهدنة بين عموري والعادل، وكان مقتضاها أن تظل يافا بيد المسلمين، وجبيل وبيروت للصليبيين، واقتسام صيدا بين الطرفين.
وبعد ذلك بخمسة أشهر توفي العزيز في 22 نوفمبر 1198م، وكان ابنه الأكبر المنصور في العاشرة، فأسرع الأفضل إلى مصر ليتولى أمره برأي الأسدية، وكانت الصلاحية قد عرضت أن يتولاه العادل الذي كان يحاصر ماردين في ذلك الوقت، فلما علم يذلك ترك ابنه الكامل على حصارها عاد مسرعا لى دمشق، وواجه جيش الأفضل وهزمه مما اضطره إلى العودة إلى مصر، وأخذ العادل يستعد للإستيلاء على مصر ليكون وصيا على الملك القاصر، ثم ذهب إليها وهزم الأفضل قبل أن يكمل استعداده لمواجهته، ولم يجد الأخير إلا الصلح بعد تخاذل أعوانه عن نصرته، فاخذ بعض المناطق كميافارقين وغيرها، وغادر إلى الشاك إلا أن الأوحد نجم الدين ابن العادل لم يسلمها له وسلمه غيرها. وهكذا سيطر العادل على معظم الممالك الأيوبية، وقال لجماعة من أمرائه “أنه قبيح بي أن أكون أتابك صبي صغير مع التقدم والشيخوخة”، وكان يقصد خلع الملك المنصور وتولي حكم مصر، وفعلا تم له ذلك في 25 يوليو 119م، وأخرجه ومعه والدته وإخوته إلى الشام، فأقام بحلب عند عمه الظاهر.
ومع بداية حكمه لمصر كانت فيها مجاعة دامت 2 سنين اضطرت الناس إلى الرحيل إلى الشام بعد موت بعضهم جوعا في الشوارع، بلغ من كفنهم العادل 120 ألف نسمة !
وفي هذه الأثناء اتفق الأفضل والظاهر على حصار دمشق، فأسرع إليها العادل وظلت المناوشات بينهما، اتبع فيها العادل سياسة الإيقاع بين الأخوين حتى سبتمبر عام 1201م، ثم رحلا عنها.
وبدأ العادل في تنظيم المملكة، فولى ابنه الأكبر الكامل محمد حكم مصر نيابة عنه، وولى المعظم عيسى حكم دمشق، وولى الأشرف موسى حران والرها، وولى نجم الدين ميافارقين، وابنه الحافظ نور الدين قلعة جعبر، في حين بقي الظاهر في حلب، والأفضل في سمياط وأعمالها، وهما تابعين له، أما المنصور ابن العزيز فقد اقطعه حماة واعمالها.
وتميزت فترة العادل بالدفاع عن مملكته ضد الصليبيين، ولم يهاجمهم لأنه كان يرى أن ذلك قد يقود إلى حملة صليبية جديدة، لذا لم يكن يمانع في عقد هدنة كلما انقضت سابقتها. وكانت الإشتباكات بين الطرفين لا تنقطع بسبب قدوم الصليبيين إلى الشام، وفي إحدى المرات قدم بعض الصليبيين على عكا وأغاروا على بعض الممتلكات الإسلامية وسلبوا ونهبوا، فردهم العادل، ولم ينصت إلى رأي الأمراء الغاضبين الذين رأوا الهجوم على الممتلكات الصليبية لأنه أراد الهدنة، وتقول بعض المصادر أن مدته ست سنين، وأصبحت بها يافا للصليبيين، وتنازل العادل عن النصف الخاص بالمسلمين في اللد والرملة، ويضيف ابن الأثير أنه أعطاهم الناصرة وغيرها.
وكان سبب كل هذا تشجع الصليبيين بقدوم الحملة الرابعة التي انحرفت نحو القسطنطينية، وكان الأسطول الصليبي في وقتها متفوقا، ولعل ذلك ما خشيه العادل على التجارة والتواصل الإسلامي، خصوصا وأنه في يونيه 1204م دخلت 20 سفينة صليبية فرع رشيد وتوغلت حتى وصلت مدينة فوة، فسلبتها ونهبتها، وأقامت بها تسبي وتنهب، ولم ينج من البطش إلا من استطاع الهرب ثم عادت سالمة غانمة. ولعل سبب هذه الحملة هو أن الملك موري أراد أن يحافظ على مكانته بعد فشل الحملة الرابعة وانحرافها إلى القسطنطينية، وكان المفروض أن تقوم بالهجوم على مصر.
وتكاثرت الغارات الصليبية على البقاع، وكثر النهب والسلب. وكانت المناوشات بين المنصور صاحب حماة والصليبيين، وكذلك بيم الظاهر صاحب حمص وبينهم، وكذلك بقية الأمراء.
كما هاجمت مملكة أرمينية (التي ساعدت الصليبيين أيضا في الحملة الأولى) حلب بقيادة ملكها ليو الثاني، وواجههم الظاهر ولكنهم هزموا جيشه وقفلوا عائدين محملين بالغنائم، ويروي ابن الجوزي أن الظاهر هو الذي هزم ليو. وكانت المناوشات كر وفر بين المسلمين والصليبيين.

وبدأ العادل في بناء قلعة جبل الطور المطل على الناصرة بعد أن صالحه الملك بوهمند، لتكون بمثابة خط دفاع أمامي ضد الجبهة الصليبية، فشرع في بنائها بمساهمة عسكره، وأنفق عليها الكثير من الأموال، وظل العمل في بنائها إلى قبيل وفاة الادل سنة 1218م، وأصبحت قلعة منيعة مزودة بالرجال والسلاح.
وكانت الهدنة قد انتهت في يوليو 1210م، وقبلوصول ملك بيت المقدس الجديد جاي دي برين بشهرين، فأرسل العادل إلى عكا يطلب الهدنة، ولم تتفق جماعة الفرسان الإسبرتية والداوية على رأي في هذا الموضوع بسبب مشكلة وراثة أنطاكية، لكن بناء حصن الطور أفزع الصليبيين ووافقوا على هدنة مدتها خمس سنوات. وأرسل الملك الجديد جان دي برين إلى بابا روما أنوسنت الثالث Innocent 3 يطلب منه العمل على إعداد حملة صليبية للوصول إلى فلسطين عند انقضاء أجل الهدنة.
وجدير بالذكر أن جزيرة قبرص قد ساهمت هي الأخرى في الإغارة على ممتلكات المسلمين، وذلك في أوائل عام 1211م، حيث أغار والتر أف مونتبليارد على دمياط، وهو الوصي السابق على عرش قبرص، وتذكره المراجع العربية باسم البال القبرصي، فنزل 1200 فارس، وسبى قرية بورة ثم عاد مسرعا إلى سفينته ووصل بالغنائم إلى عكا، والجدير بالذكر أن هذه الغارات تمت بموافقة جان دي برين.
ورغم الهدنة فقد تجمع الصليبيون والقوات الأرمينية لقصد بلاد المسلمين بسبب قتل الإسماعيلية ريموند بن بوهمند الرابع صاحب أنطاكية وطرابلس، وحاصروا حصن الخوابي، فخرج الظاهر للدفاع عنه وارسل يطلب النجدات، وأخبر الصليبيين أنه لن يمكنهم من الإسماعيلية، فرحلوا إلى أنطاكية وبحوزتهم 300 أسير. وعقد الصلح بينهم وبين الإسماعيلية بعد وساطة الملك الظاهر.

لعلنا نستشف من هذا أن الفترة بعد موت صلاح الدين كانت معقدة مليئة بالخلافات والمناوشات، وقد انشغل العادل بمناوشة أبناء أخيه، وتوحيد المملكة عدة سنين، ثم دخل في مناوشات مع الصليبيين بعدها، دامت سنين ولم نقع فيها هجمات حاسمة، وكانت سياسته تجنب الهجوم على ممتلكاتهم خشية حرب كبيرة قد تكون عواقبها مضرة بالمسلمين, وقد تمكن من تحصين دولته ضد الهجمات الصليبية، وقد صح ما توقعه فقد كان الصليبيون يستعدون لحملة كبيرة كانت مصر وجهتها هذه المرة.

أما الإمارات الصليبية فقد توحد عرش قبرص مع مملكة بيت المقدس بعد زواج أرملة هنري كونت شامبانيا بعموري الثاني ملك قبرص، لكنه توحد فقط في السياسة الخارجية، لا تصرف بموجبه قبرص على المملكة شيئا، واحترم عموري الهدنة في انتظار الحملة الصليبية الكبرى لذا لم يدخل مع القادمين من الصليبيين كالفرسان الفلمنكيين الثلاثمائة الذي قدموا إلى عكا في عام 1202م، ورافقتهم بعذ الجموع الفرنسية، لم يوافقهم في الهجوم على المسلمين لقلة عددهم.
وبعد عقد الهدنة مرة ثانية ولمدة ست سنين، مات عموري في 1205م، كما ماتت أرملته إيزابيلا وابنه الطفل عموري الثالث، فأصبحت ماريا الإبنة الكبرى لإيزابيلا من كونراد وريثة العرش، وعندما بلغت 17 من عمرها تطلب الأمر البحث عن زوج مناسب ها يتولى حكم بيت المقدس، فأرسل إلى الملك الفرنسي فيليب أوغسطس، فوقع اختياره على جان دي برين الذي كان في الستين ومن القادة الفرنسيين المفلسين، وخاملا، فزوده البابا أنوسنت وفيليب بمبلغ مالي كبير، وأرسلوه لإبعاده كما يقال عن فرنسا بسبب وقوعه في غرام إحدى الكونتيسات، فوصل عكا في عام 1210م، ومعه حوالي 300 فارس صليبي، وفي اليم التالي تزوج بماريا، ووعد بأن يعيد الأراضي المقدسة إلى حدوداه السابقة، وكتب إلى البابا يطلب منه إعداد حملة صليبية تصل عند نهاية الهدنة، ثم ما لبثت ماريا أن ماتت في عام 1212م بعد أن أنجبت منه طفلة تدعى إيزابيلا (ويطلق عليها يولاندا). وبذلك لم تعد له صفة شرعية في الحكم، لكن تم الإتفاق على أن يظل وصيا على الصغيرة، ولدعم مركزه تزوج بستيفاني ابنة ليو الثاني ملك أرمينية، واستطاع أن يحكم مملكة بيت المقدس دون معارضة أحد.
أما بقية الإمارات الصليبية فكانت تعج بالشقاقات والإنقسانات، فكان يحكم طرابلس بوهمند الرابع، كما حكم إضافة إليها أنطاكية بعد وفاة والده بوهمند الثالث في 1201م، متحديا حقوق ابن أخيه ريموند روبين في وراثتها، فوقف إلى جانب الأخير خاله الملك ليو الثاني ملك أرمينية، وبذلك انشقت الجبهة الصليبية الشمالية إلى قسمين، وانحاز الداوية إلى بوهمند بعد أن انتزع منهم ليو قلعة بغراس، في حين انحاز الأسبارتية إلى ليو.
وأرسل البابا إنوسنت مندوبا عنه لحل هذا النزاع، وأظهر ليو تجاوبا لكنه رفض إعادة قلعة بغراس إلى الداوية، كما أن بوهمند أنكر حق البابوية في التدخل في مسألة إقطاعية بحتة، لذا فشل المناديب.
وثار على بوهمند رينوارت ومؤيديه فسعى بوهمند إلى القضاء عليه، واستغل ليو الحادثة وحاصر أنطاكية في 1204م، فاستنجد بوهمند بالملك الظاهر صاحب حلب فخرج إليه، وانسحب ليو بعد علمه بذلك، وتكررت الحادثة مرة أخرى وعاد ليو إلى بلاده، وكان طبيعيا أن يحاول الظاهر إيجاد ثغرة على حساب الصليبيين المتخاصمين.
ثم قضى بوهمند على المتمردين ولم يبق أمامه إلا ليو والإسبارتية المتحالفين معه، لذا بحث عن مساندة خارجية ضد ليو، فسارع إلى استقبال ماري كونتيسة شامبانيا زوجة بلدوين الإمبراطور اللاتيني بالقسطنطينية، في عكا، وهي في طريقها إلى زوجها، وقدم لها يمين الولاء تأكيدا لما أعلنه من قبل عن تبعية أنطاكية للقسطنطينية.
ثم عزل بطرس بطريق أنطاكسة لإنحيازه لليو، وعين البطريق اليوناني سيمون، ثم بعد ذلك زج ببطرس في السجن دون طعام أو شراب حتى شرب زيت مصباحه ومات بعد عذاب أليم.
ثم هاجم ليو أنطاكية، واستنجد بوهمند هذه المرة بالسلاجقة، ربما لأنه لم يرد إغضاب العادل الذي كان في خلاف مع الظاهر 1207م، خوفا على الهدنة، واستنجد البابا بالظاهر لحماية أنطاكية من دخول السلاجقة حتى يظل الحال على ما هو عليه إلى قدوم الحملة الصليبية، ولم تذكر المصادر العربية هذا الإستنجاد البابوي بالظاهر.
ثم حدث تقارب بين البابا وبوهمند، وحاول ليو وضع قبرص في صفه بدوره، لكن حدث أن قتل الإسماعيلية ريموند أكبر أبناء بوهمند في كاتدرائية أنطرطوس، فتجمعت القوات الصليبية من قبرص وعكا وطرابلس وأنطاكية وأرمينية لقصد بلاد المسلمين، ولم يتراجعوا إلا بعد خروج الظاهر لملاقاتهم، وزاد التقارب بين مملكة بيت المقد وأرمينية وقبرص عندما تزوج جان من ستيفاني ابنة ليو الذي ظل يتحين الفرص لتنصيب ابن أخته ريموند أميرا على أنطاكية، وتمكن في عام 1216م من احتلال أنطاكية أثناء غياب بوهمند في طرابلس ونصب عليها ريموند الرابع عشر، وأعاد قلعة بغراس إلى الداوية، وتصالح مع البابا، وأطلق جماعة من اسرى المسلمين، وتصالح مع الظاهر في الوقت الذي كانت فيه الإستعدادات قائمة على قدم وساق في أوروبا لإرسال الحملة الخامسة.

أما في أوروبا فقد تولى كرسي البابوية إنوسنت الثالث، وكان ضالعا في أموره الدينية، ذو بصيرة، وكان أمله توحيد الممالك الأوروبية لتسخيرها في غزو بيت المقدس التي استردها صلاح الدين، فبدأ في مراسلة البنادقة والإسبارتية والداوية، وكانت التقارير تصل إليه تباعا حول الوضع في مصر والشام، فكان يضع مسألة الشرق اللاتيني وغزو بيت المقدس نصب عينه.
وأصبح سيد أوروبا الأوحد الذي لا منازع له مما هيأ الجو للدعوة إلى الحماة الخامسة بعد أن انحرفت الرابعة عن وجهتها.
وفي ألمانيا مات الإمبراطور هنري السادس في 1197م بعد أن حصل على موافقة الأمراء الألمان بأن يخلفه على العرش ابنه فريدريك الثاني، وكان في الثالثة من عمره، فرفض الأمراء توليته، وآثرت والدته كونستانس الوصية عليه أن تحتفظ بعرش نابلي وصقلية، وأن تدفع جزية سنوية للبابا مبتعدة عن ألمانيا ومشاكلها، ومعلنة تبعيتها للبابا مما أرضى الأخير إذ ضمن ولاء صقلية في الوقت الذي كان يسعى فيه إلى بسط نفوذه على الغرب المسيحي كله، وبعد وفاة كونستانس انتقلت الوصاية على الطفل إلى البابا بناء على رغبة والدته في عام 1198م.
وتصارع على ألمانيا فيليب عم فريدريك الثاني الذي تسانده فرنسا، وأوتو أف برونزويك otto of brunswick وهو الإبن الثاني لهنري الثاني ملك إنجلترا، وتسانده انجلترا بطبيعة الحال، وقامت الحروب الأهلية، وأيد البابا أوتو الذي وعده بالخضوع للبابوية. ولن فيليب لم يذعن، وطل يتحين حتى هزم أوتو في عام 1207م وأجبره على الفرار إلى انجلترا، ولكن فيليب قتل في العام التالي مما أنعش الأمل في عودة أوتو، واشترطوا زواجه من ابنة غريمه فيليب فتم ذلك في 1209م بعد أن ذهب إلى روما وأعلن ولائه للبابا.
ولكن العلاقة تازمت بين أوتو والبابا بعد قيام الأخير بغزو جنوب صقليةفي 1210م، فأصدر قرار الحرمان ضد أوتو، واعتبر الأمراء الألمان المتضايقين من أوتو، ذلك قرارا بعزله، واختارو فريدريك الثاني ملك صقلية ملكا عليهم، وكان لا يزال تحت الوصاية البابوية، فأسرع أوتو بالودة وسانده بعض الأمراء في حين ساند فريدريك آخرون، وسانده فيليب أوغسطس ملك فرنسا، وانقسمت أوروبا إلى معسكرين، وانهزم أوتو في موقعة بوفين bovines في 1214م، وأبزت هذه الموقعة كلا من فرنسا وألمانيا المؤيدتين للبابا كأعظم قوتين في أوروبا وقتذاك.
وليس معنى ذلك أن فيليب أوغسطس ملك فرنسا كان على وفاق دائم مع البابوية، فقد تعرض للحرمان في 1200م بسبب تنكره لزوجته إنجبرج، وزواجه مرة أخرى من غيرها، مما اضره بعد مقاومة عام إلى التراجع وإعلان عودته إليها، وهكذا استغل البابا هذا الملك في تهديد انجلترا عندما تأزمت مشكلة تعيين رئيس أساقفة كانتربي في 1205م، كما استغله في ضرب أوتو عندما تمرد على البابوية وقام بغزو صقلية، كما لجأ إليه ايضا في القضاء على الهراطقة في جنوب فرنسا، وقد شغل ظهورهم واستفحال أمرهم البابوية، فحاول البابا بداية إقناعهم بالعودة إلى الكنيسة الكاثولوكية في روما، ولكن مبعوثيه فشلوا في ذلك، وتعاطف ريموند كونت تولوز مع الهراطقة في عام 1204م، واستنجد البابا بفليب الذي كان مشغولا بحروبه مع انجلترا فلم يستجب في البداية، وأصدر البابا قرار الحرمان ضد ريموند الذي اغتال أحد فرسانه مندوب البابا، وخشي البابا أن يؤثر هذا التمرد على نفوذ الكنيسة في الغرب كله، فدعا إلى حملة صليبية ضد الهراطقة، وهي المعروفة بالحملة الإلبيجنسية، وكان على رأس الداعين إليها جاك دي فتري الذي عين فيما بعد أسقفا على عكا، وجاء مع الحملة الصليبية الخامسة إلى دمياط عام 1218م، وأرخ لها أيضا.
ولبى بعض الأمراء دعوة البابا وعلى رأسهم سيمون أف مونتفرات الذي قاد الحملة على الهراطقة، واستطاع هزيمة ريموند في عام 1213م، فكافأه البابا بأن ولاه بعض الإمارات الإقطاعية المجاورة له. كما أرسل الملك فيليب ابنه لويس للمشاركة في هذه الحملة عام 1216م، وأعلن سيمون تبعيته لفيليب إلا أن سلوكه فيما بعد جعل الخير يساند ريموند في استرداد أملاكه، ثم قتل سيمون في 1218م، وهي السنة التي وصل فيها الصليبيون إلى دمياط.
أما في إنجلترا فقد تولى يوحنا إلى 1216م، رغم أن المقاطعات الإنجليزية داخل فرنسا كانت تؤيد دوق بريتاني ضد عمه الملك يوحنا ليكون ملكا على الجزيرة البريطانية. واستغل فيليب ذلك، وشجه آرثر على مهاجمة إحدى المقاطعات الإنجليزية الواقعة بجواره، كما قام فيليب بمهاجمة مقاطع نورمانديا، وقد أيد البابا الملك الفرنسي لأنه الأقوى حتى يكسبه إلى جانبه. وبحلول 1204م فقد إنجلترا كل ممتلكاتها في شمال فرنسا لصالح الأخيرة.
أما الحدث الثاني فكان موت رئيس أساقفة كانتربري، فرشح الملك يوحنا أسقفا، ولكن البابا اعترض ورشح واحدا، فغضب يوحنا، فأصدر البابا ضده قرار الحرمان في عام 1208م، فاضهد يوحنا غالبية رجال الدين الموالين للبابا، وصادر املاكهم، كما نهب الكنائس الأمر الذي أثار البابا ودفعه إلى تشجيع فيليب على غزو إنجلترا، ورحب فيليب بالفكرة لأن ابنه لويس كان يطالب بعرشها لأنزوجته بلانش صاحبة قشتالة ابنة أخي الملك يوحنا. وبدأ لويس يستعد للغزو، لكن يوحنا استسلم في إذلال للبابا في عام 1214م، وقبل بتعيين مرشح البابا ستيفن لانجتون، واعاد جميع رجال الدين إلى مناصبهم، وقبل الخضوع للبابوية ودفع جزية سنوية ضخمة للبابا عن كل من إنجلترا وإيرلندا.
وازداد الشقاق بين النبلاء ويوحنا الذي طالبهم بالمزيد من الضرائب لمساعدته في حربه ضد أوتو صاحب ألمانيا وفرنسا، وتطور الأمر إلى درجة توقيع الثيقة المعروفة بالعهد الأعظم في 1215م والتي سلبت الملك الكثير من الإمتيازات، بل وصل الأمر نتيجة لعدم احترام الملك لهذه الوثيقة إلى احتلال النبلاء للندن دون مقاومة في 1215م، وأرسلوا إلى لويس بن فيليب يطلبون قدومه لينصبوه ملكا على انجلترا، ولكن البابا لم يرض بذلك بعد أن راى تبعيى يوحنا له، وكتب إلى النبلاء يعنفهم على الخروج على الملك ويامرهم بطاعته، بل أرسل الكاردينال جوالو gualo مندوبا عنه لحماية الملك يوحنا. وقد قام هذا الكاردينال وهو في طريقه إلى انجلترا بزيارة فرنسا وطلب من فيليب عدم إرسال ابنه، ولكن فيليب لم ينصت إليه، ونزل لويس في خليج ساندويش واستولى على مدينة دوفر، وتقد تجاه لندن، وكان لهذا الغزو أسوأ الأثر في نفس البابا، دفعه إلى إصدار الحرمان ضد لويس.
وفي وقت تقدم لويس، كان يوحنا يهاجم أمراء الشمال المتمردين، لكنه مات في قلعة نيوارك في عام 1216م، وبعد موته تقابل مندوب البابا مع كبار النبلاء، وتم الإتفاق على إعلان هنري أكبر أبنا يوحنا ملكا على البلاد، وعاد لويس إلى فرنسا للحصول على المزيد من المعونة من أبيه بعد أن تخلى عنه النبلاء الإنجليز، ولكنه هزم في معركة بقرب دوفر، وأرغم على عقد معاهدة سلام مع إنجلترا.

أما في إسبانيا فقد تدخل البابا ودعا إلى حملة صليبية في عام 1211م لطرد المسلمين من إسبانيا، نجحت جهوده في اتحاد أراجون ونافار وقشتالة، وتمكنت من هزيمة المسلمين في موقعة العقاب في 1212م، وهو الإنتصار الذي رجح كفة المسيحيين على المسلمين، وأعقبه الكثير من الإنتصارات التي انتهت بخروج المسلمين نهائيا من إسبانيا، لكن هذه الحروب شغلت المالك المسيحية في الشمال الإسباني عن المساهمة الفعالة في الحرب الصليبية التي كان البابا يعد لها لإستعادة بيت المقدس.
هكذا كانت احوال أوروبا في أواخر القرن الثاني عشر وبداية الثالث عشر، مليئة بالصراعات، وكان على رأس البابوية شخصية من أقوى شخصيات العصور الوسطى كان ينظر إلى نفسه بإعتباره خليفة الله على الأرض، وأن الملوك أتباع وعمال له. وقد بلغت البابوية أوج عظمتها في عهده بعد أن دانت له كل دول الغرب بالولاء، وأتاحت هذه الظروف الأجواء لحملة صليبية أخرى، لكن نعرج قبل ذلك على…

الحملة الصليبية الرابعة
كان على عرش البيزنطيين عندما أعتلى البابا انوسنت، الإمبراطور ألكسيوس الثالث (حتى 1203م)، وكان قد ثار على أخيه إسحاق وسمل عينيه، وزج به في السجن هو وابنه ألكسيوس الرابع، وكانت هيبة الإمبارطورية قد ضاعت في الخراج بسبب ثورة بلغاريا، بالإضافة إلى ضياع قبرص التي استولى عليها ريتشارد قلب الأسد.في 1191م.
ولم يفعل هذا الإمبراطور أي شيء لعودة هيبة الدولة، بل واصل الحرب الفاشلة مع بلغاريا على نهج سلفه، كما تنازع مع هنري المانيا، بسبب ادعاء الأخير لعرش بيزنطة عن طريق والد زوجته روبرت الصقلي، واستعد فعلا لغزو بيزنطة، إلا أنه مات في 1198م، وأمنت الإمبراطورية شره، لكن جحافل الحملة الصليبية الرابعة اجتاحتها واستولت على معظم أراضيها في عام 1204م إلى 1261م.
وقد بدأت فكرة هذه الحملة في عام 1199م، عندما ظهر في أوروبا بعض المتحمسين للصليب أمثال فولك أسقف نيللي Neuilly، الذي قام بنفس الدور الذي قام به بطرس الناسك من قبل، ووافق البابا انوسنت على ذلك، وقد انضم إليها عدد كبير من الأمراء الفرنسيين، فمولها ثيبوت الرابع thibout كونت شامبانيا وغيره، وتم اختياره قائدا لها، كما اتفق على نقل قوات الحملة بحرا إلى مصر باعتبارها معقل القوات الإسلامية، وبسقوطها تسقط القدس، وتعهد البنادقة بإعداد السفن لنقل الجنود المقدر ععدم ب35 ألفا، وذلك مقابل 85 ألف مارك، وبشرط أن يكون نصف الغنائم للبنادقة، على أن يكون أسطولهم معد لحمل الجند في 1202م، ولكن موت ثيبوت في 1201م أثر على الحملة، إذ تولى بونيفاس أمر الحملة، وعجز عن تسديد المبلغ كاملا للبنادقة مما جعل داندلو يستغل ذلك لتوجيه الحملة إلى غير وجهتها، أي إلى مدينة زارا التي تمردت، واعلنت خضوعها لملك هنغاريا، ووافق الصليبيون على العرض رغم تهديد البابا لهم بالحرمان، وحاصروا زارا التي سقطت في عام 1202م، وكانت بداية لتطاحن الصليبيين فيما بينهم، وثار البابا على ما حدث وأعلن قرار الحرمان للحملة بأكملها، ثم سامح الصليبيين على اعتبار أنهم كانوا تابعين لقادتهم، وأبقى القرار على البنادقة فقط الذين تعارضت سياستهم مع سياسته في الشرق الإسلامي، ولكن الحملة انحرفت مرة أخرى واتجهت إلى القسطنطينية، والسبب فرار ألكسيوس ابن الإمبراطور السابق إسحاق من سجنه، ولجوئه إلى زوج أخته فيليب أف سوايا الإمبراطور الألماني الذي وجد فرصة لتحقيق أمنيته الموروثة عن هنري السادس، وهي احتواء عرش بيزنطة، فدبر الإتصال بين ألكسيوس والصليبيين أثناء تواجدهم في زارا، وعرض ألكسيوس عليهم 200 ألف مارك نظير مساعدته في استرداد عرش بيزنطة، كما تعهد بتبعية الكنيسة الشرقية للغربية اللاتينية، وأن يقدم 10 آلاف جندي للمساهمة في استرداد الأراضي المقدسة، فوافق البابا الطامح إلى توحيد الكنيسة الشرقية والغربية بعد قطيعة 1054م، كما وافق كبار ملوك أوروبا.
وهكذا انحرفت الحملة إلى القسطنطينية واستولت عليها في عام 1204م، وهرب الإمبارطور ألكسيوس الثالث، وجلس على العرش إسحاق الثاني ومعه انه ألكسيوس الرابع الذي ما لبث أن انفرد بالعرش، ثم عجز عن الوفاء بعهوده المالية لقادة الحملة فعزلوه، وأزالوا الإمبراطورية البيزنطية، وأقاموا الإمبراكورية اللاتينية التي جلس على عرشها بلدوين التاسع كونت فلاندرز. وتوحدت الكنيستين.
وقد وعد بلدوين بتحرير القدس إلا أن حروبه مع البلغار شغلته، بل وقعا أسيرا في يلد قيصر البلغار الذي قتله بعد أشهر من أسره، وتولى بعده أخوه هنري الذي مات في 1216م.

وفي عام 1212م ظهر عند كنيسة سانت دنيس بفرنسا صبي من رعاة الغنم في الثانية عشر من عمره يدعى ستيفن، قدم إلى الملك فيليب أوغسطس في بلاطه وهو جالس مع رجاله، فأخبره أن السيد المسيح هو الذي أتاه وامره بالدعوة لحملة صليبية جديدة، ولم يهتم الملك به، وأمره بالعودة إلى منزله، إلا أنه لم يرضخ لأمره، وأعلن أنه سينقذ المسيحية ويسترد الأراضي المقدسة، وأن البحر سينشق أمام مؤيديه ليعبروا من أوروبا إليها كما عبر موسى عليه السلام البحر الأحمر، فتجمع حوله عدد كبير من الصبيان بينهم كثير من أبناء الأمراء، حتى بلغوا 50 أل صبيا، وانضم إليهم بعض القساوسة والشبان والحجاج، وتجمعوا وسط باريس استعدادا للرحيل.
ورحلوا على الأقدام، وهلك عدد كبير منهم بسبب طول الطريق والمشقة، وحينما وصلوا إلى مرسيليا رحب بهم أهلها وشجعوهم، ووفروا لهم الأكل والمأوى. لكن عندما تجمعوا أمام البحر لم ينشق، ولم تحدث المعجزة، فثار بعضهم على الصبي، وعاد من تمكن منهم إلى وطنه، وبقي آخرون في انتظار المعجزة التي لم تحدث، وفي هذه الأثناء عرض تاجران هما هيو أن أيرون Huge of Iron ووليم الخنزير أن يضعا السفن تحت تصرف الصبيان وينقلوهم مجانا إلى فلسطين، وهو ما حدث، ولكن ظل مصير هؤلاء الصبية مجهولا، فقيل إنهم هلكوا، وقيل بيعوا كعبيد في مصر أو تونس، من وصل منهم إلى عكا أثار دهشة مسيحييها الذين راوا في مقدمه منتهى الجنون والتسيب، وأنه عار على أوروربا بأسرها.
وقد ظهر في نفس الوقت صبي آخر في ألمانيا يدعى نيقولا، زعم أنه سيخلص بيت المقدس من خلال نشر المسيحية بين المسلمين، وجمع حوله بضعة آلاف من الصبيان، والكثير من العاهرات والرجال الذين لا أخلاق لهم، وأدعى أيضا أن البحر سينشق أمامهم مثلما ادعى ستيفن المجنون.
فخرج معه 20 ألف، وهلك كثير منهم في الطريق، ولم يصل إلى جنوه في إيطاليا إلا ثلثهم فقط، ولم تحدث المعجزة المنتظرة، وانتهى الأمر إلى أن أبحر بعضهم في سفن إلى الشرق، وتبنى الإيطاليون ما تبقى منهم، ولم يختلف مصير هؤلاء الصبيان عن مصير أصحاب ستيفن المجنون، وعندما علم آباؤهم بالكارثة ثاروا على والد نيقولا لتشجيع ابنه، وشنقوه.

الحملة الصليبية الخامسة

بعد استرداد صلاح الدين لمعظم الأراضي الإسلامية، ووفاته، ونجاح العادل في إعادة التوازن إلى حد ما، رأت أوروبا الوقت مناسبا لضرب المسلمين ضربة قاصمة قبل أن يتمكن العادل من تطيق الإمارات الصليبية في الشام التي كانت في أوج انقسامتها، وربما كان ما يمنع العادل من ضرب الصليبيين في البداية هو الشقاقات التي وقعت بين المسلمين، أما وبعد أن استتب الأمر له فإن ما منعه من ذلك هو شخصيته المسالمة، وربما يكون ذلك ما أطمع أوروبا فيه. ولذلك لم قام العادل ببناء حصن الطور بالقرب من عكا اعتبر الصليبيون ذلك اعتداء عليهم وتهديدا لوجودهم في الشام، وأحسوا بأن العادل بدأ يتحول من سياسة الدفاع إلى سياسة الهجوم، فانزعجوا، واضطروا إلى عقد الهدنة، وارسلوا إلى البابا إنوسنت يطلبون إعداد حملة جديدة في موعد انتهاء الهدنة في عام 1217م.
وكان البابا قد أصبح الآمر الأول في أوروبا، فأراد أن يكلل نصره في الغرب بنصر آخر في الشرق، وذلك بغزو مصر التي توحدت مع الشام، خصوصا بعد انتصار المسيحيين على المسلمين في الأندلس في معركة العقاب.
وكان الرأي العام في أوروبا معارضا لهذه الحملة إلا أن العامة أقبلوا عليها بلهفة لأن الحملات الصليبية كانت الوسيلة الوحيدة التي يهربون من خلالها من وطأة الظلم الإجتماعي، ومن دفع الديون وفوائدها، فضلا عن البحث عن مناخ أفضل للحياة، إضافة إلى التكفير عن خطاياهم بالإشتراك في هذا العمل المقدس عندهم، وكان البابا قد أعلن انه سيسير بنفسه في الحملة، وظهر الكثير من دعاتها ومبشريها وخصوصا في فرنسا.
وكان البابا قد دعا لعقد مجلس اللاتيران الكنسي منذ عام 1213م، فأرسل روبرت أف كورسون Robert of Corcon مندوبا عنه إلى فرنسا، فبدأ في حل المشاكل الداخلية كمشكلة الربا، ومشكلة اعتداء مناديب البابا على رجال الكنائس، وذلك لتهيئ الظروف للحملة، وسمح للمسنين من الجنسين وذوي العاهات والأطفال بالإنضمام إلى الحملة، وضايق ذلك كثيرا من النبلاء، واشتكوا إلى البابا الذي طلب من روبرت مراعاة اللياقة البدنية والصحة للمتطوعين.
وقد كتب البابا إلى العادل في عام 1215م قبل انعقاد المؤتمر، بتسليم بيت المقدس، ولكن العادل لم يعبأ بمثل هذا الطلب، ولم يتوقع وصول حملة صليبية في القريب العاجل بدليل عدم استعداده لملاقاتها، حيث كان بمصر عندما وصلت طلائع الحملة إلى الشام في عم 1217م.
وانعقد مجلس اللاتيران الكنسي في نوفمبر 1215م، ويعتبر من أعظم الإجتماعات المسيحية، لم ينعقد مثله منذ سبعة قرون، كما أنه لم يكن مثل مؤتمر نيقية او القسطنطينية، لأنه لم ينظر في الخلافات المذهبية، وإنما نظر في توحيد الكنيستين الشرقة والغربية، والإعداد للحملة الذي هو الهدف الرئيسي لإنعقاده. وحضر أساقفة الكنائس ومناديب الملوك، وأشار بعض المؤرخين أن عدد الحاضرين بلغ 1263 شخصا مهما (أو أكثر ).
وكان إرسال الملوك لمناديبهم اعتراف منهم بالسيادة البابوية على سلطانهم، علاوة على ما ساد من اعتقاد بان الكنيسة في الطريق الوحيد للخلاص، وأن رضا الكنيسة من رضا الرب. وافتتح البابا المؤتمر بخطاب بدأه بما تقاسيه مدينة القدس تحت حكم المسلمين، وأنهم ينتهكون حرمات كنيسة القيامة، ويتهكمون على الصليب، وأن الوقت قد حان للقضاء على المسلمين، ومن الواضح أن ما قاله عن المسلمين كذبا بدليل حسن معاملة صلاح الدين لهم بعد سقوط الفدس، وهو ما شهدوا هم أنفسهم به.
وانتهى الأمر بان قرر المجلس غزو مصر، وفوض الحاضرون البابا في وضع الخطة اللازمة لذلك، وتحدد أول يونيه من عام 1217م، كموعد تجمع الحملة، على أن يكون اللقاء في ميناء مسينا في إطاليا، وعلى الذاهبين برا أن يكونوا مستعدين في نفس الوقت، ووعد البابا كل من يساهم في مساعدة الحملة نقلا أو باي شيء آخر، بغفران خطاياه، فضلا عن اعفاء كل من يخرج مع الحملة من الضرائب إضافة إلى وضع أملاكهم تحت رعاية الكنيسة لحين عودتهم. وثارت الشائعات الدينية المحرضة على الإنضمام للحملة كظهور المسيح في السماء مصلوبا على خشبة الصليب ثلاث مرات في ألمانيا، الأمر الذي دفع الشعب الأوروبي بأكمله إلى المسارعة إلى الإنضمام.
ورغم اهتمام البابا بفرنسا وارسال الكثير من فصحاء الوعاظ إليها، إلا أن الطبقة الحاكمة كالملك والنبلاء كان لديهم فتور تجاه الحملة، وخصوصا من جهة العمل بجانب الألمان، إضافة إلى جشع رجال الدين في ابتزاز النبلاء، واكتفوا بالمساعدات المالية بعكس الشعب الذي كان متحمسا إلى أقصى درجة.
وكان المسيحيون في الشرق يكرهون حكم الصليبيين ويفضلون عليه حكم المسلمين، ربما لإختلافهم المذهبي معهم، فقد كانوا من السريان واليعاقبة والنساطرة والموارنة والأرمن. وكانت الخلافات هي السائدة بين الصليبيين في المشرق رغم الوعاظ الذين أرسلهم البابا للتهيئة لإستقبال الحملة من أجل القضاء على المسلمين.
وكان البابا قد دعا لتغطية نفقات الحرب الدائرة بين المسلمين والمسيحيين في الأندلس، وهي الحرب التي دعا بنفسه إليها، لذا واجهت رغبته في تمويل الحملة بإحتجاج شديد، ورغم هذا فقد تم جمع أموال كثيرة لتمويل الحملة. ولم تسلم هذه الأموال من الإختلاس فقد اتهم أحد كبار الوعاظ بالإختلاس منها وهو روبرت أف كورسون، واستاء من ذلك البابا، وأمر بفتح تحقيق في القضية، وهذا يدل على ضعف الروح الصليبية حتى لدى كبار رجال الدين، واتخاذهم من الحركة الصليبية وسيلة لإبتزاز الأموال.
ومات البابا انوسنت في عام 1216م وهو في طريقه إلى إيطاليا لتوية بعض الخلافات، بعد أن قضى 18 عاما على كرسي البابوية، وتولى بعده الكاردينال Censius تحت اسم البابا هونوريوس الثالث، وسار على خطاه، وركز على الإمبراطور الألماني فريدريك الثاني الذي كان البابا السابق وصيا عليه، ويعتبر صنيعة البابوية، والذي رد الجميل بإعلانه حمل الصليب في الحملة عندما توجد في عام 1212م. وكان يجلس بنفسه في الكنيسة لدعوة المواطنين الأمان إلى الخروج في الحملة، إلا انه اعتذر في أواخر 1217م عن الخروج بنفسه مع الحملة وبرر ذلك بظهور غريمه أوتو الرابع المطالب بعرش ألمانيا، ووعد باللحاق بها، وكان موقفه هذا بمثابة صدمة للبابا هونوريوس الذي اكتفى فقط بمعاتبته وأمرائه على أمل أن يلحق بالحملة.
وهكذا ضاع الأمر في قيادة هذا الإمبراطور للحملة، وجاء اعتذار الملك الهنغاري ليكون آخر أمل في أن يقود الحملة حاكم أوروبي، ولا شك أن ذلك كان له أسوأ الأثر في نفس البابا وعلى نتائج الحملة كلها. ولكن البابا لم ييأس وعاود الإتصال بالملك الهمغاري أندريه الثاني الذي وافق أخيرا على قيادة الحملة، وكانت حملته تختلف عن الحملة التي قادها جان دي برين على مصر.
فخرج الملك الهنغاري في 10 آلاف فارس، والكثير من المشاة، وانضم القليل من الفرنسيين إليه، أما الأمان فاتخذوا الطريق البحري إلى البرتغال، وهنا حاربت المسلمين مع المسيحيين هنالك، ثم اتجهت إلى إيطاليا ثم منها إلى عكا لتصلها في ربيع عام 1218م أي بعد عودة الحملة الهنغارية.
وقد ظل النلك الهنغاري ينتظر الألمان على سواحل دالماشيا حتى نفذت منه الأموال، فاضطر إلى فرض الضرائب، ثم تحركت دفعة من جيشه إلى عكا على امل تحرير الأراضي المقدسة وعلى رأيها ليوبولد دوق استريا، فوصلتها في سبتمبر 1217م، واضم إليه بوهمند الرابع أمير أنطاكية، وتم إرسال سفارة إلى قبرص لدعوة الملك هيو للإنضمام إليهم، وفي انتظار هيو وأندريه، واجه المجتمعون في عكا مجاعة حتى بيع الرغيف الصغير ب12 دينارا، ونهب الجند وسلبوا كل ما وقع تحت أيديهم، وكانت هذه الأزمة سببا في هلاك كثير من الصليبيين وضعف الروح المعنوية لديهم، فأشار بعض الأساقفة والقادة عليهم بالعودة إلى أوطانهم، فرحل كثير منهم، وسادت الفوضى، ورأى بعضهم ضرورة مهاجمة المسلمين لشغل الصليبيين عن تلك المشاكل، وفي تلك الأثناء وصل الملك القبرضي هيو، ووصل أندريه أيضا الذي ترك خلفه الجزء الأكبر من جيشه بسبب قلة إمكاناته المالية.
وتم عقد مجلس حرب وتبنى خطة مهاجمة نابلس ببعض الجند للتمويه، ثم مهاجمة دمياط للإستيلاء على مصر باعتبارها الطريق الوحيد إلى هزيمة الشاميين، ثم أرجأوا هذه الخطة لقلة الجنود، ولقلة السفن الناقلة إلى دمياط، وبعدها تدارسوا الهجوم على بيت المقدس ولكن عدم توفر الماء الكافي لهم أمام المدينة جعلهم يرجؤون هذه الخطة أيضا. وأخيرا قرر المجتمعون مهاجمة دمشق.
وكان العادل في مصر فخرج متجها إلى الشام، فوصل إلى الرملة ومنها إلى اللد، ولما علم الصليبيون بمقدمه غيروا خطتهم، وساروا لمواجهته نحو بيسان التي سار إليها بدوره، ووصلها قبلهم، وصعد إلى تل المدينة وراقب مجيئهم، وكانوا 15 ألفا، فرأى عدم الإشتباك المباشر معهم لحين توافد العساكر عليه، وانسحب من بيسان، وقيل أضرم النار فيها، وقيل لم يحرقها بل نهبها الصليبيون بعد أن قتلوا كل من فيها إلا قليل حسب رواية ابن الأثير. والظاهر أن العادل انسحب فجأة عندما وطأوا المدينة، وهو ما شجعهم على التمادي في مهاجمة المنطقة الإسلامية ونهبوا وقتلوا خلقا كثيرا، وعادوا إلى عكا محملين بالغنائم، ثم أغاروا على صيدا وعادوا بالغنائم أيضا إلى عكا، ومن الواضح أن أعمال القتل والسلب والنهب التي قاموا بها أزعجت عوام المسلمين فضجت المساجد بالدعاء، وعزم الكثيرون على ترك البلاد، ولم يطمئن أهل دمشق إلا بعد أن رأوا الملك المجاهد صاحب حمص وقد أتى إلى دمشق على رأس عسكره لنجدة عمه العادل، لذلك خرج الأهالي لإستقباله، وكان يوما مشهودا.
وكان الملك جان دي برين يريد القضاء على حصن الطور الذي اعتبره تهديدا لمملكته، فهاجمه بحملة جزئية ليس فيها هيو ولا أندريه، وحاول اقتحامه، ولكن المسلمين استماتوا في الدفاع عنه وقتلوا بعض أعيان الصليبيين فكسروا رماحهم، ثم فشلوا في السيطرة عليه بعد أن كادوا يفعلوا. وكان هذا الحصن أحد الأسباب المباشرة لقيام الحملة الخامسة.
ثم بعد ذلك صمم ديونيسيوس Dionisuid ابن أخت أندريه ملك هنغاريا على مهاجمة جبل صيدا، وقد نهاه صاحب صيدا، ولكنه أصر، فخرج في 500 فارس، واتجه إلى الميادنة فاخلاها أهلها لهم، فنزلوا للراحة، فهاجمهم الأهالي وأعملوا فيهم القتل والأسر، وكان دينيسيوس من بين القتلى. وفر الآخرون ومعهم أسير يسمى الجاموس، أشار عليهم بطريق سهل زعم أنه يعرفه ليوصلهم إلى صيدا، فوعدوه بالمال، ولكنه سلك بهم طريقا وعرا، وتمكن المسملون من أن ينزلوا بهم القتل والأسر أيضا، وشعر الباقون أن الجاموس غرر بهم فقتلوه، ولم ينج منهم بعد ذلك إلا ثلاثة، وصلوا إلى صيدا. وسيق الأسرى إلى دمشق، وكان يوما عظيما مشهودا.
ولم يقم الصليبيون بعمل ضد المسلمين بعد ذلك حتى قدمت الحملة إلى دمياط في الشتاء والبرد القارص الذي تسبب في هلاك الكثر من أفرادها. وقد بعثرت العواصف خيامهم مما جعلهم يشعرون بأن الله قد تخلى عنهم، إضافة إلى إعلان أندريه في يناير 1218م عن نيته العودة إلى بلاده، مما دفع راوول بطريق بيت المقدس بتهديده بقرار الحرمان ليثنيه عن عزمه، ولكن أندريه لم يعبأ بذلك، واصطحب معه هيو، واتجه إلى طرابلس حيث تزوج بوهمند ب مليسند أخت هيو الذي مات في فبراير 1218م. ثم عاد أندريه إلى هنغاريا. ويسجل أحد المؤرخين أن رحيله تسبب في هزيمة الحملة الصليبية كلها.

وكان وصول هؤلاء الصليبين قد فاجأ العادل وابنه الكامل الذي اعتقد أن الهدنة ستتجدد لمدة طويلا لنجاح التجارة بين المسلمين والصليبيين خصوصا الإيطاليين، وانشغال الصليبيين بالدولة البيزنطية، فكان قدوم هذه الحملة مفاجأ له.
وهاجم الصليبيون برج دمياط واسقطوه نتيجة المفاجأة، وقطعوا السلاسل التي تحول دون مرور السفن نحو دمياط، ووصل الخبر إلى العادل وهو مريض بدمشق، فخشي ما هو أسوأ، وتوفي في أغسطس 1218م. وخلفه ابنه الكامل محمد في مصر، وفي الشام ابنه المعظم عيسى، وكان الكامل قد خبر الحرب مع أبيه، وأخرج للصليبيين جسرا من السفن لمنعهم من التقدم نحو دمياط، وذلك بإغراقه لعدد من مراكبه في النيل، فأعاقهم.
وفي تلك الأثناء وصلت الفرق الفرنسية والإنجليزية المنتظرة إلى جيزة دمياط، بقيادة نائب بابوي إسباني الأصل اسمه بيلاجيوس، كان سببا في الشقاق بين الصليبيين إذ أنكر أحقية غيره في القيادة، وحفروا مجرى في النيل استقلته السفن الصغيرة وبذلك وصاروا على مقربة من دمياط القديمة وفي مواجهة جيش الكامل، فتقاتل الطرفان في البحر دون حسم حتى دخل الشتاء وساء المناخ، واضطر الكامل إلى الرحيل من معسكره ذات ليلة من أوائل فبراير سنة 1219م من معسكره تجنبا لمؤامرة ضده، واصبح المعسكر فوجدوا أنفسهم بلا سلطان فتركوا خيامهم وأثقالهم ورحلوا عن العادلية بدورهم، عندها عبر الصليبيون إلى الصفة الشرقية حيث دمياط، وطوقوا دمياط القديمة، وانضم إلى العادل أخوه عيسى، ولحق به جنده إلا أنه لم يكن قادرا على رفع الحصار عن دمياط، فاكتفى بالمناوشات، ثم خطرت له فكرة جديدة في العصور الوسطى، وهي المفاوضة والمصالحة بما يحفظ كرامة الجانبين، وكان الصليبيين أيضا في شقاق، ولم يكونوا أفضل حال.
وكان مقتضى المصالحة جلاء الصليبيين عن دمياط، وأن يقدم لهم الكامل صليب الصلبوت الذي استولى عليه صلاح الدين، وأن يرد عليهم مدينة بيت المقدس نفسها ومعظم البلاد الفلسطينية ما عدى بلدتين صغيرتين. ولم يقبل الصليبيون هذه العروض السخية، ولو كان غرضهم دينيا لقبلوها، والسبب في عدم قبولها هو موفوض البابا بلاجيوس، كما عارض الإيطاليون ذلك لطمعهم في دمياط لأهميتها التجارية الكبيرة عندهم. ومن هنا يتبين أن الأسباب السياسية والإقتصادية حركت الحملات الصليبية أيضا.
وفي أثناء المفاوضة وصل إلى المعسكر الصليبي رجل بال الثياب في الأربعين من عمره، يرجع إليه تأسيس جماعة الرهبان الفرنسسكان، وهم الذين أطلق عليهم اسم الإخوان الفقراء أو الفقراء الرماديين إشارة إلى لون ملابسهم الرهبانية. ونصح الصليبيين بالصلح فلم يقبلوا منه، فرحل إلى أطراف عسكر المسلمين حيث تم القبض عليه، وهو يقول كلاما لم يفهم منه المسلمون سوى كلمة “صلدان”، يقصد أنه يريد رؤية السلطان الكامل، فمثل أمام الكامل وبين يديه المترجمون، فاستأذن أن يعظه ويصف له المسيحية، ويدعوه إليها، فأذن له، واستمع إليه، وأكرمه بدل مجادلته أو دعوة من يجادله، ثم استأذن يريد الذهاب وطلب من الكامل حسن معاملة الأسرى الصليبيين، وإعطاء الإخوان الفرنسسكان سدانة كنيسة القيامة ببيت المقدس، واستأذنه في الحديث إلى الجنود المسلمين، فأذن له، وظل يتقلب بينهم أياما حتى قرر الرحيل، فرده الكامل إلى أطراف معسكر الصليبيين، ورجع القديس ليحبر الصليبيين بما شاهد، ويحذرهم من مغبة الهجوم على دمياط، وليكرر عليهم فوائد عروض السلطان، لكنه وجد النية معقودة على الحرب. فرحل إلى الشام وأقام بضع سنوات ليؤسس للإخوان الفرنسسكان نواة عملهم في كنيسة القيامة التي ظلت حتى العصر الحاضر.
واشتد الحصار على دمياط حتى سقطت في نوفمبر 1219م، ورحل الكامل عنها واختار مكانا فسيحا على شكل مثلث للوقوف في وجه الصليبيين الذين يعرف أنهم سيغادرون إلى القاهرة، وقرر بيلاجيوس انتظار فريدريك الثاني، ووقع الشقاق بين الصليبيين فرحل بعضهم غاضبا، وتم تحويل جامع دمياط الكبير إلى كنيسة، ورمموا الأسوار، كما أرسل الكامل يطلب المدد وخشي من جمود الصليبيين الذي طال ل 18 شهرا، لذا عكف على تحصين جيشه وبناء الأسواق وغيرها في المكان الذي هو فيه، والذي اتسع ليعرف بمدينة المنصورة.
ووصلت الكامل الأخبار بوصول الحملة الإضافية بقيادة لويس دوق بافاريا، كما عاد الغاضبون إلى الحملة، وبدأ التهيؤ للحركة.
وكانت خبرة المسلمين بالأرض في صالحهم، فتمركزوا خير تمركز، وغفل الصليبيون عن قناة للنيل ستجري وتحول بينهم وبين العودة إلى دمياط، حل الفيضان فتعذر عليهم عبور بحر أشموم، في حين قطعت عليهم القوات المصرية خط الرجعة إلى دمياط، ووقفت السفن المصرية بالمرصاد لسفنهم في النيل، واستولت على بعض سفنهم المحملة بالمؤونة وأدوات القتال، وانحصر الصليبيون وضاع أملهم في التقدم نحو القاهرة، ولم يعد امامهم إلا شق طريق شمالي نحو دمياط، فحرقوا خيامهم ومجانيقهم وأثقالهم، وانسحبوا في جنح الظلام فحال الماء والعسكر بينهم وبين مقصدهم، وأدركوا فشلهم، فانقلب بيلاجيوس إلى المفاوضة، وطلب من الكامل السماح للصليبين بالعودة إلى دمياط للجلاء عنها دون قيد أو شرط وطلب الأمان.
وشاور الكامل إخوته وقواده، فرأى بعضهم أن يخلي بين الصليبيين ومأزقهم حت تهلكهم المجاعة والأمراض، وياكل بعضهم بعضا، وراى آخرون أن يتركهم من باب العفو عند المقدرة، فمال إلى الرأي الثاني، وبعث إلى الصليبيين بذلك، وعقد الطرفان هدنة مدتها ثمانية اعوام بشرط موافقة فريدريك الثاني عليها، وإطلاق الأسرى من الجانبين.
وفي اليوم الثامن من سبتمبر 1221م جلا الصليبيون عن دمياط، وقبل ذلك بأيام جرى احتفال كبير في المنصورة حضره كبار القادة الصليبيون فرحا بالصلح. وهكذا انتهت الحملة الصليبية الخامسة. وهال أهل المشرق والغرب ما سمعوه عن رفض القادة الصليبيين لمدينة بيت المقدس في مقابل مدينة أخرى ! كما هالهم استسلامهم دون قيد أو شرط بعد معركة النيل.
وكان من أسباب فشل الحملة في المراجع الغربية المندوب بيلاجيوس الذي وصفته الحملة بالغباء والعجرفة إضافة لقلة حيلته وكونه غير محبوب، وهو الذي أتى كمندوب عن البابا، ولم يكن قائدا من قواد الحملة !

الحملة الصليبية السادسة
رحلت الحملة الخامسة بعد أن أمضت ما بين 30 مايو 1218 – 08 سبتمبر 2121م، وقد فشلت في تحقيق أهدافها تماما، وعاد الملك جان دي برين (يوحنا) إلى عكا بعد إطلاق سراحه في عام 1221م، وسافر إلى أوروبا للمناقشة فيما يمكن عمله حول مستقبل مملكة بيت المقدس الإسمية، وكان في السبعين وهو الوصي على ابنته إيزابيلا التي في الحادية عشر من عمرها، والتي اشتهرت باسم يولاندا بعد موت أمها ماريا، وفي روما طلب من البابا هونوريوس إعداد حملة جديدة، وتم اقتراح فريدريك الثاني كزوج مناسب للأميرة يولاندا.
ثم اتجه يوحنا دي برين إلى باريس لمقابلة الملك فيليب الذي مات بعد ملاقاته، فحضر حفل تنصيب لويس الثامن (1223-1226م)، ثم غادر إلى إسبانيا وزار مدينة سنات ياقب (القديس يعقوب) santiago التي تحظى بمكانة عظيمة عند الإسبان والبرتقاليين حتى هذا اليوم لإعتقادهم أن هذا القديس أحد تلاميذ المسيح ويرقد في كاتدرائية المدينة، وقد ربطت الأساطير في العصور الوسطى بين معجزاته والنضال ضد المسلمين في الأندلس، فصورته بصورة ملاك محارب يخرج مع المسيحيين لمقاتلة المسلمين، وأسموه قاتل المسلمين Matumoros، فزار دي بري قبره.
وفي 1225م أبحر هنري كنت مالطة ومعه جيمس رئيس أساقفة كابوا capua، إلى الشام ومعهما حشد كبير، وكان الغرض تزويج الملكة يولاندا التي كانت في الرابعة عشر من عمرها إلى الإمبراطور فريدريك، وتم التزويج، وبعد أسبوعين أبحرت البعثة من صور ومعها الأميرة.
وكان فريدريك في الثلاثين من عمره مثقفا ثقافة واسعة يتحدث عدة لغات من بينها العربية كما قيل، ويهتم بالأديان الأخرى، خصوصا الإسلام، لأنه تربى في جزيرة صقلية التي كان نصفها أوروبي والنصف الآخر عربي، فأستقبل الكثير من السفراء والعلماء العرب، وناقشهم في الدين، وأطلقوا عليه اسم اعجوبة الدنيا.
وبعد الترحيب بالأميرة أعلن افمبراطور ليوحنا دي برين أنه لم يعد وصيا على الأميرة، وكان يامل أن يظل كذلك حتى تصل إلى السادسة عشرة من عمرها، بل سلب جنوده المال الذي كان بحوزة يوحنا، فلجأ إلى البابا الذي أرضاه، وعينه حاكما على إحدى الولايات البابوية (توسكانيا)، ولكنه لم يلبث طويلا، ومات في عام 1237م.
وأنجبت يولانا ابنها كونراد، وماتت وهي دون السابعة عشر من عمرها، وبذلك أصبح كونراد هو الملك المرتقب لمملكة بيت المقدس، وفريدريك وصيا عليه.
وكان الغرض من الزواج ربط فريدريك بالأراضي المقدسة، وكان اجل الهدنة هنالك ينتهي في 1229م، ولم يوقع عليها ملوك أوروبا، وأرسل الإمبراطور ألف فارس لمراقبة الأوضاع، وكان ذلك يعني أنه أصبح سيد المنطقة بعد زواجه من يولاندا، وما بين 1225-1229م موعد قدومه إلى الشرق، حدثت أحداث جسيمة أثرت على الحملة السادسة، منا الصراع بين الكامل والمعظم عيسى، وكان اولاد العادل قد اتفقوا واجتمعت كلمتهم على الإفرنج، فلما خرجوا من دمياط حدث الشقاق بين الإخوة، وكان الكامل والأشرف قد اختلفا مع المعظم، وساند الخليفة الأخير لوحشة من تجاه الكامل الذي رفع ابنه أعلامه على أعلام الخليفة في الحج، مما أغضب الخليفة، بل قدم ابن الكامل إلى مكة وأخذها.
وفي هذه الأثناء بلغت دولة جلال الدين خوارزمشاه ذروة قوتها بعد ان صد غارة مغولية فعظم شأنه وأمتدت مملكته، وسعى المعظم إلى حليف فوقع خياره عليه وعلى مظفر االدين صاحب أربل، وكل ذلك عندا في اخويه الكامل والمعظم.
ثم هاجم جلال الدين مدينة خلاط التابعة للأشرف، وقتل جنوجه ونهبوا وسبوا الكثير، وكان ذلك في 623هـ، ثم حاصرها أيضا في 625هـ.
وخشي الكامل على دولته أن تزول، فأرسل إلى فريدريك الثاني يطلب منه القدوم إلى عكا، ووعده لأن يعطيه بيت المقدس وبعض الأراضي التي فتحها صلاح الدين، ويقول المؤرخ ابن واصل أن قصده من ذلك دفع أخيه إلى العودة إليه والدخول في طاعه ليتحالفا ضد الصليبيين.
وفتح باب المراسلة بين الملكين، وتبادل الهدايا والمفاوضات، ولم يكن بوسع الكامل الوعد بكل الأراضي المحررة لأن بعضها تحت يد المعظم الذي غضب من ذلك الصلح، والذي مات في نوفمبر 1227م في قلعة دمشق، وتولى بعده ابنه الملك الناصر داود وعمره 21 سنة، وخرج الكامل لأخذ دمشق تاركا خلفه على مصر ابنه الصالح نجم الدين أيوب، وخاف منه الملك الناصر خوفا شديدا، واستنجد بعمه الأشرف الذي قدم إلى دمشق، وأرسل إلى الكامل يشفع في الناصر ليبقى على دمشق. ثم خرجا إلى الكامل في نابلس، وسبق الأشرف إليه، واتفقا على انتزاع دمشق من الناصر وأن تكون للأشرف، ولم يوافق الناصر بعد أن علم بالإتفاق وسانده بعض الأمراء منهم عز الدين أيبك الحلبي صاحب صرخد الذي شجعه على المقاومة.
رحل الناصر إلى دمشق واستعد للحصار، وسانده أهلها لمحبتهم إياه هو ووالده من قبله، وكان عسكره في غاية الشهامة ومستعدا للتضحية من أجله.
وقدم الأشرف إلى دمشق وقطع عنها مياه نهر بانياس فخرج إليه الجند واهلها، وقاتلوه حتى ردوا المياه، ثم أرسل الناصر إلى جلال الدين بن خوارزم شاه ليهاجم خلاط من أجل أن ينصرف إليها الأشرف، ففتحها جلال الدين بعد حصار، إلا أن الأشرف نجح في استعادتها بعد أن صارت خرابا.
ووصلت قوات الكامل بعد رحيل الأشرف الذي أرسل إلى الكامل يستعجل حضوره لإتمام حصار دمشق. فحاصرها الكامل حتى نفدت من الناصر الأموال وأجهده الحصار، فراى الخروج إليه ليرى فيه رأيه، فأكرمه الكامل وعاتبه، وقرر أن يعطيه الكرك والشوبك (وهما ما رفض تسليمها للصليبيين في المفاوضات الأولى والثانية). ثم تنازل الناصر بعد ذلك عن الشوبك للكامل، كما أعطى الأخير دمشق للأشرف.

أما الإمبراطور فريدريك فقد جمع جيشا كبيرا في صيف عام 1227م، ولكن الملاريا قضت على عدد كبير منه، ورحل الباقون بقيادة هنري الرابع، ولحق بهم الإمبراطور، ولما وصلت السفن إلى أوترانتو مرض فريدريك، فغادر الأسطول إلى Pozzouli للإستشفاء، وأرسل إلى البابا يشرح له سبب تخلفه عن الحملة، ولم يقتنع الخير بل ظنها إحدى مماطلاته، فبادر بإصدار قرار الحرمان من رحمة الكنيسة ضده، وانتظر ثلاثة أشهر ليبحر إلى بلاد الشام، ولما لم يفعل أعلن قرار الحرمان ضده في كنيسة القديس بطس في روما في نوفمبر 1227م، وحذره من ان يتوجه لقيادة الحملة لوقوعه تحت حرمان الكنيسة.
ولكن الإمبراطور أبحر في 28 يونيه 1228م، في 11 ألف على أعلى تقدير، ولم يرتح كثير من الصليبيين في الشام لقدومه لأنه بعد وفاة يورندا أصبح وصيا، ولبارونات بيت المقدس الحق في رفض وصايته ومناقشته، وكان فريدريك يرى أنه المالك لكل تلك المناطق.
ووصل الإمبراطور إلى عكا، ووصلت معه أخبار حرمان الكنيسة له، مما أضعف من موقفه، وجعل بعض الذين أقسموا بالولاء له كسيد اعلى، كملك قبرص، في حل من ذلك القسم، كما رفض جيرولد بطريق مملكة بيت المقدس التعاون معه، وتبعه في ذلك فرسان الداوية والإسبارتية، بل وابحر بعض من جاؤوا معه خوفا من غضب البابا.
ثم وصل الخبر إلى الإمبراطور ان البابا قد حشد قواته لغزو ممتلكاته في إيطاليا، فتخلى عن فكرة المواجهة العسكرية مع المسلمين ولجأ إلى المفاوضات، وكان الكامل محاصرا لدمشق فخشي أن يهجم الإمبراطور على القدس فتقع بين يديه، لذا أرسل يفاوضه، وجرت بينهما مسائل في الحكمة والهندسة والرياضة، فأرسل الإمبراطور بمسائل يخنبر بها من عند الكامل من الفضلاء، فأجابوه عليها.
ولجأ الإمبراطور إلى عمل عسكري يرغم به الكامل على إعطائه ما وعده به، فاستولى على الجزء الخاص بالمسلمين من صيدا مما أغضب الكامل وجعله يقطع المفاوضات، إلا انها اتصلت بعد ذلك، وتم التوقيع على الإتفاقية في عام 1229م، ومن ضمنها هدنة لمدة 10 سنوات، وأن يسلم الكامل القدس للإمبراطور بشرط أن يبقى خرابا، وللإمبراطور وحده أن يعيد بناء أسوار المدينة. وإطلاق الأسرى من كلا الجانبين، وأن يكون لحرم الشريف بما حداه من الصخرة المقدسة والمسجد الأقصى بأيدي المسلمين، ويقول ابن واصل غن الإمبارطور قال لفخر الدين بن شيخ الشيوخ الذي كان يفاوضه عن الكامل: “لولا أني أخاف انكسار جاهي عند الفرنج، لما كلفت السلطان شيئا من ذلك، وما لي غرض في القدس ولا غيره، إنما قصدت حفظ ناموسي عندهم”.
ولما نودي في القدس بالخروج والتسليم، وقع الضجيج والبكاء، وعظم ذلك على المسلمين وحزنوا، وأنكروا على الكامل هذا الفعل، ولكن الكامل كان يعرف ان الإفرنج لا يمكنهم التحصن بالقدس لخراب أسواره. واستنكر المسلمون كلهم ذلك، وروي أن الكامل قال إنه لم يعطيهم إلا الكنائس ودور خراب.
كما قوبل هذا الصلح بالنقد في العالم المسيحي لأن القدس لم تنتزع بالقوة، ولا على الحالة الكاملة للإنتزاع، وتقدم الإمبراطور إلى القدس ليتوج ملكا على المملكة رغم أنه كان وصيا، ولم يرافقه أحد من رجال الدين المحليين، فامضلا ليلتين بها بعد أنسلمه القاضي مفاتيحها، وكانت قد خلت من السكان لخروج المسلمين منها خوفا على أنفسهم، ولكن حدثت حادثتين في هاتين الليلتين إحداهما أن بطريق مملكة بيت المقدس كان قد هدد الإإمبراطور إن هو قدم إلى المدينة بقطعها، فلما فعل استعد بطرس أسقف قيسارية للتوجه إلى القدس لتنفيذ قرار القطع، وتوجه الإمبراطور إلى كنيسة القيامة ليتوج ملكا على المملكة فلم يجد أحدا من القساوسة، واضطر إلى وضع التاج على رأسه بنفسه، ونلاحظ هنا أن المسلمين لم يلمسوا المقدسات المسيحية بعد دخول صلاح الدين على العكس من الأماكن الإسلامية التي يحولها الصليبيون في كل مرة إلى دور عبادة لهم وخصوصا عندما دخلوا القدس في عام 1099م.
ويروي القاضي شمس الدين أن الإمبراطور كان يصطحبه في جولة لرؤية المزارات ودور العبادة الإسلامية في القدس، وأعجبته العماؤة الإسلامية، وانه شاهد مرة قسيسا في يده الإنجيل يريد دخول المسجد الأقصى فصاح فيه ونهره، وقال: “نحن مماليك هذا السلطان الملك الكامل وعبيده، وغنما تصدق علي وعليكم بهذه الكنائس على سبيل الإنعام منه، ولا يتعدى أحد منكم طوره”.
ولما توجه الإمبراطور إلى النوم، أعطى القاضي الأوامر للمؤذنين أن لا يؤذنوا احتراما له، فما قدم عليه صباحا سأله لم لم يؤذنوا على جاري عادتهم، فاخبره أن الكامل منعهم من ذلك احتراما للإمبراطور، فقال: “أخطأت فيما فعلت، والله إنه أكثر غرضي في المبيت في القدس أن أسمع أذان المؤذنين وتسبيحهم بالليل”.
ووصل الأسقف ليضع المدينة تحت قرار القطع، وكان في ذلك أكبر دليل على رفض المعاهدة، وإحراج الإمبراطور امام المسلمين، وغضب الإمبراطور من وصوله غضبا شديدا لأنه ظن ان ما سمعه من قبل عن القطع من باب التهديد فقط، وتخلى عن بناء سور المدينة الذي كان ينوي بنائه قبل رحيله لأنه الوحيد المخول له ذلك، وهو الأمر الذي سيكون في صالح المسلمين، ثم رحل عن القدس.

وبدأ الناصر في التشنيع على عمه الكامل لتسليمه القدس، وطلب من الواعظ شمس الدين يوسف، وكان له قبول عند الناس، أن يجلس في جامع دمشق لوعظ الناس وذكر فضائل القدس وما ورد فيها آثار، وغرضه تنفير الناس من عمه
، فأبكى الناس الذين كان من بينهم المؤرح ابن واصل.

ووصل الإمبراطور إلى عكا فوجد الغضب الصليبي قد تزايد ضده بسبب تنصيبه نفسه ملكا وهو الوصي على المملكة، فجمع الأمراء لشرح موقفه، إلا أن الغضب تزايد مما اضطره إلى استخدام القوة فحاصر مقر البطريق جيرولد، ووضع حراسة مشددة على عكا بحيث لا يدخل أحد ولا يخرج إلا بتصريح خاص. وقضى في المدينة 5 أسابيع، ثم غادرها بعد سماعه بتحالف جان ي برين مع البابا، وقيادته لجيش من جيوش الأخير أغار به على ممتلكاته في إيطاليا.
ورحل الإمبراطور أسوأ رحيل، فقد ودعه أهالي عكا بقذف القاذورات عليه، رحل وترك حلفه إمارات صليبية متفككة، ومملكة بيت المقدس المشتتة التي رغم إعادة بيت المقدس إليها إلا أن ذلك لم يكن ليشكل نصرا عسكريا. بل فضل الكثير من الصليبيين الرحيل إلى الفسطنطينية للخدمة في الإمبراطورية اللاتينية التي اطاحت بالإمكبراطورية البيزنطية 1204- 1261م.
ورغم هذا نجح الإمبراطور رغم قلة عدد حملته في تحقيق ما لم تحققه الحملة الثالثة أو السابعة، وبطرق الدبلوماسية. ومما يدر الإشارة إليه أن العلاقة الودية ظلت قائمة بين الكامل والإمبارطور، وحتى بين أولادهما وأحفادهما من بعدهما، فما توفي الكامل وتولى بعده ابنه العادل الثاني 1238-1240م، ظلت المراسلات بينه وبين فريدريك، وبعد الادل تولى أخوه الصالح أيوب 1240-1249م، واستمرت المراسلا، وأرسل إليه العلامة سراج الدين فأقام عنده مكرما بعض الوقت، وصنف له كتابا في المنطق، وأحسن إليه الإمبراطور، كما أرسل يحذر الصالح أيوب من إعداد لويس السابع لحملته الصليبية. وبعد الإمبراطور تولى ابنه كونراد ثم ابنه مانفريد في صقلية، وقد أرسل الملك الظاهر بيبرس المؤرخ ابن واصل إلى مانفريد رسولا، فأقام عنده مكرما واجتمع به مرارا فوجده متميزا ومحبا للعلوم العقلية، وأن أكثر أصحابه الذين يتولون اموره الخاصة كانوا من المسلمين، وكان الأذان يعلن في معسكره للصلاة (شهادة المرؤخ ابن واصل) !

وظلت الهدنة قائمة حتى عام 1239م، حيث قدمت إلى الشام حملة صليبية أخرى دعا إليها البابا جريجوري التاسع، واستجاب لها بعض الفرسان الفرنسيين وعلى رأسهم ثيوبالد الرابع، ولما علم الناصر داود صاحب الأردن بوضول الصليبيين تذرع بنقض الصليبيين للصلح وتحصينهم القدس، وطردهم منها، وانتهى أمر الحملة باستلام الصليبيين لها مرة أخرى ومعها طبرية وعسقلان وبعض البلاد الأخرى.
ولم تكد هذه الحملة تغادر حتى وصلت حملة اخرى تعرف بالحملة الإنجليزية وعلى رأسها رستشلرد أف كورنول أخوهنري الثالث ملك إنجلترا، فأكدت ملكية الصليبيين للقدس. وبعد مغادرتها تمكن الصالح نجم الدين بمساعدة الخوارزمية من استعادة بيت المقدس في عام 1244م، وبذلك فقد الصليبيون إلى غير رجعة (إن شاء الله) تلك المدينة المقدسة، وكان هذا سببا آخر من أسابا قيام لويس التاسع بحملته على مصر.

الحملة الصليبية السابعة
تعرض الصليبيون في الشام للعديد من الضربات الموجعة، مما حدى بالغرب الأوروبي إلى التفكير في حملة جديدة، وكان الملك الفرنسي لويس التاسع _1226م-1270م) قد مرض مرضا عضالا، فلما شفي كرس كل جهوده للقيام بحملة صليبية لتخليص الأراضي المقدسة، والعمل على استرداد بيت المقدس اعترافا منه بفضل الله عليه.
دعا البابا انوسنت الرابع إلى مجلس كنسي في ليون في فرنسا عام 1245م، وأخذ على عاتقه مهمة التسهيلات اللازمة للحملة، ووعد كل من يحمل الصليب بالغفران التام لخطاياه، وأرسل مندوبيه إلى أنحاء أوروبا للتبشير بالحملة، وكانت حماسة فرنسا واضحة نظرا لموقف ملكها المؤيد الذي قام بتجهيز أسطول بحري كبير لنقل الجيش، ووفر أهم المتطلبات، وأناب عنه في فرنسا والدته بلانش وجعل المقربين يقسمون بالولاء له ولها في غيابه.
وأبحرت الحملة من جنوب فرنسا في 1248م إلى جزيرة قبرص حيث مكثت بها ثمانية أشهر، ووصل خبرها إلى مصر التي استعدت لملاقاتها، وحصنت مدينة دمياط وزودتها بالمقاتلة والمؤونة، وأسرع السلطان الصالح أيوب إلى العودة إلى مصر قادما من الشام بعد أن عقد صلحا مع صاحب حمص، وبدأ في الإستعداد، فبنى المراكب وحصن المدن.
ووصلت الحملة إلى فرع دمياط (من النيل) في يوم الجمعة 4 يونيه 1249م، ونزل الصليبيون بقواربهم بعد أن تركوا سفنهم في عرض البحر لضحالة المياه، ورماهم المسلمون بالسهام والرماح، وتراجع قائد القوات فخر الدين من أجل العبور إلى الجانب الشرقي إلى أشموم بدل دمياط التي كانت أكثر حصانة، ونسي أن يهدم الجسر الواصل بين البر الغربي والشرقي، فاستولى عليه الصليبيون وانفتح الطريق أمامهم إلى دمياط، وكان سبب انسحابه إلى أشموم بدل دمياط هو اعتقاده أن نجم الدين الذي كان مريضا قد مات أو على وشك الموت، فأراد الإستيلاء على السلطنة بالإنسحاب بأكبر قدر من الجند. وكما يروي ابن واصل كان السلطان نجم الدين مريضا فلم يبق له قدرة على ضبط جنده، وقد استد طمعهم فيه.
ولما رحل الجند عن دمياط فزع أهلها وتبعوهم إلى أشموم بعد أن خربوا المدينة، فدخلها الصليبيون بدون قتال، وقد تأثر السلطان بدخولهم إليها تأثرا كبيرا، وكان قد ترك رجالا من كنانة لحراستها لشجاعتهم فاغضبه فرارهم، وأمر بشنق ما يزيد على خمسين من كبار رجالهم، وكاد يأمر بقتل فخر الدين، ولكنه عدل عن ذلك لدقة الموقف، ثم تراجع من أشموم إلى المنصورة لحصانتها، وتطوع كثير من العربان والعامة للجهاد.
وطال مكث الصليبيين في دمياط حتى أفرطوا في الملذات واختل نظامهم، حتى أصبح لويس عاجزا عن السيطرة عليهم، بعكس المسلمين الذين رتبوا أنسهم وبدأوا في المناوشات مع الصليبيين وأسر البعض منهم.
ثم قرر الصليبيون الزحف نحو القاهرة بعدما وصلت إليهم بعض الإمدادات، وفي هذه الأثناء مات الصالح أيوب، وكانت محنة عظيمة ألمت بالمسلمين، ولكن زوجته شجرة الدر قررت إخفاء خبر موته عن الجند ولم يعرف به إلا الخاصة، وزورت وثيقة تحمل توقيعه بتعيين ابنه توران شاه قائدا عاما للجيوش ونائبا للسلطان أثناء مرضه. وتقدم الصليبيون جنوبا حتى لم يعد يفصلهم عن المسلمين إلا بحر أشموم، فحاولوا يناء جسر عليه للعبور، ولكن المسلمين أمطروهم بوابل من القذائف فعجزوا عن ذلك، ولكنهم رشوا أحد العربان فدلهم على مخاضة للعبور إلى المعسكر الإسلامي في المنصورة، وكانت الخطة أن يعبر لويس ومعظم الجيش ويبقى آخرون للحراسة، حتى إذا ما انتصروا لحقوا بهم من أجل التقدم نحو القاهرة، وعبر الصليبيون بمشقة في الثامن من فبراير 1250م، وواجههم فخر الدين بالقوات الإسلامية، واستشهد في تلك المعركة، وكان الكونت اوتو في المقدمة فهجم على المسلمين وحقق نصرا فأغتر به، ولم يبال باوامر الملك بالتريث حتى تتكامل القوات، وأراد أن ينفرد بشرف النصر لنفسه فاندفع بفرسانه إلى داخل المدينة، والتحم بالجيش الإسلامي الذي أعاد تنظيم نفسه بقيادة ركن الدين بيبرس البندقداري، فانتصر المسملون وقتل الكونت أرتو، ولكن لويس نجح في الإستيلاء على معسكر المسلمين خارج المدينة. وفي 11 فبراير 1250م بدأت معركة طاحنة بين الطرفين انتهت بانتصار المسلمين، فارتبكت القوات الصليبية التي هزمت مرتين في يومين متتالين، وتفشى الوباء فيها.
وأثناء هذا النصر وصل توران شاه وأعلن خبر وفاة والده، ونودي به سطانا على مصر، فتقدم في 25 من ذلك الشهر إلى المنصورة، والتف الجيش حوله، وبدأ يعد قواته لمنازلة الصليبيين المقيمين جنوبي بحر أشموم، واستولى على سفنهم التي كانت تمر في بحر أشموم، فشعروا بقرب المجاعة وازدادوا حرجا، ودارت عدة معارك بين الطرفين في البر والبحر انتصر فيها المسلمون. واضطر لويس إلى طلب المفاوضة وأرسل مناديبه عارضا تسليم دمياط وما استولى عليه في مصر مقابل التنازل عن بيت المقدس وبعض المدن اساحلية في الشام، ولكن توران رفض العرض، فحاول لويس التراجع إلى دمياط، ولكن المسلمين كانوا له بالمرصاد، وعبر الفرنج الجسر عندما انسحبوا من جيزة دمياط، ووقعوا في نفس الخطأ الذي وقع فيه المسملون فلم يحطموا الجسر بعد عبورهم، فاندفعت القوات الإسلامية خلفهم بقيادة بيبرس واقتحمت معسكرهم وأجبرتهم على الهرب، وتعقبتهم حتى فارسكور. ووقع لويس وأخويه الكونت شارل والكونت الفونس في الأسر، وأودعوا دار القاضي فخر الدين بن لقمان في المنصورة، وبعد أيام فنح باب المفاوضة بين الملك الأسير وتوران شاه، وطلب الأخير من الأول تسليمه بعض القلاع الصليبية في الشام، ولكن لويس اعتر لأنه لا يملكها، وبعد محاولات متكررة تنازل توران عن هذا الشرط مقابل أن يدفع لويس مبلغا كبيرا من المال، وتم توقيع الهدنة بين الطرفين، وفيها إطلاق الأسرى من الجانبين، وتأمين الصليبيين وعتادهم الموجود في دمياط حتى يرحلوا، فأقسم الطرفان على احترام شروطها.
وفي الثامن من مايو عام 1250 أقلعت سفن فلول الحملة في طريقها إلى عكا بعد أن أنهكتها الهزائم والكوارث.
لقد احتفظت مصر في اعهد الأيوبي بجيش قوي ومدرب، صناعته الحرب، وكان له قواد مهرة، كما ساعد كتمان شجرة الدر خبر وفاة السلطان لحين قدوم ابنه في تماسك الجيش، وقد كرمت مصر هذه المرأة القوية بإعلانها سلطانة على الديار بعد مقتل توران شاه، فكانت المرة الأولى والأخير التي حكمت فيها امرأة مصر حتى هذا التاريخ رغم قصر مدة حكمها.

خاتمة الحروب الصليبية في الشام
وصلت الأخبار إلى لويس وهو في عكا بأن هنري الثالث ملك انجلترا يستعد لمهاجمة فرنسا، ولكنه كان يحس بان مملكة بيت المقدس في حاجة ماسة إليه، فآثر البقاء، وأذن لمن أراد العودة من فرسانه أن يعود، ولعل ما شجعه على ذلك ما تلى موت توران شاه من نفوذ للمماليك في مصر، خصوصا بعد الخلاف بينهم وبين الأيوبيين الباقين في الشام كالناصر يوسف صاحب الذي دخل دمشق مُرحبا به فيها. وأرسل الأخير إلى لويس في عكا طلب مساعدته، ولكنه لم يستجب مباشرة رغم أهمية تحالفه مع دمشق ضد مصر، لأن الكثير من الأسرى الذين لم يقدر على دفع فدية عنهم بقوا خلفه في مصر. وتعجل الناصر فهاجم مصر بجيش جعل عليه الأمراء الأيوبيين لإظهار شرعيته، والتقاه المماليك عند العباسة، وتمكن الناصر من الإنتصار في بداية الأمر، ولكن المماليك وعلى رأسهم عز الدين أيبك التركماني الذي أصبح سلطانا على مصر بزواجه من شجرة الدر، تمكن من جمع الجنود مرة أخرى وحمل على القوات الأيوبية فانتصر عليها، ولاذ الناصر بالفرار، وبهذا النصر تحققت سيادة المماليك على مصر.
وأرسل الناصر مرة ثانية إلى لويس ملوحا بالتنازل عن بيت المقدس، فأرسل الأخير إلى القاهرة يهدد بالتحالف مع دمشق، وواجه عز الدين الأمر بالدبلوماسية، وطالت المفاوضات، وكان من نتيجتها إطلاق الأسرى الصليبيين وعلى رأسهم مقدم الإسبارتية وليم شاتونيف، ثم أعقب ذلك الإفراج عن 3000 أسير (في عام 1244م) مقابل الإفراج عن عشر ذلك العدد من المسلمين مما يدل على حرص المماليك على إرضاء لويس الذي رأى في ذلك ضعفا وطالب بالإفراج عن الجميع بدون أن يدفع فدية، وتم له ذلك مع نهاية مارس 1252م، وتم الإتفاق بين لويس وعز الدين على الناصر، ووعد عز الدين بانه إذا تمكن من دمشق سيعيد إلى الصليبيين كل الأراضي التي كانت خاضعة لهم بما فيها مدينة القدس. ويمكن القول بأن المصالح الشخصية لكلا الفريقين الإسلاميين تغلبت على مصلحة الأمة في ذلك الظرف الدقيق.
ورأى الناصر اجتهاد لويس في تحصين مدنه، فأدرك خطورة الوضع فأرسل إلى الخليفة العباسي المستعصم يطلب التوسط في صلح بين القاهرة ودمشق، ولما كان الخليفة حريصا على وحدة الصف الإسلامي في هذه المرحلة الي بدأت فيها أخطار المغول تظهر فقد حث عز الدين أيبك على قبول شروط الناصر، وتم الإعتراف بالسلطنة المصرية وعلى رأسها عز الدين، وبذلك سقط التحالف الصليبي المملوكي.
وشعر الناصر بالإرتياح وفي أثناء عودته هاجم الصليبيوين بلاده ونهبوا مدينة صيدا، وساروا محملين بالغنائم والأسرى، وسعى لويس في البحث عن حليف آخر فوجده في طائفة الحشاشين، وكانت تدفع الجزسة للإسبارتيين فطلبت أن لا تدفع شيئا في مقابل وقوفها على الحياد في الحرب مع المسلمين، ولم يكتف لويس بذلك بل أرسل إلى المغول ولكن السفارات لم تأت بفائدة، واضطر إلى مغادرة عكا بعد أن عقد هدنة مع الناصر مدتها سنتين وسبعة أشهر في فبراير 1254م، وهدنة مع القاهرة مدتها عشر سنوات في بداية عام 1255م.

المغول يهاجمون بغداد ودمشق
اجتاز هولاكو نهرجيحون في طريقه صوب بغداد، فوصلها في يناير 1258م، وأقام جسرا من القوارب عبر به إلى الجانب الغربي للنهر، وأحاط بالمدينة، وأحس الخليفة بالخطر فأرسل سفارة على رأسها بطرق نسطوري لأن زوجة هولاكو طقز خاتون كانت نسطورية، فلم يستجب الأخير. ودخل المغول المدينة في فبراير 1258م فاستسلم الخليفة وقادة الجيش وكبار رجال الدولة، فتم قتلهم جميعا عدا الخليفة الذي ظل خمسة أيام حتى دخل هولاكو المدينة، وبعد أن علم باماكن الكنوز أمر بقتله، ولم يرحم المغول من بالمدينة سواء من الشيوخ أو النساء أو الأطفال، حتى قيل أن حوالي 80 ألفا من سكان بغداد هلكوا خلال 40 يوما ! ولم يبق على قيد الحياة سوى القليل الذي أصبح رقيقا، أما الجالية المسيحية فقد لجأت إلى الكنائس ولم تصب بسوء لتعليمات طقز خاتون، وفي مارس سحب هولاكو قواته من بغداد حتى لا تتعرض للوباء بسبب الجثث المتعفنة، وعاد بما يحمل من كنوز إلى همدان ومنها إلى أذربيجان، وعين الوزير العباسي مؤيد الدين واليا على المدينة نظرا لولائه للمغول (لم يذكر المؤلف سبب ولائه !!).
وبدأ هولاكو بعد ذلك يستعد لدخول الشام، ومهاجمة مدينة ميافارقين التي رفض حاكمها الدخول في طاعته رغم إرسال بعض حكام الشام إليه بطاعتهم له. وهاجم هولاكو المدينة في مطلع عام 1260 وانزل القتل بالمسلمين وأبقى على حياة المسيحيين، وعذب حاكمها الأمير الأيوبي الكامل محمد حتى مات، فحمل المغول رأسه على رمح وطافوا به في البلاد.
وتقد المغول إلى مدينة سروج التي قاومتهم فنهبوها، ثم زحفوا حتى حلب فحاصروها، ثم اقتحموها في يناير 1260م، وحدث بها ما حدث بغيرها من مذابح، وبقيت القلعة تقاوم شهرا حتى سقطت، وأظهر هولاكو من الرحمة ما لم يكن متوقعا فأبقى على توران شاه ابن صلاح الدين قائد الحامية لشجاعته، وبعد أن حصل على كنوزها عهد إلى الأشرف امير حمص السابق بولايتها لولائه للمغول، ثم استولى على حصن حارم وذبح من فيه. ولما علم السلطان الناصر بسقوط حلب، واتجاه المغول إلى دمشق أراد الفرار إلى مصر والإلتجاء إلى السلطان المملوكي سيف الدين قطز، ولكنه عدل عن رأيه، زين له البعض الذهاب إلى هولاكو لإسترضائه فنوى ذلك، ولكنه وقع في أسر المغول، وظل فيه حتى قتله المغول بعد موقعة عين جالوت.
وأثناء هذه الأحداث سلمت حماه ودمشق مفاتيحهما إلى هولاكو، فدخل الجيش المغولي بقيادة كتبغا دمشق في مارس 1260م ومعه ملك أرمنية هيثوم الأول، والأمير الصليبي بوهمند السادس حاكم أنطاكية، ثم تابع المغول استيلائهم على مدن الشام حتى استقروا عند غزة، وهكذا سقطت المدن الإسلامية الكبيرة بغداد وحلب ودمشق فاهتز العالم الإسلامي، وازادا الأمل لدى الطوائف النصرانية خصوصا بعد اعتناق كتبغا للمسيحية، ولم يكن في نية المغول مهاجمة الصليبيين بشرط أن يخضعوا لهم، ورغم هذا بقي المل لدى المسلمين في مصر.

أرسل هولاكو المجنون رسوله إلى مصر في مطلع عام 1260م يطلب من السلطان المملوكي قطز الخضوع له، ولكن الأخير رد عليه بقتل رسله، وفي هذه الأثناء حدثت حرب أهلية في منغوليا فاضطر هولاكو إلى سحب عدد من قواته من الشام، وحشد قطز قواته، وتقدم بيبرس نحو غزة حيث كان يوجد جيش مغولي صغير تمكن من هزيمته، ولما علم كتبغا الذي كان في بعلبك بذلك فبدأ يستعد للهجوم، وعلم أهل دمشق بذلك فثاروا، وفي الوقت نفسه كان قطز بتقدم بجيشه، وكانت الخطة المملوكية تقضتي مهاجمة المغول من الشمال، وتكلب الأمر عبور الأراضي الصليبية، لذا ذهبت سفارة مملوكية إلى عكا تطلب السماح للجيش المملوكي بعبور الأراضي الصليبية وإمداده بالمؤمن اللازمة، وقبل الصليبيون، والسبب عدم ثقتهم بالمغول الذين اشتهروا يالمذابح وثقتهم بالمسلمين أكثر منهم، فتحركت القوات وعسكرت في مروج مدينة عكا عدة أيام في ظل علاقات ودية مع الصليبيين.
وتحركت قوات كتبغا وعبرت نهر الأردن دون العلم بخطة قطز، كما تحركت القوات المملوكية نحو عين جالوت، وفي يوم الجمعة الثالث من سبتمبر 1260م، اخفى قظز الجيش الرئيسي في التلال، ولم يظهر للمغول سوى المقدمة التي يقودها بيبرس، فهاجمتها القوات المغولية فانسحبت إلى التلال فتبعتها ووقعت في الكمين، وتم تطويق الجيش المغولي بأكمله، ودارت معركة رهيبة انتهت بهزيمة المغول، ووقع كتبغا أسيرا، فحمل مقيدا بالأغلال إلى السلطان قطز، فامر بقطع رقبته بعدما دخل دمشق.
كان انتصار المماليك في عين جالوت نصرا للإسلام، وكات صرخة قطز في أرض المعركة “واإسلاماه” علامة على ذلك، فقد أنقذ هذا النصر الإسلام كله من أخطر تهديد عرفه التاريخ، كما أنه جعل من سلطنة المماليك في مصر القوة الأساسية الضاربة في الشرق لمدة قرنين من الزمان.
ودفع هذا الإنتصار المغول الذين بقوا غرب آسيا الصغرى إلى اعتناق الإسلام حبا فيه وفي مبادئه، وعلى كل حال كان الإنتصار على المغول الذين عرفوا بأنهم قوم لا يقهرو، وأنهم أينما حلوا حل الخراب، بداية النهاية لبقية الإمارات الصليبية في الشام.
أما هولاكوا الذي أفزعته انتصارات المسلمين واستردادهم لمدن الشام، فقد حاول استرداد حلب في ديسمبر عام 1260م، ولكنه فشل واضطر إلى الإنسحاب بعد أربعين يوما بعد أن أقام مذبحة خارج المدينة، ثم لقي المغول هزيمة أخرى عند حمص فولوا هاربين والمسلمين في أعقابهم يذبحون ويأسرون، وتبع ذلك هزيمة أخرى لهم عند حماه، وانتهى بهم الأمر إلى المغادرة إلى الشرق.

بيبرس والصليبيين
قرر السلطان قطز العودة إلى مصر ولكن بيبرس قتله في الطريق بعد أن حكم حوالي عام واحد، وتولى أمر السلطنة على مصر، وتلقب بالملك القاهر ركن الدين بيبرس الصالحي ثم غير لقبه إلى الملك الظاهر لأنه علم أن القاهر لقب غير مبارك ما تلقب به احد وطالت مدة حكمه، وقد انتصر بيبرس على الصليبيين في معركة غزة عام 1244م، وصار من أكفأ القادة العسكريين. وقد نجح في السيطرة على البيت الأيوبي في الشام، وأقام الخلافة العباسية في مصر، وأعد العدة للإنتقام من مملكة أرمينية وإمارة أنطاكية لمساعدتهما للمغول، فصار يغير على الأراضي الصليبية وينهبها، وفي عام 1265م هاجم قيسارية واستولى عليها، ثم تابع إلى حيفا ودمرها عن آخرها، ثم استولى على أرسوف.
وفي العام نفسه توفي هولاكو وكان ذلك في صالح المسلمين، فتفرغ بيبرس للصليبيين.
وفي العام التالي 1266م هاجم بيبرس صفد، وكانت تحت يد فرسان الداوية، وهم كثر، فقاوموه، ثم سلموها له، وبذلك سيطر على إقليم الجليل.
وفي العام نفسه تقدمت قواته إلى مملكة قلقيلية الأرمينية، وذلك بقيادة قلاوون، فدارت معركة حاسمة انتصر فيها المماليك، وبذلك تيسر نهب المدن ودخول العاصمة سيس، ونهبها وإحراقها، والعودة بالأسرى، قيل إنهم 40 ألفا.
وفي خريف العام نفسه هاجم المماليك أنطاكية، ولكن القادة اكتفوا بالنهب، ويقال إن بوهمند رشاهم ليتخلوا عن مهاجمة المدينة، وفي عام 1267م هاجم بيبرس عكا وخرب ما حولها من قرى. وفي 14 مايو وصل بيبرس إلى أنطاكية، فحاصرها وقطع عنها الإتصالات، وفي الثامن عشر تمكنت القوات من فتح ثغرة في سور المدينة، ودخل الأبطال وفتحوا لبقية الجند الأبواب، وأنزل المماليك القتل في أهل المدينة بعد أن اغلقوا أبوابها عليهم، وأسروا من نجا وهم كثر جدا، وجمعوا الغنائم الكثيرة بغعتبارها أغنى الإمارات الصليبية، وهكذا سقطت أنطاكية بعد 170 عاما، وكانت أول إمارة صليبية في الشام، وكان سقوطها صدمة كبيرة للصليبيين في الشام والعالم الأوروبي.
وكان من نتائج ذلك السقوط طهور دلائل على قيام المغول ببعض التحركات ربما تكون إلى بلاد الشام، وعلم أيضا أن لويس السابع يستعد لحملة كبرىن ولكن هذه الحملة اتجهت إلى تونس بامل السيطرة عليها والزحف إلى مصر ومنها إلى الشام، ولكن الحلم تبدد عندما مات لويس في تونس 1270م قبل أن يقوم بعمل عسكري يذكر.
وأرسل بوهمند الذي كان في طرابلس إلى بيبرس يطلب عقد هدنة، ولكن شروط بيبرس كانت قاسية، ومنها دفع نفقات حملة المماليك الأخيرة، لذلك رفض بوهمند الشروط، ثم تم عقد هدنة بينهما مدتها 10 سنوات، وقفل بيبرس عائدا إلى مصر، وفي طريقه أسقط حصن مونتفورت في يونيه 1271م، وبسقوطه لم يبق للصليبيين حصن في الشام.

ثم قدمت حملة الأمير الإنجليزي إدوارد 1271م ابن الملك هنري الثالث، وكان الأمير في أوائل الثلاثينات من عمره، فجمع فقط 1000 فارس رغم حماسه هو وأبوه في الدعوة إلى حمل الصليب، ففكر في الإتجاه إلى تونس ليلتحق بلويس، ولكنه علم بموته وهو في صقلية، فأبحر إلى عكا فوصلها في التاسع من مايو 1271م، ثم لحق به هيو الثالث ملك قبرص، وبهومند أمير طرابلس، وبعض القوات الإنجليزية الوافدة من إنجلترا.
وأرسل إدوارد إلى “أباقا” إيلخان المغول يطلب منه المساعدة، فأرسل إليه بعض القوات التي انتصرت على حامية حلب في طريقها إلى الصليبيين. وذعر الناس من تحركات المغول، وتحرك بيبرس من دمشق لمواجهتهم، ولما أحس المغول بأنهم أضعف من قوات بيبرس عادوا من حيث أتوا بعد حملوا معهم الكثير من الغنائم.
وتشجع إدوارد بتحركات المغول، واعتقد أنهم سيواصلون الزحف إليه، فأغار على بعض الحصون، ولم يقدر عليها لقلة جيشه، وقرر العودة إلى بلاده لكنه عقد هدنة مع المماليك المنشغلين بخطر المغول، على أمل أن يعود بحملة صليبية أكبر، وكانت الهدنة 10 سنين وعشر شهور.
وحسب أحد المؤرخين فقد فكر بيبرس أن إدوارد سيعود، لذا أرسل إليه من تنكر في هيئة المسيحيين وطعنه بخنجر مسموم، ولكنه لم يمت رغم معانته لعدة شهور من آلام الجرح، وما ان تماثل للشفاء حتى عاد إلى بلاده في سبتمبر 1272م ليتولى حكمها.
توفي بيرس في يوليو 1277م، فابتهج الصليبيون لوفاته، وثار قلاوون قائد القوات بالشام على ولده الأكبر بركة الذي كان ضعيفا، فتنازل ألخير عن الحكم لأخيه الأصغر الذي كان في 17 من عمره، وتولى قلاوون حكم البلاد عام 1279م. ومن المشاكل التي اعترضته قدوم القوات المغولية إلى الشام ومنازلتها حمص عام 1281م، بعد ما انضم إليها بعض الأرمن والإسبارتية من حصن المرقب، والتقى المماليك بالمغول خارج حمص في نهاية اكتوبر 1281م، واسفرت عن انسحاب المغول إلى شرق الفرات الذي أصبح الد الفاصل بين الحدود الشمالية للدولة المملوكية والحدود الغربية للمغول.
وعندما انقضت الهدنة في 1283م عرض قلاوون تجديدها لمدة عشر سنوات، فوافق الصليبيون، وكفلت هذه الهدنة الأمان لهم مع استبعاد صور وبيروت منها. واستعد قلاوون لمهاجمة هاتبن المدينتين لكنهما طلبتا عقد الهدنة، فوافق ليتفرغ لقتال الإسبارتية في حصن المرقب لدأبهم على التحالف مع المغول ومهاجمة المسلمين، وكان حصن المرقب في غاية العلو والحصانة لم ينجح أحد من الملوك السابقين في فتحه، فوصل السطلكان بجيشه إليه في ابريل 1285م، ونصب المجانيق، وبدأ في دك أسوار القلعة، واستمر ذلك شهرا كاملا، ونجح المماليك في فتح ثغرة في أحد الأبراج واشعال النار فيه ليتهاوى مما أثر على القلعة كلها، فطلبت الحامية الأمان ووافق السلطان، فخرج الإسبارتية في كامل عدتهم، وخرجت بقية الحامية دون ان يحملوا معهم شيئا، ودخل السلطان القلعة، قال المؤرخ أبو الفدا الذي شهد هذه الأحداث: “وكان يوما مشهورا أخذ فيه السلطان الثأر من بيت الاسبتار، ومحيت آية الليل بآية النهار”.
وكان سقوط هذا الحصن خسارة كبيرة فزع لها كل الصليبيين، خاصة سكان مدينة عكا. وقد أزعج ظهور دولة المماليك المغول أيضا، فدخلوا في مراسلات مع الصليبيين لطلب قدوم حملة صليبية والتعاون على القضاء على المماليك، ولكن الأحداث تلاحقت.
ثم سقط ميناء اللاذقية في عام 1287م، وفي نفس العام توفي بوهمند أمير طرابلس، وتولت بعده أخته لوسيا، ولم يرتح البعض لذلك لأنه يعني سيطرة جنوة على المدينة وتجارتها، وسيؤدي ذلك إلى وضع تجارة الإسكندرية تحت رحمة الجنويين، وأرسلوا إلى قلاون الذل ارتاح لهذه الدعوة، واعتبر ما حدث نقضا للهدنة، فاتجه إلى الشام دون أن يعلن عن نواياه، وفي نهاية عام 1289م كانت قواته تحاصر طرابلس، وأرسل فرسان الداوية والإسبارتية قواتهم لنجدتها، ورغم حصانتها وإحاطة البحر بها من معظم جوانبها، فقد تفوقت عليها وفرة القوات المملوكية لما تواجد معها من أدوات الحصار، فانهار أحد الأبراج، فبادر بعض الحامية بالهرب بحرا، وفزع السكان وتبعهم بعضهم، خاصة البنادقة والجنويين، وفي العشرين من ابريل 1289م دخل المماليك المدينة، وأصاب السكان الذعر فحاول اكثرهم الوصول إلى السفن الراسية في الميناء، وفشل أكثرهم في ذلك، وقتل المماليك كل رجل وجدوه، وتم سبي النساء والأطفال، قال المؤرح أبو الفدا الذي شاهد هذه الأحداث: “لما أخذت طرابلس هرب إلى الجزيرة وإلى الكنيسة التي فيها عالم عظيم من الفرنج والنساء، فاقتحم العسكر الإسلامي البحر وعبروا بخيولهم سباحة إلى الجزيرة المذكورة فقتلوا جميع من فيها من الرجال، وغنموا ما بها من النساء والصغار”.
بعد ذلك أمر السلطان بهدم المدينة وتسويتها بالأرض حتى لا يفكر الصليبيون بالإستيلاء عليها مرة أخرى بفضل سيطرتهم البحرية، وهكذا استعاد المسلمون المدينة التي سقطت في عام 1109م، أي بعد 180 عاما، وأصدر السلطان أوامره ببناء مدينة جديدة في سفح تل الحجاج على بعد بضعة كيلومترات إلى الداخل. وبسقوط هذه المدينة أدرك الصليبيون المصير الذي ينتظرهم.

سقوط عكا 1291م
بادر الصليبيون في عكا وقبرص وأرمينية وصور إلى تجديد الهدنة مع المسلمين، وأرسلوا إلى أوروبا يستدعون حملة جديدة إلا أن نداء البابا لم يلق آذانا صاغية إلا عند بعض الفلاحين والعاطلين في مدن أوروبا، وجهز البنادقة السفن إضافة إلى بعض ما أرسله الملوك، ووصلت الحملة إلى عكا في عام 1290م، وأحدث ذلك خللا في التجارة التي كانت تجري في داخلها بطريقة جيدة بين المسلمين والصليبيين إذ أنطلق رجال الحملة يقتلون كل من صادفهم من المسلمين في داخل المدينة وخارجها، واعتبر قلاوون ذلك نقضا للهدنة، وسارع حكام عكا بتقدم الإعتذار له لكنه أصر على تسليم الجناة للسلطات الإسلامية، ولما كانت الأعراف المسيحية تقضي بعدم تسليم المسيحييين إلى المسلمين لقتلهم، فلم يعد من خيار سوى الإحتكام إلى السلاح. وبدأ قلاوون في الإعداد لهذا الغزو إلا أن المنية وافته خارج القاهرة عندما بدأ في الزحف إلى بلاد الشام في الرابع من نوفمبر عام 1290م، وتولى الأشرف خليل بن قلاوون من بعده، وواصل مسيرة والده في الجهاد. وأرسلت القيادة الصليبية سفارة إلى القاهرة لإسترضائه، ولكنه رفض مجرد مقابلتها، وأودع أعضائها السجن حيث ماتوا بعد قليل.
ووصلت القوات الإسلامية إلى عكا في الخامس من ابريل 1291م، ويورى أن عدد قوات الأشرف كانت 60 ألف فارس، و160 ألفا من المشاة، وأدرك الصليبيون مصيره فأرسلوا يستنجدون بأوروبا لكن لم يفد عليهم إلا أعداد قليلة، واعتمدوا على ما عندهم من قوة قيل إنها حوالي 1000 فارس، و14 ألف من المشاة، كما اعتمدوا على مناعة أسوار المدينة، ورغم الحصار كان الجانب البحري للمدينة آمن تصلها المؤمن من قبرص عبره، ومع طول الحصار بدأت المدينة تعاني من نقص السلاح، وقد حاول الصليبيون الإغارة ليلا على المسلمين ولكن الفشل كان حليفهم، وبعد شهر وصل هنري ملك قبرص إلى المدينة فاشتد أزر المدافعين عنها، ولكن الملك لقلة جنوده سعى إلى التفاوض وأرسل سفارة إلى السلطان، ولكنه رفض طلبها. وخلال هذه المرحلة كانت بعض أبراج المدينة قد أخذت في التداعي، وفي 16 من مايو اقتربت القوات المملوكية من الأسوار وأجبروا المدافعين عن المدينة على التراجع، ولم يمض وقت طويل حتى شقت طريقها إلى الأسوار وسيطرت على أحد الأبراج، وتمكنت من دخول المدينة، فدار قتال عنيف في داخلها، وهرب هنري، وتزاحم الفارون على القوارب فسقطت بهم في قاع الماء، وقتل منهم الكثير وأسر الكثير، وسبيت النساء والأطفال ودخلن في حريم المماليك، ومن بيع منهن في سوق الرقيق بيع بثمن بخس، حتى وصل ثمن الفتاة درهما واحدا ، وصقطت المدينة ما عدى دار فرسان الداوية الكبيرة، فحاصرها الشرف أسبوعا ثم عرض عليها التسليم بالأمان فوافق فرسان الداوية، ولكن سوء تصرف بعض القوات المملوكية عرقل التسليم، ثم خرج بعض فرسان الداوية يعرضون التسليم على السلطان فقبض عليهم، وثار المدافعين عن القلعة واستعدوا للدفاع عنها، وأحدث النقابون ثقبا كبيرا في سور القلعة دخل منه المئات من الرجال إلا أن القلعة انهارت على الجميع من المسلمين والصليبيين فدفنوا تحت الأحجار. بعد ذلك قرر السلطان هدم المدينة حتى لا يفكر الصليبيون في العودة إليها مرة أخرى.

وبسقوط عكا تداعت المدن الصليبية التي عاجل السلطان بضربها، وبدأ بمدينة صور المعروفة بحصانتها، وكانت تعتبر أقوى مدن الساحل مناعة، ولكن حاميتها كانت قليلة العدد، فعندما اقتربت منها القوات المملوكية هرب قائدها إلى قرص، وحاول الداوية التحصن بقلعة تبعد 30 مترا عن الشاطئ فأقام المماليك جسرا ليصلوا إليهم، وانتهى الأمر بفرارهم بحرا إلى أنطرسوس، وتم تدمير القلعة.
بعد ذلك هاجم الأشرف بيروت التي اعتقد أهلها أن الهدنة المعقودة مع السلطان سوف تحميهم، ولكن القيادة المملوكية كانت قد نبذت كل الهدن وراء ظهرها، ولم تتمكن المدينة من المقاومة، وهرع أهلها إلى السفن ولاذوا بالفرار، فدخلها المماليك في نهاية يوليو 1291م، وتم هدم استحكاماتها وحولت كاتدرائياتها إلى جوامع.
بعدها تهاوت القلاع، وانطوت بذلك صفحة مريرة من تاريخ الحروب الصليبية في الشرق، وسيكون لهذه الحروب بقية في الأندلس، وفي شرق أوروبا ضد الدولة العثمانية.
وهكذا نجح المماليك في تطهير بلاد الشام من الصليبيين، وقد أخذت الحكومات الإسلامية التي امتازت قبل الحروب اصليبية بالتسامح مع أصحاب الأديان الأخرى، تتحفظ في التسامح مع الأوروبيين بسبب هجماتهم المتكررة على الديار الإسلامية، لذلك تلاحظ قلة عدد الحجاج الأوروبيين عقب الحروب الصليبية.
وقد انهكت هذه الحروب أوروبا والمسلمين على حد سواء، وأخرت سقوط القسطنطينية عاصمة الدولة البيزنطية إلى عام 1453م. أما فرسان الداوية والإسبارتية والتيوتون فقد انتقل الفرون منهم إلى جزر ومناطق أخرى منها بروسيا وفرنسا وانجلترا، وتوسعت أملاكهم، وصادر بعض الملوك ممتلكاتهم هنالك.
وقد دخلت كلمات عربية كثيرة إلى اللغة الأوروبية، وانتشرت القصص الشرقية في أوروبا، وظهرت في صورة جديدة في اللغات الأوروبية الناشئة التي بدأت تحل محل اللغة اللاتينية، كما شاهد الصليبيون البوصلة والبارود وأوراق الطباعة في بلاد الإسلام، ونقلوا هذه الأدوات إلى بلادهم، وتأثروا في القسطنطينة بالفلسفة اليونانية، وادى كل ذلك إلى ضعف العقيدة الكاثولوكية التي فرضتها الفبابوية ممثلة في صكوك الغفران.
وممن تحدث عن الحضارة الإسلامية بغعجاب المؤرخ الصليبي وليم الصوري كبير أساقفة مدينة صور الذي ولد وعاش في الشام، وأرخ للحركة الصليبية حتى وفاته عام 1184م.
لقد بدأت الحروب الصليبية بنظام إقطاعي زراعي، وانتهت بقيام الصناعة في أوروبا واستكشاف العالم واستعماره فيما بعد.

  • شارك الموضوع
Share on facebook
Facebook
Share on google
Google+
Share on twitter
Twitter
Share on linkedin
LinkedIn
Share on pinterest
Pinterest
error: Content is protected !!